انتفاضة في مصر ضد «تيك توك»

محادثات رسمية مع مسؤولي التطبيق لـ«تحسين المحتوى»

مقر وزارة الداخلية المصرية (صفحة الوزارة على فيسبوك)
مقر وزارة الداخلية المصرية (صفحة الوزارة على فيسبوك)
TT

انتفاضة في مصر ضد «تيك توك»

مقر وزارة الداخلية المصرية (صفحة الوزارة على فيسبوك)
مقر وزارة الداخلية المصرية (صفحة الوزارة على فيسبوك)

شهدت الأيام الأخيرة ما بدت أنها انتفاضة ضد «تيك توك» في مصر، ولا سيما مع حملات موسعة للقبض على بعض صُناع المحتوى على المنصة، حازت «تأييداً شعبياً» وصل إلى حد المطالبة بحظر «تيك توك» في مصر، وسط تحركات برلمانية ومحادثات رسمية مع مسؤولي التطبيق، ومنحهم مهلة لـ«تحسين المحتوى».

وعلى مدار الأيام الماضية، أصدرت وزارة الداخلية المصرية بيانات عدة بشأن القبض على صُناع محتوى على التطبيق، وذلك بعد تلقيها بلاغات بشأن «نشرهم محتوى يتضمن الاعتداء على القيم والمبادئ، وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي».

وحظيت جهود «الداخلية» بإشادات من مواطنين وإعلاميين على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث رحب الصحافي المصري، محمد الديسطي، عبر حسابه على منصة «إكس»، بجهود وزارة الداخلية في القبض على «بلوغرز تيك توك».

وأبدى حساب آخر باسم «دكتور أحمد سليمان» سعادته بما وصفه بـ«تطهير منصة تيك توك في مصر من البذاءة». ودعم حساب باسم «شرين هلال» خطوات وزارة الداخلية في القبض على بعض صُناع المحتوى، في منشورات عدة؛ حيث عدتهم «مدفوعين لتصدر المشهد كعنوان للمجتمع المصري».

بينما قال الإعلامي أحمد موسى -عبر حسابه على منصة «إكس»- إنه «لم يسمع» أسماء صانعي المحتوى الذين ألقي القبض عليهم من قبل. وأشار إلى أنه شاهد أخيراً «بعضاً من محتواهم الهابط الذي يسيء للمجتمع والأسر المصرية»، موجهاً التحية «لقوات وزارة الداخلية على الحملات المستمرة للقبض على هذه الشبكة العنكبوتية، وتتبع أي منصة مشبوهة».

وتفاعل مسؤولون مصريون سابقون وحاليون مع قضية صُناع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي. ووجَّه وزير الأوقاف المصري السابق، محمد مختار جمعة، الشكر لوزارة الداخلية لـ«ضبط المشهد العام، والحفاظ على قيم المجتمع، بتصديها الحاسم للخارجين عن القانون بنشر محتوى رقمي يخدش الحياء العام للمجتمع».

وحذرت وزيرة التضامن الاجتماعي في مصر، مايا مرسي، من الآثار النفسية لتطبيق «تيك توك». واستعرضت -في منشور عبر حسابها على «فيسبوك»- ما يشير إليه «كثير من الدراسات والتقارير النفسية بشأن ما يمكن أن يسببه التطبيق من مشكلات لدى المراهقين»، من بينها: «الإدمان الرقمي، والاكتئاب والقلق، واضطرابات الصورة الذاتية والجسدية، وانفصام الشخصية، والعزلة الاجتماعية، ومشكلات في التركيز والانتباه». وأضافت: «جيل ظلمته التكنولوجيا... مخدرات بين أصابع اليد للأسف الشديد وتحت إشراف الأهل».

ولم يقتصر التفاعل على الإشادة؛ بل امتد للمطالبة بحظر التطبيق في مصر و«إغلاقه إلى الأبد»؛ لكن الإعلامية، داليا أبو عمر أكدت أن «المنع ليس الحل»، وطالبت في منشورات عدة عبر حسابها على «إكس» بوضع قانون منظِّم؛ لأن المشكلة لا تتعلق فقط بـ«محتوى هابط».

كما رفض وزير الأوقاف المصري السابق فكرة الحظر، وقال -في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»- إنه «ليس مع القائلين بحجب بعض مواقع التواصل العامة، فهي وسائل يمكن أن تحوي الخير أو الشر، إنما أنا مع محاسبة من يخرج على القيم أو القانون بالحسم والقانون».

المطالبات بالإغلاق وصلت إلى قبة البرلمان؛ حيث طالبت عضو مجلس النواب المصري (البرلمان)، مي غيث، بـ«تحرك عاجل من الجهات المعنية في الدولة لبحث سبل حظر تطبيق (تيك توك) في مصر»، محذرة في بيان تداولته وسائل إعلام محلية من «خطورته المتزايدة على القيم المجتمعية والعادات والتقاليد الأصيلة للمجتمع المصري». وأعلنت عزمها التقدم باقتراح رسمي في مستهل دور الانعقاد السادس المقرر انطلاقه في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل بهذا الشأن.

