نماذج الذكاء الاصطناعي تكشف عن رؤى جديدة في دراسات الدماغ

ترسم خرائطه وتحسن وسائل الكشف عن الأمراض فيه

نماذج الذكاء الاصطناعي تكشف عن رؤى جديدة في دراسات الدماغ
TT

نماذج الذكاء الاصطناعي تكشف عن رؤى جديدة في دراسات الدماغ

نماذج الذكاء الاصطناعي تكشف عن رؤى جديدة في دراسات الدماغ

لا تُظهر فحوصات الدماغ التقليدية سوى جزء من الصورة. فهي لا تستطيع التقاط كيفية تواصل مناطق الدماغ المختلفة بشكل كامل، وهذا هو عامل أساسي في الكشف المبكر عن الأمراض العصبية.

حوار علمي

يعمل الدكتور راهول بيسواس، طبيب الأعصاب في جامعة كاليفورنيا-سان فرنسيسكو، على تغيير ذلك باستخدام أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي ترسم خرائط لهذه الروابط العصبية الخفية.

يكشف بحثه الرائد كيف يُعطّل مرض ألزهايمر تواصل الدماغ في مناطق غير متوقعة، مُتحدياً بذلك الافتراضات القديمة حول هذا المرض. والآن، من خلال شركته «كانيفا للاستشارات»، يُركز الدكتور بيسواس على تحويل هذا العلم إلى أدوات تشخيص عملية يُمكنها تحديد اضطرابات الدماغ قبل ظهور أعراضها بوقت طويل.

تحدثت «فاست كومباني» مع بيسواس حول كيفية إحداث الذكاء الاصطناعي ثورة في صحة الدماغ، بدءاً من الكشف المبكر عن الأمراض، ووصولاً إلى العلاجات المُخصصة، والتقنيات اليومية. تم تعديل المحادثة لاختصارها، وتوضيحها.

* كيف تكشف نماذج الذكاء الاصطناعي عن رؤى جديدة حول الدماغ لم تكن ممكنة باستخدام أساليب علم الأعصاب التقليدية؟

-يمنحنا الذكاء الاصطناعي رؤية أوضح بكثير لكيفية عمل الدماغ، ليس فقط مكان حدوث النشاط، بل أيضاً كيفية تفاعل المناطق، وتأثيرها على بعضها البعض، وتغيرها بمرور الوقت.

غالباً ما درس علم الأعصاب التقليدي مناطق الدماغ بمعزل عن بعضها البعض. لكن الذكاء الاصطناعي قادر على تحليل مجموعات بيانات ضخمة ومعقدة -مثل تسجيلات أو مسوحات الدماغ الكاملة- وكشف أنماط دقيقة في جميع أنحاء النظام. على سبيل المثال، يمكنه اكتشاف شبكة من المناطق التي تتعاون باستمرار أثناء تكوين الذاكرة، والتي قد تُغفل في التحليلات التقليدية. باختصار، يساعدنا الذكاء الاصطناعي على الانتقال من فهم اللقطات إلى فهم الأنظمة، كاشفاً عن العلاقات الخفية، وعلامات الإنذار المبكر للخلل الوظيفي.

تطبيقات حالية واعدة

* ما التطبيقات الحالية الواعدة للذكاء الاصطناعي في مجال صحة الدماغ، مثل الكشف المبكر عن الأمراض التنكسية العصبية أو استراتيجيات العلاج الشخصية؟

-من الاستخدامات المثيرة للذكاء الاصطناعي الكشف المبكر عن اضطرابات الدماغ. يمكن للذكاء الاصطناعي فحص مسوحات الدماغ، أو حتى السجلات الصحية الروتينية لاكتشاف العلامات الدقيقة للمرض قبل ظهور الأعراض بوقت طويل.

+رصد مرض ألزهايمر. على سبيل المثال، اكتشف نظام تعلم آلي مرض ألزهايمر بدقة تزيد عن 90 في المائة في فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي، أي قبل سنوات من التشخيص التقليدي. إن اكتشاف هذه التغيرات مبكراً يعني أن الأطباء يمكنهم التدخل مبكراً.

+العلاج الشخصي. ومن المجالات الواعدة الأخرى العلاج الشخصي. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تصميم علاج يناسب دماغ كل فرد. من خلال تحليل البيانات العصبية والوراثية الفريدة لكل شخص، قد تتنبأ خوارزمية بدواء الاكتئاب الأنسب له، مما يقلل من استخدام مبدأ التجربة والخطأ المعتاد في إيجاد علاج فعال.

