استثمارات سعودية تعيد سوريا إلى خريطة المشهد الاقتصادي العالمي

توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بـ6.4 مليار دولار

الرئيس السوري أحمد الشرع بجانب وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح وعدد من المسؤولين في المنتدى (الشرق الأوسط)
الرئيس السوري أحمد الشرع بجانب وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح وعدد من المسؤولين في المنتدى (الشرق الأوسط)
TT

استثمارات سعودية تعيد سوريا إلى خريطة المشهد الاقتصادي العالمي

الرئيس السوري أحمد الشرع بجانب وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح وعدد من المسؤولين في المنتدى (الشرق الأوسط)
الرئيس السوري أحمد الشرع بجانب وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح وعدد من المسؤولين في المنتدى (الشرق الأوسط)

بحضور حشد كبير من رجال الأعمال آتين من السعودية إلى دمشق، بتوجيه من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ومع عقد «منتدى الاستثمار السوري - السعودي 2025»، الذي شهد توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة إجمالية تصل إلى 24 مليار ريال (6.4 مليار دولار)، باتت نيات المملكة واضحة لإعادة سوريا إلى خريطة المشهد الاقتصادي إقليمياً ودولياً، بعد أن صرح عدد من المسؤولين السعوديين بأن هذه الخطوة ستكون نقطة انطلاقة لتدفق الاستثمارات إلى البلاد بهدف النهوض باقتصادها في المرحلة المقبلة، والقيام بتحالفات استثمارية دولية لجذب الاستثمار إلى سوريا.

وأعلن وزير الاستثمار السعودي المهندس خالد الفالح، خلال كلمته في افتتاح المنتدى، الذي انعقد في قصر الشعب بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، أن الأمير محمد بن سلمان وجَّه بتأسيس مجلس أعمال سعودي-سوري بشكل عاجل، على أن تكون عضوية ورئاسة هذا المجلس على أعلى المستويات من رجال وقادة الأعمال، ليكون بذلك القطاع الخاص السعودي هو الشريك الأول لسوريا في هذه المرحلة.

وأوضح الفالح أن هذه الخطوة تعكس حرص المملكة على تطوير الاستثمارات في سوريا، مشيراً إلى أن العلاقات بين المملكة وسوريا ليست وليدة اللحظة، بل هي ممتدة وراسخة منذ أزمنة بعيدة، مشيراً إلى أن المنتدى الاستثماري المنعقد حالياً لا يهدف إلى بناء جسور جديدة بقدر ما هو تعبير عن روابط متجذرة اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً.

القطاعات المستهدفة

وأبان الفالح أن بلاد الشام وجزيرة العرب شكّلتا عبر العصور محورين حيويين في منظومة التجارة العالمية، عبر طريق الحرير والبخور والبهارات الممتدة من شرق العالم إلى غربه، مضيفاً أن المملكة وسوريا ظلّتا على مدى العقود الماضية وجهين لعملة اقتصادية واجتماعية وسياسية واحدة، إذ شكّلت دمشق مركزاً مفضلاً للأسر السعودية التي امتهنت التجارة عبر الأجيال.

الوزير الفالح متحدثاً للحضور في كلمته الافتتاحية (الشرق الأوسط)

ونوّه الوزير بأن الزيارة الحالية تعبّر عن حرص المملكة على تطوير علاقاتها مع سوريا، لا سيما في شقها الاقتصادي والاستثماري، حيث يشهد المنتدى حضور أكثر من 20 جهة حكومية، إلى جانب أكثر من 100 شركة رائدة من القطاع الخاص، منها شركات دولية لها استثمارات ممتدة عبر القارات.

وأكد أن هذه الشركات بصدد الدخول إلى السوق السورية في مجالات حيوية تشمل الطاقة، والصناعة، والبنية التحتية، والعقارات، والخدمات المالية، والصحة، والزراعة، والاتصالات وتقنية المعلومات، والمقاولات، والتعليم، وغيرها.

وكشف توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة إجمالية تقارب 24 مليار ريال (6.4 مليار دولار)، معلناً أنه سيتم إنشاء مصانع جديدة للأسمنت في سوريا.

