مؤتمر «حل الدولتين» ينطلق بزخم استثنائي… وترمب لا يبدي «ممانعة»

الاعترافات بفلسطين تمهد لتجسيد فعلي لقرارات ظلت حبراً على ورق 8 عقود

TT

مؤتمر «حل الدولتين» ينطلق بزخم استثنائي… وترمب لا يبدي «ممانعة»

الأمين العام للأمم المتحدة الأمين أنطونيو غوتيريش يتحدث عبر الفيديو خلال مؤتمر «حل الدولتين» (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة الأمين أنطونيو غوتيريش يتحدث عبر الفيديو خلال مؤتمر «حل الدولتين» (رويترز)

اتخذ المجتمع الدولي خطوة استثنائية لتجسيد حل الدولتين، فلسطين إلى جانب إسرائيل، على أرض الواقع بعد زهاء 8 عقود من الصراعات والحروب، ومن القرارات والمواقف الدولية التي بقيت حبراً على ورق، ولم تمنح الفلسطينيين حقهم الفعلي في تقرير المصير.

وبزخم جديد انطلقت، الاثنين، أعمال المؤتمر الدولي رفيع المستوى الذي تستضيفه الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك على مدى يومين، وترعاه المملكة العربية السعودية بمشاركة فرنسية، «من أجل التسوية السلمية لقضية فلسطين وتنفيذ حل الدولتين»، وسط عدم اعتراض جدّي من الولايات المتحدة على الرغم من اختيارها عدم المشاركة.

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط الصورة التذكارية للمشاركين في مؤتمر «حل الدولتين» (رويترز)

وفي حين أن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قراره الاعتراف بدولة فلسطين ربما كان مقدمة لسلسلة اعترافات أخرى لا سابق لها من دول غربية وأوروبية، بالإضافة إلى دول كبرى في الأميركيتين ومنطقة جنوب شرقي آسيا، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سئل خلال اليومين الماضيين عن الموضوع، تجنب الخوض كثيراً في هذه الاعترافات المتوقعة بدولة فلسطين، قائلاً: «فليفعلوا ما يشاؤون»، في مؤشر لافت إلى «عدم قيام الولايات المتحدة بجهود خاصة لوقف هذا الزخم»، وفقاً لما قاله مصدر أوروبي كبير لـ«الشرق الأوسط».

وتدفق العشرات من وزراء الخارجية والمسؤولين الكبار من كل دول العالم إلى المؤتمر الذي انعقد تحت قبة الجمعية العامة في نيويورك للترويج لحل الدولتين، بقيادة وزيري الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، والفرنسي جان نويل بارو، ومشاركة العشرات من وزراء الخارجية الآخرين.

وتتغيب إسرائيل والولايات المتحدة عن الاجتماع. لكن عندما سئل ترمب عن احتمال إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الاعتراف بدولة فلسطين، على غرار ما فعله ماكرون، قال: «لا أمانع أن يتخذ موقفاً». وهي عبارة قالها من قبل أيضاً، في مؤشر على عدم اعتراض إدارته على هذه الخطوات التي يرفضها بشدة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر قبيل اجتماعهما في منتجع في اسكوتلندا يوم الاثنين (إ.ب.أ)

«فرصة نادرة»

في الافتتاح، شكر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش المملكة العربية السعودية التي ترعى المؤتمر الدولي بمشاركة فرنسا، قائلاً: «إن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي مستمر منذ أجيال، متحدياً... الدبلوماسية، وقرارات لا تحصى... متحدياً القانون الدولي».

وأشار إلى أن استمرار النزاع جعل «حل الدولتين أبعد من أي وقت مضى».

وبينما أكد أنه «لا شيء يبرر هجمات (حماس) الإرهابية المروعة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 واحتجاز رهائن»، شدد أيضاً على أنه «لا شيء يبرر تدمير غزة... وتجويع السكان».

وتحدث الأمين العام أيضاً عن «التوسع الاستيطاني المتواصل، وتصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين»، مؤكداً أن «الضم التدريجي للضفة الغربية المحتلة غير قانوني، ويجب أن يتوقف». ورأى أن ما يحدث «جزء من واقع منهجي يُفكك ركائز السلام في الشرق الأوسط».

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (الأمم المتحدة)

وقال غوتيريش إن مؤتمر حل الدولتين «يُمثل فرصة نادرة»؛ إذ «يمكنه، بل يجب، أن يكون نقطة تحول حاسمة، نقطة تُحفز تقدماً لا رجعة فيه نحو إنهاء الاحتلال»، داعياً إلى إنشاء «دولتين مستقلتين، متجاورتين، ديمقراطيتين، وذواتي سيادة، معترف بهما من الجميع، ومندمجتين بالكامل في المجتمع الدولي... على أساس خطوط ما قبل عام 1967، والقدس عاصمة لكلتا الدولتين».

من جانبه، أكد وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، أن المملكة تؤمن بأن حل الدولتين مفتاح لاستقرار المنطقة، مشيراً إلى أن مؤتمر نيويورك محطة مفصلية نحو تنفيذ هذا الحل.

