بعد الانسحاب الأميركي... بكين تسعى لتعزيز نفوذها في «اليونيسكو»

تأرجح موقف واشنطن إزاء المنظّمات الدولية يضعف قوتها الناعمة

«معبد السماء» في بكين أحد مواقع التراث العالمي التابعة لـ«اليونيسكو» (نيويورك تايمز)
«معبد السماء» في بكين أحد مواقع التراث العالمي التابعة لـ«اليونيسكو» (نيويورك تايمز)
TT

بعد الانسحاب الأميركي... بكين تسعى لتعزيز نفوذها في «اليونيسكو»

«معبد السماء» في بكين أحد مواقع التراث العالمي التابعة لـ«اليونيسكو» (نيويورك تايمز)
«معبد السماء» في بكين أحد مواقع التراث العالمي التابعة لـ«اليونيسكو» (نيويورك تايمز)

يعرف أي مسافر سبق أن تصفح دليلاً سياحياً دولياً أن تسمية «موقع تراث عالمي» من قبل «اليونيسكو» تعني أن الوجهة تستحق الزيارة والاهتمام.

لكن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) أصبحت أيضاً هدفاً لحملة نفوذ صينية مكثفة في السنوات الأخيرة، إذ تسعى بكين إلى توسيع نفوذها في المناهج التعليمية، وتصنيف المواقع التاريخية، بل وحتى في مجال الذكاء الاصطناعي.

قرار الرئيس دونالد ترمب يوم الثلاثاء بالانسحاب من المنظمة أزال أحد أهم العوائق أمام جهود الصين، وهو مثال جديد على كيف يفتح انسحاب البيت الأبيض من المؤسسات الدولية الباب أمام تقدم القوة الناعمة الصينية. وكانت الولايات المتحدة في السابق أكبر ممول لـ«اليونيسكو»، بقيمة نحو 25 سنتاً من كل دولار تنفقه المنظمة. لكن علاقتها بها كانت متقلبة لسنوات، خصوصاً منذ وصول ترمب إلى السلطة عام 2017.

وتقدّمت الصين لتملأ هذا الفراغ، إذ يشغل مسؤول صيني حالياً منصب نائب المدير العام لـ«اليونيسكو»، وهو منصب قال دبلوماسيون إنه غالباً ما يُمنح مقابل مكافآت سياسية أو مالية.

نفوذ الصين

وقد دعمت «اليونيسكو» أولويات رئيسية للرئيس الصيني شي جينبينغ، بما في ذلك برنامج البنية التحتية العالمي المعروف بـ«مبادرة الحزام والطريق». كما ضغطت بكين بقوة للحصول على تصنيفات لمواقع التراث العالمي، وتسعى لتجاوز إيطاليا كالدولة التي تضُمّ أكبر عدد من المواقع الثقافية المهمة. وتقع بعض هذه المواقع في مناطق مضطهدة مثل التبت وشينجيانغ، حيث يرى كثير من السكان المحليين أنها محاولة للسيطرة على ثقافتهم وتاريخهم.

وإلى جانب نفوذها في تحديد ما يُعتبر تاريخياً، فإن «اليونيسكو» أيضاً هي الوكالة الأممية المسؤولة عن وضع إرشادات الذكاء الاصطناعي. ولديها اتفاقية تعاون مع شركة «آي فلايتك» الصينية الرائدة في الذكاء الاصطناعي، بشأن التعليم العالي في آسيا وأفريقيا، وفقاً لوسائل إعلام صينية رسمية. وقد صرحت «اليونيسكو» بأن لديها شراكات مع العديد من شركات الذكاء الاصطناعي حول العالم.

وقال ديفيد كيليون، الذي شغل منصب سفير لدى «اليونيسكو» في عهد الرئيس باراك أوباما، إن «(اليونيسكو) ساحة معركة على النفوذ الثقافي والفكري». وأضاف: «نحن نتنازل عن مجال القوة الناعمة لقوة عظمى توسعية واستبدادية».

وفي رد على طلب للتعليق بشأن نفوذها في «اليونيسكو»، قالت السفارة الصينية في واشنطن إن المنظمات الدولية «ليست ساحات للعبة الجيوسياسية». وتابعت بأن «الصين لا تنوي تحدي أو استبدال الولايات المتحدة. نأمل أن تتمكن جميع الأطراف من رؤية الدور الإيجابي للصين في (اليونيسكو) بموضوعية».

