نتنياهو يتجه لاحتلال غزة... والقرار بيد «الكابينت» الخميس

الجيش الإسرائيلي عرض خطة بديلة تقوم على استنزاف «حماس»

قافلة عسكرية إسرائيلية تتحرك عند حدود قطاع غزة الثلاثاء (رويترز)
قافلة عسكرية إسرائيلية تتحرك عند حدود قطاع غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

نتنياهو يتجه لاحتلال غزة... والقرار بيد «الكابينت» الخميس

قافلة عسكرية إسرائيلية تتحرك عند حدود قطاع غزة الثلاثاء (رويترز)
قافلة عسكرية إسرائيلية تتحرك عند حدود قطاع غزة الثلاثاء (رويترز)

أصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الذهاب نحو احتلال قطاع غزة بالكامل، على الرغم من معارضة الجيش الإسرائيلي، وتقرر في نهاية مشاورات أمنية، عقدت، الثلاثاء واستمرت 3 ساعات، أن يحسم مجلس الوزراء المصغر للشؤون السياسية والأمنية «الكابينت» الأمر، يوم الخميس المقبل.

وقال مسؤول إسرائيلي مطلع لهيئة البث الإسرائيلية «كان 11» إن نتنياهو يتجه لاحتلال القطاع. وأضاف: «الهدف هو احتلال المخيمات المركزية ومدينة غزة».

وأكدت وسائل إعلام أخرى قرار نتنياهو احتلال القطاع، وقالت «القناة الـ12» إنه اتخذ قراره، وإن على الجيش الآن أن يقاتل في المناطق التي امتنعت إسرائيل عن العمل فيها خلال الأشهر الأخيرة، بما في ذلك المخيمات المركزية، خوفاً من إيذاء الرهائن.

صورة من الجو لقطاع غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

وإصرار نتنياهو على احتلال القطاع جاء على الرغم من معارضة الجيش الإسرائيلي، وفي النقاش قدم رئيس الأركان إيال زامير خطة بديلة لاحتلال القطاع، وأوضح أن للاحتلال كلفة عالية، ويعرّض الرهائن للقتل، كما أثار مشكلة التآكل في جاهزية الجنود النظاميين والاحتياط والمعدات العسكرية، بحسب صحيفة «هآرتس».

وأكدت «يديعوت أحرونوت» أنه خلال النقاش المحدود، كرّر زامير مواقفه وحذّر من تداعيات احتلال القطاع، وهو إلحاق الأذى بالرهائن واستنزاف القوات. لكن في النهاية، أوضح زامير أنه سيفعل ما تُكلّفه به القيادة السياسية.

والخلافات بين نتنياهو وزامير حول هذه المسألة تفجرت في الأيام الأخيرة وتحولت إلى علنية، ويبدو أنه تم تحويل الأمر للكابينت كي يحسم المسألة.

وأصدر مكتب نتنياهو بياناً بعد الاجتماع، قال فيه: «استمر النقاش الأمني نحو ثلاث ساعات، عرض خلالها رئيس الأركان خيارات مواصلة العملية في غزة. جيش الدفاع الإسرائيلي مستعد لتنفيذ أي قرار يتخذه المجلس الوزاري السياسي والأمني المصغر».

وقالت «القناة الـ12» إن الكابينت سيجتمع لحسم مسألة احتلال غزة، الخميس.

وتحويل المسألة للكابينت الإسرائيلي يخدم خطة نتنياهو باحتلال القطاع، والذي أكد قبل الاجتماع الأمني أنه لن يتخلى عن استكمال «هزيمة العدو» في قطاع غزة، و«إطلاق سراح جميع الرهائن»، وضمان ألا «تشكل غزة تهديداً لإسرائيل».

ويريد نتنياهو احتلال قطاع غزة، وهو القرار الذي تدعمه الحكومة الإسرائيلية، ويعارضه زامير الذي وضع خطة بديلة لاحتلال القطاع، تقوم على تطويق غزة وشن هجمات مستهدفة فوق وتحت الأرض لاستنزاف «حماس» بشكل كامل.

