انتفاضة في مصر ضد «تيك توك»

محادثات رسمية مع مسؤولي التطبيق لـ«تحسين المحتوى»

مقر وزارة الداخلية المصرية (صفحة الوزارة على فيسبوك)
مقر وزارة الداخلية المصرية (صفحة الوزارة على فيسبوك)
TT

انتفاضة في مصر ضد «تيك توك»

مقر وزارة الداخلية المصرية (صفحة الوزارة على فيسبوك)
مقر وزارة الداخلية المصرية (صفحة الوزارة على فيسبوك)

شهدت الأيام الأخيرة ما بدت أنها انتفاضة ضد «تيك توك» في مصر، ولا سيما مع حملات موسعة للقبض على بعض صُناع المحتوى على المنصة، حازت «تأييداً شعبياً» وصل إلى حد المطالبة بحظر «تيك توك» في مصر، وسط تحركات برلمانية ومحادثات رسمية مع مسؤولي التطبيق، ومنحهم مهلة لـ«تحسين المحتوى».

وعلى مدار الأيام الماضية، أصدرت وزارة الداخلية المصرية بيانات عدة بشأن القبض على صُناع محتوى على التطبيق، وذلك بعد تلقيها بلاغات بشأن «نشرهم محتوى يتضمن الاعتداء على القيم والمبادئ، وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي».

وحظيت جهود «الداخلية» بإشادات من مواطنين وإعلاميين على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث رحب الصحافي المصري، محمد الديسطي، عبر حسابه على منصة «إكس»، بجهود وزارة الداخلية في القبض على «بلوغرز تيك توك».

وأبدى حساب آخر باسم «دكتور أحمد سليمان» سعادته بما وصفه بـ«تطهير منصة تيك توك في مصر من البذاءة». ودعم حساب باسم «شرين هلال» خطوات وزارة الداخلية في القبض على بعض صُناع المحتوى، في منشورات عدة؛ حيث عدتهم «مدفوعين لتصدر المشهد كعنوان للمجتمع المصري».

بينما قال الإعلامي أحمد موسى -عبر حسابه على منصة «إكس»- إنه «لم يسمع» أسماء صانعي المحتوى الذين ألقي القبض عليهم من قبل. وأشار إلى أنه شاهد أخيراً «بعضاً من محتواهم الهابط الذي يسيء للمجتمع والأسر المصرية»، موجهاً التحية «لقوات وزارة الداخلية على الحملات المستمرة للقبض على هذه الشبكة العنكبوتية، وتتبع أي منصة مشبوهة».

وتفاعل مسؤولون مصريون سابقون وحاليون مع قضية صُناع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي. ووجَّه وزير الأوقاف المصري السابق، محمد مختار جمعة، الشكر لوزارة الداخلية لـ«ضبط المشهد العام، والحفاظ على قيم المجتمع، بتصديها الحاسم للخارجين عن القانون بنشر محتوى رقمي يخدش الحياء العام للمجتمع».

وحذرت وزيرة التضامن الاجتماعي في مصر، مايا مرسي، من الآثار النفسية لتطبيق «تيك توك». واستعرضت -في منشور عبر حسابها على «فيسبوك»- ما يشير إليه «كثير من الدراسات والتقارير النفسية بشأن ما يمكن أن يسببه التطبيق من مشكلات لدى المراهقين»، من بينها: «الإدمان الرقمي، والاكتئاب والقلق، واضطرابات الصورة الذاتية والجسدية، وانفصام الشخصية، والعزلة الاجتماعية، ومشكلات في التركيز والانتباه». وأضافت: «جيل ظلمته التكنولوجيا... مخدرات بين أصابع اليد للأسف الشديد وتحت إشراف الأهل».

ولم يقتصر التفاعل على الإشادة؛ بل امتد للمطالبة بحظر التطبيق في مصر و«إغلاقه إلى الأبد»؛ لكن الإعلامية، داليا أبو عمر أكدت أن «المنع ليس الحل»، وطالبت في منشورات عدة عبر حسابها على «إكس» بوضع قانون منظِّم؛ لأن المشكلة لا تتعلق فقط بـ«محتوى هابط».

كما رفض وزير الأوقاف المصري السابق فكرة الحظر، وقال -في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»- إنه «ليس مع القائلين بحجب بعض مواقع التواصل العامة، فهي وسائل يمكن أن تحوي الخير أو الشر، إنما أنا مع محاسبة من يخرج على القيم أو القانون بالحسم والقانون».

