بعد الانسحاب الأميركي... بكين تسعى لتعزيز نفوذها في «اليونيسكو»

تأرجح موقف واشنطن إزاء المنظّمات الدولية يضعف قوتها الناعمة

«معبد السماء» في بكين أحد مواقع التراث العالمي التابعة لـ«اليونيسكو» (نيويورك تايمز)
«معبد السماء» في بكين أحد مواقع التراث العالمي التابعة لـ«اليونيسكو» (نيويورك تايمز)
TT

بعد الانسحاب الأميركي... بكين تسعى لتعزيز نفوذها في «اليونيسكو»

«معبد السماء» في بكين أحد مواقع التراث العالمي التابعة لـ«اليونيسكو» (نيويورك تايمز)
«معبد السماء» في بكين أحد مواقع التراث العالمي التابعة لـ«اليونيسكو» (نيويورك تايمز)

يعرف أي مسافر سبق أن تصفح دليلاً سياحياً دولياً أن تسمية «موقع تراث عالمي» من قبل «اليونيسكو» تعني أن الوجهة تستحق الزيارة والاهتمام.

لكن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) أصبحت أيضاً هدفاً لحملة نفوذ صينية مكثفة في السنوات الأخيرة، إذ تسعى بكين إلى توسيع نفوذها في المناهج التعليمية، وتصنيف المواقع التاريخية، بل وحتى في مجال الذكاء الاصطناعي.

قرار الرئيس دونالد ترمب يوم الثلاثاء بالانسحاب من المنظمة أزال أحد أهم العوائق أمام جهود الصين، وهو مثال جديد على كيف يفتح انسحاب البيت الأبيض من المؤسسات الدولية الباب أمام تقدم القوة الناعمة الصينية. وكانت الولايات المتحدة في السابق أكبر ممول لـ«اليونيسكو»، بقيمة نحو 25 سنتاً من كل دولار تنفقه المنظمة. لكن علاقتها بها كانت متقلبة لسنوات، خصوصاً منذ وصول ترمب إلى السلطة عام 2017.

وتقدّمت الصين لتملأ هذا الفراغ، إذ يشغل مسؤول صيني حالياً منصب نائب المدير العام لـ«اليونيسكو»، وهو منصب قال دبلوماسيون إنه غالباً ما يُمنح مقابل مكافآت سياسية أو مالية.

نفوذ الصين

وقد دعمت «اليونيسكو» أولويات رئيسية للرئيس الصيني شي جينبينغ، بما في ذلك برنامج البنية التحتية العالمي المعروف بـ«مبادرة الحزام والطريق». كما ضغطت بكين بقوة للحصول على تصنيفات لمواقع التراث العالمي، وتسعى لتجاوز إيطاليا كالدولة التي تضُمّ أكبر عدد من المواقع الثقافية المهمة. وتقع بعض هذه المواقع في مناطق مضطهدة مثل التبت وشينجيانغ، حيث يرى كثير من السكان المحليين أنها محاولة للسيطرة على ثقافتهم وتاريخهم.

وإلى جانب نفوذها في تحديد ما يُعتبر تاريخياً، فإن «اليونيسكو» أيضاً هي الوكالة الأممية المسؤولة عن وضع إرشادات الذكاء الاصطناعي. ولديها اتفاقية تعاون مع شركة «آي فلايتك» الصينية الرائدة في الذكاء الاصطناعي، بشأن التعليم العالي في آسيا وأفريقيا، وفقاً لوسائل إعلام صينية رسمية. وقد صرحت «اليونيسكو» بأن لديها شراكات مع العديد من شركات الذكاء الاصطناعي حول العالم.

وقال ديفيد كيليون، الذي شغل منصب سفير لدى «اليونيسكو» في عهد الرئيس باراك أوباما، إن «(اليونيسكو) ساحة معركة على النفوذ الثقافي والفكري». وأضاف: «نحن نتنازل عن مجال القوة الناعمة لقوة عظمى توسعية واستبدادية».