أما «اليونيسكو» فقالت إنه رغم أن الصين ستصبح قريباً الممول الأكبر، فإنها لا تزال تحظى بتمثيل محدود في طاقم موظفي المنظمة. وأضاف متحدث باسم المنظمة: «لسنا في موقع يسمح لنا بالتعليق على الاستراتيجيات الدبلوماسية لأي دولة عضو».

ولم ترُد وزارة الخارجية الأميركية على طلب للتعليق، لكنها أصدرت بياناً قالت فيه إن «اليونيسكو» تُروّج لـ«أجندة آيديولوجية عولمية للتنمية الدولية تتعارض مع سياسة (أميركا أولاً) التي ننتهجها في السياسة الخارجية».

تراجع قوة أميركا الناعمة

ويعكس الانسحاب الأميركي تراجُعاً أوسع من قبل الولايات المتحدة عن المشاركة في الهيئات الدولية، ونظرة ترمب السلبية للقوة الناعمة، وهي الفكرة التقليدية القائلة إن النفوذ الثقافي والاقتصادي الأميركي يُعزّز موقعه في العلاقات الدولية. وكان ترمب قد أعلن انسحاب الولايات المتحدة من «منظمة الصحة العالمية»، وقلّص بشدة «وكالة التنمية الأميركية». ومن المتوقع صدور مراجعة من البيت الأبيض للوكالات التابعة للأمم المتحدة في أوائل أغسطس (آب)، ويتوقع الخبراء أن يقوم البيت الأبيض بقطع التمويل عن وكالات أخرى.

قال وو شينبو، عميد معهد الدراسات الدولية في جامعة فودان بشنغهاي: «لم تعد الولايات المتحدة جهة يُعتمد عليها». وأضاف: «مكانة الصين ونفوذها في الأمم المتحدة سيتزايدان بلا شك. هذا أمر مؤكد».

وكانت «اليونيسكو» أول وكالة تابعة للأمم المتحدة يزورها شي بعد توليه رئاسة الصين عام 2012. وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت تمويل المنظمة بموجب تشريع من تسعينات القرن الماضي يفرض قطع التمويل عن أي وكالة أممية تقبل فلسطين عضوا كاملا. وقد شكّل ذلك فرصة لبكين. فعيّنت الصين زوجة شي جينبينغ، بنغ لييوان، مبعوثة خاصة، وأرسلت أموالاً إلى باريس خصّصتها لتحقيق أهداف سياستها الخارجية.

ويتذكر تانغ تشيان، مساعد المدير العام السابق لـ«اليونيسكو» من الصين، في مذكراته التي نُشرت عام 2020، أن حكومته كانت ترى في تمويل المنظمة وسيلة لتوسيع النفوذ الصيني، خصوصاً في أفريقيا.

لكن واشنطن لم تكن على الهامش في تلك الفترة، رغم وقف التمويل. فقد أبقت إدارة أوباما على دبلوماسييها، مثل كيليون، في باريس للعمل على قضايا مثل تعليم تاريخ الهولوكوست، ومقاومة جهود الصين والبرازيل في تنظيم الإنترنت. إلا أن إدارة ترمب أعلنت عام 2017 انسحابها الكامل من المنظمة، مشيرة إلى «تحيّز ضد إسرائيل» كمبرر للقرار.

وبعد تولي جو بايدن الرئاسة في 2021، بدأ كيليون وآخرون حملة لإقناع الإدارة الأميركية بالعودة إلى المنظمة. وجاء في وثيقة وزّعوها داخل إدارة بايدن أن «الفراغ الذي خلّفته الولايات المتحدة يتم ملؤه من قبل قوى كبرى أخرى مثل الصين، التي تدرك جيداً الفرص الكبيرة التي توفرها (اليونيسكو) على صعيد القوة الناعمة».