وأشار الفالح إلى أن السعودية فتحت المجال للقطاع الخاص لزيارة سوريا واستكشاف الفرص الاستثمارية، مبيناً أن العديد من المستثمرين السعوديين باتوا يبادرون فعلياً في هذا الاتجاه دون الحاجة إلى توجيه مباشر، مؤكداً على دعم الحكومة لهم وتمكينهم.

كما تطرق الفالح إلى الخطوات الجريئة والإيجابية التي اتخذتها الحكومة السورية لتحسين مناخ الاستثمار، وفي مقدمتها تعديل قانون الاستثمار بتاريخ 24 يونيو (حزيران) من العام الحالي، والذي منح المستثمرين مزيداً من الضمانات والحوافز، وعزز مستويات الشفافية، وأسهم في تسهيل الإجراءات الاستثمارية، مما يهيئ بيئة أكثر جاذبية للاستثمار المحلي والأجنبي.

حضور عدد من رجال الأعمال السعوديين والسوريين خلال المنتدى (الشرق الأوسط)

التكامل الاقتصادي

وكان وزير الصناعة السوري نضال الشعار، قد أعلن في كلمة له في افتتاح المنتدى، أن زيارة الوفد السعودي تأتي في وقت بالغ الأهمية. وأكد أن العلاقات الأخوية والتاريخ المشترك بين سوريا والسعودية يشكِّلان أساساً متيناً لانطلاقة جديدة نحو شراكات استراتيجية فعالة، تُسهم في خدمة المصالح العليا للشعبين، وتفتح آفاقاً واسعة للاستثمار والتنمية والتكامل الاقتصادي.

وطبقاً للوزير الشعار، فإن الزيارة الحالية للوفد السعودي تجسِّد روح التعاون العربي، وتعزِّز قيم الأخوة والعمل المشترك، مشيراً إلى أن سوريا تنظر بتفاؤل كبير إلى ما تحمله المرحلة المقبلة من فرص واعدة في مختلف المجالات.

ولفت إلى التزام الحكومة السورية بتعزيز بيئة الاستثمار، وتوفير كل التسهيلات، والدعم اللازم للمستثمرين، مؤكداً على المضي قدماً في دعم هذا المسار لما فيه من تحقيق للمصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة للشعبَين والبلدَين.

جلسة وزارية

من ناحية أخرى، أقيم خلال «منتدى الاستثمار السوري-السعودي 2025»، جلسة وزارية بمشاركة عدد من الوزراء والمسؤولين من البلدين.

وأفاد الفالح، خلال الجلسة، بأن سوريا الجديدة لديها الرغبة الجارفة للاستثمار واكتشاف الفرص في البلاد، مؤكداً أن هذا الإقبال والحضور اليوم في المنتدى والإعلان عن الاستثمارات ستتبعه موجات من المشروعات المقبلة.

وتابع الفالح: «عندنا ثقة بأن السوريين سينهضون باقتصاد البلاد، والضمانات والشفافية مهمة، وهي عوامل مشجعة للاستثمار، والمنتدى اليوم سيكون شرارة استثمارات قادمة إلى دمشق».

من جانبه، أوضح وزير الاقتصاد السوري، محمد الشعار، أنه منذ عقود والبلاد تنتظر هذه اللحظة للبدء في المشوار الحقيقي مع السعودية، «وحرمنا من هذه العلاقة منذ 60 سنة لمصالح شخصية من طرف سوريا»، مبيناً أن الدولة ماضية نحو التطور بخبرات السعودية التي حققت نقلات كبرى نوعية في عدد من المجالات.

جانب من منتدى الاستثمار السوري - السعودي في دمشق (الشرق الأوسط)

اعتماد اتفاقية سعودية

وزاد الشعار بأن كل مشروع استثماري يمر بثلاث خطوات، الأولى هي استكشاف الفرص الاستثمارية، والثانية ترتكز على التشاور ما بين المستثمرين، وهذا ما حصل في ضمن هذه الرحلة وما قبلها. أما الثالثة، فهي اتخاذ قرار استثماري وتوقيع الاتفاقية لكي يبدأ التنفيذ الذي يمر بمراحل مختلفة حسب كل مشروع.

