صندوق النقد الدولي: الرسوم ليست الحل الأمثل لاختلالات التوازن العالمية

حذّر من تحولات محتملة في النظام النقدي بسبب التشرذم الجيوسياسي

شعار صندوق النقد الدولي خارج مقره الرئيسي في واشنطن (أ.ب)
شعار صندوق النقد الدولي خارج مقره الرئيسي في واشنطن (أ.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: الرسوم ليست الحل الأمثل لاختلالات التوازن العالمية

شعار صندوق النقد الدولي خارج مقره الرئيسي في واشنطن (أ.ب)
شعار صندوق النقد الدولي خارج مقره الرئيسي في واشنطن (أ.ب)

قال صندوق النقد الدولي، يوم الثلاثاء، إن أرصدة الحساب الجاري العالمية اتسعت بشكل حاد في عام 2024، مما عكس الاتجاه الانكماشي الذي كان جارياً منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 - 2009، محذِّراً من أن الرسوم الجمركية ليست هي الحل.

وفي تقريره السنوي حول القطاع الخارجي، الذي يقيِّم اختلالات التوازن في أكبر 30 اقتصاداً عالمياً، أوضح الصندوق أن الفوائض أو العجوزات في الحساب الجاري ليست بالضرورة إشكالية، لكنها قد تمثل مخاطر إذا تجاوزت حدوداً معقولة، وفق «رويترز».

وأشار التقرير إلى أن استمرار الاختلالات الهيكلية المحلية، وحالة عدم اليقين في السياسات المالية، إلى جانب تصاعد التوترات التجارية، قد تُقوّض معنويات المخاطرة وتزيد من الضغوط المالية، مما يُلحق الضرر بالاقتصادات الدائنة والمدينة على حد سواء.

وسلط التقرير الضوء على الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على جميع الشركاء التجاريين تقريباً، التي برّرتها إدارته بأنها تهدف إلى تقليص العجز التجاري طويل الأمد وزيادة الإيرادات. غير أن الصندوق حذَّر من أن أي تصعيد إضافي في الحرب التجارية من شأنه أن يخلّف آثاراً سلبية كبيرة على الاقتصاد الكلي، إذ يؤدي إلى تراجع في الطلب العالمي وارتفاع في معدلات التضخم؛ نتيجة زيادة أسعار الواردات. وأضاف التقرير أن تصاعد التوترات الجيوسياسية قد يفضي إلى تحولات في النظام النقدي الدولي، مما يقوض الاستقرار المالي العالمي.

اختلالات الحساب الجاري تتسع في الاقتصادات الكبرى

أظهر التقرير، الذي استند إلى بيانات عام 2024، أن اتساع الفوائض أو العجوزات العالمية يُعزى بشكل أساسي إلى 3 من أكبر الاقتصادات: الولايات المتحدة، والصين، ومنطقة اليورو. فقد اتسع العجز في الولايات المتحدة بمقدار 228 مليار دولار ليبلغ 1.13 تريليون دولار، ما يعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بينما ارتفع فائض الصين بمقدار 161 مليار دولار ليصل إلى 424 مليار دولار، وزادت فوائض منطقة اليورو بنحو 198 مليار دولار لتبلغ 461 مليار دولار.

الحلول تبدأ من الداخل

وفي مدونة مرافقة للتقرير، قال كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، بيير أوليفييه غورينشاس، إن جذور العجوزات أو الفوائض المفرطة غالباً ما تعود إلى اختلالات محلية، مثل السياسات المالية المتساهلة في الدول ذات العجز، أو ضعف شبكات الأمان الاجتماعي في الدول ذات الفائض؛ ما يؤدي إلى مستويات ادخار مفرطة.

وأكد غورينشاس أن الرسوم الجمركية ليست هي الحل، مشدداً على أن التصحيح يجب أن يستهدف جذور الخلل. فالصين، على سبيل المثال، بحاجة إلى تعزيز الاستهلاك المحلي، وأوروبا مطالبة بزيادة الإنفاق على البنية التحتية، في حين أن الولايات المتحدة يجب أن تخفّض عجزها المالي الكبير وتحدّ من الإنفاق العام.