تأرجح موقف واشنطن

وقد منح الكونغرس إعفاءً يسمح بتمويل المنظمة، فعادت الولايات المتحدة إلى عضوية «اليونيسكو». وأشار الإعفاء بوضوح إلى المخاوف من النفوذ الصيني. وباشر السفير الأميركي الجديد استعادة النفوذ الأميركي في المنظمة، فعقد شراكات مع شركات تكنولوجيا كبرى مثل «مايكروسوفت» و«نتفليكس»، وقاد فريقاً مشتركاً مع السفير الغاني للعمل على قضايا الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي في أفريقيا، حيث كانت الشركات الصينية تُحقّق تقدماً.

ولا يعني ذلك أن ترمب متحمس لمنح الصين نفوذاً. فقد شنّ حرباً تجارية وفرض قيوداً على تصدير التكنولوجيا الأميركية. لكنه يفضل القوة الاقتصادية والعسكرية على المساعدات الخارجية والبرامج الثقافية.

أما الصين فترى أن القوة الناعمة ضرورية لتوسيع نفوذها العالمي، وتعتبر «اليونيسكو» مفتاحاً لإبراز ثقافتها وتاريخها على المسرح الدولي. وتتصدّر الصين قائمة الدول التي سجلت أكبر عدد من عناصر «التراث الثقافي غير المادي» - أي أعظم إبداعات البشرية، مثل رقصة الفلامنكو الإسبانية، وحساء التوم يوم كونغ التايلندي، والريغي الجامايكي.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

آثار السعودية... اكتشافات نوعية أعادت كتابة تاريخ الجزيرة العربية

تحقيقات وقضايا تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)

آثار السعودية... اكتشافات نوعية أعادت كتابة تاريخ الجزيرة العربية

التجوُّل بين حَرّات «خيبر»، و«مهد الذهب»، لم يكن مجرد انتقال جغرافي بين مدينتين سعوديتين، بل كان سفراً عبر آلاف السنين من الحضارة في قلب شبه الجزيرة العربية.

عمر البدوي (الرياض)
تكنولوجيا شعار المركز (الموقع الإلكتروني)

ماذا تعرف عن المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

وضعت موافقة مجلس الوزراء السعودي، الثلاثاء، على النظام الأساس لـ«المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، الأساس التنظيمي للمركز الذي يعمل تحت رعاية…

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق عملية إنزال برمائي إلى قوات الحلفاء في نورماندي (أ.ف.ب)

جبل أوليمبوس وشواطئ نورماندي على قائمة التراث العالمي

أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في لائحة التراث العالمي شواطئ منطقة نورماندي الفرنسية، حيث نفذت قوات الحلفاء إنزالها الحاسم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي صورة التُقطت في 23 مارس 2026 تظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية خلف الموقع الأثري لآثار الميناء الفينيقي في مدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«اليونيسكو» تدرج آثار صور اللبنانية على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر

أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، الثلاثاء، على قائمتها للتراث العالمي المعرّض للخطر مدينة صور الفينيقية القديمة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حطام قرب أعمدة رومانية في موقع مقبرة البص الأثري في صور المسجل في منظمة اليونسكو (رويترز) p-circle

وزير لبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب

اقتلع تاج من أعلى عمود ‌أثري في موقع مدرج على قائمة منظمة «يونسكو» بمدينة صور الساحلية في لبنان، ودمر موقع ديني في بلدة جنوبية أخرى.

«الشرق الأوسط» (صور - بيروت)

ترمب يوجّه البنتاغون بخفض التدريبات العسكرية مع كوريا الجنوبية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع بينما يتحدث وزير الحرب بيت هيغسيث (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع بينما يتحدث وزير الحرب بيت هيغسيث (رويترز)
TT

ترمب يوجّه البنتاغون بخفض التدريبات العسكرية مع كوريا الجنوبية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع بينما يتحدث وزير الحرب بيت هيغسيث (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع بينما يتحدث وزير الحرب بيت هيغسيث (رويترز)

كتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، الأحد، أنه أصدر تعليمات لوزير الحرب بيت هيغسيث بتقليص حجم التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية.

وأشار ترمب أيضاً في منشوره إلى رفض سيول المشاركة في إجراءات ضد إيران. وقال في منشور على موقعه «تروث سوشيال»، قبل ساعات من بدء التدريبات المقررة، إنه على الرغم من أن الوقت قد فات لإلغاء التدريبات بالكامل، فإنه «غير راض» عن موافقة الولايات المتحدة سابقاً على المشاركة فيها. كما أشار إلى «علاقته الجيدة جداً» مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب الرئيس الأميركي: «هذه التدريبات ليست مكلفة فحسب... بل إنها ترسل إشارة غير لائقة وعدائية تماماً إلى دولة ظلت، طوال فترة رئاسة دونالد جيه. ترمب، محترمة ولا تشكل تهديداً».