واستطرد قائلاً: «سوف نؤمن البيئة الاستثمارية وبالتالي الحماية جاءت من خلال الإعلان الدستوري، وقانون الاستثمار، وغيرهما، إلى جانب اتفاقية حماية الاستثمارات الأجنبية وهي اتفاقية طورتها المملكة بوصف أنها نموذج يحتذى به، وأن دمشق ستعتمد هذه الاتفاقية».

جانب من الاتفاقيات المبرمة خلال منتدى الاستثمار السوري- السعودي (الشرق الأوسط)

بدوره، كشف وزير السياحة السوري، مازن الصالحاني، عن تجهيز فنادق ومنتجعات جديدة من فئات الخمس والأربع نجوم، وإطلاق موقع رسمي جديد للوزارة لكي يطَّلع عليها المستثمرون وتسهيل الإجراءات كافة، بالإضافة إلى تسليط الضوء على كل المواقع الأثرية والتراثية الجاذبة للمستثمرين والسياح.

وتحدث عن وجود سياحة استثمارية وهي فئة جديدة، وقدوم الكثير من المستثمرين إلى سوريا للبحث عن فرص استثمارية، بالإضافة إلى سياحة رجوع السوريين، الذين هاجروا وقت الحرب، لإعادة النظر إلى ممتلكاتهم واستثماراتهم السابقة «ونحن معهم لدعمهم».

وأكمل: «في كل مشروع استثماري هناك توجه لإشراك المجتمعات المحلية في عملية البناء وهذه الرؤية التي نطلق منها».

شراكة استراتيجية

أما رئيس مجلس الأعمال السعودي السوري، محمد أبو نيان، فقد أشار إلى تحركات بلاده لبناء تحالفات عالمية للاستثمار في سوريا، موضحاً أن الرئيس السوري أحمد الشرع قد أفصح عن نظرتها الشمولية المهمة في الجانب الاقتصادي، وبعث برسالة طمأنة للتركيز على هذا الجانب، ليكون ركيزة أساسية لنموذج سوريا الجديدة.

وأضاف أن السعودية تشهد تطورات في النهضة الاقتصادية، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكاً في الحراك الاقتصادي، لافتاً إلى أن هذا النموذج سيطبق أيضاً في سوريا.

ووفق أبو نيان، فإن المستثمرين القادمين من المملكة هم «شركاء وليسوا تجاراً، وينظرون إلى شراكة اقتصادية استراتيجية، وأن المملكة ستقود تحالفات عالمية للاستثمار في سوريا».

من ناحيته، أفصح مدير عام هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، عن نية بلاده العمل يداً بيد مع السعودية، وأن المهمة الحالية حماية المستثمر وبعض الطمأنينية لرجال الأعمال.

اتفاقيات ومذكرات تفاهم

من ناحية أخرى، أعلن الفالح، خلال المنتدى، توقيع اتفاقيات في قطاع البنية التحتية والتطوير العقاري بقيمة تتجاوز 11 مليار ريال (2.9 مليار دولار)، من بينها إنشاء 3 مصانع جديدة للأسمنت في سوريا بتمويل سعودي، تهدف إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي وتأمين المواد الأساسية للبناء.

ولفت إلى انطلاق تعاون مهم في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات بين وزارة الاتصالات السورية وشركات سعودية كبرى، منها «إس تي سي» و«علم» وغيرهما، بهدف تطوير البنية الرقمية، وتعزيز الأمن السيبراني، وبناء أنظمة متقدمة في الذكاء الاصطناعي والبرمجة، وإنشاء أكاديميات تعليمية متخصصة. وتُقدّر قيمة الاتفاقيات في هذا القطاع بنحو 4 مليارات ريال (1.06 مليار دولار).

وفي قطاع الزراعة، أشار الفالح إلى أن سوريا تمتلك إمكانات واعدة، مؤكداً تطلع السعودية للعمل مع الجانب السوري على تطوير مشروعات مشتركة في الزراعة الحديثة، وإنتاج الحبوب والمنتجات العضوية، وسلاسل الإمداد الغذائي، إلى جانب تبادل المعرفة والتقنيات الزراعية، وإقامة مزارع نموذجية وصناعات تحويلية.