وأضاف خلال كلمته في المؤتمر أن تحقيق الاستقرار في المنطقة يبدأ بمنح الشعب الفلسطيني حقوقه، وقال: «المملكة تؤمن بأن حل الدولتين مفتاح لاستقرار المنطقة»، مثمناً إعلان الرئيس الفرنسي نيته الاعتراف بدولة فلسطين.

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في كلمته بمؤتمر حل الدولتين (أ.ف.ب)

وأكد الوزير السعودي أن الكارثة الإنسانية في غزة يجب أن تتوقف فوراً، وأن بلاده أمَّنت مع فرنسا تحويل 300 مليون دولار من البنك الدولي لفلسطين.

وقال وزير الخارجية الفرنسي بارو: «لا يمكن القبول باستهداف المدنيين في غزة»، مشيراً إلى أن الحرب في القطاع دامت فترة طويلة، ويجب أن تتوقف.

وتابع في كلمته في المؤتمر: «علينا أن نعمل على جعل حل الدولتين واقعاً ملموساً»، مبيناً أن حل الدولتين يلبّي الطموحات المشروعة للفلسطينيين، وأن مؤتمر حل الدولتين يجب أن يكون نقطة تحوُّل لتنفيذ الحل، وأضاف: «أطلقنا زخماً لا يمكن وقفه للوصول إلى حل سياسي في الشرق الأوسط».

ومضى قائلاً: «كان من الضروري للغاية استئناف العملية السياسية، عملية حل الدولتين، التي تتعرض اليوم لتهديد أكبر من أي وقت مضى».

«فرصة تاريخية»

من جهته، ثمّن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى دور السعودية وفرنسا في قيادتهما مؤتمر «حل الدولتَين»، مؤكداً أن انعقاد مثل هذا المؤتمر يمثل فرصة تاريخية للجميع.

وشدد مصطفى على ضرورة العمل على توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة، داعياً حركة «حماس» لتسليم سلاحها إلى السلطة الفلسطينية.

وتشارك في المؤتمر 17 دولة، فضلاً عن الرئاسة السعودية - الفرنسية المشتركة في لجان مختلفة لإعداد وثيقتين رئيسيتين يُتوقع صدورهما عن المؤتمر، وتشيران على نحو خاص إلى منشأ المشكلة مع انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، والتصورات التي وضعتها خطة التقسيم التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1947 بدولتين، يهودية وعربية.

وعلى الرغم من أن إسرائيل قبلت الخطة بداية، فإنها تراجعت لاحقاً، وبقيت الخطة منذ ذلك الحين حبراً على ورق. وشكلت فكرة حل الدولتين، المستندة إلى حدود ما قبل حرب عام 1967، أساس محادثات السلام التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي.

إطار زمني

وحيال الوضع المتفجر في المنطقة، أطلقت المملكة العربية السعودية بمشاركة فرنسا زخماً جديداً لتجسيد حل الدولتين بوصفه السبيل الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وعملتا على إعداد «خريطة طريق» تتضمن خطوات محددة، أولاها إنهاء الحرب في غزة، مع تحديد الإجراءات التي ينبغي أن تتخذها «كل الجهات الفاعلة ذات الصلة لتنفيذ حل الدولتين... من خلال التزامات ملموسة ومحددة زمنياً».

وقالت الدبلوماسية السعودية منال رضوان إن المؤتمر يجب أن «يرتكز على خطة سياسية موثوق بها لا رجعة فيها، تعالج السبب الجذري للصراع، وتوفر مساراً حقيقياً للسلام والكرامة والأمن المتبادل».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ونظيره الإسباني خوسيه مانويل آلباريز خلال اجتماعهما في مقر البعثة الفرنسية في نيويورك يوم الاثنين (أ.ف.ب)

ومع فرنسا، تجاوز عدد الدول المعترفة بفلسطين 145 من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، البالغ عددها 193. ومن المتوقع أن تعلن دول أخرى عن اتخاذ خطوات مماثلة لقرار الرئيس الفرنسي ماكرون.

ويُنتظر أن يؤدي هذا المؤتمر إلى دفعة جديدة في اتجاه انعقاد قمة لا تزال مُتوقعة في سبتمبر (أيلول) المقبل، إما في باريس وإما في نيويورك، على هامش الاجتماعات رفيعة المستوى ضمن الدورة السنوية الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.


مقالات ذات صلة

إد شيران: حرب إسرائيل على غزة كارثية ولا يمكن تبريرها

يوميات الشرق نجم البوب البريطاني إد شيران (أ.ب)

إد شيران: حرب إسرائيل على غزة كارثية ولا يمكن تبريرها

وفي أول تعليق له على القضية، انتقد المغني البريطاني معاملة إسرائيل لسكان غزة، ووصفها بأنها «لا يمكن تبريرها».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي جنود إسرائيليون في الضفة الغربية (رويترز) p-circle

الرئيس الإسرائيلي يعفو عن جندي قتل فلسطينياً مصاباً في الضفة الغربية

منح الرئيس الإسرائيلي، السبت، عفواً لجندي سابق قتل فلسطينياً كان الجيش قد أطلق عليه الرصاص وطرحه أرضاً بعد مهاجمته أحد عناصره في مدينة الخليل بالضفة الغربية.