المطالبات بالإغلاق وصلت إلى قبة البرلمان؛ حيث طالبت عضو مجلس النواب المصري (البرلمان)، مي غيث، بـ«تحرك عاجل من الجهات المعنية في الدولة لبحث سبل حظر تطبيق (تيك توك) في مصر»، محذرة في بيان تداولته وسائل إعلام محلية من «خطورته المتزايدة على القيم المجتمعية والعادات والتقاليد الأصيلة للمجتمع المصري». وأعلنت عزمها التقدم باقتراح رسمي في مستهل دور الانعقاد السادس المقرر انطلاقه في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل بهذا الشأن.

وفي تصريحات متلفزة، أكد رئيس «لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات» بمجلس النواب المصري، أحمد بدوي، أن اللجنة عقدت اجتماعات عدة مع المدير الإقليمي لمنصة «تيك توك» في مصر وشمال أفريقيا، بحضور الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات: «لمناقشة بعض التجاوزات التي ترصدها الدولة على المنصة، ولا سيما فيما يتعلق بالمحتوى غير الأخلاقي وغير المطابق للضوابط والمعايير المجتمعية».

وقال إنه «تم توجيه اللوم لمسؤولي (تيك توك) بشأن غياب الإجراءات الجادة تجاه هذه التجاوزات»؛ مشيراً إلى أن «ممثلي (تيك توك) طلبوا مهلة لتحسين أداء المنصة فيما يخص المحتوى». وأضاف أنه «لا تهاون مع أي منصة لا تلتزم بحماية المجتمع من المحتوى الضار».

ولا يؤيد عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق، الدكتور حسن عماد مكاوي، فكرة «الحظر أو المنع وسيلةً للقضاء على المحتوى السيئ عبر المنصات». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ما يقدم على المنصات يكشف مشكلة في المجتمع المصري، تستلزم الدراسة لمعرفة أسبابها»، موضحاً أن «هناك تغيرات كثيرة في الشخصية المصرية، ترجع لعوامل مختلفة، منها: البحث عن مكسب سريع، وزيادة البطالة، وزيادة أوقات الفراغ، وغيرها». وأضاف أن «المشكلة ليست في صُناع المحتوى وحدهم؛ بل في متابعيهم الذين يزدادون يوماً بعد يوم»، مطالباً بدراسات اجتماعية وسلوكية لرصد الظاهرة وأسبابها، ومن ثم وضع حلول لمعالجتها.

وفي هذا السياق، شبَّهت الإعلامية المصرية لميس الحديدي -عبر حسابها على منصة «إكس»- وجود «تيك توك» وانتشاره في مصر بـ«غزو التوك توك»، بوصفه وسيلة سهلة لتحقيق المكسب دون عمل، وقالت: «هذا مجتمع ذاهب إلى الهاوية إن لم ننتبه».

وطالب المحامي وعضو «لجنة العفو الرئاسي»، طارق العوضي، المصريين بـ«عدم متابعة من يقدم محتوى رخيصاً». وقال عبر حسابه على منصة «إكس»: «لا تساهموا في نشر الابتذال... فالصمت عن الإساءة مشاركة فيها!».

بينما انتقد الإعلامي المصري، عمرو أديب -عبر حسابه على منصة «إكس»- تفسير البعض لما ينشر على «تيك توك» بأنه أمر «منظَّم ومهندَس لإلهاء الناس». وقال: «الكارثة الحقيقية أن يكون ما نراه تعبيراً عن اضمحلال وتدهور الذوق العام».

وعدّ الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي «تيك توك» «مظلوماً في الاستخدام المسيء». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التركيز على استخدام الناس السيئ للتطبيق أغفل قدراً كبيراً من أهميته للعالم وفي مصر»؛ مشيراً إلى أن الأمر «يمتد لبقية المنصات أيضاً، وإن حظي (تيك توك) بالنصيب الأكبر، كون البث المباشر عبره أكثر انتشاراً وربحاً». وأضاف أن «(تيك توك) ليس مجرد تطبيق ترفيهي؛ بل أصبح محركاً اقتصادياً هائلاً، يصل لمليارات المستخدمين عالمياً، ويمثل فرصة ذهبية للشركات، لتعزيز علاماتها التجارية وزيادة مبيعاتها، وخلق فرص عمل جديدة».