نهج نمذجة شبكة الدماغ

* ماذا ستقدم مراقبة الدماغ هذه عملياً للمرضى؟

-لنأخذ، على سبيل المثال، نهج نمذجة شبكة الدماغ. باعتبار أنه جزء من زيارته، يخضع المريض لفحص التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. وتقوم التطبيقات الذكية بإدخاله مباشرة في الخوارزمية للحصول على نموذج الشبكة. ويكمن جمال هذا في أنك تحصل على شبكة دماغ المريض نفسه مباشرةً من بياناته. لذا يمكنك رؤية كيف تتغير شبكة الدماغ في كل زيارة.

إنها مخصصة لذلك المريض. ومع مرور الوقت، يمكنك حقاً ملاحظة كيف تتغير اتصالات الشبكة المختلفة. هل تقترب أعراضه من أعراض مرض ألزهايمر أو غيره من الأمراض العصبية؟ أم أنه بخير؟ وإذا كانت الأعراض على مستوى أي مرض، فسيتم التنبيه.

وكما في حالة لو أجرينا فحص دم في كل زيارة، فإذا تجاوز مستوى أحد مؤشرات الدم الحد الطبيعي، فسترى علامة حمراء تُشير إلى «انتباه! هذا أعلى من المعدل الطبيعي». لذا، قد يحدث شيء مشابه لشبكات الدماغ، لأن الشبكات تُعتبر مؤشرات حيوية فعّالة للتنبؤ بالأمراض.

مراقبة صحة الدماغ

* كيف يُمكن للتحليلات التنبئية القائمة على الذكاء الاصطناعي والتقنيات القابلة للارتداء أن تُغير طريقة مراقبتنا لصحة الدماغ والحفاظ عليها في حياتنا اليومية؟

-سيجعل الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى التقنيات القابلة للارتداء، مراقبة صحة الدماغ مستمرة، واستباقية. تتتبع هواتفنا الذكية وساعاتنا الذكية بالفعل النوم، ومعدل ضربات القلب، والحركة. ومن خلال إضافة تحليلات الذكاء الاصطناعي، يُمكن لهذه الأجهزة أيضاً مراقبة التغيرات الطفيفة التي تُشير إلى التدهور المعرفي، أو مشكلات الصحة العقلية.

على سبيل المثال، قد يُلاحظ أحد التطبيقات تباطؤ سرعة كتابتك، أو تغير أنماط نومك، ويُشير إلى ذلك على أنه إنذار مُبكر مُحتمل. في الأساس، ستصبح فحوصات صحة الدماغ جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية -أشبه بـ«ضوء فحص المحرك» لدماغك- بدلاً من أن تكون أمراً يقتصر على عيادة الطبيب.

* كيف يختلف نهجك عن تحليل شبكات الدماغ التقليدي؟

-تقول الطرق الساذجة إن منطقتين دماغيتين مترابطتان، وبالتالي تعتبر ذلك صلة. ولكن ربما تأثرت هاتان المنطقتان الدماغيتان بمنطقة دماغية رئيسة واحدة. منطقة دماغية واحدة «ج» كانت تؤثر على كلٍّ من «أ» و«ب» معاً. لذا بدا أن «أ» و«ب» متصلتان، ولكن كان الأمر أشبه باتصال زائف. لذا، تحاول الطرق السببية أن تكون أكثر تحديداً، إذ إنها تحاول في الواقع القول: «مهلاً، منطقتا الدماغ «أ» و«ب» لم تكونا متصلتين. منطقة الدماغ «ج» هي التي كانت تؤثر على «أ» و«ب» في الوقت نفسه».

نماذج سببية

* أنت تُنشئ نماذج شبكية سببية للدماغ. ما الاكتشافات المذهلة التي كشف عنها هذا النهج حول كيفية تدفق المعلومات عبر الدوائر العصبية؟

-باستخدام النماذج السببية (التي تُظهر جهة ما تؤثر على جهة ما أخرى في الدماغ)، اكتشفنا بعض الأمور غير المتوقعة حول كيفية انتقال الإشارات. في مرض ألزهايمر، على سبيل المثال، لاحظنا انقطاعاً واسع النطاق في الاتصالات عبر مناطق متعددة -وليس فقط مراكز الذاكرة التي يتوقعها الناس. كانت الروابط عبر أجزاء من الفصين الجبهي والصدغي، وحتى المخيخ، أضعف بكثير لدى مرضى ألزهايمر. كان هذا مفاجئاً، لأن المخيخ لا يرتبط عادةً بمرض ألزهايمر، ويشير إلى أن المرض يُعطّل شبكات أوسع مما كنا ندرك. لاحظنا أيضاً أن الدماغ يحاول إعادة توجيه الإشارات عند ضعف مسار رئيس، مما يُشير إلى مرونة ذاتية، حيث تحاول المسارات الثانوية تعويض النقص.