أما في قطاع الخدمات المالية، فأوضح أن المنتدى سيشهد توقيع مذكرة تفاهم بين «مجموعة تداول السعودية» - التي تدير أكبر سوق مالية في الشرق الأوسط - وسوق دمشق للأوراق المالية، بهدف تعزيز التعاون في مجالات التقنية المالية، والإدراج المزدوج، وتبادل البيانات، وإطلاق صناديق استثمارية جديدة، مما يُشكّل حافزاً قوياً لجذب رؤوس الأموال نحو السوق السورية.

وكان الفالح قد وضع حجر الأساس لمشروع «برج الجوهرة»، في منطقة البحصة بالعاصمة السورية دمشق، الذي يتكون من 32 طابقاً، وبمساحة 25 ألف متر مربع، وبتكلفة إجمالية تقدر بنحو 100 مليون دولار (375 مليون ريال)، بحضور وزير الاقتصاد السوري نضال الشعار.


مقالات ذات صلة

«معادن» السعودية تضيف 7.8 مليون أونصة ذهب لخزائنها

الاقتصاد منجم «مهد الذهب» التابع لشركة «معادن» (واس)

«معادن» السعودية تضيف 7.8 مليون أونصة ذهب لخزائنها

أعلنت شركة التعدين العربية السعودية (معادن) عن إضافة ضخمة لمواردها المعدنية من الذهب بلغت 7.8 مليون أوقية جديدة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رسم تخيلي لمشروع «ترمب بلازا جدة» الذي يعد ثالث مشروع بين «دار غلوبال» و«منظمة ترمب» في السعودية (الشرق الأوسط)

«دار غلوبال» و«منظمة ترمب» تطلقان مشروعاً جديداً في جدة باستثمارات تتجاوز مليار دولار

أعلنت شركة «دار غلوبال» و«منظمة ترمب» توسيع محفظتهما الاستثمارية في السوق السعودية، عبر إطلاق مشروع «ترمب بلازا جدة» الذي تُقدَّر قيمته بأكثر من مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد قطار الرياض يتجول في العاصمة السعودية (الشرق الأوسط)

ترسية مشروع توسعة المسار الأحمر ضمن شبكة قطار الرياض

أعلنت الهيئة الملكية لمدينة الرياض ترسية مشروع تصميم وتنفيذ وإنجاز التوسعة الجديدة للمسار الأحمر ضمن شبكة قطار الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)

خاص السعودية تمنع الشاحنات غير المرخصة من نقل الحاويات بالمواني

قررت الحكومة السعودية منع استقبال الحاويات في المواني ما لم تكن الشاحنات الناقلة لها تحمل «بطاقة تشغيل» سارية الصدور عن الهيئة العامة للنقل.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد وزير الاستثمار السعودي المهندس خالد الفالح (الشرق الأوسط)

الفالح: التبادل التجاري بين السعودية واليابان ارتفع 38 % في 8 سنوات

أكّد وزير الاستثمار السعودي، المهندس خالد الفالح، أن التبادل التجاري بين المملكة واليابان ارتفع بنسبة 38 % من عام 2016 إلى 2024، ليصل إلى 138 مليار ريال.


ملاحقة باول جنائياً تفجر بركاناً من الغضب داخل الحزب الجمهوري

السيناتور توم تيليس في مبنى الكابيتول (رويترز)
السيناتور توم تيليس في مبنى الكابيتول (رويترز)
TT

ملاحقة باول جنائياً تفجر بركاناً من الغضب داخل الحزب الجمهوري

السيناتور توم تيليس في مبنى الكابيتول (رويترز)
السيناتور توم تيليس في مبنى الكابيتول (رويترز)

أحدث التحقيق الجنائي الذي أطلقته وزارة العدل الأميركية ضد رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، حالة عارمة من الغضب داخل صفوف الحزب الجمهوري. وخرج كبار المشرعين الجمهوريين عن صمتهم في تمرد علني نادر، محذرين من أن استهداف استقلالية البنك المركزي يمثل «انتحاراً اقتصادياً» وخرقاً للخطوط الحمراء التي تضمن استقرار الأسواق العالمية.