مقالات ذات صلة

حفرية ديناصور تثير انتباه الرئيس المصري... ماذا نعرف عنها؟

يوميات الشرق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمام حفرية «السبينوصور المصري» والمعروضة في صندوق خلال مؤتمر مصر للتعدين (الصفحة الرسمية للهيئة العامة للاستعلامات بـ«فيسبوك»)

حفرية ديناصور تثير انتباه الرئيس المصري... ماذا نعرف عنها؟

أثارت حفرية معروضة في صندوق زجاجي أمام الرئيس المصري خلال مؤتمر مصر للتعدين، الانتباه إلى أحد أشهر الاكتشافات في تاريخ الحفريات، فماذا نعرف عنها؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - د.ب.أ)

السيسي يبحث مع رؤساء إريتريا والصومال وبوروندي أمن البحر الأحمر ومياه النيل

نفت مصر، السبت، علاقتها بالأزمة الحالية في إثيوبيا، معربةً عن استغرابها الزجّ بها في قضية إثيوبية داخلية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محادثات عبد العاطي وبولس مساء الجمعة في العلمين تتناول المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي» (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

محادثات مصرية - أميركية تتناول المستجدات في ليبيا والسودان و«القرن الأفريقي»

أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي «حرص مصر على مواصلة تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية في مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاستثمارية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة المصرية)

مساعدات أميركية «كاملة» إلى مصر... دفعة لمسارات التنسيق في إقليم مضطرب

في دفعة جديدة لمسارات التنسيق بين القاهرة وواشنطن، أعفت الإدارة الاميركية «المساعدات العسكرية» المقدمة لمصر من الشروط المتعلقة بحالة حقوق الإنسان.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة يونيو 2018 (الرئاسة المصرية)

تصعيد إثيوبي - مصري متبادل يُعقّد حلول أزمتي «السد» و«المنفذ البحري»

توترات تتصاعد بين القاهرة وأديس أبابا، كان أحدثها تبادل طرد دبلوماسيين في ظل خلافات حول «سد النهضة» الإثيوبي انتهت بتجميد المفاوضات.

محمد محمود (القاهرة)

«دولة الرهبان» المستقلة... البقعة الوحيدة على الأرض المغلقة بوجه النساء

دير سيمونوبيترا من أديرة جبل آثوس (ويكيبيديا)
دير سيمونوبيترا من أديرة جبل آثوس (ويكيبيديا)
TT

«دولة الرهبان» المستقلة... البقعة الوحيدة على الأرض المغلقة بوجه النساء

دير سيمونوبيترا من أديرة جبل آثوس (ويكيبيديا)
دير سيمونوبيترا من أديرة جبل آثوس (ويكيبيديا)

على مدار أكثر من 10 قرون، ظلت شبه جزيرة جبل آثوس، الممتدة كإصبع صخري في شمال بحر إيجة، لغزاً عصياً على التفكيك، وملاطاً يمتزج فيه التاريخ بالأسطورة.

في هذا الجيب الجغرافي المعزول الذي يقع شمال اليونان، توقف الزمن عند العصور البيزنطية، حيث تحكم المنطقة قوانين صارمة لم تتغير منذ الألفية الأولى، لعل أبرزها وأكثرها إثارة للجدل هو الحظر المطلق لدخول النساء، ما جعلها البقعة الوحيدة على وجه الأرض التي تمنع نصف البشرية من موطئ قدم فيها.

تُعرف هذه المنطقة رسمياً باسم «دولة الرهبان المستقلة في الجبل المقدس»، وهي عبارة عن شبه جزيرة جبلية شاهقة تبلغ مساحتها نحو 335 كيلومتراً مربعاً، وتتصل بالبرّ اليوناني عبر ممر ضيق يخضع لرقابة مشددة.

ورغم أنها تقع تحت السيادة السياسية لأثينا، فإنها تتمتع بحكم ذاتي فريد كفلته الاتفاقيات الدولية والدستور اليوناني، ما يمنحها وضعاً يشبه الدول المستقلة، إذ لا يمكن تخطي حدودها البرية أو البحرية إلا بتأشيرة خاصة تُمنح حصراً للرجال.

جبل آثوس (ويكيبيديا)

لغز التقويم البيزنطي: سكان الجبل يعيشون في الألفية الثامنة

بينما يضبط العالم ساعته وتقويمه اليوم على العام 2026 للميلاد، فإن الزائر لجبل آثوس يجد نفسه أمام مفاجأة تاريخية، إذ يعيش الرهبان هناك في عام 7534 وفقاً لـ«تقويم بداية العالم البيزنطي» (Anno Mundi).