آثار الاكتشافات العملية

* ما الآثار العملية لهذه الاكتشافات الآن أو في المستقبل القريب؟

-لهذه النتائج آثار عملية واضحة. قد يكون أحدها تحسين التشخيص: إذا علمنا أن شبكة معينة تضعف عادةً في مرحلة مبكرة من مرض ألزهايمر، فقد يستخدم الأطباء ذلك باعتباره علامة حيوية. يمكن لمسح الدماغ التحقق من قوة تلك الشبكة لدى شخص يعاني من أعراض خفيفة للمساعدة في تشخيص الحالة، أو حتى التنبؤ بها في وقت أقرب.

ومن الآثار الأخرى العلاج المُستهدف. من خلال تحديد محاور أو مسارات الدماغ التي تتعطل، يمكن للعلاجات التركيز على تلك المحاور، أو المسارات. وعلى سبيل المثال، إجراء تحفيز دماغي موجه، أو تمرين إدراكي لتقوية دائرة عصبية محددة. باختصار، يتيح لنا فهم هذه الشبكات السببية البدء في معالجة اضطرابات الشبكة الجذرية، وليس فقط الأعراض السطحية.

* لقد طبقتَ تحليلك لشبكة الدماغ على مرض ألزهايمر. ما الآثار السريرية المحتملة التي تتوقعها من هذا العمل خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة؟

-في

السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، أتوقع بعض الآثار السريرية المهمة:

+ يمكن استخدام علامات شبكة الدماغ للكشف عن مرض ألزهايمر في وقت أبكر بكثير. قد يكشف فحص مُحلل بالذكاء الاصطناعي عن تعطل الشبكة المميز للمرض قبل سنوات من ظهور الأعراض الملحوظة، مما يُتيح التدخل المبكر.

+قد يراقب الأطباء أيضاً اتصال الدماغ لدى المرضى بمرور الوقت باعتباره علامة حيوية جديدة. إذا كان العلاج فعالاً، فسنرى تباطؤاً في تراجع شبكة المريض أو استقراراً. يمكن أن تساعد هذه الملاحظات في تعديل العلاجات بسرعة.

+ وأخيراً، قد تُصمّم العلاجات لتناسب نقاط ضعف الشبكة المحددة لدى كل شخص. على سبيل المثال، إذا كانت الشبكة الجبهية لشخص ما هي الأكثر تأثراً، فيمكن للأطباء تركيز الأدوية أو التمارين المعرفية على تقوية وظيفة تلك المنطقة. هذا النهج الموجه بالشبكة يعني رعاية أكثر تخصيصاً، وفعالية.

أدوات مساعدة رقمية

* بعيداً عن الطب، كيف يمكن لأبحاثك حول شبكات الدماغ السببية أن تؤثر على التكنولوجيا التي نستخدمها يومياً؟

-ما نتعلمه عن شبكات الدماغ يُمكن أن يُلهم مباشرةً تقنيات يومية أكثر ذكاءً. أحد الأمثلة على ذلك هو برمجيات الذكاء الاصطناعي: من خلال ملاحظة كيفية تحول أنماط التأثير بين مناطق الدماغ عبر الحالات العقلية المختلفة -وهو أمر تُساعد نماذج شبكتنا السببية في الكشف عنه- يُمكن للمطورين استلهام أفكارهم من مساعدين رقميين يتكيفون بشكل أفضل مع السياقات، أو المهام المتغيرة، تماماً كما يفعل الدماغ.

