هل يؤثر انتصار ترمب في حرب الرسوم الجمركية على الاقتصاد الأميركي؟

بعدما وقّع اتفاقات مع اليابان وأوروبا

نموذج مصغر بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد للرئيس الأميركي وعلم الاتحاد الأوروبي وعبارة: «رسوم جمركية بنسبة 15 %»... (رويترز)
نموذج مصغر بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد للرئيس الأميركي وعلم الاتحاد الأوروبي وعبارة: «رسوم جمركية بنسبة 15 %»... (رويترز)
TT

هل يؤثر انتصار ترمب في حرب الرسوم الجمركية على الاقتصاد الأميركي؟

نموذج مصغر بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد للرئيس الأميركي وعلم الاتحاد الأوروبي وعبارة: «رسوم جمركية بنسبة 15 %»... (رويترز)
نموذج مصغر بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد للرئيس الأميركي وعلم الاتحاد الأوروبي وعبارة: «رسوم جمركية بنسبة 15 %»... (رويترز)

هل انتصر الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في «حرب التحرير» التي أعلنها في 2 أبريل (نيسان) الماضي، لوقف ما وصفه بـ«استغلال» الحلفاء بلاده لبناء «دول الرفاهة» على حساب الأميركيين؟

في الواقع، من الصعب تجاهل حقيقة أنّ رؤية ترمب لإعادة تشكيل التجارة العالمية، قد تقدمت خطوات جدية عبر سلسلة الاتفاقات التجارية التي تواصل إدارته إنجازها؛ وكان آخرها الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي وقبله مع اليابان.

ترمب يصافح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بعد الإعلان عن اتفاق تجاري بين أميركا والاتحاد الأوروبي (رويترز)

خلال 6 أشهر، تخلت أميركا عن النظام التجاري العالمي الذي كان سائداً لعقود، لمصلحة نظام مختلف جذرياً، شبّهه البعض بالعودة إلى فترة أربعينات القرن الماضي، حين كانت الدول تبني اقتصاداتها مستخدمة الحمائية التجارية سعياً وراء فائض تجاري وثروات طائلة. ومع ذلك، يقول الاقتصاديون إنه على الرغم مما قد تسفر عنه هذه العودة من نتائج وخيمة، فإن مما لا شكّ فيه أنّ اصطفاف الاقتصادات الكبرى لتوقيع اتفاقيات مع الولايات المتحدة، تتضمن رسوماً جمركية هي الأعلى على الإطلاق، يعدّ نصراً لرؤية ترمب ونظرته للتجارة العالمية.

انتصار سياسي

وفي حين تبدو خطته انتصاراً سياسياً، ليس فقط على خصوم بلاده التجاريين، بل ولإظهار جدية وعوده للناخبين الأميركيين، فإن نجاحها الاقتصادي يبقى محل جدل كبير. فمعدلات الرسوم الجمركية التي يطلب ترمب من الدول الأخرى الموافقة عليها، تُستخدم عادة من قِبَل الاقتصادات الفقيرة التي تسعى لحماية صناعاتها الناشئة، وليس من قِبَل القوى الصناعية الكبرى كالولايات المتحدة.

يصرّ ترمب وإدارته على التمسك بفكرة أن الرسوم الجمركية المرتفعة ستشجع مزيداً من الشركات على الإنتاج في الولايات المتحدة، مما سيخلق الوظائف، مع تأثير ضئيل على الشركات والمستهلكين. كما يُصرّ على أن الحكومات الأجنبية، لا الشركات ولا المستهلكون الأميركيون، هي التي ستدفع الرسوم الجمركية، رغم أن الدراسات تظهر العكس ولو بشكل محدود. ويتوقع كثير من الاقتصاديين أن تؤدي رسومه إلى ارتفاع الأسعار، سواءً بالنسبة إلى الشركات التي تستورد المنتجات، والمستهلكين الذين يشترونها. ويتوقعون أن يؤدي ذلك إلى تباطؤ الاقتصاد وإحداث نتائج عكسية، رغم أنها لن تكون مدمرة.

ووفق بعض الخبراء، فقد يكون للتعريفات الجمركية أثر كبير بما يكفي لإبطاء الاقتصاد، وتغيير ملموس في السياسة، لكنها ربما لا تكون كبيرة بما يكفي لدفع الاقتصاد الأميركي إلى حالة ركود. كما أن زيادات الأسعار على المستهلكين ستكون كبيرة بما يكفي لتكون ملحوظة، لكنها لن تُسبب صدمة هائلة.