وفي رد على طلب للتعليق بشأن نفوذها في «اليونيسكو»، قالت السفارة الصينية في واشنطن إن المنظمات الدولية «ليست ساحات للعبة الجيوسياسية». وتابعت بأن «الصين لا تنوي تحدي أو استبدال الولايات المتحدة. نأمل أن تتمكن جميع الأطراف من رؤية الدور الإيجابي للصين في (اليونيسكو) بموضوعية».

أما «اليونيسكو» فقالت إنه رغم أن الصين ستصبح قريباً الممول الأكبر، فإنها لا تزال تحظى بتمثيل محدود في طاقم موظفي المنظمة. وأضاف متحدث باسم المنظمة: «لسنا في موقع يسمح لنا بالتعليق على الاستراتيجيات الدبلوماسية لأي دولة عضو».

ولم ترُد وزارة الخارجية الأميركية على طلب للتعليق، لكنها أصدرت بياناً قالت فيه إن «اليونيسكو» تُروّج لـ«أجندة آيديولوجية عولمية للتنمية الدولية تتعارض مع سياسة (أميركا أولاً) التي ننتهجها في السياسة الخارجية».

تراجع قوة أميركا الناعمة

ويعكس الانسحاب الأميركي تراجُعاً أوسع من قبل الولايات المتحدة عن المشاركة في الهيئات الدولية، ونظرة ترمب السلبية للقوة الناعمة، وهي الفكرة التقليدية القائلة إن النفوذ الثقافي والاقتصادي الأميركي يُعزّز موقعه في العلاقات الدولية. وكان ترمب قد أعلن انسحاب الولايات المتحدة من «منظمة الصحة العالمية»، وقلّص بشدة «وكالة التنمية الأميركية». ومن المتوقع صدور مراجعة من البيت الأبيض للوكالات التابعة للأمم المتحدة في أوائل أغسطس (آب)، ويتوقع الخبراء أن يقوم البيت الأبيض بقطع التمويل عن وكالات أخرى.

قال وو شينبو، عميد معهد الدراسات الدولية في جامعة فودان بشنغهاي: «لم تعد الولايات المتحدة جهة يُعتمد عليها». وأضاف: «مكانة الصين ونفوذها في الأمم المتحدة سيتزايدان بلا شك. هذا أمر مؤكد».

وكانت «اليونيسكو» أول وكالة تابعة للأمم المتحدة يزورها شي بعد توليه رئاسة الصين عام 2012. وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت تمويل المنظمة بموجب تشريع من تسعينات القرن الماضي يفرض قطع التمويل عن أي وكالة أممية تقبل فلسطين عضوا كاملا. وقد شكّل ذلك فرصة لبكين. فعيّنت الصين زوجة شي جينبينغ، بنغ لييوان، مبعوثة خاصة، وأرسلت أموالاً إلى باريس خصّصتها لتحقيق أهداف سياستها الخارجية.

ويتذكر تانغ تشيان، مساعد المدير العام السابق لـ«اليونيسكو» من الصين، في مذكراته التي نُشرت عام 2020، أن حكومته كانت ترى في تمويل المنظمة وسيلة لتوسيع النفوذ الصيني، خصوصاً في أفريقيا.

لكن واشنطن لم تكن على الهامش في تلك الفترة، رغم وقف التمويل. فقد أبقت إدارة أوباما على دبلوماسييها، مثل كيليون، في باريس للعمل على قضايا مثل تعليم تاريخ الهولوكوست، ومقاومة جهود الصين والبرازيل في تنظيم الإنترنت. إلا أن إدارة ترمب أعلنت عام 2017 انسحابها الكامل من المنظمة، مشيرة إلى «تحيّز ضد إسرائيل» كمبرر للقرار.

وبعد تولي جو بايدن الرئاسة في 2021، بدأ كيليون وآخرون حملة لإقناع الإدارة الأميركية بالعودة إلى المنظمة. وجاء في وثيقة وزّعوها داخل إدارة بايدن أن «الفراغ الذي خلّفته الولايات المتحدة يتم ملؤه من قبل قوى كبرى أخرى مثل الصين، التي تدرك جيداً الفرص الكبيرة التي توفرها (اليونيسكو) على صعيد القوة الناعمة».