هذا النظام الحسابي العتيق، الذي كانت تتبعه الإمبراطورية البيزنطية، لا يبدأ عدّ السنين من ميلاد السيد المسيح، بل يعود بالزمن إلى الخلف ليحسب السنين منذ «خلق العالم» وفِق التفسيرات الكنسية القديمة للعهد القديم، التي حددتها البيزنطيون بسنة 5509 قبل الميلاد.

هذا الاختلاف الجذري في رقم السنة يرافقه أيضاً اختلاف في تحديد الأيام والشهور، إذ يرفض الجبل المقدس «التقويم الغريغوري» الحديث الذي تسير عليه أوروبا، ويتمسك بـ«التقويم اليولياني الصارم» (نسبة إلى يوليوس قيصر). يجعل هذا التمسك التاريخ داخل جبل آثوس متأخراً بفارق 13 يوماً كاملاً عن بقية العالم.

فعندما يشير التقويم في العواصم الأوروبية إلى يوم 14 سبتمبر (أيلول) مثلاً، يكون الرهبان في دفاترهم وصيامهم في يوم 1 سبتمبر، ما يخلق فجوة زمنية تجعل الجبل يعيش احتفالاته وأعياده الدينية بمعزل تام عن محيطه الجغرافي.

جبل آثوس (بيكسباي)

التوقيت البيزنطي: ضبط العقارب على إيقاع الشمس

المفارقة الزمنية لا تتوقف عند رقم السنة والتاريخ، بل تمتد إلى تفاصيل الساعة والدقائق التي تحكم الحياة اليومية للرهبان. ففي الوقت الذي تعتمد فيه أوروبا التوقيت الذري والمنطقي الصارم، يتبع جبل آثوس «التوقيت البيزنطي القديم»، وهو نظام يرتبط بحركة الطبيعة بشكل مباشر، حيث تبدأ الساعة صفر (منتصف الليل لديهم) مع أول دقيقة لغروب الشمس تماماً، وليس في منتصف الليل الجغرافي المعتاد.

ولأن موعد غروب الشمس يتبدل يومياً وبشكل مستمر بين فصول السنة، فإن الفارق بين ساعة جبل آثوس والساعة الأوروبية يتغير أسبوعياً. ففي فصل الصيف، قد يبلغ الفارق نحو 3 ساعات، بينما يتسع في الشتاء ليصل إلى قرابة 6 أو 7 ساعات بسبب التبكير في غروب الشمس.

هذا النظام يفرض على الرهبان ممارسة طقس أسبوعي فريد، حيث يجتمعون مساء كل سبت لإعادة ضبط عقارب الساعات الكبيرة في الأديرة يدوياً لتتوافق مع موعد الغروب المتوقع للأسبوع المقبل. وفي هذا السياق، يشكل «دير إيفيرون» الاستثناء الوحيد في الجبل، إذ لا يبدأ يومه مع الغروب، بل تدق الساعة صفر لديه مع لحظة شروق الشمس.

جبل آثوس (بيكسباي)

حدائق العذراء وموجبات الرهبنة الصارمة

يعود تاريخ الوجود الرهباني في جبل آثوس إلى القرن الخامس الميلادي، لكن التأسيس الفعلي للمجتمع المنظم بدأ في عام 963 ميلادية، عندما أنشأ الراهب أثناسيوس الآثوسي دير «الفاتوبيدي» الكبير بدعم من الأباطرة البيزنطيين.

ومع تدفق الرهبان وتوسع الأديرة، صدر المرسوم الإمبراطوري الشهير المعروف باسم «التايبكون» في عام 1060 ميلادية، بقرار من الإمبراطور قسطنطين التاسع مونوماخوس، وهو المرسوم الذي شرّع رسمياً منع دخول النساء، والحيوانات الأليفة من الإناث أيضاً.

تتداخل الأسباب الكامنة وراء هذا الحظر بين ما هو روحي عقائدي وما هو عملي تنظيمي. فمن الناحية الروحية، تروي التقاليد الأرثوذكسية أن مريم العذراء أبحرت ذات يوم برفقة القديس يوحنا الإنجيلي، وحين انحرفت سفينتهما بفعل العواصف، رست في جبل آثوس.

أذهل جمال المكان العذراء، فطلبت من ابنها أن يهبها هذا الجبل، فجاءها الصوت بأن هذا المكان سيكون حديقتها الخاصة. ومنذ ذلك الحين، يُنظر إلى الجبل باعتباره «حديقة العذراء»، ولا يُسمح لأي امرأة أخرى بمنافستها في هذه البقعة المقدسة.