حاويات شحن مكدسة بميناء «راين نيكار» التجاري في مانهايم بألمانيا (إ.ب.أ)

رد الأسواق كان بارداً

ومع ذلك، أثبتت تهديداته والنتائج التي حققها، على ما يبدو، صحة كلامه بأن التهديدات الجمركية أداة تفاوضية فعّالة. وهو ما تعزز بردود الفعل «الباردة» للأسواق، خلافاً للذعر الذي توقعه كثيرون تجاه الرسوم الجمركية بنسبة 15 في المائة على اليابان والاتحاد الأوروبي، والذي لم يحدث.

ويقول بعض المحللين إن الاتفاقات الأخيرة كانت إيجابية؛ لأنها تجنبت، على الأقل في الوقت الحالي، احتمال نشوب حروب تجارية مع شركاء تجاريين رئيسيين، فيما يرى آخرون أن الاتفاقيات لها فوائد اقتصادية محدودة تتجاوز ذلك.

وهو ما قاد إلى التساؤل عن الأسباب التي دفعت كلاً من اليابان والاتحاد الأوروبي، إلى الخضوع لشروط الولايات المتحدة، فيما قائمة بدول أخرى تنتظر المصير نفسه، خصوصاً أن إدارة ترمب لم توضح بعد معدلات الرسوم الجمركية التي ستُطبق على تلك الدول قبل يوم الجمعة 1 أغسطس (آب) المقبل، وهو الموعد النهائي للتوصل إلى اتفاقات. فالشركاء التجاريون الذين يمثلون 56 في المائة من واردات الولايات المتحدة، بمن فيهم كندا والمكسيك وكوريا الجنوبية والبرازيل والهند، لم يوقعوا بعد اتفاقيات أولية.

وبصفتها اقتصاداً كبيراً ومتنوعاً، فإن الولايات المتحدة أقل اعتماداً على التجارة من الدول الأخرى. إذ تُولّد التجارة نحو ربع النشاط الاقتصادي الأميركي، مقارنة بأكثر من ثلثي النشاط في المكسيك وكندا، على سبيل المثال.

ترمب ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين يتصافحان بعد التوصل إلى اتفاق تجاري (أ.ب)

أوروبا في موقف دفاعي

بالنسبة إلى أوروبا، وجد مسؤولو الاتحاد الأوروبي أنفسهم في موقف دفاعي، حيث كان من الممكن أن يتحول الوضع إلى كارثة؛ مما قد يؤدي إلى حرب تجارية شاملة. وقد يكون الاتفاق من أفضل النتائج التي كان بإمكان أوروبا الحصول عليها من إدارة ترمب.

ووفق بعض التحليلات، فقد كان الأوروبيون يأملون في التفاوض لخفض معدل الـ20 في المائة الذي هدّد به ترمب في أبريل الماضي، بل وخططوا للرد إذا فشل ذلك الجهد. لكن إقناع الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد باستجابة موحدة وشاملة ثبتت صعوبته منذ البداية، حيث ضغطت الدول لحماية الصناعات الحيوية.

ومع إصرار ترمب على تهديداته برسوم جمركية لفترة وجيزة حتى 50 في المائة، ثم إلى 30 في المائة إذا فشل في التوصل إلى اتفاق، عدّ مسؤولو الاتحاد الأوروبي هذه الأرقام مجرد مناورات تفاوضية؛ لأن اقتصادهم كان ضخماً وكبيراً، وينبغي أن يكون لديه نفوذ كافٍ للتوصل إلى اتفاق صفري، كما كانوا يطمحون.

وتقول بعض التقارير إن المفاوضين الأوروبيين اقتنعوا، بعد مناقشات شاقة مع الأميركيين، بجدية تهديدات ترمب، الذي بدا أنه متمسك بفكرة تَعُدّ الاتحاد الأوروبي خصماً تجارياً معادياً، وبدا مستعداً لتنفيذ تهديداته بفرض رسوم جمركية، حتى لو كان ذلك يعني الإضرار بالعلاقات عبر الأطلسي.

ومع اقتراب موعد سريان الرسوم الجمركية بنسبة 30 في المائة التي هدّد بفرضها في 1 أغسطس، تساءل المسؤولون الأوروبيون عن مدى إيلام الانتقام في حال أدى إلى اندلاع حرب تجارية شاملة. وكان ترمب قد أكد مراراً أنه إذا فرض أي شريك تجاري رسوماً انتقامية، فسوف يرد برسوم أعلى بكثير.

