ماذا يعني اعتراف بريطانيا بفلسطين دولة عملياً؟

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)
TT

ماذا يعني اعتراف بريطانيا بفلسطين دولة عملياً؟

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)

تعهد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يوم الثلاثاء، بأن بلاده ستعترف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر (أيلول) ما لم توافق إسرائيل على وقف إطلاق النار في غزة وحل الدولتَيْن.

وقال ستارمر إن على حكومة بنيامين نتنياهو إنهاء أساليبها التجويعية، وأن تسمح بوصول المساعدات إلى القطاع المحاصر، بعد أن أعلن المرصد الرئيسي للأمن الغذائي في العالم، يوم الثلاثاء، أن «أسوأ سيناريو مجاعة يحصل الآن» في قطاع غزة المحاصر.

وجاء هذا الإعلان يوم الثلاثاء بعد اجتماع افتراضي طارئ لمجلس الوزراء البريطاني، عرض فيه كير ستارمر خطته للسلام في الشرق الأوسط، التي اتُّفق عليها خلال عطلة نهاية الأسبوع مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ب)

وقالت صحيفة «إندبندنت» البريطانية إن ستارمر يتعرّض لضغوط متزايدة من حزبه «العمال» للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهي ضغوط تزايدت منذ إعلان ماكرون نية فرنسا الاعتراف بها بحلول سبتمبر.

بالإضافة إلى ذلك، حضر وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، مؤتمراً للأمم المتحدة في نيويورك، يوم الثلاثاء، للحث على دعم حل الدولتَين بين إسرائيل والفلسطينيين.

واستطلعت «إندبندنت» آراء خبراء عن معنى اعتراف لندن بالدولة الفلسطينية عملياً.

ماذا يعني اعتراف المملكة المتحدة بفلسطين دولة؟

قالت الأستاذة في جامعة لندن، المتخصصة في سياسات الشرق الأوسط، الدكتورة جولي نورمان، إنه من المرجح أن تعترف لندن بفلسطين دولة، مما يعني التصويت لصالح ذلك في الأمم المتحدة، ولكن من غير المرجح أن تتمكّن الأمم المتحدة من الاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ نظراً إلى احتمالية عرقلة الولايات المتحدة هذه الخطوة.

مع ذلك، قالت إن تصويت دول مثل المملكة المتحدة وفرنسا لصالح الاعتراف في الأمم المتحدة سيكون خطوة «مهمة».

وتابعت أن اعتراف المملكة المتحدة رسمياً بالدولة الفلسطينية سيظل ذا قيمة، حتى لو كان الواقع يشير إلى أن الكثير لن يتغيّر على أرض الواقع، مع استمرار إسرائيل في «رفضها التام» الاعتراف.

وفي حديثها عن الاعتراف البريطاني، قالت نورمان: «سيكون التزاماً أخلاقياً وموقفاً قوياً تجاه فلسطين، في وقت لم تشهد فيه غزة والضفة الغربية يوماً ما مثل هذا الوضع المتوتر».

وأضافت: «على المدى القصير، إنه موقف دبلوماسي، ويُفسح المجال لتغييرات في السياسات، وإذا عادت الأطراف إلى مناقشة الصراع طويل الأمد فسيضع ذلك فلسطين في وضع أفضل. لذا، لن يُغيّر الأمور على الفور، لكنني أقول إنه لا يزال ذا قيمة».

وتابعت أن هذه الخطوة قد تشهد في البداية تغييراً أكبر في لندن منها في رام الله على سبيل المثال، مع افتتاح سفارة في العاصمة البريطانية، وهذا لا يعني الاعتراف بحركة «حماس».

علم فلسطين وخلفه شوارع خالية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة أبريل 2024 (أ.ف.ب)

ما حل الدولتَين؟

تعود الفكرة إلى عقود مضت، فبعد انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، نصّت خطة التقسيم التي وضعتها الأمم المتحدة عام 1947 على تقسيم المنطقة إلى دولتَين يهودية وعربية. ومع إعلان قيام إسرائيل في العام التالي، اندلعت حرب مع جيرانها العرب، ولم تُنفّذ الخطة قط.

وبموجب هدنة عام 1949، سيطر الأردن على الضفة الغربية والقدس الشرقية، فيما سيطرت مصر على غزة.