وأشار إلى أن التقرير استند إلى بيانات سابقة من إقرار مشروع قانون خفض الضرائب والإنفاق الضخم، الذي أفاد مكتب الموازنة في الكونغرس بأنه سيضيف 3.4 تريليون دولار إلى العجز الفيدرالي على مدى العقد المقبل، مما يزيد الضغوط على الحساب الجاري الأميركي.

وكتب غورينشاس: «لا يزال العجز العام في الولايات المتحدة مرتفعاً بشكل مفرط، كما أن التراجع الحاد الأخير في قيمة اليوان الصيني - إلى جانب قوة الدولار - يُنذر باتساع فوائض الحساب الجاري الصيني».

وأكد أن الرسوم الجمركية لم تُحدث تأثيراً يُذكر على الاختلالات العالمية، لأنها غالباً ما تقلص كلاً من الاستثمار والمدخرات في الدولة التي تفرضها، ما يُبقي أرصدة الحساب الجاري دون تغيير ملحوظ.

تحوّلات محتملة في النظام النقدي العالمي

وحذَّر صندوق النقد الدولي من أن الغموض المحيط بالسياسات التجارية قد يضعف ثقة المستهلكين والشركات، ويزيد من تقلبات الأسواق، ويؤدي إلى ارتفاع مستمر في قيمة الدولار. ورغم ذلك، أشار إلى أن الدولار انخفض بنسبة 8 في المائة منذ يناير (كانون الثاني)، في أكبر تراجع نصف سنوي له منذ عام 1973.

وفي حين لا تزال هيمنة الدولار واضحة، فإن ازدياد التشرذم الجيوسياسي قد يُشكِّل تهديداً على المدى الطويل. كما قد تعكس ضعف شهية المستثمرين لسندات الخزانة الأميركية ازدياد المخاوف من المسار المالي في واشنطن.

وقال الصندوق إن زيادة استخدام اليوان في التجارة العالمية، إلى جانب تراجع دور الولايات المتحدة بوصفها مصرفاً ومؤمّناً عالمياً، وظهور أنظمة دفع بديلة وأصول رقمية خاصة، يمكن أن تعيد تشكيل خريطة العملات الدولية.

واختتم غورينشاس بالقول: «رغم أن مخاطر اضطراب النظام النقدي العالمي لا تزال معتدلة في الوقت الراهن، فإن أي زيادة حادة في الاختلالات العالمية قد تُحدث تداعيات عابرة للحدود، خصوصاً إذا دفعت بعض الدول إلى فرض مزيد من القيود التجارية، الأمر الذي يُفاقم التشرذم الجيواقتصادي. وحتى إن لم تؤثر هذه الإجراءات كثيراً على اختلالات التوازن، فإنها قد تُلحق ضرراً طويل الأمد بالنمو العالمي».


مقالات ذات صلة

السعودية ترسّخ موقعها بين أكبر 20 اقتصاداً عالمياً في 2026

الاقتصاد العاصمة السعودية (رويترز)

السعودية ترسّخ موقعها بين أكبر 20 اقتصاداً عالمياً في 2026

تكشف البيانات الاقتصادية المستقاة من صندوق النقد الدولي تثبيت السعودية لمكانتها المتقدمة ضمن قائمة أكبر 20 اقتصاداً في العالم لعام 2026.

الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

صندوق النقد: السعودية تدخل مرحلة جديدة من التحول مدعومة بقوة إصلاحاتها

أشاد صندوق النقد الدولي بالمسار التنموي الذي تسلكه السعودية، مؤكداً أنها تستقبل عام 2026 وهي تقف على أعتاب مرحلة تاريخية من النضج الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد تحالف اليسار الشعبي في مسيرة احتجاجية ضد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (إ.ب.أ)

سوق الديون الفنزويلية... انتعاش السندات يصطدم بشبكة معقدة من الدائنين

أعادت الإطاحة بنظام نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة الأمل للدائنين، وحوّلت إعادة هيكلة الديون من حلم بعيد إلى إمكانية حقيقية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد بنايات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

مصر تنتظر 3.8 مليار دولار من صندوق النقد الدولي خلال أسابيع

تنتظر مصر أن يصرف صندوق النقد الدولي نحو 3.8 مليار دولار ضمن برنامج القرض الممتد بجانب جزء آخر من صندوق الاستدامة والصلابة.

صبري ناجح (القاهرة)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي على مقره بالعاصمة الأميركية واشنطن (رويترز)

صندوق النقد يتوصل لاتفاق بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر

قال صندوق النقد الدولي اليوم الاثنين إنه توصل ‌إلى ‌اتفاق ‌على ⁠مستوى الخبراء ​بشأن ‌المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر ضمن تسهيل الصندوق ⁠الممدد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

عمالقة «وول ستريت» يضعون «خطط مواجهة» لإنقاذ أعمالها الائتمانية من مقصلة ترمب

رجل يسير في شارع وول ستريت أمام بورصة نيويورك (رويترز)
رجل يسير في شارع وول ستريت أمام بورصة نيويورك (رويترز)
TT

عمالقة «وول ستريت» يضعون «خطط مواجهة» لإنقاذ أعمالها الائتمانية من مقصلة ترمب

رجل يسير في شارع وول ستريت أمام بورصة نيويورك (رويترز)
رجل يسير في شارع وول ستريت أمام بورصة نيويورك (رويترز)

يواجه القطاع المصرفي في الولايات المتحدة تحدياً هو الأكبر من نوعه منذ سنوات، مع إصرار الرئيس دونالد ترمب على فرض سقف لأسعار فائدة بطاقات الائتمان لا يتجاوز 10 في المائة، وهي الخطوة التي وصفها كبار التنفيذيين في «وول ستريت» بأنها «كارثية» على الاقتصاد والمستهلكين على حد سواء.

دعا ترمب إلى فرض سقف مؤقت لمدة عام واحد على فوائد بطاقات الائتمان، معتبراً أن المعدلات الحالية التي تتجاوز غالباً 20 في المائة و30 في المائة تثقل كاهل المواطن الأميركي. ولم يتوقف عند حدود طرح المقترح كفكرة للنقاش، بل صعَّد من لهجته لتتحول إلى تهديد مباشر وصريح لعمالقة المال في الولايات المتحدة؛ إذ حدد يوم 20 يناير (كانون الثاني) - وهو تاريخ يحمل دلالة سياسية رمزية كونه يوافق موعد تنصيبه أو بداية مرحلة جديدة من إدارته - كموعد نهائي وأخير للبنوك للامتثال لسقف الفائدة المقترح.

وقد استخدم ترمب منصته على «تروث سوشيال» ليرسل رسائل تحذيرية مفادها أن البنوك التي ستتجاهل هذا التوجيه ستعتبر «في حالة انتهاك»، ملوحاً باستخدام صلاحيات الإدارة التنفيذية لفرض عقوبات أو إجراءات قانونية غير مسبوقة.

ويرى المحللون السياسيون أن تهديد ترمب يتجاوز الجانب المالي ليصل إلى «الحرب النفسية» على «وول ستريت»؛ فهو يدرك أن مجرد الحديث عن عقوبات قانونية كفيل بهز ثقة المستثمرين ودفع أسهم البنوك للتراجع، وهو ما حدث بالفعل. وبالنسبة لترمب، فإن هذا الضغط يمثل أداة تفاوضية قوية؛ فإما أن تخضع البنوك طوعاً لما يصفه بـ«العدالة الائتمانية»، أو أنها ستواجه صيفاً ساخناً من التحقيقات والتشريعات التي قد تستهدف هيكليتها الربحية بالكامل.