أما من الناحية العملية، فإن الرهبان الذين ينذرون حياتهم للتبتل والعزلة الكاملة، يرون في غياب الجنس الآخر ضمانة للتركيز الروحي المطلق، وإبعاداً لأي مسببات قد تشغل الفكر عن العبادة والصلاة المستمرة.

مجتمع بلا ولادات ونظام حكم من العصور الوسطى

يعيش في جبل آثوس اليوم نحو ألفي راهب، ينتمون إلى جنسيات وثقافات متعددة تشمل اليونانيين والروس والصرب والبلغار والرومان، ما يجعل من الجبل مركزاً عالمياً للمسيحية الأرثوذكسية.

يتوزع هؤلاء الرهبان على 20 ديراً رئيسياً محصناً كالقلاع القروسطية، بالإضافة إلى صوامع صغيرة معزولة تنتشر على المنحدرات الصخرية الوعرة. ويخلو هذا المجتمع تماماً من الأطفال والولادات، حيث يعتمد استمرار الوجود البشري فيه على وفود رجال بالغين يقررون هجر العالم الخارجي والالتحاق بسلك الرهبنة.

تدار الشؤون الداخلية لـ«جمهورية الرهبان» عبر نظام سياسي برلماني فريد، حيث تجتمع «الجمعية المقدسة» التي تضم ممثلاً عن كل دير من الأديرة العشرين في العاصمة الإدارية الصغيرة «كاريس».

وتتولى هذه الجمعية إدارة القوانين المحلية والأمن الداخلي بالتعاون مع حاكم مدني تعينه وزارة الخارجية اليونانية، يقتصر دوره على تمثيل السيادة السياسية وتنسيق الشؤون الأمنية والقانونية مع أثينا، دون التدخل في الشؤون الدينية أو النظم الداخلية للأديرة.

تحديات العصر الحديث والخصوصية المحمية قانوناً

رغم الضغوطات المستمرة التي فرضتها التحولات السياسية والاجتماعية في القرن الحادي والعشرين، خاصة من قِبل المنظمات الحقوقية والبرلمان الأوروبي الذي دعا مراراً لإلغاء حظر دخول النساء باعتباره انتهاكاً لمبادئ المساواة، فإن جبل آثوس نجح في الحفاظ على خصوصيته التاريخية.

وعند انضمام اليونان إلى الاتحاد الأوروبي، أصرت أثينا على إدراج بند خاص في معاهدة الانضمام يحمي الوضع القانوني الفريد للجبل المقدس ويستثنيه من القوانين الأوروبية المتعلقة بحرية التنقل والمساواة في الدخول.

تظل اليوم الحدود البرية لآثوس مغلقة بجدار بري محرس، ويُعاقب القانون اليوناني بالسجن لأشهر طويلة أي امرأة تحاول التسلل إلى أراضي شبه الجزيرة. وتبقى السفن السياحية التي تحمل سيدات على متنها مجبرة على البقاء على بعد 500 متر على الأقل من السواحل.

ويستمر جبل آثوس في العيش على إيقاع التوقيت البيزنطي القديم، محمياً بأسواره العالية وقوانينه التي تعود لزمن الأباطرة، ليبقى شاهداً حياً على نمط حياة غابر يرفض الانحناء أمام رياح العصرنة.


من المنصات إلى الشاشة اللبنانية... مسلسلات تتصدَّر شبكة الخريف

تنفرد «إم تي في» بعرض المسلسل المحلّي «بهو الست لميا» (إنستغرام)
تنفرد «إم تي في» بعرض المسلسل المحلّي «بهو الست لميا» (إنستغرام)
TT

من المنصات إلى الشاشة اللبنانية... مسلسلات تتصدَّر شبكة الخريف

تنفرد «إم تي في» بعرض المسلسل المحلّي «بهو الست لميا» (إنستغرام)
تنفرد «إم تي في» بعرض المسلسل المحلّي «بهو الست لميا» (إنستغرام)

تُكثّف القنوات التلفزيونية المحلّية الترويج لبرامجها لموسم الخريف، وتمرّ إعلاناتها على الشاشة تحت عنوان واحد: «تشاهدونه قريباً». وحدها «إم تي في» حدَّدت مواعيد برامجها الجديدة التي انطلقت مع بداية أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

ومَن يتابع هذه الإعلانات في مدّة متقطعة خلال اليوم، يلاحظ أنّ معظمها ترتكز على عروض ثانية وثالثة لأعمال درامية لبنانية وعربية، سبق أن عُرض معظمها على منصات إلكترونية أو قنوات فضائية عربية. كما تحافظ المحطات على عرض أجزاء جديدة من مسلسلات تركية حقّقت نسب مشاهدة مرتفعة، فيما تدخل أخرى تجربة عرض الدراما الكورية تلبيةً لرغبة المشاهدين، وفق الإعلانات الترويجية.