مجال آخر هو واجهات الدماغ والحاسوب -وهي تقنية تُتيح للمستخدمين التحكم في الأجهزة من خلال الإشارات العصبية. من خلال فهم كيفية تأثير مناطق الدماغ سببياً على بعضها البعض أثناء مهام مُحددة -رؤى من نماذج شبكتنا السببية- يُمكن للمهندسين تصميم واجهات أكثر استجابة تتوافق مع التدفق الطبيعي للمعلومات في الدماغ. باختصار، تُوفر دراسة شبكات الدماغ لمصممي التكنولوجيا مُخططاً لإنشاء أنظمة تُشبه الدماغ، وأكثر كفاءةً وسهولةً في الاستخدام.

الدماغ ليس كمبيوتراً بل شبكة ديناميكية

* ما المفاهيم الخاطئة الشائعة لدى الناس حول كيفية معالجة الدماغ للمعلومات؟ وكيف يُعالج بحثك هذه المفاهيم؟

-يعتقد الكثيرون أن الدماغ يعمل مثل جهاز كمبيوتر بسيط. تدخل المُدخلات، وتُجرى المعالجة في مكان واحد، ثم تخرج المُخرجات. لكن في الواقع، يُعدّ الدماغ شبكة ديناميكية من المناطق المترابطة التي تؤثر على بعضها البعض باستمرار. يُظهر بحثنا أنه حتى القرار البسيط يُمكن أن يشمل مناطق متعددة في سلاسل سببية مُعقدة. لا يتعلق الأمر بمنطقة دماغية واحدة تؤدي وظيفة واحدة، بل يتعلق بتكيف الشبكات، وإعادة توجيهها، وتفاعلها بطرق تعتمد على السياق.

أسئلة علمية جديدة

* كيف يُمكّن الذكاء الاصطناعي للبحث في أنواع جديدة من الأسئلة العلمية ومناهج البحث في علم الأعصاب؟ والتي كانت مستحيلة أو غير عملية سابقاً؟

-مع الأدوات التقليدية، اقتصرنا على دراسة التأثيرات المحلية -مثل كيفية استجابة منطقة دماغية واحدة لمُحفز ما. لكن الذكاء الاصطناعي يُتيح لنا طرح أسئلة أوسع نطاقاً على مستوى النظام: كيف تنتشر الإشارات عبر الدماغ بمرور الوقت؟ كيف تُعيد الشبكات تنظيم نفسها في حالة المرض؟ أو تحت الضغط؟ كان من الصعب اختبار هذه الأسئلة سابقاً بسبب تعقيد البيانات، ولكن الآن مع الذكاء الاصطناعي، وخاصةً النمذجة السببية والحوسبة واسعة النطاق، يُمكننا تتبع هذه الديناميكيات، واختبارها بدقة.

* إذا كان بإمكانك تقديم نصيحة لقادة الرعاية الصحية أو صانعي السياسات بشأن أولوية واحدة لضمان تحقيق الذكاء الاصطناعي لوعده بصحة الدماغ، فماذا ستكون؟

- بناء قاعدة متينة من البيانات، والتحقق منها. هذا يعني تشجيع المشاركة الآمنة لبيانات صحة الدماغ عالية الجودة بين المؤسسات، بحيث يمكن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على معلومات متنوعة وتمثيلية (للأفراد). وهذا يعني أيضاً إجراء اختبارات دقيقة لأدوات الذكاء الاصطناعي -مثل التجارب السريرية للخوارزميات- قبل استخدامها في العيادات. مع بيانات أكثر ثراءً، وتحقق دقيق، يمكننا ضمان أن الذكاء الاصطناعي يُحقق تحسينات آمنة وفعالة في صحة الدماغ، وليس مجرد دعاية.

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

انقطاع في خدمات «أمازون ويب سيرفيسز» بالإمارات والبحرين بعد حادث مركز البيانات

الاقتصاد «إيه دبليو إس» أعلنت أنها تواجه أعطالاً قد تستمر لساعات (رويترز)

انقطاع في خدمات «أمازون ويب سيرفيسز» بالإمارات والبحرين بعد حادث مركز البيانات

قالت شركة «أمازون ويب سيرفيسز»، إن مراكزها في الشرق الأوسط واجهت مشكلات في الكهرباء والاتصال، بعد تعرض مركز بياناتها في الإمارات لحريق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص تُستخدم الرقائق الإلكترونية في كلِّ جانب من جوانب حياتنا وتُساهم في تطوير تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

خاص أشباه الموصلات ركيزة لتحول صناعي سعودي بالشراكة مع الولايات المتحدة

يعزز التعاون السعودي الأميركي في أشباه الموصلات الصناعات الاستراتيجية، ويجذب الاستثمارات، ويدعم التنويع الاقتصادي ضمن «رؤية 2030».