شعار «جي بي مورغان» على مقره الرئيسي في نيويورك (أ.ف.ب)

مخاوف البنوك الكبرى

ردود فعل عمالقة المصارف الأميركية تجاوزت مجرد القلق العابر لتتحول إلى تحذيرات وجودية من انهيار نموذج الإقراض الاستهلاكي، حيث يرى كبار التنفيذيين في مؤسسات، مثل «جي بي مورغان» و«سيتي غروب»، أن التدخل السياسي في تسعير الفائدة سيخلق تشوهات اقتصادية لا يمكن التنبؤ بنهايتها. وتتمحور هذه المخاوف حول حقيقة أن الفائدة ليست مجرد وسيلة للربح، بل هي أداة «لإدارة المخاطر»؛ فالبنوك تضع تسعيراً مرتفعاً لبطاقات الائتمان لأنها قروض غير مضمونة بضمانات عينية، وفرض سقف بنسبة 10 في المائة يعني أن العائد لن يغطي تكلفة التمويل واحتمالات التعثر، مما سيجعل الإقراض عملية خاسرة من الناحية الحسابية.

وتتجلى هذه المخاوف بشكل أكثر حدة عند الحديث عن «الإقصاء الائتماني» للفئات الأكثر احتياجاً، حيث تشير تقديرات البنوك إلى أن هذا السقف سيجعل نحو 80 في المائة من حاملي البطاقات الحاليين غير مربحين. وفي هذا السياق، لن تجد المصارف أمامها سوى خيارات قاسية لحماية مساهميها، تبدأ بتقليص «شهية المخاطرة» عبر رفض طلبات الائتمان الجديدة لذوي الدخل المحدود، وصولاً إلى إلغاء البطاقات القائمة أو خفض سقفها الائتماني بشكل حاد. وهذا يعني أن «طوق النجاة» الذي يقدمه ترمب قد يتحول إلى عائق يمنع الملايين من الوصول إلى السيولة في حالات الطوارئ، وهو ما وصفه المحللون بأنه «تطهير مالي» غير مقصود للمقترضين الصغار.

علاوة على ذلك، يمتد القلق المصرفي ليشمل الاستقرار المالي للمؤسسات المتخصصة في الائتمان الاستهلاكي، والتي قد تواجه محواً كاملاً لأرباحها الصافية. فشركات مثل «كابيتال وان» و«سينكروني فاينانشال» تعتمد في نموذج عملها كلياً على هامش الربح من البطاقات، وسقف الـ10 في المائة قد يدفعها إلى حافة الانهيار أو يضطرها لفرض رسوم إدارية وسنوية باهظة لتعويض العجز، مما سيلغي فعلياً أي ميزة حصل عليها المستهلك من خفض الفائدة. وفي نهاية المطاف، ترى البنوك أن هذا الصدام سيؤدي إلى «تجميد» في محرك الاستهلاك الأميركي، حيث ستصبح البطاقة الائتمانية امتيازاً مقتصراً على الأثرياء فقط، بينما يُترك البقية دون غطاء مالي في مواجهة متطلبات الحياة اليومية.

في طليعة المواقف التحذيرية، جاء تصريح الرئيس التنفيذي لـ«بنك أوف أميركا»، برايان موينيهان، الذي قدم قراءة نقدية للمقترح خلال حديثه مع المحللين؛ حيث أوضح أن محاولة فرض سقف للفائدة ستؤدي مباشرة إلى «تقييد الائتمان»، مما يعني أن عدداً أقل من المواطنين سيتمكنون من امتلاك بطاقات ائتمانية، كما أن الحدود الائتمانية المتاحة لمن يملكونها ستتقلص بشكل حاد. وشدد موينيهان على ضرورة الموازنة بين طموحات الإدارة في تحسين «القدرة على تحمل التكاليف» وبين واقع السوق، محذراً من أن الشطب الجماعي لخطوط الائتمان قد يكون الثمن الباهظ الذي سيدفعه المستهلك مقابل خفض الفائدة «نظرياً».