مدرعة إسرائيلية تتحرك عند الحدود مع قطاع غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

وطلب نتنياهو لقاء زامير، الثلاثاء، حتى يسمع منه أنه جاهز لتنفيذ أي قرار سياسي، وقبل اللقاء سرب مكتب نتنياهو لوسائل الإعلام الإسرائيلية عبر إحاطة مسؤولين أن القرار اتخذ فعلاً، في تحد علني لقائد الجيش الإسرائيلي.

واستخدم نتنياهو، هذا الأسبوع، مصطلح احتلال قطاع غزة في محادثات خاصة، وقال إنه سيسعى للحصول على دعم مجلس الوزراء لخطة احتلال القطاع بالكامل، على الرغم من اعتراضات من داخل الجيش الإسرائيلي.

وأكد يعقوب باردوغو، المعلق السياسي للقناة الـ14 اليمينية، أن إصدار الأوامر للجيش باحتلال قطاع غزة بالكامل هو نتيجة حتمية نتجت عن شهور من خيبة الأمل والتحقيق في فشل المسار السياسي.

وقال باردوغو: «القرار بإصدار أوامر للجيش الإسرائيلي باحتلال قطاع غزة بأكمله ليس نزوة لحظية، بل هو خاتمة ضرورية وضرورية لأشهر طويلة خاب فيها أملنا. لقد انتهى عصر الألاعيب الدبلوماسية واللفتات والمفاوضات العقيمة. الآن، حان الوقت لاتخاذ قرار واضح لا لبس فيه».

وكانت جميع وسائل الإعلام الإسرائيلية نقلت عن مسؤول كبير مقرب من رئيس الوزراء قوله: «لقد حُسم الأمر، سنحتل كامل قطاع غزة... ستكون هناك عمليات حتى في المناطق التي يُحتجز فيها الرهائن. وإذا لم يوافق رئيس الأركان، فعليه الاستقالة».

وهدف التسريب كما يبدو، هو إحراج زامير والجيش، والتأكيد على أن القرار سياسي وليس بيد الجيش، وأنه حسم، وهو ما أكده نتنياهو في الاجتماع الذي حضره أيضاً وزير الدفاع يسرائيل كاتس ووزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إذا عُرضت خطوة احتلال القطاع على مجلس الوزراء للموافقة عليها، الخميس المقبل، فسيتعين على نتنياهو أن يشرح للجمهور سبب تصرفه المخالف للمواقف التي سبق أن عبّرت عنها المستويات المهنية، وخاصةً فيما يتعلق بقضية المختطفين واستنزاف قوات الاحتياط».

دخان يتصاعد فوق غزة جراء قصف إسرائيلي الثلاثاء (أ.ف.ب)

وكان زامير عبر عن رأيه بأن الاحتلال مكلف سياسياً وأمنياً وبشرياً ومالياً، ويستنزف الجيش، وسيغرقه هناك لسنوات طويلة من أجل «تطهير» جميع البنى التحتية لـ«حماس»، وإضافة إلى ذلك يُعرّض الرهائن لخطر الإعدام على أيدي خاطفيهم إذا اقتربت القوات من مكان احتجازهم.

وكتب إيتمار أيشنر في «يديعوت أحرونوت»: «مخاطر هذه الخطوة واضحة: الإضرار بحياة الرهائن، ووقوع خسائر بشرية كبيرة في صفوف الجيش، ومشكلة لوجيستية خطيرة تتمثل في إجلاء نحو مليون مدني لا يزالون في مدينة غزة. لا توجد حالياً أي مساحة خالية لإجلاء سكان المدينة. ويتطلب ذلك إنشاء (مدينة إنسانية) على أنقاض رفح أو خان يونس شهوراً من العمل، وتمويلاً دولياً، والأهم من ذلك، شرعية. وفي الوقت الحالي، لا توجد هذه الشرعية، لا لاستمرار القتال في غزة، ولا لإنشاء مدينة للاجئين على أنقاضها».