تأرجح موقف واشنطن

وقد منح الكونغرس إعفاءً يسمح بتمويل المنظمة، فعادت الولايات المتحدة إلى عضوية «اليونيسكو». وأشار الإعفاء بوضوح إلى المخاوف من النفوذ الصيني. وباشر السفير الأميركي الجديد استعادة النفوذ الأميركي في المنظمة، فعقد شراكات مع شركات تكنولوجيا كبرى مثل «مايكروسوفت» و«نتفليكس»، وقاد فريقاً مشتركاً مع السفير الغاني للعمل على قضايا الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي في أفريقيا، حيث كانت الشركات الصينية تُحقّق تقدماً.

ولا يعني ذلك أن ترمب متحمس لمنح الصين نفوذاً. فقد شنّ حرباً تجارية وفرض قيوداً على تصدير التكنولوجيا الأميركية. لكنه يفضل القوة الاقتصادية والعسكرية على المساعدات الخارجية والبرامج الثقافية.

أما الصين فترى أن القوة الناعمة ضرورية لتوسيع نفوذها العالمي، وتعتبر «اليونيسكو» مفتاحاً لإبراز ثقافتها وتاريخها على المسرح الدولي. وتتصدّر الصين قائمة الدول التي سجلت أكبر عدد من عناصر «التراث الثقافي غير المادي» - أي أعظم إبداعات البشرية، مثل رقصة الفلامنكو الإسبانية، وحساء التوم يوم كونغ التايلندي، والريغي الجامايكي.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

جائزة «اليونيسكو الفوزان» الدولية تعزز حضور العلماء الشباب

عالم الاعمال سجّلت جائزة «اليونيسكو عبد الله الفوزان» الدولية حضوراً في المنتدى العالمي الرابع لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)

جائزة «اليونيسكو الفوزان» الدولية تعزز حضور العلماء الشباب

سجّلت جائزة «اليونيسكو عبد الله الفوزان» الدولية حضوراً بارزاً في المنتدى العالمي الرابع لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا تدعم أطر بناء القدرات في البيانات والذكاء الاصطناعي إعداد كوادر مؤهلة تلبي احتياجات سوق العمل (واس)

السعودية تطلق 5 أطر لبناء القدرات في البيانات والذكاء الاصطناعي

أطلقت السعودية 5 أطر لبناء القدرات في البيانات والذكاء الاصطناعي، تشمل التعليم العام والجامعي والتدريب والمعايير المهنية، خلال منتدى «اليونسكو» بالعاصمة الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… فهل يستطيع أن يوفرها؟

علاقة مزدوجة بين الخوارزميات والطاقة تضع الاستدامة أمام اختبار جديد

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
الاقتصاد رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي الدكتورعبد الله الغامدي خلال حضوره المؤتمر (سدايا)

رئيس «سدايا»: المرحلة المقبلة تتطلب سياسات عملية لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي

قال رئيس «سدايا»، الدكتور عبد الله الغامدي، إن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل المبادئ المشتركة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى تطبيق عملي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص تسعى السعودية إلى الانتقال من تبنّي معايير الذكاء الاصطناعي إلى المساهمة في صياغتها على المستوى الدولي (أدوبي)

خاص «سدايا» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تتجه من تبنّي معايير الذكاء الاصطناعي إلى صياغتها

تدفع السعودية نحو دور أكبر في صياغة معايير الذكاء الاصطناعي عالمياً مع التركيز على تحويل مبادئ الحوكمة إلى أدوات تنفيذية.

نسيم رمضان (لندن)

بيل غيتس ينضم إلى المطالبين بفرض ضوابط على الذكاء الاصطناعي

بيل غيتس (د.ب.أ)
بيل غيتس (د.ب.أ)
TT

بيل غيتس ينضم إلى المطالبين بفرض ضوابط على الذكاء الاصطناعي

بيل غيتس (د.ب.أ)
بيل غيتس (د.ب.أ)

قال بيل غيتس، ‌المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، في مقابلة بثت اليوم الأحد إن الذكاء الاصطناعي يتطلب إجراءات حماية تتجاوز نطاق التنظيم الذاتي، داعياً إلى إقرار تشريع في الكونغرس الأميركي.