بدورها، أعلنت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية، الاثنين، أن المناورات العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة بدأت و«ستُجرى وفقاً لموعدها المقرر». وقال متحدث باسم الوزارة، في بيان مقتضب رداً على سؤال بشأن منشور ترمب: «سنمضي قدماً كما هو مقرر وتم الإعلان عنه سابقاً».

ومن جانبه، قال البيت ​الأزرق، مقر الرئاسة في الكورية الجنوبية، اليوم، إنه يدرس تصريحات ‌الرئيس الأميركي، مضيفاً أنه يأمل في أن تؤدي العلاقة ⁠الإيجابية بين واشنطن ‌وبيونغ يانغ إلى إجراء ​محادثات ‌مثمرة.

وأوضحت الرئاسة ‌الكورية الجنوبية في بيان أنها ستواصل المشاورات الدبلوماسية ‌بشأن التعاون العسكري بين ⁠واشنطن وسول ⁠فيما يتعلق بمضيق هرمز، مع مناقشة تفاصيل التدريبات العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة.

ومن المقرر أن تجري التدريبات العسكرية المشتركة السنوية (درع الحرية أولتشي) في الفترة من 17 إلى 27 أغسطس (آب)، بمشاركة نحو 18 ألف فرد من القوات المسلحة الكورية الجنوبية. وقال مسؤولون قبل أيام إن من المتوقع أن تشمل التدريبات عمليات لمواجهة الطائرات المسيّرة وتعطيل إشارات نظام تحديد المواقع العالمي والهجمات السيبرانية، وذلك للتكيف مع القدرات المتطورة لكوريا الشمالية.

وأشار ترمب أيضاً إلى موقف كوريا الجنوبية من الصراع الأميركي - الإسرائيلي مع إيران.

وكتب: «على الرغم من أن الأمر غير مرتبط إلى حد ما، سألت في الآونة الأخيرة رئيس كوريا الجنوبية عما إذا كانوا يرغبون في الانضمام إلينا في نزع السلاح النووي من إيران، فردوا قائلين: (لا، شكراً)!».

ولم يرد البيت الأبيض حتى الآن على طلب من «رويترز» للحصول على مزيد من المعلومات حول طلب ترمب بتقليص التدريبات العسكرية، كما لم ترد وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون).

وتندد بيونغ يانغ بشكل دوري بالتدريبات الأميركية - الكورية الجنوبية باعتبارها استعدادات لغزو.

وأطلقت كوريا الشمالية، يوم الأربعاء الماضي، صاروخاً باليستياً من ساحلها الشرقي باتجاه بحر اليابان، وفقا لما أعلنه الجيشان الكوري الجنوبي والياباني، وذلك بعد ستة أيام من إطلاق كوريا الشمالية صاروخاً باليستياً قصير المدى مماثلاً في السادس من أغسطس (آب).

وصرّح مسؤولون عسكريون أميركيون بأن القوات الكورية الشمالية، التي قاتلت إلى جانب روسيا في غزوها لأوكرانيا، اكتسبت خبرة من هذا الصراع، بما في ذلك الاستخدام المتزايد للأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والعمليات السيبرانية.

وأعلنت أوكرانيا الأسبوع الماضي أن صواريخ من صنع كوريا الشمالية استخدمت في هجوم صاروخي باليستي روسي على مصنع للصلب في زابوريجيا، أسفر عن مقتل سبعة عمال وأجبر المصنع على وقف الإنتاج.


آلاف ممن أخلوا منازلهم جراء الزلزال ينتظرون المساعدات في إندونيسيا

عائلة إندونيسية هاربة إلى ملجأ مؤقت (رويترز)
عائلة إندونيسية هاربة إلى ملجأ مؤقت (رويترز)
TT

آلاف ممن أخلوا منازلهم جراء الزلزال ينتظرون المساعدات في إندونيسيا

عائلة إندونيسية هاربة إلى ملجأ مؤقت (رويترز)
عائلة إندونيسية هاربة إلى ملجأ مؤقت (رويترز)

بقي آلاف الأشخاص الذين أخلوا منازلهم ينتظرون المساعدات، غداة الزلزال القوي الذي ضرب جزيرة فلوريس في شرق إندونيسيا موقعا 53 قتيلاً وعشرات الجرحى وملحقاً أضراراً بمئات المباني.