واستولت إسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة في حرب 1967.

ويسعى الفلسطينيون إلى هذه الأراضي لإقامة دولة مستقلة في المستقبل، وقد شكّلت فكرة حل الدولتَين، على أساس حدود إسرائيل ما قبل عام 1967، أساس محادثات السلام التي تعود إلى تسعينات القرن الماضي.

ويحظى حل الدولتَين بدعم دولي واسع، ولكن هناك خلافاً حول كيفية تنفيذه.

يُنظر إلى قيام إسرائيل وتوسيعها المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، وهي مستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي، على أنها عقبة رئيسية أمام ذلك.

ماذا يعني الاعتراف بفلسطين دولة للاجئين؟

أوضح القنصل العام البريطاني السابق في القدس، وهو الآن أمين على مؤسسة «مشروع بريطانيا وفلسطين» الخيرية، فنسنت فين، أن الاعتراف بفلسطين دولة يعني أنه في حال إصدار جوازات سفر فلسطينية فستعترف بها المملكة المتحدة لاحقاً بوصفها جوازات سفر لدولة.

ومع ذلك، أكد فنسنت أن قيام دولة فلسطينية لن يؤثر في نظام اللاجئين بالمملكة المتحدة، ويرجع ذلك إلى توقعه استمرار نظام التأشيرات المعمول به حالياً في المملكة المتحدة مع فلسطين؛ حيث لا يُسمح بالسفر بينهما إلا بعد الحصول على تأشيرة.

وأضاف أن قيام دولة فلسطينية «لن يُغيّر بشكل كبير حق العودة للفلسطينيين إلى وطنهم». وقال إن هذا «حق راسخ»، مع أنه يتطلّب التفاوض مع إسرائيل.

ماذا يعني اعتراف بريطانيا بالدولة الفلسطينية بالنسبة إلى إسرائيل؟

قال فنسنت إن هذه «نقطة بالغة الأهمية» لتوضيحها، مسلطاً الضوء على الفرق بين الاعتراف بكيان فلسطين والاعتراف بفصائل الحكومة.

وقال: «من المهم القول إن الحكومة البريطانية لا تعترف بالحكومات، بل تعترف بالدول؛ لذا فهي لا تعترف فعلياً بالرئيس محمود عباس رئيساً لمنظمة التحرير ورئيساً للسلطة الفلسطينية، وعملياً سيكون هو المحاور في رام الله، لعدم وجود بديل».

ومع ذلك، أكد أن بريطانيا قد صنفت «حماس» بالفعل جماعة إرهابية، وأن هذا لن يتغير.

وأضافت نورمان أن السلطة الفلسطينية هي حالياً الكيان الحاكم الرئيسي للفلسطينيين في الضفة الغربية، التي اعترفت بها المملكة المتحدة، ولديها خطوط اتصال معها منذ فترة طويلة، وإذا اعترفت بريطانيا بالدولة الفلسطينية فلن يتغيّر هذا وسيستمر.

وقال فنسنت أيضاً إن احتمالية تولي «حماس» رئاسة فلسطين لاحقاً «صفر تقريباً»؛ لأن فرص فوزهم في الانتخابات «ضئيلة».

وأضاف أن خطة الحكم المستقبلي لغزة، بمشاركة السلطة الفلسطينية، ستكون محور اجتماع الأمم المتحدة المنعقد هذا الأسبوع.

ما الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية؟

أصبحت فرنسا أحدث دولة تعلن اعترافها بالدولة الفلسطينية، مما أثار انتقادات غاضبة من إسرائيل والولايات المتحدة، وفتح الباب أمام دول كبرى أخرى لربما تحذو حذوها.

ونشر ماكرون، الأسبوع الماضي، رسالة موجهة إلى عباس يؤكد فيها عزم فرنسا المضي قدماً في الاعتراف والعمل على إقناع الشركاء الآخرين بالقيام بالمثل، وقال إنه سيُصدر إعلاناً رسمياً في الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر المقبل.

وتعدّ فرنسا الآن أول قوة غربية كبرى تُغيّر موقفها الدبلوماسي تجاه الدولة الفلسطينية، بعد أن اعترفت بها إسبانيا وآيرلندا والنرويج رسمياً العام الماضي.