ويستعد اثنان على الأقل من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، لعرقلة ترشيحات ترمب المقبلة للبنك المركزي بسبب التحقيق، وقال مسؤولون مطلعون في «الاحتياطي الفيدرالي» إنهم يتوقعون ارتفاع هذا العدد في الأيام المقبلة وسط تصاعد الغضب من خطوة وزارة العدل.

ولأول مرة منذ وقت طويل، لم يكتفِ كبار الجمهوريين بالصمت؛ بل وجهوا توبيخاً علنياً ونادراً للرئيس. وتكمن أهمية هذا التحرك في أن الشخصيات المعترضة ليست من «المنشقين»؛ بل هم أعضاء نافذون يتحكمون في مفاصل القرارات الاقتصادية داخل الكونغرس.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمره الصحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في ديسمبر (رويترز)

وينبع الغضب الجمهوري من شعور المشرعين بـ«الإهانة المؤسسية»؛ حيث أطلقت المدعية العامة جانين بيرو، مذكرات استدعاء جنائية لباول دون أدنى تنسيق مع لجان الرقابة في الكونغرس، مما عدّه الجمهوريون تهميشاً متعمداً لهم، وتدميراً لسمعة الحزب بصفته حامياً للاستقرار المالي. ورأوا أن استخدام «تكاليف ترميم المباني» ذريعة لملاحقة باول جنائياً هو «استخفاف بالعقول»، وأن الهدف الحقيقي هو «ترهيب سياسي» لإجبار البنك على خفض الفائدة، وهو ما وصفه السيناتور توم تيليس، بأنه «محاولة نشطة لإنهاء استقلال المؤسسة المالية الأهم في العالم».

وقاد السيناتور الجمهوري توم تيليس (كارولاينا الشمالية) جبهة الرفض بإعلانه صراحة: «لن نمرر أي تعيينات جديدة». ووجه تيليس اتهاماً مباشراً لإدارة ترمب بـ«العمل بنشاط لإنهاء استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي)». السيناتورة ليزا ميركوفسكي (ألاسكا): أيدت ميركوفسكي موقف تيليس بقوة، مشددة على أن «المخاطر أكبر من أن يتم التغاضي عنها»، ومحذرة من أن فقدان استقلالية البنك المركزي سيعصف باستقرار الأسواق.

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

تكمن الخطورة الحقيقية لتمرد تيليس في موقعه الاستراتيجي داخل «لجنة الخدمات المصرفية» بمجلس الشيوخ؛ فهذه العضوية تمنحه صوتاً حاسماً يقرر مصير جلسات الاستماع والترشيحات للمناصب القيادية في البنك المركزي، بما في ذلك منصب الرئيس، ونواب الرئيس، ومحافظي مجلس الإدارة.

ووفقاً للحسابات الرقمية داخل اللجنة التي أوردتها صحيفة «فاينانشيال تايمز»، فإنه في حال انضمام تيليس إلى جميع الأعضاء الديمقراطيين في معارضة مرشحي ترمب، فسوف ينقسم أعضاء اللجنة بنسبة (12 - 12). وهذا التعادل يعني قانونياً «شلل اللجنة»، مما يجعل من المستحيل المضي قدماً بمرشحي الرئيس أو رفع أسمائهم إلى مجلس الشيوخ بكامل هيئته للتصويت النهائي على تثبيتهم.

هذا السيناريو يمثل «كابوساً سياسياً» لترمب في وقت يستعد فيه للإعلان عن خليفة باول - الذي تنتهي ولايته الثانية في شهر مايو (أيار) المقبل. فأي مرشح يختاره الرئيس سيحتاج بالضرورة إلى دعم غالبية أعضاء «لجنة المصارف» أولاً، ثم أغلبية الـ100 عضو في مجلس الشيوخ لاحقاً؛ ومن دون صوت تيليس، تظل هذه التعيينات معلقة في مهب الريح، مما قد يترك باول في القيادة لفترة أطول بوصفه نوعاً من «الأمر الواقع» المؤسسي.

