السودان: حين يدفن الأحبة مرتين في الخرطوم

بعد عودة الهدوء إلى العاصمة تم نبش آلاف الجثث في الميادين والبيوت وإعادة دفنها

فريق الهلال الأحمر يقوم بنبش الجثامين في مقبرة جماعية مؤقتة بالخرطوم (الشرق الأوسط)
فريق الهلال الأحمر يقوم بنبش الجثامين في مقبرة جماعية مؤقتة بالخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

السودان: حين يدفن الأحبة مرتين في الخرطوم

فريق الهلال الأحمر يقوم بنبش الجثامين في مقبرة جماعية مؤقتة بالخرطوم (الشرق الأوسط)
فريق الهلال الأحمر يقوم بنبش الجثامين في مقبرة جماعية مؤقتة بالخرطوم (الشرق الأوسط)

في صباح شديد الحرارة بميدان حي البركة بضاحية الحاج يوسف بمحلية شرق النيل بالخرطوم بحري، كانت السيدة سعاد عبد الله تحمل طفلها وتحدّق بصمت نحو الحفرة التي كانت قبل دقائق قبراً مؤقتاً لزوجها.

فقبل نحو 7 أشهر، لم تجد سعاد مكاناً آمناً لدفن زوجها سوى هذا الميدان، والآن تقف لتستلم رفاته في كيس أبيض، كي تمنحه وداعاً متأخراً، لكنه أكثر كرامة، حيث يتم دفنه في مقابر الضاحية.

سعاد واحدة من عشرات الأسر التي عاشت لحظة وداع الأحبة مرتين، في المدينة التي تعج بالمقابر العشوائية، ويعاني أهلها فقداناً للذاكرة الرسمية لضحايا حرب لم تنتهِ فظائعها بعد.

السيدة سعاد عبد الله تحمل طفلها وتودع زوجها للمرة الثانية (الشرق الأوسط)

واندلعت الحرب في السودان، في 15 أبريل (نيسان) 2023، في العاصمة الخرطوم، بين «قوات الدعم السريع»، والجيش السوداني، للسيطرة على العاصمة، وامتد القتال من الخرطوم إلى ضواحيها، وخاصة أم درمان. وبعد أيام قليلة من الحرب، قتل أكثر من 500 قتيل مدني. وقدّر عدد القتلى في الخرطوم منذ اندلاع الحرب بالآلاف، رغم عدم وجود إحصائيات رسمية. وبعد استعادة الجيش السيطرة على العاصمة في 20 مايو (أيار) 2025، كانت المهمة الأصعب هي كيفية إعادة دفن آلاف الجثث المنتشرة في المقابر الجماعية والطرقات والميادين العامة، وهي مهمة مستمرة حتى الآن.

أرض الموت

عند الساعة الحادية عشرة صباحاً، وصلت فرق الطب العدلي والهلال الأحمر السوداني إلى ميدان حي البركة، لنقل 118 جثة دُفنت على عجل سابقاً، خوفاً من القنص أو الحظر أو الانفجار. فرق الطب العدلي مقسّمة ومنظمة، ترتدي الزي الطبي، وتعمل بتناوب في مجموعتين بسبب حرارة الشمس القاسية، ينبشون الجثامين واحداً تلو آخر، ويضعونها داخل أكياس بيضاء مرقمة، ثم تُرص في سيارات نقل متوسطة يطلق عليها محلياً «دفار»، تقف على بعد أمتار من المقبرة المؤقتة.

أحد المواطنين يشير إلى مقبرة أحد أقربائه في ضاحية الحاج يوسف بولاية الخرطوم (الشرق الأوسط)

يشير الأهالي بأصابعهم إلى القبور، وهم يقفون على مسافة: «هنا أخي، وهناك أمي»، يهمسون بأسماء تُدفن دون شاهد، ومن بينهم سعاد عبد الله، أم لـ3 أطفال، فقدت زوجها ودفن مؤقتاً في الميدان. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «توفي زوجي برصاصة طائشة اخترقت نافذة غرفتنا، لم نتمكن من دفنه في المقابر الرسمية، فدفناه هنا في الميدان، واليوم جئت لأودّعه من جديد».