وأصدرت الدول الثلاث إعلاناً، واتفقت على ترسيم حدودها كما كانت قبل حرب عام 1967، عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية.

مع ذلك، أقرت هذه الدول أيضاً بإمكانية تغيير هذه الحدود حال التوصل إلى تسوية نهائية بشأن هذه الأراضي، وأن قراراتها لا تُضعف إيمانها بحق إسرائيل الأساسي في الوجود بأمن وسلام.

وتعترف نحو 144 دولة من أصل 193 دولة عضوة في الأمم المتحدة بفلسطين دولة، بما في ذلك معظم دول الجنوب، بالإضافة إلى روسيا والصين والهند؛ لكن قلة قليلة من أعضاء الاتحاد الأوروبي الـ27 تعترف بذلك، ومعظمهم من الدول الشيوعية السابقة، بالإضافة إلى السويد وقبرص.

ووافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على الاعتراف الفعلي بدولة فلسطين ذات السيادة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، وذلك بترقية وضعها مراقباً في المنظمة الدولية من «كيان» إلى «دولة غير عضو».

طائرة مُسيَّرة تحمل علم فلسطين تحلّق فوق ملعب «أليانز» جنوب غربي لندن (أ.ف.ب)

ما الآثار الدولية على اعتراف المملكة المتحدة بالدولة الفلسطينية؟

قالت نورمان: «هنا تكمن أهمية الأمر»، حيث إن قيام قوتين عالميتين رئيسيتين، مثل المملكة المتحدة وفرنسا، بهذه الخطوة سيكون «مهماً»، وسيُمهّد الطريق إلى محادثات حول هذه القضية تجري في أماكن أخرى، مثل كندا.

وأضافت: «هذا يبدأ بعزل الولايات المتحدة بوصفها قوة رئيسية تدعم إسرائيل باستثناء فلسطين. هذا يجعلها استثناءً، ويُظهر أن بقية العالم متحدة نوعاً ما في حق تقرير المصير الفلسطيني، وهو ما كانت عليه سياسة المملكة المتحدة منذ فترة. إذا كنا جادين في ذلك فعلينا أن نكون جادين في ذلك أيضاً».

وأضافت: «ليس لدينا وزن عسكري كبير مثل الولايات المتحدة، لكن لا يزال لدينا وزن دبلوماسي، وعلينا أن نستخدم ما في وسعنا، وسيُظهر ذلك أن أوروبا ملتزمة بحل الدولتَين، ولن تدع ذلك يختفي أو يبقى في الخلفية».


مقالات ذات صلة

ترمب يعرض على السيسي وساطة بشأن «سد النهضة»

تحليل إخباري ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)

ترمب يعرض على السيسي وساطة بشأن «سد النهضة»

أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي.

هشام المياني (القاهرة)
المشرق العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز) play-circle

السيسي يدرس دعوة تلقاها من ترمب للانضمام إلى «مجلس سلام غزة»

أعلن وزير الخارجية المصري، السبت، أن القاهرة تدرس الانضمام إلى «مجلس السلام» بشأن غزة، وذلك بعد تلقي الرئيس السيسي دعوة بذلك من نظيره الأميركي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يحاولون اقتناص أجولة طحين (دقيق) من شاحنة تحمل مساعدات من برنامج الأغذية العالمي أثناء سيرها في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ب)

«الأونروا»: إسرائيل تواصل منع دخول مواد الإغاثة والإيواء لقطاع غزة

أكدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، السبت، أن إسرائيل مستمرة في منعها من إدخال مواد الإغاثة والإيواء العالقة خارج قطاع غزة منذ أشهر.

«الشرق الأوسط» (غزة )
شؤون إقليمية مقاتلون من حركة «حماس» في غزة (أرشيفية - رويترز)

إسرائيل: نزع سلاح «حماس» خلال شهرين... وإلا فالحرب

إسرائيل تعطي الجميع مهلة شهرين من أجل نزع سلاح «حماس» وإلا قامت بذلك بنفسها بعمل عسكري.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي قادة أميركا ومصر وقطر وتركيا خلال التوقيع على وثيقة «وقف الحرب» في غزة أثناء قمة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ) play-circle

ترمب يدعو السيسي وإردوغان للانضمام إلى مجلس السلام بغزة

كشفت القاهرة وأنقرة السبت، عن دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لنظيريه المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان للانضمام إلى «مجلس السلام»  الخاص بغزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

عضو كونغرس أميركي يهدد بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)
عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)
TT

عضو كونغرس أميركي يهدد بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)
عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)

هدد عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، اليوم السبت، بإعادة فرض العقوبات على سوريا وفقاً لقانون قيصر، إذا قام الجيش بأي عملية عسكرية ضد القوات الكردية.