وفي السياق ذاته من الصرامة، أكد المدير المالي لبنك «جي بي مورغان»، جيريمي بارنوم، أن أكبر مصرف في الولايات المتحدة يضع «كل الخيارات على الطاولة» لمواجهة هذا التوجه، بما في ذلك المسارات القانونية. ووصف بارنوم المقترح بأنه يعتمد على «توجيهات ضعيفة وغير مبررة» تهدف لتغيير جذري في نماذج الأعمال المستقرة، مؤكداً أن البنوك مدينة لمساهميها وللنظام المالي بالدفاع عن استقلالية قراراتها الائتمانية. ويرى أن النتيجة الحتمية لهذا السقف هي حرمان الفئات الأكثر احتياجاً من الوصول إلى الائتمان بشكل واسع وشامل، مما يحول المبادرة من وسيلة دعم إلى أداة إقصاء مالي.

وانضم المدير المالي لبنك «سيتي غروب»، مارك ميسون، إلى جوقة التحذيرات، مشيراً إلى أن المصرف لا يمكنه دعم سقف للفائدة بهذا المستوى الذي يتجاهل تكاليف التشغيل المرتفعة ومخاطر التعثر الطبيعية في هذا القطاع، متوقعاً أن يؤدي القرار في حال تنفيذه إلى «تباطؤ اقتصادي كبير».

كما عزز الرئيس التنفيذي لـ«ويلز فارغو»، تشارلز شارف، هذا الموقف بالتأكيد على أن المصارف منحازة بالفعل لإيجاد حلول تساعد المستهلكين، ولكن ليس عبر «حلول قسرية» تفتقر للدراسة الاقتصادية العميقة.

إن هذا الإجماع بين قادة «وول ستريت» يعكس قناعة راسخة بأن التدخل في تسعير الفائدة لن يخفض التكاليف بقدر ما سيؤدي إلى «تجفيف» منابع السيولة الائتمانية لملايين الأميركيين، مما يضع الاقتصاد برمته في مواجهة خطر الركود الناتج عن تراجع الإنفاق الاستهلاكي.

شعار بنك «وليز فارغو» في بورتلاند (أ.ب)

المواجهة القضائية

مع تصاعد لغة التهديد من البيت الأبيض، يبرز التساؤل الجوهري حول المدى القانوني والدستوري الذي يمكن للرئيس التحرك من خلاله. ويرى فقهاء القانون الدستوري في الولايات المتحدة أن «صلاحيات الطوارئ» التي قد يلجأ إليها ترمب ستصطدم بجدار قانوني صلب؛ إذ إن تحديد سقف لأسعار الفائدة يقع تاريخياً ضمن اختصاصات الكونغرس أو الهيئات التنظيمية المستقلة بموجب تشريعات اتحادية واضحة. وبناءً عليه، يتوقع المحللون القانونيون أن أي أمر تنفيذي يصدره الرئيس بهذا الشأن سيواجه سيلاً من الطعون القضائية الفورية من قبل «جمعية المصرفيين الأميركيين» وكبرى المؤسسات المالية، بدعوى تجاوز السلطة التنفيذية لصلاحياتها والتدخل غير المشروع في العقود الخاصة وآليات السوق الحر.

وفي حال انتقلت المعركة إلى أروقة المحاكم، ستجادل البنوك بأن فرض سقف للفائدة بنسبة 10 في المائة يمثل «مصادرة غير دستورية» للأرباح، ويخالف التعديل الخامس للدستور الأميركي الذي يحمي الملكية الخاصة. كما ستدفع الدوائر القانونية في «وول ستريت» بأن هذا التدخل سيؤدي إلى زعزعة استقرار النظام المالي القائم على تقييم المخاطر، وهو ما قد يدفع المحاكم الفيدرالية إلى إصدار أوامر تقييدية مؤقتة توقف تنفيذ القرار قبل أن يبدأ. هذا المشهد يضع إدارة ترمب أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما خوض معركة قضائية طويلة الأمد قد تنتهي بإلغاء القرار، أو محاولة الضغط على الكونغرس لتمرير تشريع يحظى بغطاء قانوني، وهو أمر ليس بالسهولة المتوقعة في ظل انقسام المشرعين حول التداعيات الاقتصادية لمثل هذه الخطوة.

ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن هدف ترمب الحقيقي من هذا التصعيد قد لا يكون فرض القانون بحذافيره، بل استخدام «قوة المنصة الرئاسية» لترهيب البنوك وإجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. فالمواجهة القانونية المفتوحة قد تضر بالسمعة العامة للمصارف وتجعلها تبدو في مظهر «المستغل» أمام الناخبين، وهو ما قد يدفع القطاع المصرفي في نهاية المطاف إلى تقديم تنازلات طوعية، مثل خفض الفوائد لفئات محددة أو إلغاء بعض الرسوم، مقابل سحب الإدارة لمقترح السقف الإلزامي. وبذلك، يظل المشهد القانوني القادم ليس مجرد صراع على النصوص، بل هو «مناورة سياسية» معقدة تستخدم القانون كأداة للضغط لتحقيق مكاسب شعبوية واقتصادية قبل انتخابات التجديد النصفي.


«نيكي» يكسر سلسلة الارتفاعات القياسية متأثراً بأسهم التكنولوجيا

مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

«نيكي» يكسر سلسلة الارتفاعات القياسية متأثراً بأسهم التكنولوجيا

مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

تراجع مؤشر نيكي الياباني للأسهم من أعلى مستوى قياسي له يوم الخميس؛ حيث أثر انتعاش الين سلباً على أداء المصدرين، وفقد الارتفاع القوي في أسهم التكنولوجيا زخمه.

وانخفض مؤشر نيكي 225 القياسي بنسبة 0.4 في المائة ليغلق عند 54110.50 نقطة، منهياً بذلك سلسلة ارتفاع استمرت ثلاثة أيام أوصلت المؤشر إلى أعلى مستوى له على الإطلاق يوم الأربعاء. وارتفع مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بنسبة 0.7 في المائة ليسجل مستوى إغلاق قياسياً جديداً عند 3668.98 نقطة. وأنهت الأسهم الأميركية تداولاتها في الليلة السابقة على انخفاض، مدفوعة بانخفاض مؤشر ناسداك الذي يضم شركات التكنولوجيا.

وتعافى الين من أدنى مستوى له في عام ونصف العام بعد تحذيرات جديدة من وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما من التحركات «المفرطة»، وبيان من وزارة الخزانة الأميركية يدعو بنك اليابان إلى سياسة «حكيمة» لمواجهة تقلبات العملة. وقال واتارو أكياما، استراتيجي الأسهم في شركة نومورا للأوراق المالية، إن السوق اليابانية عكست اتجاهاً مماثلاً لما شهدته «وول ستريت»؛ حيث أدت أسهم التكنولوجيا إلى تراجع السوق التي كانت مزدهرة في مجملها، بينما زاد تأثير العملة من التحديات التي تواجه الشركات المحلية الكبرى.

وأضاف أكياما: «قدم الاقتصاد الأميركي القوي وتوقعات استمرار خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) بعض الدعم لقطاعات أخرى غير قطاع التكنولوجيا. وانخفضت أسهم الشركات المرتبطة بالتصدير بشكل عام نتيجة لارتفاع قيمة الين مؤخراً».