تحاول سعاد أن تبقي متماسكة، وهي تحتضن ابنها الأصغر، فيما يهمس أحد أقاربها: «دفناه ليلاً، من دون شهود ولم نقم عليه العزاء، ما كنا نستطيع المشي بالجثمان إلى المقابر».

وعلى الطرف الآخر، كانت خديجة زكريا تبكي بصوت مرتفع، وهي تراقب نبش قبر شقيقتها، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «شقيقتي ماتت موتاً طبيعياً، لكنهم منعونا من دفنها في المقابر، فدفناها في الميدان». وتضيف، والدموع تبلل عينيها: «حتى بنت أختي ووالدها ماتا، ودفنوهما في ميادين أخرى، قالوا لنا سيتم نقلهما لاحقاً إلى المقابر».

جثة غرفة الضيوف

بعد انتهاء العمل في ميدان حي البركة، توجه الفريق إلى منطقة الفيحاء القريبة من ضاحية الحاج يوسف، استجابة لبلاغ بوجود جثة داخل منزل مهجور، قال صاحبه العائد قريباً من رحلة النزوح: «فوجئت بجثة يابسة في صالون بيتي... قال الجيران إنها لأحد أفراد الدعم السريع، قُتل على يد زملائه». وفي منطقة الحاج يوسف أبلغ عن وجود جثة في قناة المياه (ترعة)، تم انتشالها ودفنها في المقابر العامة.

مشهد لعمليات نقل الرفات إلى المقابر بواسطة فريق من الطب العدلي (الشرق الأوسط)

الدكتور هشام زين العابدين، مدير الطب العدلي في الخرطوم، وهو يشرف على عمليات النبش وإعادة الدفن قال لـ«الشرق الأوسط»: «نقل الجثامين مجاناً دون تكلفة، وهي مسؤوليتنا الكاملة». ويبدو هذا التصريح كردّ على ما تناولته منصات التواصل الاجتماعي، بأن السلطات تطالب بمبالغ كبيرة لإعادة دفن الموتى داخل البيوت والأحياء والميادين.

توقع دكتور زين العابدين نقل نحو 7 آلاف جثة خلال 40 يوماً من ميادين الخرطوم والمنازل إلى المقابر العامة، وأشار إلى وجود أكثر من 40 مقبرة جماعية في أنحاء مختلفة من المدينة تم اكتشافها حتى الآن. وقال إن 3.5 ألف جثة تم جمعها وإعادة دفنها منذ بداية العملية، حتى الآن، معظمها جثث قتلى «قوات الدعم السريع»، وتابع: «هناك 500 جثة أخرى تم جمعها على الطريق البري الرابط بين أم درمان وبارا، الذي يعرف بطريق الصادرات»، وتابع: «ما زال الطب العدلي يستقبل بلاغات حول وجود مقابر.

السيدة خديجة زكريا تقوم بمعاينة مقبرة أعيد دفن شقيقتها فيها (الشرق الأوسط)

وبعد عودة الناس للخرطوم، يتم يومياً اكتشاف جثامين في الأحياء السكنية، أو مقابر جماعية في الميادين. وكشف مدير الطب العدلي عن العثور على مقبرة جماعية في جامعة أفريقيا العالمية جنوب الخرطوم، تضم 7 آلاف جثة، وتنتشر في مساحة تبلغ كيلومتر مربع، تضم قتلى «قوات الدعم السريع». ووصف مناطق شرق النيل وجبل أولياء والصالحة بأنها أكثر المناطق اكتظاظاً بالمقابر الجماعية.

نحن بشر

أحد أعضاء فريق الطب العدلي أجاب سؤال أحد الحضور، أثناء أخذهم استراحة لشرب الشاي وتبادل القفشات أثناء المهمة الصعبة التي يقومون بها: «ألا تخافون من المهمة... كيف تستطيعون النوم بعد هذا». ورغم قسوة المشهد، ردّ عضو الفريق مبتسماً: «نحن بشر، نمارس حياتنا العادية، ونحاول أن نصنع من المأساة حلولاً، ولو بيدنا لما تركنا الناس يودعون موتاهم بالحسرة».