وقال عضو الكونغرس الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، وهو حليف للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إنه «إذا استخدمت الحكومة السورية الجديدة القوة العسكرية ضد الأكراد السوريين و(قوات سوريا الديمقراطية)، فسيؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار هائلة في سوريا والمنطقة، وسيكشف لي كل ما أحتاج إلى معرفته عن هذا النظام الجديد».

وأضاف عبر منصة «إكس» أنه «إذا أقدمت الحكومة السورية على عمل عسكري، فسأبذل قصارى جهدي لإعادة تفعيل عقوبات قانون قيصر، وجعلها أشد وطأة».

وأفاد ​مصدر أمني سوري، وكالة «رويترز» للأنباء، بأن طائرات ‌التحالف الدولي الذي ‌تقوده ‌الولايات المتحدة ⁠حلقت ​فوق ‌بلدات تشهد توتراً في شمال سوريا، حيث دارت اشتباكات ⁠بين قوات ‌الجيش السوري والفصائل الكردية، اليوم السبت.

وتتبادل دمشق والإدارة الكردية منذ أشهر الاتهامات بإفشال تطبيق اتفاق مارس (آذار) الذي كان يُفترض إنجازه في نهاية 2025، ونصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في الدولة السورية.

ودعمت الولايات المتحدة «قوات سوريا الديمقراطية» لسنوات طويلة، لكنها الآن تدعم أيضاً السلطة الجديدة في دمشق التي تشكلت عقب إسقاط حُكم عائلة الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وتوصل الكونغرس الأميركي في ديسمبر (كانون الأول) إلى اتفاق من شأنه أن يلغي عقوبات قيصر على سوريا نهائياً، فاتحاً صفحة جديدة من الأمل للبلاد التي رسخت لأكثر من خمس سنوات تحت وطأة عقوبات قاسية فرضتها الولايات المتحدة على نظام الأسد.

كان «قانون قيصر» من أكثر قوانين العقوبات صرامة؛ إذ يمنع التعامل مالياً مع مؤسسات الدولة السورية، ويعاقب أي جهة أجنبية تتعاون مع دمشق.


العراق: انسداد كردي وتردد شيعي يعطّلان حسم «الرئاسات»

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)
السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق: انسداد كردي وتردد شيعي يعطّلان حسم «الرئاسات»

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)
السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)

في وقت يُفترض أن يحسم فيه «الإطار التنسيقي الشيعي» في العراق مرشحه لمنصب رئيس مجلس الوزراء، لا تزال المفاوضات بين الحزبَين الكرديين الرئيسيين في إقليم كردستان، «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، و«الاتحاد الوطني الكردستاني» برئاسة بافل طالباني، تراوح مكانها من دون التوصل إلى اتفاق بشأن منصب رئيس الجمهورية، وهو ما يعقّد مسار استكمال الاستحقاقات الدستورية المرتبطة بتشكيل السلطات.

وكانت قوى «الإطار التنسيقي الشيعي» قد أعلنت، في الأسبوع الماضي، أنها حسمت اسم المرشح لمنصب رئاسة الحكومة، غير أن رسالة صدرت عن المرجعية الدينية الشيعية العليا في النجف أدّت إلى تعطيل إعلان هذا المرشح رسمياً، الذي تبيّن لاحقاً أنه رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي تنازل له رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني عن حقه في تشكيل الحكومة.

رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني لا يزال الرقم الأصعب في المعادلة السياسية (د.ب.أ)

وعلى الرغم من ذلك، لا يزال السوداني، بصفته زعيم «ائتلاف الإعمار والتنمية» ورئيس الحكومة الحالي، يمثّل الرقم الأصعب في المعادلة السياسية، خصوصاً بعد تراجع «قوى الإطار» عن طرح اسم المالكي بشكل علني، في ظل بروز خلافات داخلية بين مكونات «الإطار» نفسها.

وشهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حدة المناورات السياسية داخل العراق، مع اتساع نطاق النقاشات والمفاوضات الهادفة إلى تضييق الخيارات وحسم أسماء المرشحين لمنصبَي رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، ضمن المدد الدستورية التي حددها مجلس القضاء الأعلى. ووفقاً للوثيقة التي نشرها المجلس، فإن المدد الدستورية تشمل انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ التصديق على نتائج الانتخابات، وانتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يوماً، على أن يكلّف رئيس الجمهورية المنتخب مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة خلال خمسة عشر يوماً، فيما يمنح رئيس الوزراء المكلف 30 يوماً لتقديم تشكيلته الوزارية.

لا وفاق ولا اتفاق

وفي ظل هذه المدد، أعلن مجلس النواب العراقي قبول 15 طلب ترشح لمنصب رئاسة الجمهورية ممن استوفوا الشروط القانونية، من بين نحو 81 مرشحاً تقدموا بطلباتهم، مما أدى إلى تصاعد التكتيكات السياسية داخل الكتل البرلمانية، بهدف تقليص عدد المرشحين والتوصل إلى اسم واحد يمكن التوافق عليه داخل البرلمان. وفي هذا الإطار، أكد مصدر كردي مطلع لـ«الشرق الأوسط» أن المفاوضات بين الحزبَين الكرديين الرئيسيين أحرزت تقدماً فيما يتعلق بتشكيل حكومة إقليم كردستان، التي تعذّر تشكيلها لأكثر من عام ونصف العام بسبب الخلافات السياسية، غير أن المفاوضات بشأن منصب رئيس الجمهورية لا تزال تشهد تعثراً واضحاً، من دون تحقيق اختراق حقيقي حتى الآن.

قوى «الإطار التنسيقي» خلال أحد اجتماعاتها بحضور رئيس الحكومة محمد شياع السوداني (أرشيفية - واع)

وفي الوقت الذي لم يتوصل فيه البيت الكردي إلى توافق حول مرشح موحد لرئاسة الجمهورية، سواء من أحد الحزبَين أو عبر طرح مرشح تسوية، لم يشهد البيت الشيعي بدوره اتفاقاً نهائياً بشأن منصب رئيس مجلس الوزراء. فعلى الرغم من تداول اسم نوري المالكي مرشحاً محتملاً، فإن غياب الإعلان الرسمي يعكس حجم التردد والانقسام داخل «الإطار التنسيقي»، في وقت تشير فيه التقديرات السياسية إلى أن الأنظار قد تتجه مجدداً نحو محمد شياع السوداني، الذي تصدّر نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في أواخر العام الماضي.

ومع اقتراب انتهاء المدد الدستورية الخاصة باستكمال انتخاب «الرئاسات»، تتزايد المخاوف من حدوث فراغ دستوري في حال عدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل نهاية الشهر الحالي. ولا تزال الخلافات بين الأطراف الكردية قائمة، من دون أفق واضح لحسمها، باستثناء خيار طرح أكثر من مرشح وترك القرار للتصويت العلني داخل مجلس النواب.

فؤاد حسين مرشح «الحزب الديمقراطي الكردستاني» لمنصب رئاسة الجمهورية (الخارجية العراقية)

وكان «الحزب الديمقراطي الكردستاني» قد قرّر ترشيح وزير الخارجية فؤاد حسين لمنصب رئاسة الجمهورية، إلى جانب ترشيح محافظ أربيل السابق نوزاد هادي مرشحاً بديلاً، في خطوة عكست سعي الحزب إلى تحصين موقعه التفاوضي من خلال وضع خيارَين على طاولة التوافق. في المقابل، أعلن «الاتحاد الوطني الكردستاني» ترشيح نزار آميدي مرشحاً وحيداً له، مما يعكس عمق الانقسام داخل البيت الكردي حول هذا الاستحقاق.

أما على الصعيد الشيعي فقد أثارت التسريبات المتعلقة بترشيح نوري المالكي تساؤلات بشأن طبيعة رهانات «الإطار التنسيقي» ومدى انسجام أجنحته، بالإضافة إلى قدرته، في حال تم تثبيت هذا الخيار، على إنهاء الخلافات المرتبطة بتشكيل الحكومة وإقناع الشركاء السياسيين الآخرين، مع الالتزام بالمدد الدستورية وعدم تجاوزها.