«مش مهم الاسم» تعرضه «الجديد» ضمن شبكة برامجها الخريفية (إنستغرام)

«إم تي في» تنفرد بالعرض الأول لـ«بهو الست لميا»

تحضّر قناة «إم تي في» اللبنانية مجموعة من الأعمال الدرامية لموسم الخريف، تجمع بين المحلّية والمختلطة والتركية. كما تقدّم مواسم جديدة من برامج حوارية، بينها «صار الوقت»، من تقديم الإعلامي مارسيل غانم، ويُعرض في موعده الدائم مساء الخميس.

وتتوزَّع برامج أخرى على باقي أيام الأسبوع، مثل «كل القصة» و«مش مسرحية». الأول برنامج حواري اجتماعي يتناول أبرز أحداث الأسبوع مع ضيف مميّز، وتشارك في تقديمه مجموعة من الإعلاميات اللبنانيات، في مقدّمتهن أنابيلا هلال. أما «مش مسرحية»، فيقدّمه الإعلامي جو معلوف في قالب اجتماعي سياسي بنبض شبابي.

كما تعرض المحطة الموسم الثاني من البرنامج الترفيهي الانتقادي «شي ع إم تي في» عند العاشرة مساء الثلاثاء، من إخراج ناصر الفقيه.

وتنفرد «إم تي في» بتقديم مسلسل لبناني بعنوان «بهو الست لميا»، تعرضه من الاثنين إلى الجمعة عند السابعة مساءً. وكانت المحطة قد أخذت على عاتقها، في سنوات ماضية، تخصيص هذا التوقيت للمسلسلات المحلّية، قبل أن تتوقف عن ذلك بسبب أحداث متتالية شهدها لبنان، وتستبدل بها الأعمال التركية.

ويُعدّ «بهو الست لميا» من المسلسلات الاجتماعية الكوميدية، وتشارك في بطولته رولا شامية ونعيم حلاوي ونور غندور، إضافة إلى جو صادر وحسين المقدّم. وتدور أحداثه حول شخصيات من خلفيات متنوّعة تجتمع في مكان واحد، هو «البهو» الذي تملكه «الست لميا» (رولا شامية)، ويشهد سلسلة من المواقف الطريفة والأحداث غير المتوقَّعة والقصص اليومية المليئة بالعفوية.

كتبت العمل داليا الحداد، وأخرجه مكرم الريّس. أما شارة المسلسل، فيؤدّيها الفنان نادر الأتات بعنوان «سويعتية»، وتختصر العمل من خلال مقتطفات ومواقف كوميدية منه.

مسلسلات المنصات تنتقل إلى الشاشة الصغيرة وفي مقدّمتها «ممكن» (إنستغرام)

ومن الأعمال الأخرى التي تعرضها شاشة «إم تي في» مسلسل «ممكن»، في أول عرض تلفزيوني له على قناة لبنانية، بعدما سبق أن عُرض على منصة «شاهد». وهو من بطولة نادين نسيب نجيم وظافر العابدين.

أما فيما يتعلق بالأعمال التركية، فاختارت المحطة تقديم الجزء الثاني من «شراب التوت»، بعد نشرة الأخبار المسائية من الاثنين إلى الجمعة، وهو مدبلج باللهجة اللبنانية. وتشارك فيه تقلا شمعون التي تؤدي دور البطلة «شيرين».

ومن المتوقَّع أن تبدأ المحطة، في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، عرض موسم جديد من برنامج «الرقص مع النجوم»، من إخراج باسم كريستو، بمشاركة مجموعة من الممثلين والإعلاميين والمؤثرين.