عائدون يتفقدون ممتلكاتهم المُدمَّرة في الخرطوم (أ.ف.ب)

تعيش الخرطوم اليوم مرحلة دفن مزدوج: «دفن للجثامين، ودفن للذكريات، حتى العدالة المؤجلة، لكن ما يحرك الناس ليس الغضب فقط، بل الرغبة في منح من فقدوهم قدراً من الكرامة، وسط حرب سلبت كل شيء منهم، ولم تترك لهم إلا المرارة». هكذا قالت سعاد، وهي تغادر الميدان، وطفلها نائم على كتفها: «دفت زوجي مرتين، لكننا لم ننسه يوماً واحداً، وربما نكون قد دفناه بكرامة هذه المرة، فليرقد بسلام».


مقالات ذات صلة

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

شمال افريقيا تشييع قتلى هجمات «الدعم السريع» في مدينة الأبيض (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

قال سكان لـ«الشرق الأوسط» إن مدينة الأُبَيِّض، عاصمة إقليم شمال كردفان، وسط غربي السودان، عاشت ليلة مروعة جرّاء هجوم بالمسيّرات.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الولايات المتحدة​ الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

أقرَّت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مشروع قانون يرسم مساراً لفرض عقوبات على مسؤولين في «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني.

رنا أبتر (واشنطن)
شمال افريقيا لقطة لفندق تضرر من الحرب في الخرطوم (أ.ب)

دفاعات الجيش السوداني تتصدى لمسيرات استهدفت الخرطوم

أفادت تقارير بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني تصدت لطائرات مسيّرة حاولت استهداف مناطق في مدينة أم درمان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الاقتصاد وزير الري المصري خلال اجتماعه مع وفد البنك الدولي في القاهرة الثلاثاء (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)

مصر تستعين بالبنك الدولي لتجاوز أزمة «شح المياه»

بعد شكواها من تراجع نصيب الفرد إلى ما دون خط الفقر، تتجه مصر إلى الاستعانة بالبنك الدولي لتجاوز أزمة «شح المياه» التي تثير مخاوف في ظل استمرار نزاع «سد النهضة».

عصام فضل (القاهرة )
شمال افريقيا عناصر من «المقاومة الشعبية السودانية المسلحة» الموالية للجيش خلال عرض عسكري في ولاية القضارف شرق السودان يوم 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)

دعوة أميركية ـ أوروبية لهدنة إنسانية عاجلة في السودان

جددت الولايات المتحدة ودول أوروبية، في بيان مشترك، تأكيد الحاجة المُلحة لهدنة إنسانية في السودان، تمهد لوقف دائم لإطلاق النار.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

«شحّ المياه» يقيّد التوسع في الصناعات الغذائية بمصر

مصر تشكو بشكل متكرر من شحّ المياه (وزارة الري المصرية)
مصر تشكو بشكل متكرر من شحّ المياه (وزارة الري المصرية)
TT

«شحّ المياه» يقيّد التوسع في الصناعات الغذائية بمصر

مصر تشكو بشكل متكرر من شحّ المياه (وزارة الري المصرية)
مصر تشكو بشكل متكرر من شحّ المياه (وزارة الري المصرية)

يفرض «شحّ المياه» الذي تواجهه مصر قيوداً على التوسع في الصناعات الغذائية بالبلاد، إذ أعلنت الحكومة «تشكيل لجنة تضم 4 وزارات لتصنيف المنتجات وفقاً لمعدلات استهلاك المياه ضمن خطة ترشيد».

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء» تم تشكيل «لجنة» لتطبيق مفهوم «البصمة المائية» تضم وزارات الموارد المائية والري، والزراعة، والصناعة، والتموين، وخلال اجتماع مشترك، الجمعة، أقر الوزراء الأربعة تولي «اللجنة الإدارة الكاملة لملف البصمة المائية في مشروعات الصناعات الغذائية، ووضع أكواد ومعايير تنظيمية خاصة للمنتجات والصناعات لتصنيفها وتقييمها من حيث معدلات استهلاكها للمياه وحجم القيمة المضافة التي تحققها للاقتصاد»، بالتوازي مع «تبني ودراسة تطبيق مفاهيم (الحياد المائي) في إطار الاستراتيجية الرامية لضمان استدامة الموارد المائية».