وفي هذا السياق، قال الخبير القانوني الدكتور سيف السعدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن المدد الدستورية تُعدّ تنظيمية وليست حتمية، ولا يترتب على تجاوزها جزاء إجرائي مباشر. وأوضح أن المادة «54» من الدستور، وكذلك المادة «72»، قد جرى تجاوز المدد المنصوص عليها فيهما خلال الدورات البرلمانية السابقة، من دون أن يؤدي ذلك إلى آثار قانونية مباشرة. غير أن السعدي أشار إلى أن المتغير الأبرز هذه المرة يتمثّل في تأكيد رئيس مجلس القضاء الأعلى ضرورة الالتزام بالمدد الدستورية، بوصفها جزءاً من النظام العام، فضلاً عن أن المعطيات الجيوسياسية المحيطة بالعراق تفرض على القوى السياسية الإسراع في تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات. ولفت إلى أن تجاوز هذه المدد، وإن لم يترتب عليه جزاء قانوني، فإنه يعطي انطباعاً سلبياً عن مدى احترام القوى السياسية دستور البلاد. وختم بالقول إن «مجلس النواب لا يستطيع أداء دورَيه التشريعي والرقابي بشكل منتظم من دون وجود حكومة مكتملة الصلاحيات».

وفي ضوء هذا المشهد، يبدو أن العراق يقف عند مفترق حساس بين منطق التسويات السياسية المتعثرة وضغط التوقيتات الدستورية المتسارعة. فغياب التوافق داخل البيتَين الكردي والشيعي لا يهدد فقط استكمال الاستحقاقات الدستورية، بل يضع العملية السياسية برمتها أمام اختبار جديد يتعلق بقدرة القوى الفاعلة على تجاوز حساباتها الضيقة، والاستجابة لمتطلبات الاستقرار السياسي والمؤسسي. وبينما يظل تجاوز المدد الدستورية ممكناً من الناحية القانونية، فإن كلفته السياسية هذه المرة قد تكون أعلى، في ظل الضغوط الداخلية والدولية، مما يجعل خيار التفاهم والتسوية أقل كلفة من استمرار المراوحة والدخول في فراغ دستوري مفتوح.

Your Premium trial has ended


السيسي يدرس دعوة تلقاها من ترمب للانضمام إلى «مجلس سلام غزة»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز)
TT

السيسي يدرس دعوة تلقاها من ترمب للانضمام إلى «مجلس سلام غزة»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز)

أعلن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، السبت، أن القاهرة تدرس الانضمام إلى «مجلس السلام» بشأن غزة، وذلك بعد تلقي الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوة من نظيره الأميركي دونالد ترمب لشغل مقعد فيه.

وقال عبد العاطي في مؤتمر صحافي: «تلقينا دعوة من الجانب الأميركي موجهة من الرئيس الأميركي إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي للانضمام إلى (مجلس السلام)، ونحن ندرس هذا الأمر وندرس كل الوثائق»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف وزير الخارجية المصري أن تشكيل المجلس يمثل جزءاً من الاستحقاقات لقرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي نص على تشكيل «مجلس السلام» برئاسة ترمب وعضوية 25 من رؤساء الدول في العالم، من بينها مصر.

وأعلن الرئيسان التركي والأرجنتيني ورئيس الوزراء الكندي تلقيهم دعوات للانضمام إلى «مجلس السلام» بشأن غزة. ومن المقرر أن يشرف المجلس على الحكم المؤقت للقطاع الذي ​يشهد وقف إطلاق نار هشاً ⁠منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأعلن البيت الأبيض، الجمعة، أسماء «مجلس السلام»، وشملت وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص لترمب ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وصهر ترمب جاريد كوشنر. وتشير خطة ترمب التي تم الكشف عنها في أكتوبر إلى أن الرئيس الأميركي سيرأس المجلس.

ولم يحدد بيان البيت الأبيض مسؤوليات كل عضو. ولا تتضمن الأسماء أي فلسطينيين. وقال البيت الأبيض إنه من المقرر إعلان المزيد من الأعضاء خلال الأسابيع المقبلة.