دبابات إسرائيلية في موقع على حدود قطاع غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

وبناء عليه، عرض زامير على نتنياهو بدائل تقوم على تطويق القطاع، وشن عمليات على أطراف المناطق المأهولة، وتنفيذ غارات مستهدفة فوق وتحت الأرض بهدف الضغط أكثر على «حماس» واستنزافها.

وبحسب «يديعوت أحرونوت»، لا يزال الجيش يأمل في التوصل إلى اتفاق يُعيد الرهائن إلى ديارهم، ويعيد البلاد إلى نقطة انطلاق نحو السكينة.

وعلى الرغم من أن زامير أوضح كل هذا للوزراء في مناقشات سابقة مغلقة، لكن نتنياهو أصر على احتلال القطاع، ودعمه وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، ويدعمه في الكابينت والحكومة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وآخرون.

والخلاف حول المسألة بين نتنياهو والجيش ليس جديداً، وقالت «القناة الـ13» الإسرائيلية إنه في اجتماع صغير للحكومة، قبل نحو شهر عرض زامير المخاطر الكامنة لاحتلال كامل للقطاع وإقامة حكم عسكري، وقال إن هذا الوضع قد يؤدي إلى فقدان السيطرة، والإضرار بحياة الرهائن، وعواقب وخيمة على المجتمع الإسرائيلي. وسأل ببساطة: «من سيدير القطاع؟»، فجاءه ردّ حادّ من رئيس الوزراء تركه مذهولاً: «دولة إسرائيل وجيش الدفاع الإسرائيلي».

وبحسب القناة، عارض زامير الفكرة بقوة، وقال في اجتماعات مغلقة لاحقاً: «لن أسمح بأي أعمال تُعرّض حياة الرهائن للخطر. القادة والمقاتلون يتساءلون: إلى أين تتجه الحرب؟ نحتاج إلى أوامر واضحة تخدم أهداف الحرب».

والتوجه نحو احتلال قطاع غزة جاء في ظل فشل المفاوضات الأخيرة، وتبني الولايات المتحدة تحولاً نحو «إطار شامل» لإنهاء الحرب.

وزعم الإسرائيليون المقربون من نتنياهو أنه حصل على ضوء أخضر أميركي لاحتلال القطاع.

وفي نيويورك، حذر ميروسلاف جينكا مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون أوروبا ووسط آسيا والاميركتين، من أن توسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل غزة يهدد بـ«تداعيات كارثية». وقال خلال اجتماع لمجلس الأمن إن توسيع نطاق الحرب «يهدد بتداعيات كارثية على ملايين الفلسطينيين، وقد يشكل خطرا أكبر على أرواح من تبقى من الرهائن في غزة».


مقالات ذات صلة

خطة «مجلس السلام» تنص على نزع سلاح «حماس» وتدمير أنفاق غزة خلال 8 أشهر

المشرق العربي لاجئون فلسطينيون يحتمون في مخيم بمدينة غزة في يوم ممطر... 26 مارس 2026 (رويترز)

خطة «مجلس السلام» تنص على نزع سلاح «حماس» وتدمير أنفاق غزة خلال 8 أشهر

أظهرت وثيقة أن «مجلس السلام» قدّم خطة لحركة «حماس» تتطلب الموافقة على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع غزة والتخلي عن السلاح على مراحل خلال ثمانية أشهر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)

«حماس» سترد على خطة نزع السلاح بطلب تعديلات

تسيطر حالة من التشاؤم على موقف الفصائل الفلسطينية، التي تنشط داخل القطاع، من الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولا ميلادينوف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

خاص «الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن بنيويوك الثلاثاء الماضي (الأمم المتحدة)

«حماس» غاضبة من ملادينوف: يربط كل شيء بنزع السلاح

أبدى قياديون بحركة «حماس» غضباً تصاعد خلال الأيام القليلة الماضية، تجاه الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، على خلفية إحاطته أمام مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري أثناء استقباله كايا كالاس في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