وأخلى نحو 5 آلاف شخص منازلهم جراء الزلزال بقوة 7.7 درجة الذي هز الجزيرة، صباح السبت، وأعقبته 341 هزة ارتدادية، وفق ما أعلن الناطق باسم «الوكالة الوطنية لإدارة الكوارث» بيرتون سوار بيليتا بانجايتان.

وبقي سكان بعض المناطق من دون كهرباء أو وسائل للاتصال، بينما تبقى طريق واحدة على الأقل مخصصة للوصول الطارئ إلى المنطقة، غير سالكة. وقال عمري (55 عاماً) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الأحد: «نحن بحاجة إلى طعام وماء ودواء وحفاضات للأطفال».

خيمة مؤقتة بعد انهيار المنزل بالزلزال في شرق إندونيسيا (رويترز)

وأوضح الرجل المتحدر من نانغاهالي على الساحل الشمالي لفلوريس، أنه انتظر 24 ساعة على المرتفعات بعد الكارثة، على التل نفسه الذي لجأت إليه نورهدايتي.

وقالت نورهدايتي البالغة 55 سنة: «ما زلتُ مذعورة، قلبي يخفق بشدة كلما تذكرتُ الهزة... ركضنا إلى هنا...أشعر بخوف شديد الآن، ما زلتُ أعاني من صدمة زلزال 1992. لا أجرؤ على العودة إلى المنزل». وأضافت: «آمل أن توزّع الحكومة قريباً المساعدات علينا».

كانت فلوريس قد تعرضت عام 1992 لزلزال بقوة 7.7 درجة، تسبب بتسونامي، وأودى بحياة نحو 2500 شخص. وأفادت أحدث حصيلة رسمية أعلنتها «الوكالة الوطنية للبحث والإنقاذ»، الأحد، بمقتل 51 شخصاً على الأقل، وإصابة 132 بجروح.

وأشار بيرتون إلى إصابة 101 شخص من سكان فلوريس على الأقل. وقال في بيان: «بالإضافة إلى الخسائر في الأرواح، تسبب الزلزال بأضرار مادية شلّت الحياة اليومية للسكان».

مبانٍ دمرها الزلزال (أ.ب)

وحُدّد مركز الزلزال شمال جزيرة فلوريس السياحية التي تتميز بمبانٍ منخفضة. وهُرع السكان إلى المناطق المرتفعة مع انحسار مياه البحر، وهو ما قد ينذر بحدوث تسونامي. ورُفع الإنذار سريعاً، لكن السلطات حضت السكان على عدم العودة إلى المباني المتضررة خوفاً من أن تنهار جراء الهزات الارتدادية.

وبحسب أجهزة الإنقاذ، أصيب 914 منزلاً بأضرار جسيمة، بينما لحقت أضرار طفيفة بمئات المنازل الأخرى، كما تضررت عشرات المباني الرسمية من بينها 93 منشأة تعليمية، و36 منشأة صحية، و38 مبنى حكومياً. وأعلن بيرتون أن حكومة نوسا تينغارا الشرقية، حيث تقع فلوريس، تُعدّ مرسوماً يعلن حالة الطوارئ في المنطقة لـ14 يوماً.

مبانٍ حكومية تضررت بشدة (أ.ب)

وأكد «الصليب الأحمر» و«الهلال الأحمر» أن الاستعدادات جارية لتقديم المساعدة لآلاف النازحين المقيمين في ملاجئ مؤقتة. وأرسلت الحكومة 50 ألف حزمة مساعدات، تُعادل 275 طناً من المساعدات الإنسانية. وعرض الاتحاد الأوروبي توفير أقمار «كوبرنيكوس» لمراقبة الأرض للمساعدة على عمليات الاستطلاع، وتحديد مواقع أي ضحايا.