وأضاف غيتس في مقابلة على قناة «إن بي سي»: «نحتاج إلى أجهزة إنفاذ القانون والسياسيين للمشاركة في نقاش حول شكل هذه الضمانات والرقابة... ويجب أن يكون ذلك أمراً إلزامياً».

واندلعت موجة مفاجئة من التأييد لتدخل الحكومة الاتحادية بعد أن أعلنت شركة «أوبن إيه آي» في يوليو (تموز) أن وكيلاً مستقلاً يعمل بالذكاء الاصطناعي خرج عن السيطرة خلال اختبار أمني واخترق شركة أخرى، ‌متجاوزاً بذلك الرقابة ‌البشرية. وانضم غيتس إلى هذا الرأي، قائلاً ‌إن ⁠الحكومة يجب أن ⁠تتدخل.

وقال: «لا أحد يعتقد أن التنظيم الذاتي كاف».

وفي بادرة نادرة على الوحدة، دعا الرؤساء التنفيذيون لشركات متنافسة، وهي «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» و«ديب مايند» التابعة لـ«غوغل» و«مايكروسوفت» و«إكس إيه آي»، إلى إبطاء وتيرة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تزداد قدراتها باستمرار.

لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومعارضين آخرين لفرض لوائح تنظيمية إضافية على الذكاء الاصطناعي ⁠يقولون إن القيود الحكومية الجديدة ستسمح للصين بأن ‌تكون لها اليد العليا في ‌ثورة الذكاء الاصطناعي. ووصف ترمب علناً الدعوات لسن قوانين جديدة بشأن ‌الذكاء الاصطناعي بأنها «خدعة».

وأكد غيتس أن الإجراءات الوقائية لن تعوق هذه ‌التكنولوجيا بشكل كبير، وأن مخاطر عدم تنفيذها حقيقية.

وقال لشبكة «إن بي سي»: «إنها ليست خدعة على الإطلاق».

والتحذيرات بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي ليست جديدة. لكنها اكتسبت طابعاً أكثر إلحاحاً هذا الشهر بعد أن ربط باحثون في مختبرات رائدة في ‌مجال الذكاء الاصطناعي تلك المخاوف بجدول زمني واحتمالية حدوثها.

وحذر جاكوب كوكسون، الباحث السابق في شركة ⁠«أنثروبيك»، من ⁠أن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على البشرية بحلول نهاية هذا العقد، مما دفع المشرعين الأميركيين إلى المطالبة بوضع قواعد جديدة لتنظيم هذه التكنولوجيا.

وردد إيفان هوبينجر، رئيس قسم علوم التوافق في «أنثروبيك»، تحذير كوكسون قائلاً إن احتمال وقوع مثل هذا الحدث خلال العقد المقبل يزيد على 10 في المائة.

واقترح بعض صانعي السياسات فرض «مفتاح إيقاف» يتيح للسلطات الاتحادية إيقاف نماذج الذكاء الاصطناعي. وقال غيتس إنه لا يعارض وجود نوع من «مفتاح الإيقاف»، إلا أن ذلك لن يكون كافياً ما لم يتم تنفيذ إجراءات وقائية أخرى أيضاً.

واتفقت الولايات المتحدة والصين على بدء حوار حول الذكاء الاصطناعي عقب زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ لواشنطن مؤخراً.


الدعوات الدولية لوقف اضطرابات إثيوبيا... هل تقود لوساطة جديدة؟

أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
TT

الدعوات الدولية لوقف اضطرابات إثيوبيا... هل تقود لوساطة جديدة؟

أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

بعد أيام من تحركات عسكرية لجبهة تحرير تيغراي المعارضة ومعارك مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، توالت دعوات إقليمية ودولية بوقف الاضطرابات والعودة لمسار الحوار.