مصر تنشد دعماً أوروبياً لدفع المسار الدبلوماسي في المنطقة

جددت القاهرة إدانتها للاعتداءات على الدول الخليجية الشقيقة مشددة على أهمية وقفها فوراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
TT

السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

جال السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا في عدد من القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان، شملت بلدات كوكبا ومرجعيون والقليعة، في زيارة حملت رسائل تضامن مباشرة مع السكان المسيحيين الصامدين في بلداتهم، في ظل تصاعد التوترات الأمنية وتفاقم الضغوط المعيشية.

وقال بورجيا خلال الجولة إن «الواجب يفرض أن نكون حاضرين ومتضامنين، وأن نتشارك الأفراح والآلام حيثما تدعو الحاجة»، في إشارة إلى البعد الإنساني للزيارة. والتقى، برفقة رئيس «كاريتاس لبنان»، عدداً من الأهالي، مطّلعاً على أوضاعهم المعيشية وشهاداتهم حول تداعيات الوضع الأمني على حياتهم اليومية.

مساعدات دولية لدعم السكان

بالتوازي، وصلت إلى قضاء مرجعيون قافلة مساعدات مؤلفة من 15 شاحنة محمّلة بمواد إغاثية، جرى تفريغها في بلدة القليعة بإشراف رئيس البلدية حنا ضاهر.

ونُظّمت القافلة بإشراف برنامج الغذاء العالمي، وبمساهمة منظمات دولية، في إطار الاستجابة الإنسانية للأوضاع الناجمة عن التصعيد العسكري.

وشملت المساعدات مواد غذائية، ومستلزمات للنظافة الشخصية، ومياه شرب، إضافة إلى بطانيات وفرش وأدوات مطبخ أساسية، بهدف دعم قدرة الأهالي على الصمود في مناطقهم.

وأكد المنظمون أن هذه القافلة تشكل الدفعة الأولى ضمن خطة طوارئ، على أن تتبعها شحنات إضافية خلال الأيام المقبلة لتوسيع نطاق الاستجابة.

السفير البابوي خلال وصوله إلى الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

قرى حدودية بين الصمود والهشاشة

وتُعد القرى المسيحية في قضاء مرجعيون، ومنها القليعة وكوكبا، من أبرز البلدات الواقعة على تماس مباشر مع الحدود الجنوبية، وقد شكّلت تاريخياً نموذجاً للتنوع الديني في المنطقة، حيث تتداخل مع محيط ذي غالبية مسلمة.

وعاشت هذه القرى على مدى عقود تحت وطأة التحولات الأمنية، من الاحتلال الإسرائيلي الذي انتهى عام 2000، إلى تداعيات حرب يوليو (تموز) 2006، وصولاً إلى جولات التصعيد المتكررة منذ عام 2023 حتى اليوم، ما جعلها في موقع هش بين الاستقرار والانكشاف.

ورغم ذلك، حافظت هذه البلدات على حضورها السكاني، مدفوعة بعوامل التمسك بالأرض والروابط الاجتماعية، غير أن الأزمات الاقتصادية الأخيرة، إلى جانب التوترات الأمنية، دفعت بعض العائلات إلى النزوح المؤقت، وسط مخاوف من اتساع ظاهرة الفراغ السكاني.

ويؤكد أبناء المنطقة أن التحدي لم يعد أمنياً فقط، بل بات مرتبطاً بقدرتهم على الاستمرار في ظل الضغوط الاقتصادية وتراجع الخدمات، ما يضفي أهمية إضافية على المبادرات الإغاثية والزيارات التضامنية.

رسائل دينية سابقة

وكان بورجيا قد زار قبل أيام مدينة صور، حيث شارك في قداس ترأسه المطران جورج إسكندر. وفي كلمته، شدد على أن زيارته تهدف إلى «حمل المحبة إلى بيوت اللبنانيين»، مستحضراً دعوات البابا ليو الرابع عشر إلى التمسك بالأمل والسير في طريق السلام.