وفي تصريحات متلفزة، أكد رئيس «لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات» بمجلس النواب المصري، أحمد بدوي، أن اللجنة عقدت اجتماعات عدة مع المدير الإقليمي لمنصة «تيك توك» في مصر وشمال أفريقيا، بحضور الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات: «لمناقشة بعض التجاوزات التي ترصدها الدولة على المنصة، ولا سيما فيما يتعلق بالمحتوى غير الأخلاقي وغير المطابق للضوابط والمعايير المجتمعية».

وقال إنه «تم توجيه اللوم لمسؤولي (تيك توك) بشأن غياب الإجراءات الجادة تجاه هذه التجاوزات»؛ مشيراً إلى أن «ممثلي (تيك توك) طلبوا مهلة لتحسين أداء المنصة فيما يخص المحتوى». وأضاف أنه «لا تهاون مع أي منصة لا تلتزم بحماية المجتمع من المحتوى الضار».

ولا يؤيد عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق، الدكتور حسن عماد مكاوي، فكرة «الحظر أو المنع وسيلةً للقضاء على المحتوى السيئ عبر المنصات». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ما يقدم على المنصات يكشف مشكلة في المجتمع المصري، تستلزم الدراسة لمعرفة أسبابها»، موضحاً أن «هناك تغيرات كثيرة في الشخصية المصرية، ترجع لعوامل مختلفة، منها: البحث عن مكسب سريع، وزيادة البطالة، وزيادة أوقات الفراغ، وغيرها». وأضاف أن «المشكلة ليست في صُناع المحتوى وحدهم؛ بل في متابعيهم الذين يزدادون يوماً بعد يوم»، مطالباً بدراسات اجتماعية وسلوكية لرصد الظاهرة وأسبابها، ومن ثم وضع حلول لمعالجتها.

وفي هذا السياق، شبَّهت الإعلامية المصرية لميس الحديدي -عبر حسابها على منصة «إكس»- وجود «تيك توك» وانتشاره في مصر بـ«غزو التوك توك»، بوصفه وسيلة سهلة لتحقيق المكسب دون عمل، وقالت: «هذا مجتمع ذاهب إلى الهاوية إن لم ننتبه».

وطالب المحامي وعضو «لجنة العفو الرئاسي»، طارق العوضي، المصريين بـ«عدم متابعة من يقدم محتوى رخيصاً». وقال عبر حسابه على منصة «إكس»: «لا تساهموا في نشر الابتذال... فالصمت عن الإساءة مشاركة فيها!».

بينما انتقد الإعلامي المصري، عمرو أديب -عبر حسابه على منصة «إكس»- تفسير البعض لما ينشر على «تيك توك» بأنه أمر «منظَّم ومهندَس لإلهاء الناس». وقال: «الكارثة الحقيقية أن يكون ما نراه تعبيراً عن اضمحلال وتدهور الذوق العام».

وعدّ الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي «تيك توك» «مظلوماً في الاستخدام المسيء». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التركيز على استخدام الناس السيئ للتطبيق أغفل قدراً كبيراً من أهميته للعالم وفي مصر»؛ مشيراً إلى أن الأمر «يمتد لبقية المنصات أيضاً، وإن حظي (تيك توك) بالنصيب الأكبر، كون البث المباشر عبره أكثر انتشاراً وربحاً». وأضاف أن «(تيك توك) ليس مجرد تطبيق ترفيهي؛ بل أصبح محركاً اقتصادياً هائلاً، يصل لمليارات المستخدمين عالمياً، ويمثل فرصة ذهبية للشركات، لتعزيز علاماتها التجارية وزيادة مبيعاتها، وخلق فرص عمل جديدة».


مقالات ذات صلة

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

شمال افريقيا وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

عصام فضل (القاهرة)
رياضة عربية أحمد حسام ميدو (حساب اللاعب على «إكس»)

من النقد إلى الإيقاف: كيف خرج «ميدو» من المشهد الإعلامي؟

عقب انتقادات وتشكيك وجههما أحمد حسام (ميدو) لمنتخب «الفراعنة» ومنظومة الإدارة الرياضية في مصر وجد المُحلل الحالي نفسه خارج الشاشات بقرار منعه من الظهور الإعلامي

محمد عجم (القاهرة )
شمال افريقيا وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (الخارجية المصرية)

مصر لتطوير تعاونها مع قبرص واليونان

أكدت مصر أهمية مواصلة تطوير «تعاونها الثلاثي» مع قبرص واليونان، وتعزيز الشراكة في قطاعات حيوية للدول الثلاثة بينها الطاقة والغاز والتجارة والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع مع رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع في القاهرة الأحد (الرئاسة المصرية)

قناة السويس تراهن على «هدوء التوترات» لاستعادة إيراداتها

قال رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع خلال اجتماع مع الرئيس عبد الفتاح السيسي الأحد إن القناة شهدت خلال النصف الثاني من عام 2025 تحسناً نسبياً وبداية تعافٍ 

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
تحليل إخباري الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر السلام حول غزة الذي عُقد في شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري تحسن متواصل في العلاقات المصرية - الأميركية... و«تقدير متبادل» بين السيسي وترمب

أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مناسبة تقديراً ملحوظاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان أحدثها إشادته به في خطاب رسمي.

هشام المياني (القاهرة)

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.