تلك الدعوات التي صدرت من قطر والإمارات وجيبوتي والولايات المتحدة والاتحادين الأوروبي والأفريقي، يرى خبراء في الشؤون الأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها قد تعزز الوساطة الحالية لإعادة الأطراف لاتفاق 2022 أو وساطة جديدة مع وجود تحالف أوسع من الجبهة يحتاج لاتفاق موسع جديد.

وتتواصل المعارك بين الحكومة وجبهة تيغراي لليوم الخامس بحسب وسائل إعلام إثيوبية. واستولت «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنَّت هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها هناك، الأسبوع الماضي، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة الاتحادية.

وأدانت قطر «التصعيد العسكري ضد القوات الفيدرالية الإثيوبية»، مؤكدة «دعمها الكامل لجميع الجهود الرامية إلى خفض التوتر في إثيوبيا». كما دعت جيبوتي، الأحد، إلى خفض التصعيد في إثيوبيا، وتسوية النزاعات من خلال الحوار.

ودعت الإمارات، الجمعة الماضية، إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية وخفض التصعيد، والالتزام باتفاق بريتوريا للسلام، مجددة دعمها لجميع الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار الدائمين في إثيوبيا.

كذلك، دعا الاتحاد الأفريقي في بيان خلال الساعات الماضية إلى التهدئة، وكذلك طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى خفض التوتر على الفور، مجدداً في بيان دعمه لجهود الاتحاد الأفريقي بما في ذلك المبذولة من رئيس نيجيريا السابق أولوسيغون أوباسانغو الهادفة إلى تخفيف التوترات، وإعادة إشراك الأطراف في المحادثات بحسن نية تحت إطار عمل اتفاق بريتوريا.

أيضاً دعا الاتحاد الأوروبي، أخيراً، إلى خفض التصعيد بشكل فوري في شمال إثيوبيا، مؤكداً مواصلة دعمه لجهود خفض التصعيد، وعملية الوساطة التي يقودها الاتحاد الأفريقي، والحوار الهادف بين الأطراف.

عناصر من «جبهة تحرير تيغراي» في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد أن تلك المواقف المكثفة ترغب في العودة إلى طاولة المفاوضات، وتفعيل اتفاق بريتوريا، مؤكداً أن العودة للتفاهمات وتطبيق الاتفاق يصب في مصلحة الحكومة الإثيوبية؛ كونها غير معنية بالانجرار نحو حرب استنزاف تسعى إليها أطراف معينة، والالتزام بمسار بريتوريا يمثل مصلحة عليا لإثيوبيا ولدول المنطقة كافة.

ويشير الخبير في الشؤون الأفريقية عبد المنعم أبو إدريس إلى أن جبهة تيغراي سبق أن رحبت بأي خطوات للسلام فضلاً على أن هذه الدعوات تدرك أهمية استقرار إثيوبيا للأمن في الإقليم. ويعتقد أبو إدريس أن هذا التحرك المتسارع دولياً يحتاج إلى معادلة جديدة أكبر من اتفاق بريتوريا 2022 بسبب دخول فاعلين جدد إلى الملعب مع تكوين التحالف المسلح الجديد.

وقبل أيام، أعلنت 7 جماعات معارضة للحكومة الفيدرالية في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وميليشيات «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أورومو»، عن تحالف يهدف إلى إطاحة السلطة الحاكمة في أديس أبابا.

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة عام 1991 وحكمت إثيوبيا 3 عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء عام 2018؛ ما أسهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن «اتفاق بريتوريا» للسلام في 2022 أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنت الحكومة الاتحادية آنذاك ضربات بالطيران المُسيّر على تيغراي، وحشدت قواتها على حدود الإقليم، وسط اتهامات من الطرفين بانتهاك الاتفاق.

ويرى أبو إدريس أن أي وساطة مهما كان الطرف الذي يقوم بها إذا لم تصاحبها إرادة داخلية تريد طي صفحة النزاعات في البلد لن تحقق نجاحاً كاملاً، وقد تنجح الوساطة الجديدة في الوصول إلى هدنة مؤقتة لكنها يمكن أن تنهار في أي وقت.