وقال: «لبنان بلد مميز بتنوعه، وما يجمع أبناءه أكبر مما يفرقهم»، داعياً إلى «رفع الصلاة من أجل السلام وعدم الانجرار إلى منطق الحرب»، ومؤكداً أن «البابا يتابع ما يجري في لبنان عن كثب ويقف إلى جانب شعبه».


إعادة تموضع للجيش والأمن اللبنانيين بالجنوب لتجنب الوجود على تماس مع الإسرائيليين

دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)
دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)
TT

إعادة تموضع للجيش والأمن اللبنانيين بالجنوب لتجنب الوجود على تماس مع الإسرائيليين

دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)
دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)

ينفّذ الجيش والقوى الأمنية اللبنانية إعادة انتشار لوحداتهما في الجنوب «وقائياً»، تحت ضغط النيران الإسرائيلية، في خطوة يُنظر إليها بوصفها استراتيجية لتجنّب وجود العناصر الرسمية على تماس مباشر مع القوات الإسرائيلية أو حدوث احتكاك بينها.

ويأتي ذلك في ظل غياب قرار سياسي بمواجهة التوغلات الإسرائيلية عسكرياً، كما يُفسَّر الإجراء على أنه تطبيق لـ«تكتيكات الحماية» لعناصرهما في منطقة تشهد اشتباكات.

عناصر من الجيش اللبناني قرب الأنقاض جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)

وقال مصدر أمني لبناني مطّلع لـ«الشرق الأوسط»، إن القوى الأمنية تعتمد مبدأ ميدانياً ثابتاً يقوم على البقاء إلى جانب الأهالي حتى اللحظة الأخيرة، موضحاً أن «العناصر تبقى حيث يوجد المدنيون، وتنسحب فقط بعد اكتمال النزوح، وقبل أي توغل إسرائيلي محتمل، بما يضمن عدم تعريضهم أو تعريض السكان للخطر».

وحسب المصدر، يرتبط انتشار القوى الأمنية مباشرة بحركة النزوح وواقع كل بلدة، إذ «يُشكّل وجود الأهالي عاملاً حاسماً في بقاء مخافر قوى الأمن».

ويكشف المصدر أنه «لا يجري إخلاء المخافر وفق خطة مركزية معلنة، بل استناداً إلى معطيات ميدانية متغيرة»، إذ «كلّ بلدة تُخلى من سكانها يُصار حكماً إلى إخلاء مخفرها، وتلتحق العناصر بأقرب نقطة عسكرية». وفي هذا السياق، برزت بلدة الخيام بوصفها «من آخر النقاط التي حافظت على وجود أمني إلى جانب السكان حتى المراحل الأخيرة من النزوح، قبل أن يتم إخلاؤها».

انكفاء عسكري ورفض أهلي للإخلاء

تعكس بلدة دبل تعقيد التداخل بين القرار الأمني ورد الفعل المحلي. إذ كشف مصدر من أبناء البلدة لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش اللبناني كان يمتلك نقطة متقدمة عند أطرافها، إلا أنه ومع بدء توغلات إسرائيلية محدودة في محيطها، جرى سحب هذه النقطة ليلاً إلى داخل البلدة، وتحديداً إلى المدرسة الرسمية.

دورية مؤلّلة للجيش اللبناني برفقة قوّات الأمم المتّحدة (أرشيفية - مديرية التوجيه)

ويضيف المصدر أن «الانسحاب لم يتوقف عند هذا الحد، إذ جرى في اليوم التالي، سحب العناصر بالكامل من دبل باتجاه رميش، ما أدّى إلى غياب أي وجود عسكري فعلي داخل البلدة، مع بقاء العناصر من أبناء دبل في منازلهم بلباس مدني».

الأكثر حساسية كان طرح قرار بنقل العسكريين من أبناء البلدة مع عائلاتهم إلى خارج البلدة، وهو ما فُهم محلياً بوصفه تمهيداً لإفراغ البلدة. إلا أن هذا التوجه قوبل برفض واسع من الأهالي.