«إل بي سي آي» تختار «وأخيراً» من مسلسلات المنصات

أسوةً بغيرها من المحطات اللبنانية، تُروّج «إل بي سي آي» لبرامج شبكتها الخريفية، واختارت مسلسل «وأخيراً»، لنادين نسيب نجيم وقصي خولي، لتفتتح به الموسم. وهو مسلسل رومانسي اجتماعي سوري - لبناني مشترك، عُرض خلال موسم رمضان عام 2023 على منصة «شاهد». العمل من تأليف أسامة عبيد وإخراجه، وبطولة قصي خولي ونادين نسيب نجيم، ويتألّف من 15 حلقة.

تدور أحداثه حول «خيال»، وهي امرأة تعيش في فقر شديد، ولا تحمل أي أوراق ثبوتية، وإنما ماضياً مليئاً بالقصص المؤلمة. وتقع في حبّ «ياقوت»، السجين السابق الذي يعيش حياة غير مستقرّة، ويتورّط مع بعض العصابات في عمليات اختطاف وقتل واتجار بالبشر.

ومن برامجها التي تعود بموسم جديد «شارك تانك»، وهو النسخة اللبنانية من برنامج تلفزيون الواقع العالمي الشهير، المخصّص لدعم رواد الأعمال والمشاريع الناشئة. ويعرض المشاركون أفكارهم ومشاريعهم التجارية أمام لجنة من كبار المستثمرين، بهدف إقناعهم بتمويلها مقابل حصة من ملكية الشركة أو الأرباح.

ومن المنتظر أيضاً هذا الموسم تقديم برنامج «ريسيرشر» (الباحث)، مع الدكتور عماد بو حمد، في حلّة جديدة. ويجمع البرنامج بين العلم والتحدّي والترفيه، ويسلّط الضوء على بحوث علمية رائدة يسعى المشاركون من خلالها إلى تقديم حلول تخدم المجتمع وقطاعات حيوية مختلفة في لبنان.

«شارك تانك» يعود بموسم جديد على شاشة «إل بي سي آي» (إنستغرام)

الكوري والسوري والمصري على «الجديد»

من ناحيتها، اختارت قناة «الجديد» باقة من الأعمال الدرامية، معظمها سورية، لتقديمها ضمن شبكتها الخريفية. ومن بينها «بنت النعمان»، الذي عُرض خلال موسم رمضان 2026 على منصات وقنوات عربية. وهو عمل كوميدي من بطولة سلوم حداد وريام كفارنة ومحمد أوسو وسامر إسماعيل وفادي صبيح، ومن إخراج سيف الشيخ نجيب.

كما تعرض مسلسل «مش مهم الاسم»، من إنتاج عام 2025، وبطولة معتصم النهار وأندريا طايع ورولا بقسماتي، وهو من تأليف كلوديا مرشيليان وإخراج ليال راجحة.

أما الدراما الجديدة التي اختارتها المحطة، فهي كورية بعنوان «الدكتور الرومانسي». وجاء قرارها، وفق ما ذكرت في الإعلان الترويجي للعمل، بناءً على رغبة متابعيها. وتدور قصته حول جرّاح عبقري يترك مستشفى كبيراً للعمل في مستشفى صغير ومتواضع، ويعلّم الأطباء الشباب المعنى الحقيقي للإنسانية والطبّ.


نجمان «ميتان» يكشفان عن مرحلة كونية نادرة

رسم توضيحي للنظام الثنائي المكتشف (جامعة بولونيا)
رسم توضيحي للنظام الثنائي المكتشف (جامعة بولونيا)
TT

نجمان «ميتان» يكشفان عن مرحلة كونية نادرة

رسم توضيحي للنظام الثنائي المكتشف (جامعة بولونيا)
رسم توضيحي للنظام الثنائي المكتشف (جامعة بولونيا)

رصد علماء الفلك قزماً أبيض في مرحلة نادرة من مراحل تطوّره، يدور حول نجم نيوتروني يُعرف بـ«النجم النابض بالملي ثانية»، الذي يؤدّي بدوره مئات الدورات في الثانية، ماسحاً الكون بحزمتين من الإشعاع، في مشهد وصفه العلماء بأنه أشبه بـ«منارة كونية».

ويُعدّ هذا النظام الثنائي، المُسمّى «NGC 362D»، مختبراً كونياً نادراً لدراسة ما يحدث بعد أن يقضي نجم ملايين السنوات في نقل مادته النجمية إلى نجم نيوتروني، قبل أن «يموت» ويتحوّل إلى قزم أبيض.