ترمب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عند وصولهما إلى «ملعب ترمب الدولي للغولف» في أبردين بأسكوتلندا (إ.ب.أ)

أسباب أخرى وراء خضوع الأوروبيين

تنقل صحيفة «نيويورك تايمز» عن بعض المسؤولين الذين شاركوا في المناقشات مع الأوروبيين أنها لم تقتصر على التجارة فقط، بل إن هناك قضايا أخرى، مثل الأمن، وأوكرانيا، وروسيا، كانت من العوامل المؤثرة على قرار الرضوخ لشروط ترمب. وفيما تعمل أوروبا جاهدة للحفاظ على مشاركة الولايات المتحدة في «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، لمواجهة تهديدات روسيا، ومع إصرار واشنطن على أن تتحمل الدول الأوروبية مزيداً من نفقاتها الدفاعية، وتردد ترمب في دعم أوكرانيا، وجد الأوروبيون أنفسهم في موقف دفاعي خالص، لتجنب حرب تجارية شاملة كانت ستعاقب كلا الجانبين.

ومع ذلك، يشكك الاقتصاديون في أن تُحقق صفقات ترمب التجارية أحد أهم أهدافه: خفض العجز التجاري للبلاد، الذي يراه دليلاً على تعرض الولايات المتحدة للاستغلال. فالعجز التجاري تحدده عوامل عدة، مثل معدلات الادخار والإنفاق الحكومي، وهو ما يتوقع أن يزداد بعد أن أقرّت إدارة ترمب قانون الإنفاق «الكبير والجميل» الذي سيزيد عجز الموازنة الفيدرالية بشكل حاد على المدى القريب، وفق المحللين.


مقالات ذات صلة

عدّه «ابتزازاً»... ترمب يطلب التحقيق في تلويح الديمقراطيين بعزل مسؤولين بإدارته

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

عدّه «ابتزازاً»... ترمب يطلب التحقيق في تلويح الديمقراطيين بعزل مسؤولين بإدارته

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب السبت إنه طلب من وزارة العدل التحقيق في تهديد الديمقراطيين باستغلال سيطرتهم على الكونغرس، لعزل مسؤولين في إدارته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية ترمب مع نائبه جي دي فانس في واشنطن يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب) p-circle

واشنطن بين استئناف التفاوض وتشديد الضغوط على إيران

تتأرجح المواجهة بين واشنطن وطهران بين مساعٍ دبلوماسية لاستئناف المفاوضات واحتواء التصعيد، وضغوط أميركية متواصلة لتقييد قدرات إيران وإمداداتها العسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب) p-circle

هل يغلق الكونغرس باب الحرب أمام ترمب؟

تتزايد الضغوط السياسية على الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب مع إيران، مع اقتراب انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب ودانا وايت في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

ترمب يعرض على رئيس مسابقة فنون قتالية منصب المتحدث باسم البيت الأبيض

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، إنه عرض منصب المتحدث باسم البيت الأبيض على دانا وايت، رئيس إحدى بطولات الفنون القتالية المختلطة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ب) p-circle

صفقة ترمب لأوروبا تصطدم بالحلفاء... وتعثر روسيا الميداني قد يفتح حسابات السلام

صفقة ترمب لأوروبا تصطدم بالحلفاء، وتعثر روسيا الميداني قد يفتح حسابات السلام، ووفد موسكو للمحادثات الثلاثية سيضم رئيس المخابرات العسكرية.

إيلي يوسف (واشنطن)

دول الخليج تُوقِّع اتفاقية السكك الحديدية في ظل اضطرابات الملاحة بمضيق هرمز

أعلام دول الخليج العربي في إحدى المناسبات (أ.ف.ب)
أعلام دول الخليج العربي في إحدى المناسبات (أ.ف.ب)
TT

دول الخليج تُوقِّع اتفاقية السكك الحديدية في ظل اضطرابات الملاحة بمضيق هرمز

أعلام دول الخليج العربي في إحدى المناسبات (أ.ف.ب)
أعلام دول الخليج العربي في إحدى المناسبات (أ.ف.ب)

أعلنت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي أن مراسم توقيع الاتفاقية العامة لربط دول مجلس التعاون بمشروع سكة الحديد الخليجية ستُقام يوم الأحد في العاصمة البحرينية المنامة.