ويكتسب هذا الرفض ثقله من المعطى العددي، إذ يناهز عدد العناصر الأمنية من أبناء دبل نحو 200 بين الجيش والقوى الأمنية، ما يعني أن خروجهم مع عائلاتهم كان سيؤدي عملياً إلى تفريغ البلدة بشكل شبه كامل. وقد أدى تحرك سياسي أهلي، شمل وزارتي «الدفاع» و«الداخلية» ومرجعيات دينية، إلى تجميد هذا التوجه.

ورغم التوتر، يؤكد المصدر أن البلدة ليست محاصرة، مشيراً إلى أن طريق «دبل - رميش» لا يزال مفتوحاً، ما سمح بتراجع فكرة الإجلاء. وفي ظل هذا الواقع، يلتزم الأهالي والعناصر منازلهم، فيما تبقى المراكز العسكرية والمخافر قائمة في بلدات مجاورة مثل عين إبل ورميش.

وكانت وسائل إعلام محلية قد أفادت بأن الجيش اللبناني أعاد التموضع عند حاجز الخردلي، المدخل الأساسي إلى منطقة جنوب الليطاني من القطاع الشرقي، كما يستعد لإعادة الانتشار عند حاجز كفرا، في ضوء تقدم القوات الإسرائيلية نحو بيت ليف ووادي العيون المقابلين له من الجهة الجنوبية.

قيادة الجيش: رفع الجهوزية ومواجهة الشائعات

في موازاة هذه التحركات، تَفقَّد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل عدداً من الوحدات في بيروت وصيدا، واطّلع على التدابير الأمنية المتخذة في قطاعات مسؤوليتها.

وتوجّه إلى العسكريين مشدداً على ضرورة الحفاظ على الجهوزية «لمنع الإخلال بالأمن، والحزم في وجه أي محاولة للمساس بالاستقرار الداخلي».

وقال: «رغم الشائعات وحملات التحريض التي تسعى إلى التقليل من شأن تضحيات العسكريين وجهودهم، لن يتوانى الجيش عن تحمّل مسؤولياته الوطنية»، داعياً العسكريين إلى «عدم التأثر بهذه الشائعات، والتمسك بعقيدتهم والالتزام بأداء واجبهم الوطني».

خيار وقائي

في قراءة عسكرية، قال النائب السابق والعميد المتقاعد شامل روكز لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يجري «لا يمكن توصيفه بكونه حالةَ انسحاب عسكري تقليدي، بل يندرج ضمن إعادة تموضع ميدانية مدروسة تفرضها طبيعة المواجهة غير المتكافئة، في ظل التفوق الجوي والناري الإسرائيلي، وما يرافقه من فرضية استهداف مباشر للنقاط المكشوفة».

وأوضح أن «الجيش اللبناني يتحرك ضمن هامش تحدده السلطة السياسية، إذ لا يوجد حتى الآن قرار صادر عن مجلس الوزراء يقضي بالتصدي أو الانخراط في مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي».

وأضاف أن المؤسسة العسكرية «تدير انتشارها على هذا الأساس، بما يوازن بين الحضور الميداني ومتطلبات السلامة».

وفيما يتعلق بإخلاء بعض النقاط، ومنها ما يُتداول بشأن دبل، شدد روكز على أن «المسألة لا ترتبط بتخلٍّ عن الأرض أو انهيار في الجبهة، بل بإجراءات وقائية تفرضها الوقائع الميدانية؛ حيث تصبح بعض المواقع أهدافاً سهلة تحت القصف».

وأشار إلى أن إعادة التموضع «تحمل بُعداً عملياتياً ومعنوياً، إذ تهدف إلى تجنب الاحتكاك المباشر في ظل غياب قرار سياسي، والحفاظ على معنويات العسكريين وعدم زجّهم في مواجهات غير متكافئة»، معتبراً أنّ «القيادة العسكرية تعتمد مرونة عالية في إدارة الانتشار، عبر الانتقال من مواقع مكشوفة إلى أخرى أكثر أماناً».