وشهد مؤشر نيكي ارتفاعاً في أسعار 144 سهماً مقابل انخفاض في أسعار 77 سهماً. وكانت شركة «شيفت» لخدمات البرمجيات أكبر الخاسرين في المؤشر؛ حيث انخفض سهمها بنسبة 8.5 في المائة، تلتها شركة «سوفت بنك غروب»، عملاق قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تراجع سهمها بنسبة 4.9 في المائة. أما أكبر الرابحين في المؤشر فكانت شركة «ريوهين كيكاكو» لتجارة التجزئة، التي ارتفع سهمها بنسبة 11.8 في المائة، تلتها شركة «باي كارنت» لخدمات الاستشارات، التي قفز سهمها بنسبة 6.4 في المائة. وفي السوق الأوسع، ارتفع سهم «تويوتا إندستريز» بنسبة 6.2 في المائة مسجلاً أعلى مستوى إغلاق له على الإطلاق، بعد موافقة شركة «تويوتا موتور» على رفع عرضها للاستحواذ على الشركة المصنعة للرافعات الشوكية.

وارتفع سهم «تويوتا موتور» بنسبة 2.5 في المائة. كما قفز سهم «سايزيريا» بنسبة 5.2 في المائة مسجلاً أعلى مستوى إغلاق له، بعد أن أعلنت سلسلة المطاعم الإيطالية عن أرباح قياسية خلال الربع الثالث من العام.

الين يترقب التدخل

من جانبه، استقر الين قرب أدنى مستوياته في 18 شهراً يوم الخميس؛ حيث ظلت الأسواق حذرة بشأن مخاطر التدخل بعد تحذيرات شفهية قوية من مسؤولين يابانيين قبيل الانتخابات الوطنية. واستقر الين عند 158.63 ين للدولار بعد ارتفاعه بنسبة 0.4 في المائة يوم الأربعاء. ومع ذلك، لم تكن العملة بعيدة عن أدنى مستوى لها في 18 شهراً، والذي بلغ 159.45، والذي سجلته يوم الأربعاء، وانخفضت بنسبة تقارب 5 في المائة منذ تولي رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي منصبها في أكتوبر (تشرين الأول)، وسط مخاوف المستثمرين بشأن خططها الإنفاقية.

وتعتزم تاكايتشي حل مجلس النواب الأسبوع المقبل والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة، وهي خطوة أدت إلى عمليات بيع مكثفة للين وسندات الحكومة اليابانية. وقد أثار احتمال إجراء انتخابات مبكرة مخاوف مالية وسط قلق بشأن حجم ديون البلاد الهائل، مما أدى إلى انخفاض الين إلى منطقة التدخل، وعقد مسار سعر الفائدة لبنك اليابان. وقال براشانت نيوناها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة «تي دي سيكيوريتيز»، إنه إذا استمر الين في التراجع نحو أو ضمن نطاقات عتبة التدخل، فلا يمكن استبعاد خطر التدخل يوم الاثنين المقبل، وهو عطلة رسمية في الولايات المتحدة.

وأضاف نيوناها: «إذا حدث تدخل، فمن المرجح أن يكون قبل مستوى 162، لكن نطاق التدخل قد يتراوح بين 161 و163 يناً للدولار». وكان آخر تدخل لليابان في سوق العملات في يوليو (تموز) 2024؛ حيث أنفقت 36.8 مليار دولار لرفع قيمة الين بعد انخفاضه إلى أدنى مستوى له في 38 عاماً، عند نحو 161.96 مقابل الدولار.

وقال موه سيونغ سيم، استراتيجي العملات الأجنبية في بنك «أو سي بي سي»، إن «الأسواق ستراقب ما إذا كانت التصريحات ستُترجم إلى أفعال»، مشيراً إلى أنه «من المشكوك فيه أن يشهد الين قوة كبيرة ومستدامة... إلا إذا اتخذ بنك اليابان موقفاً أكثر تشدداً أو تم تخفيف المخاوف المالية». ومن المقرر أن يجتمع بنك اليابان الأسبوع المقبل، وتتوقع الأسواق عموماً أن يُبقي البنك المركزي على سياسته النقدية دون تغيير بعد أن رفع أسعار الفائدة الشهر الماضي إلى أعلى مستوى لها في 30 عاماً عند 0.75 في المائة.