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
علوم «وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

يعيش الأميركيون في عوالم متوازية للذكاء الاصطناعي، فبالنسبة لمعظم البلاد، أصبح الذكاء الاصطناعي مرادفاً لـ«تشات جي بي تي»، ولتطبيق «غوغل إيه آي اوفرفيو».

ليلى شرف (واشنطن)
تكنولوجيا الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

دراسة علمية تكشف عن أن الرموز التعبيرية النصية قد تُربك نماذج الذكاء الاصطناعي مسببة أخطاء صامتة تؤثر على دقة الفهم والقرارات الآلية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد شخص يستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي على حاسوبه المحمول في نيودلهي (أ.ب)

هل يكفي نمو الإنتاجية بالذكاء الاصطناعي لوقف انفجار الديون الحكومية؟

إذا تحققت طفرة إنتاجية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، فقد تمنح الاقتصادات الكبرى مزيداً من الوقت لتقويم أوضاعها المالية العامة المرهقة، وفق ما يرى اقتصاديون.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا
TT

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

يعيش الأميركيون في عوالم متوازية للذكاء الاصطناعي، فبالنسبة لمعظم البلاد، أصبح الذكاء الاصطناعي مرادفاً لـ«تشات جي بي تي»، ولتطبيق «غوغل إيه آي اوفرفيو». وفي الوقت نفسه، ينجذب هواة التكنولوجيا إلى هذه البرامج الروبوتية التي تعمل لساعات متواصلة، مُختصرةً شهوراً من العمل إلى أسابيع.

الوكيل الذكي المتخصص

وحديثاً، بدأ المزيد من الناس في تجربة أدوات مثل «كلود كود» Claude Code، المنتج الذي طوَّرته شركة «أنثروبيك» الناشئة، بصفتها «وكيلاً»، أي أنه قادر على القيام بجميع أنواع العمل التي قد يقوم بها الإنسان على جهاز كمبيوتر.

ويختبر بعض الأكاديميين قدرة «كلود كود» – وهو تطبيق خُصص بالأساس للمبرمجين - على إنشاء وتأليف أوراق بحثية تلقائياً؛ بينما يستخدمه آخرون في أبحاث علم الأحياء. ويجري الصحافيون تجارب عليه لكتابة مقالات تعتمد على البيانات. وفي وقت سابق من هذا الشهر، استخدم اثنان منهم البرنامج لإنشاء منافس وهمي لموقع «مونداي.كوم» Monday.com، وهي شركة برمجيات عامة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. وفي أقل من ساعة، كان لديهم نموذج أولي يعمل.

ورغم أن الجودة الفعلية لجميع هذه الأوراق والتحليلات المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لا تزال غير واضحة، فإن التقدم مذهل ومثير للقلق في آن واحد. ويقول دين بول، وهو زميل بارز في مؤسسة الابتكار الأميركية: «بمجرد أن يتمكن الكمبيوتر من استخدام الكمبيوترات الأخرى، فإن المنافسة ستنطلق».

وحتى مع تطور الذكاء الاصطناعي، لم تنتشر أكثر البرامج الروبوتية تطوراً على نطاق واسع بعد. فعلى عكس «جي بي تي» الذي يوفر نسخة مجانية، فإن الأدوات الآلية مثل «كلود كود» أو «كوديكس» Codex من«أوبن إيه آي» عادةً ما تعمل عند دفع الأجور، وقد يكون إعدادها معقداً.

ليس من الواضح دائماً كيفية توجيه روبوتات الدردشة الذكية على النحو الأمثل: فقد يُنشئ المستخدم المُتمرس فرقاً من الروبوتات تتواصل فيما بينها أثناء العمل، بينما قد لا يُدرك المستخدم المبتدئ وجود مثل هذه الإمكانات أصلاً.