وحول مدى استجابة القيادات الميدانية داخل الجبهة المعارضة، أوضح عبد الصمد أن الواقع العسكري والاقتصادي والسياسي داخل إقليم تيغراي وموازين القوى الراهنة لا تمنح هذه الأطراف خيار الرفض؛ ما سيجبرها في النهاية على القبول بالجهود الجارية للعودة للاتفاق.


ترمب يرفض «دمج» جهود الذكاء الاصطناعي مع الصين رغم فتح قناة اتصال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في الأرشيف الوطني بواشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في الأرشيف الوطني بواشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

ترمب يرفض «دمج» جهود الذكاء الاصطناعي مع الصين رغم فتح قناة اتصال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في الأرشيف الوطني بواشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في الأرشيف الوطني بواشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، أنه لا يريد «دمج» جهود الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي، رغم «النقاش الكبير» الذي أجراه هذا الأسبوع مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، بشأن هذه التكنولوجيا.

وقال ترمب للصحافيين، لدى مغادرته واشنطن متّجهاً إلى نوكسفيل في تكساس، إن الصين «تريد وقف تقدمنا لأننا نتقدم عليها بفارق كبير، وسنحافظ على ذلك»، مضيفاً: «أفضِّل ألا نندمج لأننا متقدمون بفارق كبير... عندما تكون في الصدارة، لا تفتح المجال للطرف الآخر».

جاءت تصريحات ترمب بعد يوم من اختتام زيارة شي لواشنطن، وفي وقت أعلن فيه البيت الأبيض أن البلدين اتفقا على استحداث «قناة اتصال» لمعالجة الحوادث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس تنسيقاً محدوداً بين القوتين المتنافستين من دون أن يمتد إلى تعاون أوسع في تطوير التكنولوجيا.

تنسيق محدود مع بكين

أفاد البيت الأبيض في وثيقة بأن البلدين استحدثا «حواراً بين الولايات المتحدة والصين في شأن (الذكاء الفائق) لتبادل وجهات النظر حول المخاطر والمنافع» المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، واتفقا كذلك على إقامة «قناة اتصال ثنائية» لمعالجة الحوادث في هذا المجال. وأكدت وسائل الإعلام الرسمية الصينية، في تقرير حول نتائج القمة، السبت، الاتفاق على إنشاء خط ساخن للذكاء الاصطناعي.

وشكّل الذكاء الاصطناعي، الذي بات ترمب منذ أيام يصفه بـ«الذكاء الفائق»، أحد المحاور الرئيسية التي بحثها مع شي خلال زيارته لواشنطن التي استمرّت 3 أيام واختتمت، الجمعة. وقال ترمب، السبت، إن الجانبين أجريا «نقاشاً كبيراً» حول هذا الملف، قبل أن يقلّل في الوقت نفسه من حجم المحادثات، موضحاً أنهما «لم يمضيا وقتاً طويلاً» في بحثه.

وتتعرض الدولتان المتنافستان في مجال الذكاء الاصطناعي لانتقادات متزايدة في شأن مسألة المخاطر الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، بعد تسجيل عدد من الحوادث أثارت مخاوف من تَفَلُّت هذه التكنولوجيا عن سيطرة مبتكريها. ورأى الرئيس الصيني أن على واشنطن وبكين مسؤولية «تطوير وإدارة الذكاء الاصطناعي بما يخدم الصالح العام، وضمان أن يظل تطويره دائماً في ظل الرقابة البشرية».

أما ترمب، فكان موقفه مختلفاً؛ إذ أعرب عن تمسكه بـ«مستوى التنظيم الحالي»، وشدّد على أن أي تنسيق مع بكين لا يعني انفتاحاً على دمج الجهود في هذا القطاع. وقال إن الصين تسعى إلى إبطاء التقدم الأميركي، مضيفاً أن الولايات المتحدة تتقدم عليها «بفارق كبير».