وقالت الأمانة، في منشور عبر حسابها الرسمي على منصة «إكس»، إن مراسم التوقيع تقام بحضور وزراء النقل والمواصلات في دول المجلس والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي.

وأكدت أن الاتفاقية خطوة تعكس الجهود الخليجية الرامية إلى تعزيز التكامل في قطاع النقل والمواصلات، وتطوير شبكة الربط السككي بين دول المجلس. ومن المتوقع أن تحدد الاتفاقية مسؤولية كل دولة في المشروع، كما تتضمن جدولاً زمنياً لتنفيذ المشروع.

ومن المتوقع أن يشكل مشروع سكة الحديد الخليجية ركيزة مهمة لتعزيز الربط بين دول مجلس التعاون، وتسهيل حركة نقل الركاب والبضائع، ودعم التجارة البينية، بما يسهم في تعزيز التكامل الاقتصادي وتطوير منظومة النقل الإقليمي.

كما تتضمن الاتفاقية تعزيز الربط بين دول الخليج عبر توفير وسيلة نقل آمنة واقتصادية وصديقة للبيئة لنقل الركاب والبضائع، بما يدعم حركة التجارة والتبادل الاقتصادي والاجتماعي بين دول المجلس.

وتشكل الاتفاقية إطاراً للتنسيق بين الدول الأعضاء والهيئة الخليجية للسكك الحديدية، بهدف تذليل العقبات وضمان التكامل الفني والتشغيلي للشبكة الخليجية.

وتكتسب الاتفاقية أهمية إضافية في ظل اضطرابات الملاحة في المنطقة، خصوصاً عبر مضيق هرمز، وما تفرضه من تحديات على حركة التجارة وتدفق البضائع، حيث أظهرت التطورات الأخيرة أن الاعتماد على مسارات بحرية محددة يجعل سلاسل الإمداد عرضة للتأثر بالأزمات الإقليمية، ويزيد الحاجة إلى بدائل نقل أكثر تنوعاً ومرونة.

وتبلغ التكلفة الإجمالية التقديرية لمشروع قطار دول مجلس التعاون الخليجي (سكة حديد الخليج) نحو 15.4 إلى 16 مليار دولار للبنية التحتية الأساسية، ويمتد المسار الكلي للشبكة لمسافة تُقَدَّر بنحو 2117 كيلومتراً يربط دول مجلس التعاون الخليجي الست.


التضخم الأميركي يقود أسبوعاً حاسماً للأسواق... والفائدة في دائرة الترقب

موظف يقوم بدفع عربات التسوق خارج متجر في لوس أنجليس (أ.ف.ب)
موظف يقوم بدفع عربات التسوق خارج متجر في لوس أنجليس (أ.ف.ب)
TT

التضخم الأميركي يقود أسبوعاً حاسماً للأسواق... والفائدة في دائرة الترقب

موظف يقوم بدفع عربات التسوق خارج متجر في لوس أنجليس (أ.ف.ب)
موظف يقوم بدفع عربات التسوق خارج متجر في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

تدخل الأسواق العالمية أسبوعاً حافلاً بالبيانات الاقتصادية التي قد تعيد رسم توقعاتها بشأن أسعار الفائدة، مع تصدر التضخم الأميركي أجندة المستثمرين، في وقت تزداد فيه أهمية معرفة ما إذا كانت الضغوط السعرية بدأت تتراجع أم أن استمرار قوة النشاط الاقتصادي وسوق العمل سيمنح «الاحتياطي الفيدرالي» مبررات إضافية لمواصلة التشديد النقدي.

وتكتسب بيانات أسعار المستهلكين الأميركية لشهر أكتوبر (تشرين الأول)، المقرر صدورها الثلاثاء، أهمية خاصة بوصفها آخر قراءة رئيسية للتضخم قبل اجتماع البنك المركزي في ديسمبر (كانون الأول)، الذي تتجه رهانات الأسواق بصورة متزايدة إلى أن يشهد رفعاً جديداً للفائدة. وستتبعها الجمعة بيانات أسعار المنتجين، التي ستوفر مؤشراً إضافياً على حجم الضغوط التي تواجهها الشركات، في وقت لا تزال فيه تكاليف الطاقة والسلع تؤثر في توقعات الأسعار.

تأتي هذه البيانات بعد تقرير أقوى من المتوقع لسوق العمل الأميركية، أظهر إضافة 165 ألف وظيفة في أكتوبر، متجاوزاً جميع التوقعات، وهو ما يعزز قدرة المستهلكين على مواصلة الإنفاق ويمنح «الفيدرالي» مساحة أكبر للتركيز على مكافحة التضخم.