وانضمت السيناتورة الجمهورية ليزا ميركوفسكي (ألاسكا) إلى حالة الغضب هذه، مؤكدة بلهجة حادة أن «المخاطر أعلى من أن يتم التغاضي عنها»، ومشيرة إلى أن فقدان استقلالية «الفيدرالي» سيعني انهيار ثقة الأسواق في الاقتصاد الأميركي.

متداول يراقب تحرك الأسهم إلى يساره شاشة تنقل مؤتمر باول الصحافي في ديسمبر (أ.ب)

مواقف «التوبيخ» النادرة من كبار القادة

  • السيناتور جون كيندي (لويزيانا): المعروف بولائه، خرج عن صمته ليؤكد ثقته المطلقة في نزاهة باول، قائلاً بلهجة ساخرة: «نحن نحتاج لهذا التحقيق كما نحتاج لثقب في الرأس»، في إشارة إلى عبثية الخطوة وتوقيتها.
  • جون ثون (زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ): طالب بحسم الأمر «بسرعة»، مشدداً على ضرورة ضمان استمرار «الفيدرالي» في صياغة السياسة النقدية «بعيداً عن التدخل السياسي».
  • أصدر النائب الجمهوري فرينش هيل، رئيس لجنة الخدمات المالية المؤثرة في مجلس النواب، بياناً مطولاً أشاد فيه برئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، واصفاً تحقيق وزارة العدل بأنه «تشتيت غير ضروري». ووصف هيل باول، الذي عمل معه في وزارة الخزانة خلال إدارة جورج بوش الأب، بأنه «رجل نزيه ذو التزام قوي بالخدمة العامة».

غضب «الحلفاء المنتقدين»

أظهر مشرعون جمهوريون آخرون حالة من عدم الارتياح تجاه التحقيق، حتى أولئك الذين لا يحبون باول. السيناتور كيفن كرامر (نورث داكوتا)، العضو الآخر في لجنة المصارف، لم يتردد في وصف باول بأنه «رئيس فاشل لـ(الفيدرالي)، وكان مراوغاً مع الكونغرس» بشأن تكاليف ترميم المبنى. ومع ذلك، كان غضبه موجهاً نحو «جنائية» التحقيق، مؤكداً أنه «لا يعتقد أن باول مجرم»، معرباً عن أمله في أن يتم «إيقاف التحقيق بسرعة» بالتزامن مع انتهاء ولاية باول.

المدافعون عن ترمب

في المقابل، برزت جبهة تدافع بشدة عن تكتيكات إدارة ترمب. رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، نفى أن تكون وزارة العدل قد تحولت إلى «سلاح سياسي»، داعياً الجميع إلى «التريث وترك العملية القانونية تأخذ مجراها».

أما النائبة عن فلوريدا، آنا بولينا لونا، فكانت الأكثر هجوماً؛ حيث اتهمت باول بالكذب تحت القسم وتضليل المسؤولين، وكتبت عبر منصة «إكس»: «البيروقراطيون غير المنتخبين لا يحصلون على تصريح مرور مجاني... لا أحد فوق القانون، وأنا ممتنة لأن وزارة العدل تأخذ هذا الأمر على محمل الجد».


رئيس «احتياطي» نيويورك يحذر من المساس باستقلالية «الفيدرالي»

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك يتحدث إلى النادي الاقتصادي في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك يتحدث إلى النادي الاقتصادي في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

رئيس «احتياطي» نيويورك يحذر من المساس باستقلالية «الفيدرالي»

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك يتحدث إلى النادي الاقتصادي في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك يتحدث إلى النادي الاقتصادي في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

أكد رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، جون ويليامز، أن السياسة النقدية الحالية في «موقع مثيل» لدعم استقرار سوق العمل وخفض التضخم، مستبعداً في الوقت ذاته وجود حاجة ملحة لخفض أسعار الفائدة في الأمد القريب.

وتأتي تصريحات ويليامز في وقت حساس للغاية، حيث يواجه البنك المركزي ضغوطاً سياسية وقانونية غير مسبوقة من إدارة الرئيس دونالد ترمب.