وتشهد إندونيسيا، الواقعة على حزام النار في المحيط الهادئ، نشاطاً زلزالياً كبيراً. وشهدت عام 2004 واحداً من أعنف الزلازل في تاريخها بلغت قوته 9.1 درجة، وقع قبالة سواحل جزيرة سومطرة (غرب) وتسبب بموجة تسونامي هائلة أوقعت 170 ألف قتيل عبر الأرخبيل ونحو 50 ألف قتيل في الدول المجاورة.


«اشتراكية جيل Z»... عندما يصبح خفض الإيجار هو الآيديولوجيا

إيجاد وظيفة على رأس أولويات الشباب الجامعي (أرشيفية - رويترز)
إيجاد وظيفة على رأس أولويات الشباب الجامعي (أرشيفية - رويترز)
TT

«اشتراكية جيل Z»... عندما يصبح خفض الإيجار هو الآيديولوجيا

إيجاد وظيفة على رأس أولويات الشباب الجامعي (أرشيفية - رويترز)
إيجاد وظيفة على رأس أولويات الشباب الجامعي (أرشيفية - رويترز)

بعد التغيّرات في عدد من الدول، خصوصاً في أميركا اللاتينية، يمكن القول إن وجه اليسار العالمي يتغيّر؛ فبعد عقود ارتبطت فيها الاشتراكية بالأحزاب الجماهيرية، والنقابات الصناعية، والصراع الطبقي، تنتقل الحركة اليسارية تدريجياً نحو نموذج أكثر واقعية، يركز على تكاليف المعيشة، والسكن، وأمن الوظائف، والخدمات العامة، وأخطار الذكاء الاصطناعي. وبينما تراجعت قوة الأحزاب التقليدية القائمة على الطبقة العاملة، لم تختفِ الأفكار اليسارية؛ بل أعادت تقديم نفسها بلغة أكثر مباشرة وأقل آيديولوجية.

يبرز هذا التحول بوضوح في الولايات المتحدة، حيث أصبح زهران ممداني أحد أبرز وجوه اليسار الجديد، إلى جانب صعود شخصيات وحركات مشابهة في بريطانيا وكندا وألمانيا وفرنسا. وقد حققت موجة المرشحين الاشتراكيين الديمقراطيين مكاسب لافتة في المدن الأميركية، مستفيدة من خطاب يتناول القدرة على تحمل تكاليف الحياة بدلاً من الشعارات الآيديولوجية التقليدية.

السكن في باريس مكلف جداً (أ.ف.ب)

* محطات ومراحل

تعود جذور اليسار الحديث إلى الثورة الفرنسية، حين جلست الجماعات المؤيدة للإصلاح في الجانب الأيسر من البرلمان. وبعد الحرب العالمية الثانية، اكتسبت الاشتراكية الأوروبية قوتها من العاملين في قطاعات الصناعات الثقيلة وأعضاء النقابات المنظمة، وسعت إلى إدارة الرأسمالية وإعادة توزيع ثمارها بدلاً من إلغائها. لكن الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009 كشفت حدود هذا النموذج، وأطلقت نقاشاً جديداً حول علاقة اليسار بالعمال والاقتصاد والبيئة.

كان جيل الألفية من أوائل الأجيال التي حاولت إعادة تعريف الاشتراكية؛ فبدلاً من التركيز على تأميم الصناعات، ظهرت أفكار مثل إشراك العمال في إدارة الشركات، وتوسيع الملكية التعاونية، والاستثمار في التكنولوجيا الخضراء، وبناء اقتصاد أكثر استدامة. لكن هذا النموذج لم يحقق الاختراق الشعبي المنتظر؛ فقد خسر بيرني ساندرز، على سبيل المثال، سباقي ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأميركية في 2016 و2020، وقاد جيريمي كوربين حزب «العمال» البريطاني إلى نتيجة سيئة في 2019، بينما فشل جان لوك ميلانشون في إزاحة إيمانويل ماكرون في فرنسا.

ورغم صعود اليسار الجديد في أكثر من بلد، لم يتحول هذا الصعود، في تلك المرحلة، إلى سيطرة مستدامة على السلطة التنفيذية.