اختبار حاسم لرهانات «الفيدرالي»

وتشير تقديرات استطلاع أجرته «بلومبرغ» إلى أن مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي ارتفع بنسبة 0.3 في المائة خلال أكتوبر، مقارنةً بزيادة بلغت 0.6 في المائة في الشهر السابق، وهي الأكبر منذ أبريل (نيسان). كما يُتوقع أن يتباطأ التضخم الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، إلى 0.2 في المائة، وهي أبطأ زيادة شهرية خلال ثلاثة أشهر.

وفي المقابل، يتوقع اقتصاديون استطلع بنك «آي إن جي» آراءهم ارتفاع المؤشرين العام والأساسي بنسبة 0.3 في المائة لكل منهما على أساس شهري، مما يعكس استمرار حالة عدم اليقين بشأن وتيرة تراجع الضغوط السعرية.

وتشير تقديرات «بلومبرغ إيكونوميكس» إلى أن تباطؤ أسعار السلع والخدمات قد يدعم تراجع التضخم، مع توقعات بزيادة أبطأ في أسعار السيارات المستعملة والإلكترونيات الاستهلاكية، إلى جانب اعتدال الارتفاع في تكاليف الخدمات والإيجارات.

لكن القراءة المرتقبة لن تكون العامل الوحيد في تحديد مسار السياسة النقدية؛ إذ تترقب الأسواق أيضاً بيانات أسعار المنتجين الجمعة، وسط توقعات بارتفاعها بنسبة 6.6 في المائة على أساس سنوي، وهو أسرع معدل في نحو أربع سنوات، بما يعكس استمرار الضغوط السعرية على الشركات.

وتضع أسواق النقد حالياً احتمال رفع «الفيدرالي» أسعار الفائدة ربع نقطة مئوية في ديسمبر عند نحو 75 في المائة، وفق بيانات «إل إس إي جي». ويرى محللون أن صدور قراءة للتضخم أعلى من المتوقع، إلى جانب استمرار قوة سوق العمل، قد يجعلان الزيادة الجديدة أقرب إلى اليقين قبل اجتماع البنك المركزي في التاسع من ديسمبر.

وإلى جانب بيانات الأسعار، تترقب الأسواق طلبات إعانة البطالة الأسبوعية ومبيعات المنازل القائمة، الخميس، فضلاً عن تصريحات عدد من مسؤولي «الفيدرالي» بحثاً عن إشارات إضافية بشأن توجهاتهم النقدية.

شخص يستخدم كيساً للوقاية من المطر في بكين (إ.ب.أ)

الصين بين ضغوط الإنتاج وضعف الطلب

وفي آسيا، تتجه الأنظار إلى بيانات التضخم والتجارة الصينية، بحثاً عن مؤشرات على قدرة ثاني أكبر اقتصاد في العالم على تحقيق توازن بين تحسن النشاط الصناعي وضعف الطلب المحلي.

وتشير التوقعات إلى ارتفاع أسعار المستهلكين في الصين بنسبة 0.8 في المائة على أساس سنوي خلال أكتوبر، في حين يُنتظر أن يتسارع تضخم أسعار المنتجين إلى نحو 5.3 إلى 5.4 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ يونيو (حزيران) 2022، وفق تقديرات «بلومبرغ» و«آي إن جي».

ويعكس هذا التباين استمرار الضغوط على جانب الإنتاج، مدفوعةً بارتفاع تكاليف الإمدادات وتأثيرات الحرب في الشرق الأوسط والطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي، مقابل استمرار ضعف الطلب المحلي في قطاعات واسعة من الاقتصاد.

وتترقب الأسواق أيضاً بيانات التجارة الصينية الثلاثاء، لمعرفة ما إذا كان نمو الصادرات لا يزال قادراً على دعم النشاط الاقتصادي في ظل محدودية الاستهلاك المحلي. كما ستظل تحركات اليوان وعوائد السندات الحكومية الصينية موضع متابعة، بعد تدخل البنك المركزي لإبطاء وتيرة ارتفاع العملة.

وفي الهند، يُتوقع أن يرتفع التضخم السنوي إلى 6 في المائة خلال أكتوبر، مقارنةً بـ5.5 في المائة في سبتمبر (أيلول)، مع صعود أسعار المواد الغذائية، ولا سيما الحبوب والزيوت النباتية والخضراوات. وقد تعزز هذه القراءة توقعات رفع جديد للفائدة في ديسمبر، إذا تجاوز التضخم الحد الأعلى للنطاق المستهدف من البنك المركزي.