رؤية اقتصادية «تفاؤلية» لعام 2026

في أول خطاب له هذا العام أمام مجلس العلاقات الخارجية، رسم ويليامز صورة إيجابية للاقتصاد الأميركي، متوقعاً نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 2.5 في المائة و2.75 في المائة.

وأشار إلى أن «الاحتياطي الفيدرالي» نجح في نقل السياسة النقدية من موقف «تقييدي متواضع» إلى موقف أقرب إلى «الحياد»، مؤكداً أن الهدف الأساسي هو الوصول بالتضخم إلى مستواه المستهدف بنسبة 2 في المائة بحلول عام 2027، دون إلحاق ضرر غير ضروري بسوق التوظيف.

لا استعجال في خفض الفائدة

أوضح ويليامز أن مخاطر التضخم بدأت تتقلص، بينما زادت المخاطر المتعلقة بسوق العمل مع تراجع وتيرة التوظيف. ومع ذلك، شدد على عدم وجود «حاجة ملحة» لمزيد من خفض الفائدة حالياً، بعد أن خفضها «الفيدرالي» العام الماضي لتستقر بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة.

وتوقع أن تبلغ ضغوط الأسعار ذروتها عند 3 في المائة في النصف الأول من هذا العام، قبل أن تتراجع تدريجياً، مشيراً إلى أن تباطؤ تأثير الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب قد يساعد في تخفيف هذه الضغوط.

استقلالية «الفيدرالي»

جاء خطاب ويليامز في أعقاب إعلان رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، تلقي المؤسسة مذكرات استدعاء من هيئة محلفين كبرى، تلوح بتوجيه اتهامات جنائية تتعلق بتجاوز تكاليف ترميم مقر البنك.

وفي دفاع قوي عن مؤسسته، حذر ويليامز من أن مهاجمة استقلالية البنك المركزي «تؤدي غالباً إلى نتائج اقتصادية كارثية»، بما في ذلك التضخم المرتفع. ووصف ويليامز، باول، بأنه «رجل ذو نزاهة لا تشوبها شائبة»، قاد البنك بحكمة في أوقات عصيبة.

رد فعل الأسواق

رغم خطورة التهديدات القانونية، لاحظ ويليامز أن رد فعل الأسواق المالية كان «معتدلاً» حتى الآن. وأرجع ذلك إلى عدم وضوح الرؤية بشأن كيفية انتهاء هذا الصراع القانوني والسياسي.

وقال ويليامز للصحافيين: «الأسواق تتفاعل مع المعلومات الواردة، لكن ليست لديها قناعة بعد حول كيفية نهاية هذه المعركة»، مؤكداً أن هذا الغموض هو ما منع حدوث تحولات كبرى في مستويات الأصول حتى اللحظة.

الصدام مع البيت الأبيض والكونغرس

تأتي هذه التطورات بينما يواصل ترمب وحلفاؤه الضغط على «الفيدرالي» لخفض أسعار الفائدة بقوة رغم بقاء التضخم فوق المستهدف. وفي المقابل، أثارت التهديدات القانونية ضد باول رد فعل قوياً ومؤيداً للبنك من كلا الحزبين في الكونغرس، مما قد يعيق قدرة الرئيس على تعيين أعضاء جدد في مجلس إدارة «الفيدرالي» ما لم يتراجع عن هجماته القانونية.


ترمب يحذر من «فوضى» قبل صدور حكم قضائي بشأن الرسوم

ترمب يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس النواب الجمهوريين في مؤتمرهم السنوي - 6 يناير (رويترز)
ترمب يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس النواب الجمهوريين في مؤتمرهم السنوي - 6 يناير (رويترز)
TT

ترمب يحذر من «فوضى» قبل صدور حكم قضائي بشأن الرسوم

ترمب يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس النواب الجمهوريين في مؤتمرهم السنوي - 6 يناير (رويترز)
ترمب يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس النواب الجمهوريين في مؤتمرهم السنوي - 6 يناير (رويترز)

أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قلقاً بالغاً من تداعيات قرار مرتقب للمحكمة العليا الأميركية قد يؤدي إلى إلغاء الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارته، واصفاً المشهد بـ«الفوضى الكاملة» في حال جاء الحكم ضده.