برامج لعموم المستخدمين

يتسابق قطاع التكنولوجيا الآن لتطوير نسخ أكثر سهولة من هذه المنتجات لعامة المستخدمين. ففي الشهر الماضي، أطلقت شركة «أنثروبيك» نسخة مدفوعة جديدة من برنامج «كلود كود» مُصممة للمستخدمين غير التقنيين. كما كشفت عن نموذج جديد لجميع المستخدمين، يُقدم، من بين أمور أخرى، «قدرات تُضاهي القدرات البشرية في مهام مثل التعامل مع جداول البيانات المُعقدة». في الوقت نفسه، أعلنت شركة «أوبن إيه آي» أخيراً عن نسخة جديدة من برنامج «كودكس»، الذي تدّعي الشركة أنه قادر على فعل أي شيء تقريباً «يُمكن للمحترفين فعله على الكمبيوتر». مع ازدياد شهرة هذه المنتجات، يبدو أن الناس يُدركون فجأة أن الذكاء الاصطناعي يُقدم أكثر بكثير من مجرد كتابة نصوص تسويقية وتقديم محادثات ودية. لقد بدأ عصر ما بعد روبوتات الدردشة.

قد تبدو أدوات مثل «تشات جي بي تي» و«جيميني» قوية بما يكفي في حد ذاتها. في الواقع، اكتسبت روبوتات الدردشة الكثير من الميزات الجديدة الرائعة خلال السنوات القليلة الماضية. أصبحت هذه البرامج الآن تمتلك ذاكرةً تُمكّنها من الرجوع إلى المحادثات السابقة، واستخدام تقنية تُسمى الاستدلال لإنتاج ردود أكثر تطوراً. فبينما كانت برامج الدردشة الآلية القديمة قادرة على استيعاب بضعة آلاف من الكلمات في المرة الواحدة، باتت اليوم قادرة على تحليل ملفات بحجم كتاب، بالإضافة إلى معالجة وإنتاج الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية.

البرمجيات: تنفيذ سريع

لكن كل هذا يتضاءل أمام صعود الأدوات الذكية. لنأخذ هندسة البرمجيات مثالاً، حيث أثبتت هذه الأدوات قدرتها التحويلية بشكل خاص. أصبح من الشائع الآن أن يُسلّم المهندسون التعليمات إلى برنامج آلي مثل «كلود كود» أو «كوديكس» ويتركون له مهمة التنفيذ. ولأن البرامج الآلية غير مقيدة بالقدرات البشرية، يُمكن للمبرمج تشغيل جلسات عدة في وقت واحد، تعمل كل منها على جوانب مختلفة من المشروع.

وقد كتب مبرمج الكمبيوتر سالفاتور سانفيليبو في مقال انتشر أخيراً: «بشكل عام، بات من الواضح الآن أنه بالنسبة لمعظم المشاريع، لم يعد من المنطقي كتابة الكود بنفسك». وأشار سانفيليبو إلى أنه في غضون ساعات قليلة فقط، أنجز مهام عدة كانت تستغرق أسابيع في السابق. كما صرح الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت» بأن ما يصل إلى 30 في المائة من البرمجيات تُكتب حالياً بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويتوقع كبير المسؤولين التقنيين في الشركة أن تصل هذه النسبة إلى 95 في المائة على مستوى القطاع بحلول نهاية العقد. وتشير تقارير شركة «أنثروبيك» بالفعل إلى أن ما يصل إلى 90 في المائة من برمجيات الشركة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

«جائحة» الذكاء الاصطناعي

بدأ بعض المبرمجين بالتحذير من أن تطورات مماثلة قد تُهدد جميع أنواع العمل المعرفي. ففي الأسبوع الماضي، شبّه مات شومر، الرئيس التنفيذي لشركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي ببدايات جائحة «كوفيد - 19»، عندما كان معظم الأميركيين لا يزالون غافلين عن الجائحة الوشيكة. وكتب شومر: «كان جعل الذكاء الاصطناعي بارعاً في البرمجة هو الاستراتيجية التي تُمهد الطريق لكل شيء آخر». وأضاف: «إن التجربة التي خاضها العاملون في مجال التكنولوجيا خلال العام الماضي، بمشاهدة الذكاء الاصطناعي ينتقل من كونه (أداة مفيدة) إلى كونه (يؤدي عملي بشكل أفضل مني)، هي التجربة التي سيخوضها الجميع قريباً». وحظيت مقالته بأكثر من 80 مليون مشاهدة، وقد كُتبت جزئياً باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وفي الأسبوع الماضي، توقع رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في «مايكروسوفت» أن يقوم الذكاء الاصطناعي بأتمتة «معظم، إن لم يكن كل» مهام العمل المكتبي في غضون 18 شهراً.