وتحدث وزير الموارد المائية والري، هاني سويلم، الجمعة، عن رؤية الوزارة لتعزيز حوكمة المياه في القطاع الصناعي، لا سيما الصناعات الغذائية، من خلال دمج مفهوم «البصمة المائية» في السياسات الوطنية، بما يدعم الإدارة الرشيدة للموارد المائية في ظل التحديات الناتجة عن النمو السكاني والتوسع الزراعي، وقال إن «محدودية الموارد المائية في مقابل الاحتياجات المتزايدة تؤدي إلى فجوة مائية تقدر بنحو 23.20 مليار متر مكعب سنوياً».

وأكد سويلم أهمية «اعتماد (البصمة المائية) كأحد المعايير الرئيسية عند التخطيط للتوسعات الصناعية، مع تطبيق نظم الدوائر المغلقة بالمصانع الجديدة وتطوير المصانع القائمة تدريجياً، والتركيز على الصناعات الغذائية ذات القيمة المضافة المرتفعة، وربطها بالمناطق الزراعية المنتجة للمواد الخام، بما يسهم في تعظيم العائد الاقتصادي من المياه، وزيادة القيمة المضافة للمحاصيل الزراعية من خلال التصنيع بدلاً من تصديرها كمواد خام».

ووفق التعريف العلمي لـ«البصمة المائية» فهي «مؤشر بيئي يقيس الحجم الإجمالي للمياه العذبة المستهلكة أو الملوثة»، وهي لا تحسب الاستهلاك المباشر فحسب، بل تقيس أيضاً كمية المياه «الخفية» أو غير المباشرة اللازمة لإنتاج السلع، والخدمات، أو تشغيل المنشآت.

اجتماع وزراء الري والتموين والزراعة والصناعة الجمعة لتطبيق مفهوم «البصمة المائية» (وزارة الري)

أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، يرى أن تطبيق مفهوم «البصمة المائية» مهم لرفع كفاءة إدارة منظومة المياه بمصر، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «يجب على المصانع أن تطبق ذلك عبر محورين؛ الأول ترشيد الاستهلاك، والثاني إعادة استخدام المياه، حيث توجد صناعات تستهلك كميات كبيرة من المياه أكثر من غيرها، مثل مصانع الجلود والمنسوجات».

لكن حسب شراقي «لا يجب إغفال أن الصناعات الغذائية تحقق ربحية مرتفعة في مقابل ما تستهلكه من مياه، لذلك يجب ألا تؤثر خطط ترشيد استهلاك المياه على هذه الصناعات؛ بل لا بد من تشجيعها والتوسع في إنشاء مصانع جديدة».

ويشير شراقي إلى أن «الزراعة تستهلك 80 في المائة من الموارد المائية، والصناعة نحو 5 في المائة، بينما مياه الشرب 15 في المائة، لذلك يجب ترشيد الاستهلاك في القطاع الزراعي عبر استخدام تكنولوجيا الري الحديثة، مع الحفاظ على معدلات إنتاجية مرتفعة، وتصنيع المنتجات الزراعية قبل تصديرها لتحقيق عائد مالي أعلى، وتوجيه جزء من المياه التي يتم توفيرها إلى قطاع الصناعة».

وتحدث وزير الصناعة، خالد هاشم، الجمعة، عن عقوبات ضد المصانع التي تخالف خطط ترشيد استهلاك المياه، وأكد أن «الوزارة ستلتزم في إطار (اللجنة) باتخاذ الإجراءات الصارمة كافة مع المنشآت الصناعية المخالفة لقواعد استهلاك المياه والصرف الصحي والصناعي المقررة من وزارة الري».

كما أوضح أنه «جار التوسع في إنشاء محطات صرف صحي وصناعي لتلبية احتياجات مختلف المناطق الصناعية لمنع تصريف الصرف الصناعي على محطات صرف غير مؤهلة بما يسهم في الحفاظ على محطات الصرف القائمة والحفاظ على المياه الناتجة عن العمليات الصناعية، التي يمكن إعادة تدويرها للاستفادة منها مجدداً في الصناعة».

لجنة حكومية لتصنيف المنتجات وفقاً لمعدلات الاستهلاك (وزارة الري)

الخبير الاقتصادي وائل النحاس، رأى أنه «يجب معالجة إهدار المياه في أي قطاع سواء الزراعة أو الصناعة»، وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تشهد توسعاً في الصناعات الغذائية بالفعل، ويبدو أن الإجراءات الجديدة هدفها بشكل عام الاعتماد أكثر على مشروعات قليلة الاستهلاك من المياه».