ولفت إلى أن ما يجري «يندرج ضمن تكتيكات الحماية وإعادة الانتشار المعتمدة في بيئات عالية الخطورة»، مؤكداً أن «المشهد يعكس إدارة دقيقة للتوازن بين القرار السياسي والواقع الميداني؛ حيث لا يمكن فصل أداء الجيش عن توجيهات الدولة، ولا عن طبيعة التهديد القائم».


إسرائيل و«حزب الله» يستعدان لقتال طويل في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يستعدان لقتال طويل في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

يستعد «حزب الله» لقتال طويل في جنوب لبنان، مشترطاً الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، قبل التوصل إلى أي اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار، وذلك «تجنباً لنتائج الحرب الماضية»، حسبما قالت مصادر لبنانية مواكبة لمحادثات «حزب الله» مع المسؤولين السياسيين، فيما تشير التحشيدات الإسرائيلية المتواصلة إلى أن الجيش يستعد أيضاً لقتال طويل في جنوب لبنان.

وتفسر المعلومات في لبنان عن عدد المقاتلين الذين يتم استهدافهم في غارات، التي تتعزز بالصور الإسرائيلية للملاحقات في مناطق القتال، استراتيجية «حزب الله» العسكرية التي تظهر تبدلاً عما كان يتبعه في الحرب الماضية، عبر تصغير المجموعات القتالية إلى مقاتلين اثنين أو ثلاثة بالحد الأقصى، منعاً للاستنزاف، كما أعطى المجموعات على الأرض صلاحيات من دون الرجوع إلى القيادات الأعلى منها، «بما تراه مناسباً في الميدان».

دمار ناتج عن غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة السكسكية جنوب لبنان أسفرت عن وقوع قتلى (أ.ب)

وقالت المصادر المواكبة لمحادثات الحزب مع المسؤولين السياسيين اللبنانيين إنه «يستعد لمعركة طويلة»، وإنه «لن يقبل بأي اتفاق سياسي لا يضمن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية قبل دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، تجنباً لأن تستفيد إسرائيل من أي تعليق للقتال، لنسف مزيد من البيوت أو فرض أمر واقع بتثبيت نقاط عسكرية داخل الأراضي اللبنانية». وقالت المصادر إن الحزب «يقول إن مجموعاته ستواصل مقاومة التوغلات الإسرائيلية، حتى انسحابها بالكامل، مهما طال الوقت»، فيما «يكفل أي اتفاق سياسي عودة الأسرى» الذين ازداد عددهم منذ بدء الحرب القائمة، وعودة النازحين إلى قراهم ومنازلهم».

المفاوضات معلقة

وتُظهر تلك التسريبات أن الحزب رفع سقف شروطه تمهيداً لأي اتفاق مسبق، علماً أنه «لا مفاوضات قائمة، ولا رسائل متبادلة» مع الجانب الإسرائيلي عبر أي وسيط دولي حتى الآن، في وقت رفعت فيه إسرائيل سقف شروطها إلى الحد الأقصى أيضاً، عبر المطالبة بمفاوضات سياسية مع الدولة اللبنانية تحت النار وفي ظل الاحتلال لأراضٍ لبنانية، وتترافق مع إجراءات لبنانية تتخذها الحكومة لجهة نزع سلاح «حزب الله» وتأمين شمال إسرائيل بالكامل، وإنهاء أي تهديد لها، حسبما قالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط».

آليات لقوات «اليونيفيل» قرب مبانٍ مدمرة نتيجة غارات إسرائيلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ويلتقي ذلك مع التصريحات الإسرائيلية، إذ قال الجيش الإسرائيلي، في بيان: «إذا لم تقم الحكومة اللبنانية بنزع سلاح (حزب الله) فسنفعل ذلك»، في وقت حذّر فيه مسؤول في الأمم المتحدة من «أننا نشهد خطاباً مقلقاً بشكل متزايد بشأن أنشطة في جنوب لبنان من الجيش والسلطات الإسرائيلية»، مضيفاً: «ما نحتاجه هو احترام وحدة أراضي لبنان وسيادته بشكل كامل».