الناس يمرّون بجوار بنك إنجلترا في الحي المالي بمدينة لندن (إ.ب.أ)

بريطانيا ومنطقة اليورو تحت مجهر النمو

وفي أوروبا، تتركز الأنظار على بيانات الناتج المحلي الإجمالي البريطاني للربع الثالث، المقرر صدورها الخميس، والتي ستوفر مؤشراً على قدرة الاقتصاد على مواصلة النمو رغم ارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض.

وتشير تقديرات الاقتصاديين الذين استطلعت «بلومبرغ» آراءهم إلى نمو الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.7 في المائة خلال الربع الثالث، وهو أقوى أداء فصلي في أكثر من عامين. وتأتي البيانات بعد قرار بنك إنجلترا رفع الفائدة ربع نقطة مئوية إلى 4 في المائة، وتحذيره من احتمال الحاجة إلى زيادات إضافية إذا استمرت الضغوط التضخمية.

كما تصدر بيانات الإنتاج الصناعي والتجارة البريطانية الخميس، فيما تترقب الأسواق تصريحات عدد من مسؤولي البنك المركزي بحثاً عن إشارات بشأن الخطوات المقبلة.

أما في منطقة اليورو، فيصدر الجمعة التقدير الأولي للناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثالث، إلى جانب القراءة الثانية للبيانات، بينما تتوزع بقية المؤشرات بين بيانات التجارة الألمانية والإنتاج الصناعي الإيطالي وقراءات التضخم النهائية في ألمانيا وفرنسا.

وفي كندا، تترقب الأسواق الثلاثاء محضر اجتماع بنك كندا الأخير، الذي رفع خلاله سعر الفائدة ربع نقطة مئوية إلى 2.5 في المائة، بحثاً عن مؤشرات بشأن احتمال مواصلة الرفع في ديسمبر، رغم ضعف بيانات الوظائف الأخيرة.

عملات معدنية من فئات اليورو المختلفة مبعثرة على طاولة مع ظهور أجزاء من أوراق نقدية من فئة اليورو في الخلفية (د.ب.أ)

قرارات نقدية وبيانات من اقتصادات أخرى

وفي اليابان، يترقب المستثمرون ملخص آراء أعضاء مجلس بنك اليابان بشأن اجتماع أكتوبر، إلى جانب بيانات إنفاق الأسر، وتصريحات عضو مجلس السياسة النقدية تويتشيرو أساكا، الخميس، بحثاً عن إشارات بشأن توقيت أي زيادة جديدة للفائدة، بعدما أشار البنك إلى بلوغ التضخم الأساسي مستهدفه البالغ 2 في المائة.

وفي أميركا اللاتينية، تتجه الأنظار إلى بيانات التضخم في المكسيك وكولومبيا والبرازيل، مع توقعات بارتفاع الأسعار في الدول الثلاث، بما قد يزيد تعقيد قرارات البنوك المركزية. كما تصدر في البرازيل محاضر الاجتماع الأخير للبنك المركزي، الذي أبقى أسعار الفائدة دون تغيير خلافاً لتوقعات خفضها.

وتشمل الأجندة أيضاً بيانات الناتج المحلي الإجمالي للفلبين، والتجارة في تايوان، إلى جانب مؤشرات ثقة المستهلكين والشركات في أستراليا.

وبينما تتركز بوصلة المستثمرين على التضخم الأميركي بوصفه العامل الأكثر تأثيراً في توقعات السياسة النقدية العالمية، فإن تباين المؤشرات بين الاقتصادات الكبرى سيبقي الأسواق أمام معادلة دقيقة: تباطؤ محتمل في بعض قراءات الأسعار، مقابل استمرار ضغوط الإنتاج وقوة النشاط الاقتصادي في أسواق أخرى، بما يجعل مسار الفائدة خلال الأسابيع المقبلة رهناً بقدرة البيانات على حسم هذه الإشارات المتعارضة.