ويعتقد النحاس أنه «يجب على كافة المصانع بما فيها الصناعات الغذائية أن تعالج إهدار المياه»، مقترحاً أن «تتضمن خطط إنشاء أي مصانع جديدة أن يكون بعضها قريباً من البحر لإنشاء محطات تحلية للمياه».

ووفق وزير التموين والتجارة الداخلية، شريف فتحي، فإن «الصناعات الغذائية تمثل أحد أهم القطاعات الاستراتيجية في الاقتصاد المصري، لما لها من دور محوري في تعزيز الأمن الغذائي، وتحقيق قيمة مضافة للمنتجات الزراعية»، موضحاً، الجمعة، أن «الدولة تولي اهتماماً كبيراً بتطوير قطاع الصناعات الغذائية باعتباره حلقة رئيسية في منظومة الأمن الغذائي».

وزير الري المصري هاني سويلم خلال تفقد أحد مشروعات المياه بالإسماعيلية (وزارة الري)

فيما يرى الخبير الاقتصادي، رشاد عبده، أنه «لا يجب فرض قيود على الصناعات الغذائية لترشيد استهلاك المياه»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «مواجهة تأثير الشحّ المائي على القطاع الصناعي، ومنه الصناعات الغذائية، يجب أن يتم وفق رؤى تعتمد على التكنولوجيا لتقليل الفاقد من المياه، والبحث عن مصادر مياه غير تقليدية في الصناعات مثل محطات التحلية».

وأكد وزير الزراعة، علاء فاروق، الجمعة، أن «الدولة تتحرك برؤية موحدة تهدف إلى ربط الخريطة الزراعية بالخريطة الصناعية، والتركيز على الصناعات الغذائية ذات الأولوية التي تحقق أعلى قيمة مضافة لمنتجاتنا الوطنية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


القاهرة تُحضّر لاستضافة اجتماع «الآلية الرباعية» بشأن «حرب إيران»

وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال لقاء لبحث مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال لقاء لبحث مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية (الخارجية المصرية)
TT

القاهرة تُحضّر لاستضافة اجتماع «الآلية الرباعية» بشأن «حرب إيران»

وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال لقاء لبحث مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال لقاء لبحث مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية (الخارجية المصرية)

تستعد مصر لاستضافة الاجتماع الرابع «للآلية الرباعية» بشأن الحرب الإيرانية، وتضم السعودية، ومصر، وتركيا، وباكستان، خلال الفترة المقبلة، وذلك استكمالاً للمشاورات المشتركة التي تهدف إلى خفض التصعيد في المنطقة.

وناقش اتصال هاتفي لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الباكستاني محمد إسحاق دار الترتيبات الجارية لاستضافة القاهرة الاجتماع الرابع للآلية الرباعية «لمواصلة التشاور المشترك، وتعزيز الجهود الرامية لخفض التصعيد»، بحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية الخميس.

وأكد الوزيران حرصهما على «مواصلة التنسيق الوثيق بين الدول الأربع في ظل التطورات الخطيرة التي تشهدها المنطقة»، كما ناقشا الجهود الرامية لدعم المسار التفاوضي الأميركي–الإيراني.

وانعقد الاجتماع الأول للآلية الرباعية في العاصمة السعودية الرياض في 20 مارس (آذار) الماضي، فيما استضافت باكستان الاجتماع الثاني في 29 مارس، واستضافت مدينة أنطاليا التركية في 17 أبريل (نيسان) الاجتماع الثالث، وذلك على هامش فعاليات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي».

وبحث آخر اجتماع لـ«الرباعية» سبل تعزيز التنسيق المشترك إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، ومتابعة مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية، ومواصلة الجهود المشتركة لخفض التصعيد، واحتواء التوتر، لتحقيق التهدئة لاستعادة الأمن والاستقرار للمنطقة، فضلاً عن مستقبل النظام الإقليمي بعد انتهاء الحرب الحالية.

وضم الاجتماع وزراء الخارجية: المصري بدر عبد العاطي، والسعودي الأمير فيصل بن فرحان، والتركي هاكان فيدان، والباكستاني إسحاق دار.