«الشرق الأوسط»
العالم العربي فلسطينيون اتخذوا ملجأ بجوار منزل متضرر من القصف الإسرائيلي على قطاع غزة (أ.ب)

قتيل وإصابات إثر قصف إسرائيلي استهدف دراجة نارية في غزة

قُتل فلسطيني وأصيب آخرون، الجمعة، جرّاء قصف للقوات الإسرائيلية استهدف دراجة نارية غرب مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي السيسي مستقبلاً عباس في القاهرة 8 يناير 2024 (إ.ب.أ)

السيسي يجدد التأكيد على موقف مصر الرافض لتهجير الفلسطينيين

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم الأربعاء أن القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية في المنطقة إلى حين تسويتها بشكل عادل وشامل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق يوفال أبراهام وراشيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عن فيلمهما «نازا» (أ.ف.ب)

وزير إسرائيلي يتعهد بتجريد صانعي فيلم «نازا» من الجنسية

هدد وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار بتجريد صانعي فيلم «نازا» يوفال أبراهام وراشيل تسور من جنسيتهما.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

واشنطن تندد بغياب سلطة «شرعية» في السودان

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي (أرشيفية)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي (أرشيفية)
TT

واشنطن تندد بغياب سلطة «شرعية» في السودان

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي (أرشيفية)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي (أرشيفية)

انتقدت الولايات المتحدة، الثلاثاء، غياب سلطة «شرعية» في السودان، معتبرة أن القوتين العسكريتين المتنافستين لم تقدما التزامات جدية لإنهاء الحرب في البلاد.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت «لا القوات المسلحة السودانية ولا قوات الدعم السريع ولا قياداتهما تمثل سلطة شرعية ودستورية في السودان، إذ إنها تحكم بقوة السلاح وحدها».

وأضاف في بيان أن «سلوك قائدي الفصيلين المتحاربين يجعلهما غير مؤهلين لحكم البلاد».


العراق يرجئ «نزع السلاح» إلى منتصف 2027


رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال لقائه مساء الاثنين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال لقائه مساء الاثنين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك (إعلام حكومي)
TT

العراق يرجئ «نزع السلاح» إلى منتصف 2027


رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال لقائه مساء الاثنين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال لقائه مساء الاثنين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك (إعلام حكومي)

أرجأ العراق خطته لنزع سلاح الفصائل إلى منتصف عام 2027، بعدما كان موعدها محدداً بنهاية الشهر الحالي.

وأعلن رئيس الحكومة علي الزيدي، أمس، خطة لدمج عناصر الفصائل «تبدأ بمرحلة مدتها 90 يوماً تضمن وقف هجماتها مقابل عدم تعرضها لضربات أميركية».

إلا أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، قال إنه «اتفق مع الزيدي على تفكيك الميليشيات ووقف هجماتها»، وفق بيان صدر عقب اجتماعهما في نيويورك.

وتحدث المبعوث الأميركي توم براك، عن تعهد عراقي بأنه «بحلول نهاية يونيو (حزيران) 2027، ستكون الدولة هي الجهة الوحيدة التي تمتلك القوة العسكرية».


الغزيون تحت أسقف مهددة بلا بديل


الفلسطيني بسام نصير النازح في مدينة غزة يقف بين أنقاض مبنى متهدم يؤويه وعائلته (الشرق الأوسط)
الفلسطيني بسام نصير النازح في مدينة غزة يقف بين أنقاض مبنى متهدم يؤويه وعائلته (الشرق الأوسط)
TT

الغزيون تحت أسقف مهددة بلا بديل


الفلسطيني بسام نصير النازح في مدينة غزة يقف بين أنقاض مبنى متهدم يؤويه وعائلته (الشرق الأوسط)
الفلسطيني بسام نصير النازح في مدينة غزة يقف بين أنقاض مبنى متهدم يؤويه وعائلته (الشرق الأوسط)

يقدِّر مسؤولون في غزة عدد المباني المهدَّدة بالانهيار والمأهولة بالسكان في القطاع بنحو ألفي مبنى، ومع ذلك فإن الأهالي والمسؤولين يقرون بعدم وجود بديل يحميهم من التهديدات بسقوط الأسقف التي تؤويهم.

وتحدث شهود عيان ومتضررون من انهيار بناية «السعادة» في مدينة غزة قبل أسبوع إلى «الشرق الأوسط» عن أخطار محتملة مع قرب الشتاء والأمطار، ما قد يسرع من انهيار مبانٍ أخرى خربتها الحرب الإسرائيلية على القطاع.