الديمقراطيون يلاحقون ترمب عبر بوابة العملات المشفرة

صورة تُظهر إريك ترمب ودونالد ترمب الابن يحتفلان خارج مقر بورصة ناسداك في مدينة نيويورك بعد قرع جرس الافتتاح (رويترز)
صورة تُظهر إريك ترمب ودونالد ترمب الابن يحتفلان خارج مقر بورصة ناسداك في مدينة نيويورك بعد قرع جرس الافتتاح (رويترز)
TT

الديمقراطيون يلاحقون ترمب عبر بوابة العملات المشفرة

صورة تُظهر إريك ترمب ودونالد ترمب الابن يحتفلان خارج مقر بورصة ناسداك في مدينة نيويورك بعد قرع جرس الافتتاح (رويترز)
صورة تُظهر إريك ترمب ودونالد ترمب الابن يحتفلان خارج مقر بورصة ناسداك في مدينة نيويورك بعد قرع جرس الافتتاح (رويترز)

تستعد عائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمواجهة موجة جديدة من التحقيقات في أنشطتها التجارية، بعدما تعهد الديمقراطيون بفتح ملفات تتعلق بأرباح الرئيس من العملات المشفرة وعلاقاته المالية بالشركات العاملة في القطاع، مستفيدين من فوزهم في انتخابات التجديد النصفي وسيطرتهم على مجلسي الكونغرس.

وتضع هذه الخطوة المصالح المالية لترمب وعائلته في صدارة المواجهة السياسية المرتقبة مع الديمقراطيين، الذين جعلوا ما وصفوه باستغلال الرئيس لمنصبه لتحقيق مكاسب شخصية، وعلاقاته بصناعة العملات المشفرة، من أبرز قضايا حملتهم الانتخابية. ومع استعادة السيطرة على اللجان الرئيسية في الكونغرس، بات الحزب يمتلك صلاحيات أوسع لاستدعاء المسؤولين التنفيذيين وطلب الوثائق وفتح تحقيقات قد تطول الرئيس وأفراد عائلته والشركات التي استفادت من سياسات إدارته.

وقال النائب الديمقراطي روبرت غارسيا، الذي سيتولى رئاسة لجنة الرقابة في مجلس النواب بدءاً من يناير (كانون الثاني)، إن اللجنة ستركز بصورة كبيرة على التحقيق في أعمال عائلة ترمب وأرباحها من العملات المشفرة، مشيراً إلى أن الرئيس وعائلته حققا مكاسب بمليارات الدولارات.

وتبرز شركة «وورلد ليبرتي فاينانشال»، المشروع المرتبط بعائلة ترمب، ضمن الملفات التي يُتوقع أن تحظى باهتمام خاص. كما يستعد السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال، الذي يُتوقع أن يرأس لجنة التحقيقات في مجلس الشيوخ، لمواصلة التدقيق في استخدام العملات المشفرة في أنشطة غير مشروعة والعلاقات المالية للشركات العاملة في القطاع.

إريك ترمب ودونالد ترمب الابن خارج مقر بورصة ناسداك في مدينة نيويورك (رويترز)

أرباح بمليارات الدولارات

وتستند تحركات الديمقراطيين إلى حجم المصالح المالية التي راكمها ترمب وعائلته في صناعة العملات الرقمية منذ عودته إلى البيت الأبيض. فقد حقق الرئيس، وفق تقديرات أوردتها «فاينانشال تايمز»، أكثر من 1.16 مليار دولار العام الماضي من مبيعات العملات المشفرة وعوائد الرموز الرقمية.

وشملت أنشطته إطلاق عملات ميمية تتيح لحامليها فرصاً للوصول إليه، وإقامة مشروعات للعملات الرقمية أثارت تساؤلات بشأن الاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن تلقي تبرعات من مسؤولين في القطاع لمشروعات مرتبطة بالرئاسة، بينها قاعة الاحتفالات الجديدة في البيت الأبيض.

كما أثارت علاقات الشركة العائلية «وورلد ليبرتي فاينانشال» استفسارات بشأن استثمارات أجنبية، من بينها صفقة أفادت تقارير بأنها تضمنت شراء جهة مرتبطة بأحد أفراد العائلة الحاكمة في الإمارات حصة تبلغ 49 في المائة من المشروع. وكان ترمب قد نفى معرفته بتفاصيل الصفقة، قائلاً إن أبناءه يتولون التعامل معها.

وتقول الشركة إن الرئيس لم يعد مشاركاً في أنشطتها منذ توليه منصبه، لكن الديمقراطيين يرون أن العلاقة بين مصالحه التجارية وقرارات إدارته تستدعي تحقيقاً برلمانياً.