وتبادل الوزراء التقييمات بشأن تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي، وسبل احتواء التداعيات على حركة الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، وأمن الطاقة، وأسعار النفط، وسبل التغلب عليها.

واتفق الوزراء على مواصلة التنسيق والتشاور الوثيق خلال المرحلة المقبلة، ومواصلة بذل الجهود لإنجاح مسار المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد، واستعادة الهدوء، والأمن، والاستقرار للمنطقة، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية المصرية في ذلك الحين.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، بأن وزيري الخارجية المصري والباكستاني تبادلا خلال الاتصال الأخير الرؤى حول مستجدات الأوضاع الإقليمية، وأكدا أهمية مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد الراهن في المنطقة، وضرورة استكمال المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، للتوصل إلى تفاهمات توافقية تؤدي إلى خفض التوتر، وإنهاء الحرب، ودعم الاستقرار الإقليمي.

كما أكدا «أهمية مواصلة الجهود المشتركة لإعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية، لتجنب اتساع نطاق الصراع، واحتواء التصعيد الراهن في ظل ما أسفرت عنه الحرب من تداعيات أمنية واقتصادية وجيوسياسية خطيرة على المنطقة، والعالم»، بحسب بيان الخارجية المصرية.


مصير «الخبز الشعبي» يشغل المصريين مع قرب إلغاء «الدعم العيني»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
TT

مصير «الخبز الشعبي» يشغل المصريين مع قرب إلغاء «الدعم العيني»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

لا يتوقف الجدل في مصر حول منظومة الدعم مع إعلان الحكومة نيتها إلغاء «الدعم العيني» الذي يعتمد على صرف سلع بعينها، وتطبيق «الدعم النقدي» الذي يعتمد على تحديد مخصصات مالية شهرية للمستفيدين، وسط مخاوف بشأن مصير منظومة «الخبز المدعم» مع تضارب التصريحات الحكومية حول طريقة صرفه.

ويستفيد من «الخبز المدعم»، أو ما يُعرف باسم «الخبز الشعبي»، نحو 70 مليون مواطن وفقاً لآخر تقديرات حكومية في عام 2022. ورفعت الحكومة سعره قبل عامين لأول مرة منذ ثلاثة عقود، ومنذ ذلك الحين تُثبت سعره بعشرين قرشاً (الدولار يساوي 52 جنيهاً تقريباً)، وتوفر الدولة حالياً حصة يومية تبلغ خمسة أرغفة لكل فرد مسجل على البطاقة التموينية.

وفي حين أكد برلمانيون أن «الخبز المدعم» سيظل خارج أي مناقشات تتعلق بإعادة هيكلة الدعم ولا مساس به، ذهب ماجد نادي، نقيب «بدّالي التموين»، وهم تجار يصرفون الدعم العيني للمواطنين، إلى تأكيد أن المنظومة الجديدة تقترح دمج منظومتَي السلع والخبز في محفظة مالية رقمية واحدة تُخصص للمواطن على بطاقته، وتُحتسب بالأسعار الحرة للسلع، وفقاً لما ذكرته صحف محلية.

وتساءل مغردون على مواقع التواصل عن مصير «الخبز المدعم» مع قرب التحول إلى «الدعم النقدي»، واعتبروا أنه بمنزلة سلعة أساسية لمحدودي الدخل يجب عدم الاقتراب منها. وقال آخرون إن الحكومة يتعين عليها الفصل بين الدعم الذي تقدمه لسلع أساسية، مثل الزيت والسكر وغيرهما، وبين الخبز الذي لا يمكن الاستغناء عنه يومياً.

أحاديث متضاربة

تُعد مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى الحاجة الماسة لتوفير «الخبز المدعم»؛ إذ تستهلك منظومة الدعم وحدها ملايين الأطنان.

وأكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الأسبوع الماضي «بدء تطبيق منظومة الدعم النقدي» في بلاده «اعتباراً من العام المالي المقبل، الذي سيبدأ في يوليو (تموز) العام الحالي»، وقال إن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، لكن دون أن يوضح مصير الخبز وإمكانية فصله عن باقي السلع من عدمها.