واكتُشف «NGC 362D» مؤخراً باستخدام التلسكوب الراديوي «ميركات» في جنوب أفريقيا، بينما عُثر على القزم الأبيض في بيانات أرشيفية لتلسكوب «هابل» الفضائي، جُمعت بين عامَي 2006 و2016. وقد ساعدت هذه البيانات في إعادة بناء التاريخ التطوري لهذا النظام.

وكشفت البيانات أنّ القزم الأبيض في هذا النظام الثنائي هو أصغر قزم أبيض يُرصد مقترناً بنجم نابض بالملي ثانية. كما يبدو أنّ هذه البقايا النجمية تبعث كمية من الأشعة فوق البنفسجية أقل من المتوقَّع، ممّا يشير إلى أنها مُحاطة بغلاف من المواد المقذوفة التي تحجب تلك الأشعة.

وقالت قائدة الفريق البحثي من جامعة بولونيا الإيطالية، غريتا إيتوري، في بيان نشره موقع «سبيس. كوم»، الجمعة: «ما يجعل هذا النظام مثيراً للاهتمام بشكل خاص هو إمكان رصده في مرحلة مبكرة جداً من تطوّره».

قصة نجمين ميتين

لا يُعدّ القزم الأبيض الفتيّ النجم الميت الوحيد في هذا النظام؛ فمثل كلّ النجوم النيوترونية، نشأ النجم النابض عندما مات نجم كانت كتلته تتراوح بين 8 و12 ضعف كتلة الشمس، في انفجار هائل من نوع «سوبرنوفا».

وتتضمَّن هذه العملية انضغاط قلب النجم ليتقلص إلى قطر يبلغ نحو 20 كيلومتراً. ونتيجة لذلك، يتكوّن النجم النيوتروني من مادة فائقة الكثافة، إلى درجة أنه لو أُخذت ملعقة صغيرة منها وجُلبت إلى الأرض، لبلغ وزنها نحو 10 ملايين طن.

العنقود النجمي الكروي المكتَشف كما رصده تلسكوب هابل الفضائي (هابل - إيسا - ناسا)

وقال الباحثون إنّ هناك نتيجة أخرى بالغة التطرف لهذا الانكماش السريع في قلب النجم، تُعرف باسم «إعادة تدوير النجم النابض»، إذ ينتزع النجم النيوتروني مادة من النجم المانح، ممّا يُفقد الأخير طبقاته الخارجية ويدفعه نحو التحوّل إلى قزم أبيض. وتحمل هذه المادة معها زخماً زاوياً يتسبَّب في زيادة سرعة دوران النجم النيوتروني إلى حدود فائقة؛ إذ رُصدت نجوم نابضة تدور بسرعة تتجاوز 700 دورة في الثانية.

وقال عضو الفريق والباحث في المعهد الوطني للفيزياء الفلكية، إيمانويل داليساندرو: «يوفر لنا نظام (NGC 362D) فرصة رائعة لدراسة ما يحدث مباشرةً بعد عملية إعادة تدوير النجم النابض بالملي ثانية».

وأضاف: «قد تُصدر إشارات عند الأطوال الموجية الراديوية، بالإضافة إلى النطاق البصري، على غرار تلك المرصودة في الأنظمة التي تضم رفيقاً غير منهار (أي ليس قزماً أبيض أو نجماً نيوترونياً أو ثقباً أسود)، وبالتالي قد تساعدنا في التفسير الدقيق لخصائص أنظمة شابة أخرى».

وتابع أنّ هذا يعني أن نتائج الفريق قد تكون ذات قيمة كبيرة في فهم أنظمة أخرى مماثلة، لا سيما تلك التي تمرّ بمراحل تطوّرية نادرة مثل هذه. وقد تكون هذه النتائج مفيدة في الجهود المستمرة لاستخدام مجموعات من النجوم النابضة مثل «ساعات كونية» ضمن ما يُعرف بـ«مصفوفات توقيت النجوم النابضة».

وختمت إيتوري: «تدور النجوم النابضة بالملي ثانية بانتظام فائق، ويمكن استخدامها على أنها ساعات طبيعية حقيقية. إذ يتيح لنا قياس أوقات وصول نبضاتها بدقة متناهية - من بين أمور أخرى - دراسة الجاذبية في ظلّ ظروف قاسية، وإجراء اختبارات تزداد دقةً لنظرية النسبية العامة. ولذا، فإنّ فهم البيئة المحيطة بها وإعادة تكوين تاريخها التطوّري يُعدّ أمراً جوهرياً للاستفادة الكاملة ممّا يمكن أن تقدّمه لنا هذه المختبرات الكونية المذهلة».