السيناتور ريتشارد بلومنتال يتحدث خلال مؤتمر صحافي (رويترز)

صلاحيات أوسع للتحقيق

ولا تقتصر التحقيقات المرتقبة على مشروعات عائلة ترمب، إذ تشمل أيضاً الشركات التي استفادت من تخفيف القيود التنظيمية خلال إدارته، أو أقامت علاقات وثيقة معه ومع مبادراته.

ووفق «فاينانشال تايمز»، سبق أن وجه أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ استفسارات إلى شركات بينها منصة «بينانس» وشركة «تيذر»، بشأن مزاعم تتعلق بأنشطة غير مشروعة وغسل الأموال والالتزام بالعقوبات. ومع انتقال رئاسة اللجان إلى الديمقراطيين، ستصبح لديهم قدرة أكبر على إلزام الشركات بتقديم المعلومات والرد على الاستفسارات السابقة.

شعار «بينانس» (رويترز)

وتشمل هذه الملفات أيضاً قرار ترمب إصدار عفو عن مؤسس «بينانس» تشانغبينغ تشاو، الذي سبق أن أقر بالذنب في قضية تتعلق بالإخفاق في حماية المنصة من استخدام خدماتها في غسل الأموال. كما يواجه القطاع تساؤلات بشأن علاقات بعض شركاته بمسؤولين في الإدارة ومساهماتها المالية في مشروعات مرتبطة بالرئيس.

ويرى مسؤولون في الصناعة أن الشركات التي تجاهلت في السابق استفسارات الديمقراطيين أو لم تقدم إجابات مُرضية ستجد نفسها أمام ضغوط أكبر، مع امتلاك اللجان الجديدة صلاحية استدعاء الشهود والوثائق، واحتمال عقد جلسات استماع علنية تُبثّ تلفزيونياً.

رهانات على ترمب تحت المجهر

تأتي التحقيقات المرتقبة رغم الأموال الكبيرة التي أنفقتها صناعة العملات المشفرة لدعم مرشحين في الانتخابات النصفية، إذ تجاوزت مساهماتها السياسية نحو 200 مليون دولار، من خلال لجنة «فيرشايك» المدعومة من شركات بينها «كوين بيس» و«ريبل» و«أندريسن هورويتز»، إلى جانب لجنة أخرى حظيت بدعم «تيذر».

رجل ينظر إلى هاتفه بينما تعرض شاشته معلومات تداول أسهم شركتي «تروث سوشيال» و«ترمب ميديا ​​آند تكنولوجي غروب» خارج موقع بورصة ناسداك في نيويورك (رويترز)

لكنَّ عدداً كبيراً من المرشحين الذين دعمتهم هذه الجهات خسروا الانتخابات، في وقت تحولت فيه علاقة ترمب بالقطاع ومكاسبه المالية منه إلى قضية انتخابية استثمرها الديمقراطيون في حملاتهم.

وبالتوازي مع التحقيقات، يواجه القطاع احتمال تعثر أجندته التشريعية. فقد أخفق مجلس الشيوخ في دفع مشروع قانون «كلاريتي» إلى الأمام في سبتمبر (أيلول)، وهو تشريع كان يستهدف وضع قواعد أكثر وضوحاً لمنصات تداول الأصول الرقمية والشركات العاملة فيها. وجاء التعثر وسط خلافات بشأن مصالح ترمب في القطاع، إلى جانب قضايا تتعلق بحماية المستثمرين ومكافآت العملات المستقرة والمنافسة مع المصارف.

ويعتزم الديمقراطيون المطالبة بضوابط أخلاقية أكثر صرامة، وحماية أكبر للمستهلكين، ودور أوسع لهيئة الأوراق المالية والبورصات في الإشراف على الأصول الرقمية.

ومع ذلك، فإن انتقال السيطرة إلى الديمقراطيين لا يعني إلغاء المكاسب التشريعية التي حققها القطاع تلقائياً، إذ يتطلب التراجع عن بعض القوانين إصدار تشريعات جديدة، بينما تستطيع اللجان البرلمانية التأثير في عمل الجهات التنظيمية من خلال الرقابة والتحقيقات والضغوط المتعلقة بالموازنات.

وهكذا، لا تقتصر تداعيات فوز الديمقراطيين على مستقبل تنظيم العملات المشفرة، بل تمتد إلى المصالح التجارية للرئيس وعائلته، والشركات التي ارتبطت بإدارته.

ومع اقتراب بدء عمل الكونغرس الجديد في يناير، تستعد واشنطن لمرحلة من المواجهة الرقابية التي قد تجعل أنشطة ترمب المالية أحد أبرز ملفات النصف الثاني من ولايته.