زعيم اليسار الفرنسي جان لوك ميلانشون (رويترز)

ثم جاءت مرحلة ما بعد جائحة كورونا لتوفر بيئة سياسية جديدة؛ فالأرقام الاقتصادية بدت قوية في كثير من الدول الغنية: البطالة منخفضة، والمداخيل مرتفعة، وأسواق الأسهم حققت مكاسب كبيرة. لكن تجربة المواطنين اليومية بدت مختلفة؛ فالسكن أصبح أكثر تكلفة، وأسعار الغذاء والطاقة أثقلت الأسر، وصار العثور على وظيفة مستقرة أصعب بالنسبة إلى كثير من الشباب.

من هنا نشأت إحدى أهم أفكار اليسار الجديد: المشكلة ليست فقط في حجم الاقتصاد (الناتج الإجمالي)، بل في قدرة الناس على العيش في ظله.

تساعد هذه الفكرة في تفسير صعود ما يمكن تسميته «اشتراكية جيل زد» Z (مواليد ما بين 1997 و2012)؛ فأنصارها لا يقدمون بالضرورة مشروعاً متكاملاً لإلغاء الرأسمالية، بل مجموعة من المطالب الملموسة: خفض الإيجارات، وتوفير رعاية الأطفال، وجعل النقل العام أرخص أو مجانياً، وحماية الوظائف، وفرض ضرائب أكبر على أصحاب الثروات الضخمة.

* نماذج وأفكار

في نيويورك، ارتبط صعود زهران ممداني بوعود مثل تجميد الإيجارات في المساكن الخاضعة للرقابة، وإنشاء متاجر بقالة تملكها البلدية (بدأ تنفيذ ذلك)، وتوسيع خدمات رعاية الأطفال. وفي سياتل (ولاية واشنطن)، مثّل صعود كاتي ويلسون جزءاً من الاتجاه نفسه.

زهران ممداني رئيس بلدية نيويورك (إ.ب.أ)

وتظهر أفكار مماثلة في بريطانيا، حيث يدفع زاك بولانسكي وحزب «الخضر» باتجاه سياسات تتعلق بالإيجارات والنقل العام، وفي كندا مع زعيم الحزب الديمقراطي الجديد آفي لويس. وقد وصفت هذه الموجة بأنها يسار يهتم بـ«إنجاز الأشياء» أكثر من اهتمامه بالتصنيف الآيديولوجي.

* خطاب يتوجّه إلى الشباب

لا يمكن فصل هذا التحول عن القلق المتزايد بشأن الذكاء الاصطناعي؛ فبالنسبة إلى كثير من الشباب، لا تمثل هذه «الظاهرة» مجرد تقدم تقني، بل تمثل احتمالاً جديداً لاضطراب سوق العمل وزيادة تركّز الثروة والنفوذ في أيدي عدد محدود من الشركات والأفراد. وتشير استطلاعات حديثة إلى مستويات مرتفعة من القلق بين الشباب الأميركيين بشأن مستقبلهم المالي والوظيفي، بما في ذلك تأثير الذكاء الاصطناعي على فرص العمل.

وفي فرنسا، أظهر استطلاع للرأي أجرته حديثاً شركة «OpinionWay» أن 61 في المائة من الطلاب قلقون بشأن مستقبلهم المهني، و77 في المائة يتوقعون منافسة أكبر بكثير للحصول على وظيفتهم الأولى.

وهنا يختلف خطاب «جيل Z» عن اليسار السابق؛ فالاشتراكيون الجدد أقل اهتماماً بالبرامج الكبرى طويلة الأمد وأكثر ميلاً إلى الوعود ذات الأثر المباشر. «خفّضوا إيجاري»، و«خفّضوا فواتيري»، و«احموا وظيفتي»... هذه الرسائل، مهما بدت بسيطة، تمنح الناس إجابات مباشرة عن مشكلات يعيشونها يومياً.

وفي بعض الحملات الجديدة، تتراجع أولوية بعض القضايا الثقافية لصالح القضايا الاقتصادية المباشرة؛ فبعد سنوات ركز فيها اليسار على قضايا الهوية والتنوع والإنصاف والمساواة، باتت الأولوية الاقتصادية أكثر وضوحاً. ولا يعني ذلك اختفاء قضايا أساسية مثل المناخ أو العدالة الاجتماعية، بل إعادة ترتيبها داخل خطاب سياسي يريد التوجه إلى الفرد الذي يشعر بأن دخله لا يكفي، وأن السكن حلم بعيد المنال، وأن التكنولوجيا قد تهدد مستقبله المهني.