ليس من الواضح بعد مدى رسهولة تطبيق التقدم في أدوات الذكاء الاصطناعي على مجالات أخرى. فالبرمجة مجالٌ ملائمٌ للأتمتة: إما أن تعمل البرامج أو لا تعمل. أما تحديد ما يُعدّ مقالاً جيداً، على سبيل المثال، فهو مهمةٌ أكثر تعقيداً، وتتطلب قدراً أكبر من التمييز البشري. ورغم أن أدوات الذكاء الاصطناعي غالباً ما تتفوق في الأعمال المعقدة، مثل تجميع كميات هائلة من النصوص، فإنها تُعاني في القيام بأمر بسيط كنسخ ولصق النصوص. ولأنها قويةٌ جداً، فقد تكون خطيرةً أيضاً عند ارتكابها الأخطاء. ومع أن الذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى مستوى المحلل المالي أو المهندس المعماري العالمي، فقد تطورت برامج الروبوت البرمجية إلى درجة تمكنها من المساعدة في جميع أنواع الأعمال المعرفية.

ترويج يفشل في إقناع الجمهور

وعلى الرغم من روعة أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية، فإنه قد يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تصبح آمنة وموثوقة بما يكفي للاستخدام الواسع. حتى مع استمرار التطور السريع للقدرات التقنية، يبقى العالم الحقيقي معقداً ومليئاً بالتحديات.

لقد بذلت شركات التكنولوجيا جهوداً جبارة لإقناع المستثمرين بضخّ الأموال في أعمالها، لكنّ القطاع نفسه فشل فشلاً ذريعاً في إقناع الجمهور برؤيته. فبدلاً من التركيز على الفوائد الملموسة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، أمضى وادي السيليكون سنوات في الترويج لهذه التقنية بأسلوبٍ مُبالغ فيه، مُقدّماًً تقارير أعمالٍ تُشبه الخيال العلمي.

في إحدى المقالات المؤثرة، كتب داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، أن الذكاء الاصطناعي القوي قد يقضي قريباً على معظم أنواع السرطان، وعلى جميع الأمراض المعدية تقريباً. وفي مقالٍ آخر، حذّر فريقٌ من الباحثين من أن الذكاء الاصطناعي المارق قد يُطلق، خلال عقدٍ من الزمن، أسلحةً بيولوجية، مُبيداً بذلك البشرية جمعاء تقريباً. صحيحٌ أن الروبوتات القادرة على التعامل مع جداول البيانات وأتمتة البرمجة قد لا تُصنّف ضمن الذكاء الخارق، إلا أنها لا تزال تتمتع بقدراتٍ هائلة. وإذا كان عامة الناس لا يزالون في حيرةٍ من أمرهم بشأن القدرات الحقيقية للذكاء الاصطناعي، فإن وادي السيليكون لا يلوم إلا نفسه.

* «ذا أتلانتيك أونالاين»

- خدمات «تريبيون ميديا»


الجيل المقبل من الألواح الشمسية... إنتاج أكبر وانبعاثات أقل

صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
TT

الجيل المقبل من الألواح الشمسية... إنتاج أكبر وانبعاثات أقل

صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)

تشهد صناعة الطاقة الشمسية تحولات متسارعة مدفوعة بالحاجة المتزايدة إلى مصادر كهرباء نظيفة ومستدامة لمواجهة تحديات تغير المناخ. وتُعدّ الألواح الشمسية، أو الخلايا الكهروضوئية، ركيزة أساسية في مسار التحول نحو طاقة منخفضة الكربون. ومع التوسع الكبير في نشر هذه التكنولوجيا عالمياً برزت تساؤلات متزايدة حول الأثر البيئي المرتبط بتصنيع ألواح السيليكون التقليدية من نوع «PERC».

جيل جديد من الخلايا الشمسية

وخلال السنوات الأخيرة، ظهر جيل جديد من خلايا السيليكون الشمسية يُعرف باسم «توب كون» (TOPCon)، يتميز بكفاءة أعلى وبصمة بيئية أقل مقارنة بالتقنية التقليدية. وقد صُمم هذا الجيل لتحسين الأداء في مختلف الظروف التشغيلية، وتقليل الفاقد الكهربائي، ودعم الانتشار الواسع للطاقة الشمسية دون زيادة كبيرة في التأثير البيئي.