توغل 10 كيلومترات

واستطاعت القوات الإسرائيلية تحقيق توغل استراتيجي على الساحل اللبناني، إذ أحرزت تقدماً يناهز 10 كيلومترات من النقطة الحدودية، جنوب غربي الناقورة، باتجاه نقطة البياضة، الواقعة على بعد نحو 12 كيلومتراً عن مدينة صور الساحلية. وقالت مصادر محلية في الجنوب إن التقدم على هذا المحور يُنظر إليه على أنه سلس، بالنظر إلى أن دفاعات «حزب الله» موجودة إلى الشرق، وهي الجهة التي سيسلكها الجيش الإسرائيلي للوصول إلى شمع وطير حرفا، والسيطرة على المرتفعات المحيطة، بما يمكنه من الإشراف على وديان زبقين ومجدل زون، وهي المنطقة التي لم يستطع التقدم إليها في الحرب الماضية، رغم سيطرته على بلدة شمع.

ومن جهة أخرى، أحرز الجيش الإسرائيلي تقدماً إضافياً في بلدة القنطرة، حتى بات يلامس أطراف وادي الحجير، وهو وادٍ استراتيجي، كان قبل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 آخر نقاط السيطرة الإسرائيلية، ومن شأن الوصول إليه أن يقطع خطوط إمداد مقاتلي «حزب الله» من الوادي، ومجرى نهر الليطاني، باتجاه العمق.

دبابة إسرائيلية تتوغل باتجاه الأراضي اللبنانية من سياج شائك (إ.ب.أ)

وفي مقابل التوغل الإسرائيلي، أعلن «حزب الله» عن سلسلة عمليات عسكرية استهدفت دبابات إسرائيلية ونقاط تجمع، ونشر صوراً لاستهداف مدرعات في ديرسريان والطيبة بصواريخ موجهة ومسيّرات. ويقول إن مقاتليه يشتبكون مع القوات الإسرائيلي من مسافة صفر في بعض نقاط التوغل وداخل أحياء القرى. ولامس عدد العمليات العسكرية، يوم الخميس، 90 عملية، أعلن عنها في بيانات منفصلة، وهو الرقم الأكبر منذ بدء الحرب في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ما يشير إلى تصعيد كبير.

وبلغ عدد القرى التي تسيطر عليها إسرائيل بشكل كامل 11 بلدة، تتنوع بين الخط الأول والثاني والثالث للحدود.

وبالتزامن، استهدفت الغارات الإسرائيلية منطقة الزهراني، ما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى في بلدتي الصرفند والسكسكية، كما استهدفت منطقة البزالية في البقاع، شرق لبنان، وعشرات القرى في أقضية صور والنبطية وبنت جبيل ومرجعيون وجزين، فضلاً عن استهداف في الضاحية الجنوبية لبيروت.

تحذيرات من الوضع الإنساني

إنسانياً، قالت المسؤولة في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، المعنية بلبنان، كارولينا ليندهولم بيلينغ، إن التقديرات تشير إلى أن نحو 150 ألف شخص معزولون بعد تدمير الجسور على نهر الليطاني. وأضافت: «لا يزال الوضع مقلقاً للغاية، وهناك خطر فعلي لوقوع كارثة إنسانية».

نازحون من الضاحية الجنوبية لبيروت ينتظرون مساعدة غذائية في مركز للإيواء في بيروت (أ.ب)

بالموازاة، قال ماركولويجي كورسي، ​ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في لبنان، خلال مؤتمر ‌صحافي، الجمعة، ​إن ‌النازحين ⁠في ​لبنان لا ⁠يجدون ملاذاً آمناً حتى في العاصمة بيروت، وذلك ⁠في خضم ‌الهجوم ‌الإسرائيلي ​على ‌«حزب الله».