مواطن يطلع على أسعار السلع بأحد المنافذ الحكومية الشهر الماضي (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب المصري، إيهاب منصور، قال لـ«الشرق الأوسط» إن التصريحات الحكومية بشأن مصير «الخبز» متضاربة، وهو ما يخلق حالة من «البلبلة»، ما يجعل هناك ضرورة لإصدار بيانات رسمية بشأن خطة التحول إلى «الدعم النقدي»، مشيراً إلى أن «الخبز الشعبي» يجب أن يكون بعيداً عن أي تصورات لإصلاح منظومة الدعم؛ فـ«هو وجبة أساسية لملايين المواطنين الذين يحتاجونه يومياً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «فكرة الانتقال إلى الدعم النقدي جيدة، لكن الأزمة تكمن في التنفيذ، بخاصة مع الحديث عن إتاحة بطاقة رقمية يجري من خلالها صرف السلع مقابل المبالغ المالية المحددة لكل أسرة، وقد تصطدم بصعوبات مثل التي تواجهها منظومة التحول الرقمي، والتي تسببت في أزمات مختلفة مؤخراً عند صرف المعاشات».

ولم تتجه الحكومة بعدُ إلى البرلمان لمناقشة مقترحها الجديد.

وأمام مجلس النواب ثلاثة أسابيع قبل إجازته الصيفية التي تمتد إلى أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وكان من المفترض مناقشة المنظومة الجديدة تحت قبة البرلمان بحسب وعود حكومية سابقة، حسبما ذكر منصور.

شرائح المستحقين

وسبق أن أشار مدبولي إلى أن المقترح الجديد لنظام الدعم النقدي سيعتمد على «تقسيم المستحقين إلى عدة شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، وقال إن «الفئات (الأكثر احتياجاً) ستحصل على أعلى قيمة من الدعم النقدي، في حين تحصل الشرائح (الأقل احتياجاً) على مبالغ أقل وفق نظام تدريجي يحقق العدالة في التوزيع».

وأكد مدبولي أن هدف حكومته هو «توجيه الجزء الأكبر من الدعم للفئات (الأشد احتياجاً)، بما يضمن تحقيق أكبر أثر اجتماعي ممكن من الأموال التي تخصصها الدولة لهذا الملف».

اجتماعات حكومية لتطوير منظومة الدعم في مصر (مجلس الوزراء)

وذكر وكيل اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب المصري، أيمن محسب، في تصريحات تلفزيونية، مساء الأربعاء، أن الخبز «يمثل أحد أهم عناصر شبكة الحماية الاجتماعية في مصر؛ ولذلك سيظل خارج أي مناقشات تتعلق بإعادة هيكلة الدعم»، مضيفاً أن المساس به غير مطروح ضمن التصورات الحالية للإصلاح.

وتُطبِّق الحكومة منذ عقود طويلة منظومة تموينية لتوزيع السلع الأساسية بأسعار مدعومة، بما في ذلك الخبز والزيت والسكر، وتُصرَف شهرياً من خلال «بطاقات التموين».

وقالت عضوة مجلس الشيوخ، أمينة النقاش، إن رغيف الخبز شهد تغيرات في وزنه ومكوناته، ولم يعد كما كان معهوداً في السابق، وعدَّت ذلك «مقدمة لما قد يشهده الفترة المقبلة من تقليص في قيمة دعمه».

وأضافت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «ملايين الأسر تواصل بكفاح مرير حياتها اليومية للاستفادة من الخبز المدعم وغيره من السلع المتاحة على البطاقات التموينية، ومتخذ القرار المصري بحاجة لمراجعة التوجه الحالي نحو تطبيق الدعم النقدي الذي سيؤدي إلى تقليص الدعم مستقبلاً، وصولاً إلى إلغائه كلياً، كأحد اشتراطات صندوق النقد الدولي».

وتنفذ مصر برنامجاً للإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي منذ سنوات، وتؤكد الحكومة أن البرنامج الحالي سينتهي بنهاية ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وترى أنها ليست بحاجة إلى برنامج جديد مع «الصندوق».

ورفعت الحكومة قيمة الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للدولة، التي ستطبَّق بداية من يوليو المقبل، إلى 832.3 مليار جنيه، وفق وزارة المالية.