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت اقترح، الأسبوع الماضي، استحداث آلية للإخطار المتبادل بين البلدين في شأن أي حوادث في مجال الذكاء الاصطناعي «تتعلق بالأمن القومي». وأضاف: «نعتقد أنه من المهم الانتقال من وضع يكتنفه الغموض إلى مزيد من الشفافية بين القوتين الأولى والثانية في العالم في مجال الذكاء الاصطناعي».

اختراق جديد

تزامن الإعلان عن قناة اتصال جديدة بين بكين وواشنطن بشأن الذكاء الاصطناعي، مع كشف شركة «أوبن إيه آي» عن اختراق جديد مثير للقلق.

وأقرت الشركة الرائدة، أمس، بأن أدواتها للذكاء الاصطناعي نشرت على الإنترنت 53 صورة أرسلها مستخدمون عبر منصتها «تشات جي بي تي»، في تسريب جديد يطول هذه المرة بيانات مستخدمي الشركة نفسها.

كما أكّدت أن أدواتها اخترقت مواقع تابعة لوكالات فيدرالية أميركية، مؤكدة بذلك معلومات أوردتها صحيفة «نيويورك تايمز» سابقاً، لكنها أشارت إلى أنها لم تجمع فيها سوى معلومات متاحة للعموم.

وأوضحت «أوبن إيه آي» أن الروابط للصور الـ53 لم تكن متاحة للعلن، ونُشرت عن طريق الخطأ على مواقع استضافة إلكترونية، وأشارت إلى أن معظمها أزيل بمساعدة مقدمي الخدمات المضيفين المعنيين، وأن العمل يجري على إزالة الصور المتبقية، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت هذه الصور قد أُرسلت من حسابات وافق أصحابها على استخدام بياناتهم لتطوير نماذج الشركة. ومرت قبل استخدامها عبر مصفاة لخصوصية البيانات الشخصية، وأكدت الشركة أنه لم يعد بالإمكان ربط الصور بالمستخدمين الذين أرسلوها. ولم توضح «أوبن إيه آي» ما إذا كانت هذه الصور تظهر أشخاصاً يمكن التعرف عليهم أو بيانات حساسة، ولم تكشف المزيد من التفاصيل رداً على أسئلة «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونُشرت الصور نتيجة سلوك «وكلاء للذكاء الاصطناعي»، وهي برمجيات مصممة بناءً على نماذج ذكاء اصطناعي وقادرة على تنفيذ سلسلة من المهام المتتالية بصورة ذاتية. وأوضحت الشركة أن أدوات ذكاء اصطناعي وكيلة يجري استخدامها في إطار أبحاثها، نقلت إلى خدمات خارجية بيانات تدريب لم تكن بمعظمها صادرة عن مستخدمين، ولفتت إلى أن عمليات النقل جرت بمعظمها قبل أن تعزز الأمن حول أبحاثها في أغسطس (آب).

وأكدت أنها تجري حالياً عملية مسح شاملة لأنشطة أدواتها الوكيلة السابقة، في عملية ستستغرق أشهراً عدة.

وأقر الرئيس التنفيذي للشركة سام ألتمان، الجمعة، بأنه «لم نكن بالسرعة التي كنا نتمناها» في عمليات المراجعة والكشف عن الحوادث، مبرراً ذلك بالحجم الهائل من البيانات الواجب تحليلها.

وقال متحدث باسم «أوبن إيه آي» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «غالبية الأنشطة التي خضعت للتدقيق حتى الآن كانت من ضمن مهام البحث الاعتيادية، كالوصول إلى محتويات متاحة للعموم على الإنترنت للإجابة عن أسئلة». وأضاف أن «بعض هذه الأنشطة شملت مواقع حكومية، إذ غالباً ما تلجأ نماذجنا إليها بوصفها مصادر مرجعية للمعلومات العامة».

وبذلك، أكدت الشركة أن نماذجها وصلت إلى معلومات عامة على مواقع هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، الجهة الناظمة للأسواق المالية، قبل أن تنشر جزءاً منها على صفحة أخرى على الإنترنت، مشددةً على أنها لم تجد أي أثر للنفاذ إلى معلومات غير متاحة للعموم.