«تي إس إم سي» التايوانية تتجاوز التوقعات بأرباح قياسية نهاية 2025

شعار شركة «تي إس إم سي» خلال معرض تايوان للابتكار التكنولوجي في مركز التجارة العالمي بتايبيه (أ.ب)
شعار شركة «تي إس إم سي» خلال معرض تايوان للابتكار التكنولوجي في مركز التجارة العالمي بتايبيه (أ.ب)
TT

«تي إس إم سي» التايوانية تتجاوز التوقعات بأرباح قياسية نهاية 2025

شعار شركة «تي إس إم سي» خلال معرض تايوان للابتكار التكنولوجي في مركز التجارة العالمي بتايبيه (أ.ب)
شعار شركة «تي إس إم سي» خلال معرض تايوان للابتكار التكنولوجي في مركز التجارة العالمي بتايبيه (أ.ب)

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (تي إس إم سي)، الرائدة عالمياً في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي والمورد الرئيسي لشركة «إنفيديا»، يوم الخميس، قفزة بنسبة 35 في المائة في أرباح الرُّبع الرابع، مُسجِّلةً مستويات قياسية فاقت توقعات السوق، مع توقعات بنمو أقوى خلال العام الحالي.

وتوقَّعت الشركة أن ترتفع إيرادات الرُّبع الأول بنسبة تصل إلى 40 في المائة مقارنة بالعام الماضي، لتبلغ 35.8 مليار دولار، كما أشارت إلى زيادة الإنفاق الرأسمالي في 2026 بنسبة تصل إلى 37 في المائة ليصل إلى 56 مليار دولار، وفق «رويترز».

وذكرت «تي إس إم سي»، الشركة الآسيوية الأعلى قيمة سوقية برأسمال نحو 1.4 تريليون دولار، أي أكثر من ضعف قيمة منافستها الكورية الجنوبية «سامسونغ إلكترونيكس»، أن العملاء يقدِّمون مؤشرات قوية ويطلبون مزيداً من الطاقة الإنتاجية، حيث ارتفع صافي الربح من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول) إلى 505.7 مليار دولار تايواني (16 مليار دولار أميركي)، مسجلاً سابع ربع متتالٍ من النمو المُكوَّن من رقمين.

وتجاوز هذا الرقم تقديرات بورصة لندن البالغة 478.4 مليار دولار تايواني، المستندة إلى آراء 20 محللاً، والتي تُعدّ أكثر دقة في التوقعات.

وعلى الرغم من حالة عدم اليقين في صناعة الرقائق العالمية الناتجة عن سياسات وتهديدات الرسوم الجمركية من الإدارة الأميركية السابقة، فإن هذا لم يؤثر على الأرباح المتزايدة بفضل طفرة الذكاء الاصطناعي.

وجاءت النتائج في الوقت الذي أشارت فيه تايوان إلى إمكانية التوصُّل إلى اتفاق جمركي مع الولايات المتحدة قريباً، إذ تخضع صادرات الجزيرة إلى واشنطن لرسوم بنسبة 20 في المائة باستثناء الرقائق الإلكترونية.

وفي مارس (آذار) الماضي، أعلنت «تي إس إم سي» خططاً لاستثمار 100 مليار دولار أميركي، بالإضافة إلى 65 مليار دولار مخصصة لـ3 مصانع في ولاية أريزونا، أحدها يعمل بكامل طاقته. وأكد وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، في بودكاست الأسبوع الماضي، أن الشركة ستواصل زيادة استثماراتها في الولايات المتحدة.

وكانت أسهم «تي إس إم سي»، المدرجة في بورصة تايبيه، قد ارتفعت بنسبة 44 في المائة العام الماضي، متجاوزة ارتفاع السوق الأوسع البالغ 25.7 في المائة، وارتفعت بنحو 9 في المائة حتى الآن هذا العام.