ومن أبرز التحولات أيضاً مسألة الضرائب؛ فقد كان اليسار التقليدي أكثر استعداداً لفرض زيادات ضريبية واسعة لتمويل دولة الرفاه. أما الخطاب الجديد فيميل إلى تحميل الجزء الأكبر من العبء للأثرياء الكبار والشركات الكبرى. وفي بريطانيا، مثلاً، يقترح بولانسكي فرض ضرائب على الثروات الكبيرة، بينما يرتبط بعض المقترحات الأميركية بزيادة الضرائب على أصحاب الدخول والثروات الأعلى.

كاتي ويلسون رئيسة بلدية سياتل (أ.ب)

* شكوك وتساؤلات

لكن هذا النموذج يواجه صعاباً اقتصادية جدية؛ فمنتقدو ضوابط الإيجارات يرون أنها قد تقلل حوافز بناء المساكن والاستثمار فيها، مما يؤدي على المدى الطويل إلى تقليص المعروض، وبالتالي ارتفاع الأسعار. كما أن فرض قيود واسعة على الذكاء الاصطناعي قد يدفع الاستثمارات والشركات إلى دول أخرى تتيح مساحة أكبر من الحرية في هذا المجال. أما الاعتماد الكبير على الضرائب المفروضة على الأثرياء، فيثير سؤالاً آخر: هل تستطيع قاعدة ضريبية صغيرة أن تمول مجموعة واسعة من الخدمات العامة؟

حتى فكرة جعل الحكومة أكثر كفاءة، التي أصبحت جزءاً من خطاب اليسار الجديد، ليست سهلة التنفيذ. وقد ظهرت بالفعل محاولات لتقديم نسخة يسارية من فكرة خفض الإنفاق الحكومي، بما في ذلك مقترحات لإنشاء هيئات شبيهة بوزارة كفاءة الأداء الحكومي في الولايات المتحدة (DOGE)، مع العلم بأن هذه هي ثمرة مبادرة يمينية بامتياز.

ومع ذلك، فإن أهمية هذه الموجة لا تتوقف على موقع الاشتراكيين في هذه الدولة أو تلك؛ فقد بدأت أفكار كانت توصف حتى وقت قريب بأنها يسارية متطرفة تدخل النقاش السياسي الأوسع؛ فحتى سياسيون أكثر اعتدالاً باتوا يناقشون سياسات تتعلق بالأسعار والسكن والضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة، بينما أصبحت المخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف قضية تعمّ المجتمعات وتتجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار.

لهذا السبب، قد يكون من الخطأ النظر إلى يسارية «جيل Z» باعتبارها عودة بسيطة إلى اشتراكية القرن العشرين؛ بل هي أقرب إلى إعادة صياغة برغماتية لليسار حول سؤال مختلف: كيف يمكن جعل الحياة اليومية أقل تكلفة وأكثر استقراراً في اقتصاد يزداد ثراءً، بينما يشعر كثير من الناس بأنهم لا يستفيدون من هذا الثراء؟

من مشاهد الحياة اليومية في نيويورك (رويترز)

قد يفشل بعض السياسات التي يقترحها هذا التيار، وقد يصطدم بحدود القدرة المالية وظروف الاقتصاد العالمي وواقع الاستثمار. لكن الرسالة السياسية التي تقف خلفها تبدو أكثر رسوخاً: الشباب لا يبحثون بالضرورة عن آيديولوجيا جديدة بقدر ما يبحثون عن نظام اقتصادي يشعرون بأنه يعمل لمصلحتهم.

هذا التحول قد يكون أكثر من موجة عابرة؛ فاليسار الذي يتشكل اليوم لا يتحدث فقط عن تغيير النظام؛ بل يعد الناس بشيء أبسط وأكثر إلحاحاً: حياة يمكن تحمل تكاليفها، ووظيفة أكثر أماناً، وحكومة قادرة على تقديم نتائج ملموسة.

ختاماً، يجدر الذكر أن هذا المقال ركّز على الديناميكيات الجديدة لليسار، بينما يتطلب التحول الموازي في أفكار اليمين وقواعده الشابة قراءة أخرى.