وتعكس تصريحاته الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، حجم المخاطر السياسية والمالية المترتبة على هذا الحكم الذي قد يصدر يوم الأربعاء.

تحذيرات من «ورطة» مالية وإجرائية

في تدوينة مثيرة للجدل عبر منصة «تروث سوشيال»، حذر ترمب من أن الولايات المتحدة ستكون «في ورطة» (WE'RE SCREWED) إذا لم تؤيد المحكمة العليا قراراته. وأشار إلى أن إلغاء الرسوم سيخلق معضلة إجرائية يستغرق حلها سنوات، قائلاً: «سيستغرق الأمر سنوات طويلة لتحديد المبالغ التي نتحدث عنها، بل ومن يجب أن يدفع لمن، ومتى وأين».

ويرى ترمب أن عملية إعادة الأموال للشركات ستكون «شبه مستحيلة»، معتبراً أن أي شخص يدّعي سهولة تنفيذ هذه المبالغ المستردة هو شخص «مخطئ تماماً، ولا يفهم تعقيدات هذا السؤال الضخم».

مليارات الدولارات على المحك

تستند الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب إلى «قانون السلطات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية» (IEEPA) لعام 1977. وبحسب أحدث البيانات، حققت هذه الرسوم أكثر من 130 مليار دولار، وهو ما يمثل أكثر من نصف إجمالي إيرادات الرسوم الجمركية الأميركية.

وفي حال خسارة الإدارة للقضية، قد تضطر الحكومة الفيدرالية إلى إعادة هذه المليارات للشركات والمستوردين، مما قد يسبب ما وصفه ترمب بـ«الفوضى المالية» التي قد تضعف القوة التفاوضية للولايات المتحدة لسنوات مقبلة.

معركة الصلاحيات

يتمحور جوهر القضية حول ما إذا كان ترمب قد «تجاوز صلاحياته» الدستورية. ويجادل المحامون الممثلون لمجموعة من الولايات والشركات الصغيرة، بأن قانون (IEEPA) الذي استند إليه ترمب لا يذكر كلمة «رسوم جمركية» على الإطلاق.

ويمنح الدستور الأميركي، الكونغرس وحده، سلطة فرض الضرائب والرسوم.

ويشكك المعارضون فيما إذا كان «العجز التجاري» يمثل فعلاً حالة طوارئ وطنية تستدعي تفعيل قوانين استثنائية.

المحكمة العليا وتشكيك القضاة

رغم أن المحكمة العليا تتمتع بأغلبية محافظة (6 - 3)، فإن جلسات الاستماع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، شهدت توجيه أسئلة تشكيكية من القضاة المحافظين والديمقراطيين على حد سواء تجاه مبررات البيت الأبيض. حتى إن القاضية إيمي كوني باريت، التي عيّنها ترمب نفسه، أشارت إلى أن عملية رد المبالغ قد تتحول إلى «فوضى كاملة»، وهي العبارة التي رددها ترمب لاحقاً في تحذيراته.

وكانت محكمتان أدنى درجة قد حكمتا بأن ترمب لم يكن يمتلك السلطة القانونية لفرض هذه الرسوم الجمركية العالمية، مما يزيد من الضغط على حكم المحكمة العليا النهائي.

البحث عن «خطة بديلة»

أشار البيت الأبيض إلى أنه سيبحث عن مسارات بديلة في حال صدر حكم سلبي. ومن بين هذه الخيارات اللجوء إلى قوانين قائمة تسمح للرئيس بفرض رسوم تصل إلى 15 في المائة لمدة 150 يوماً فقط، وهو خيار يراه مراقبون أضعف بكثير من الرسوم الشاملة التي يطبقها ترمب حالياً.

وجهة نظر قطاع الأعمال

بينما يرى ترمب الرسوم أداةً لاستعادة القاعدة التصنيعية في أميركا، يرى العديد من الشركات أن هذه السياسات تسببت في اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع التكاليف. وبالنسبة لها، فإن استرداد الأموال لن يعوض بشكل كامل الضرر والارتباك الذي أحدثته هذه الاستراتيجية التجارية خلال العام الماضي.