خلايا السيليكون الشمسية لا تزال الخيار السائد والأكثر انتشاراً في الأسواق (جامعة سيدني)

ولحساب الأثر البيئي للتحول إلى هذه الخلايا، توصلت دراسة أجراها باحثون بجامعات «وارويك» و«نورثمبريا» و«برمنغهام» و«أكسفورد» في بريطانيا، إلى أن التحول إلى تقنية «توب كون» يمكن أن يُسهم في خفض الانبعاثات الكربونية العالمية بنحو 8.2 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2035، وهو ما يعادل قرابة 14 في المائة من إجمالي الانبعاثات العالمية السنوية الحالية، حسب النتائج التي نُشرت في عدد 16 فبراير (شباط) 2026 من دورية «Nature Communications».

وقدّمت الدراسة مقارنة شاملة لدورة حياة التصنيع لكلّ من تقنيتَي «PERC» التقليدية وخلايا «توب كون» الجديدة، بهدف تقييم ما إذا كانت التقنية الأحدث قادرة على تقليص البصمة البيئية للطاقة الشمسية بالتوازي مع زيادة انتشارها عالمياً.

وأشارت النتائج إلى أن التصنيع على نطاق «التيراواط» يتطلّب فهماً دقيقاً للأثر البيئي عبر سلسلة الإمداد، وأن إدخال تحسينات محددة في مراحل الإنتاج يمكن أن يعزّز استدامة الصناعة بشكل ملموس. وأظهرت التحليلات أن ألواح «توب كون» تسجل انخفاضاً في الأثر البيئي ضمن 15 من أصل 16 فئة تقييم مقارنة بالخلايا التقليدية، مع تقليل الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ بنسبة 6.5 في المائة لكل وحدة قدرة كهربائية.

كما خلص الباحثون إلى أن الجمع بين اعتماد هذه التقنية وتحسين عمليات التصنيع قد يجنّبان العالم ما يصل إلى 25 مليار طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالإنتاج بحلول 2035، إذا ما استُخدمت هذه الألواح لاستبدال الكهرباء المولدة من الوقود الأحفوري.

تقنية «توب كون»

يقول الأستاذ بمركز بحوث وتطوير الفلزات في مصر، الدكتور أحمد مرتضى السمان، إن الخلايا الشمسية التقليدية المصنوعة من السيليكون لا تزال الخيار السائد والأكثر انتشاراً في الأسواق، إذ تُعد النوع الأكثر موثوقية وكفاءة في تحويل ضوء الشمس مباشرة إلى كهرباء، رغم ظهور تقنيات أخرى مثل خلايا البيروفسكايت التي تتميز بسهولة التصنيع وكفاءة واعدة، ولكنها لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالاستقرار وطول العمر التشغيلي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن تصنيع خلايا السيليكون التقليدية يظل مرتبطاً بتحديات بيئية، أبرزها استهلاك كميات كبيرة من الطاقة في عملية تحويل الرمال إلى سيليكون عالي النقاء، وغالباً ما تأتي هذه الطاقة من مصادر حرارية تقليدية، مما يؤدي إلى انبعاثات ملحوظة من ثاني أكسيد الكربون وغازات الدفيئة. كما تتطلب مراحل التصنيع استخدام مواد كيميائية ومذيبات ومعادن مثل الفضة لتوصيل الكهرباء، ومع ذلك يظل الأثر البيئي لهذه الخلايا أقل بكثير مقارنة بتوليد الكهرباء من الوقود الأحفوري، خصوصاً عند دمج الطاقة المتجددة في عمليات الإنتاج.

وأوضح أن تقنية «توب كون» لا تمثل نوعاً جديداً بالكامل من الخلايا الشمسية، بل تُعد تطويراً متقدماً لخلايا السيليكون التقليدية يهدف إلى رفع كفاءة تحويل الضوء إلى كهرباء وتقليل الفاقد الناتج عن فقد الإلكترونات داخل الخلية، وتمثّل هذه التقنية الجيل الأحدث من خلايا السيليكون، إذ تختلف عن التصميمات التقليدية في البنية الداخلية وطريقة العمل. وبينما تعتمد الخلايا التقليدية على طبقة عازلة خلفية لتقليل فقد الإلكترونات، تستخدم خلايا «توب كون» طبقة فائقة الرقة من أكسيد السيليكون يتراوح سمكها بين 1 و2 نانومتر، تسمح بمرور الإلكترونات بكفاءة وتحدّ من فقد الشحنات غير المرغوبة، مما يحسّن أداء الخلية ويزيد إنتاجيتها لكل وحدة من ضوء الشمس، وفق السمان.

وأشار السمان إلى أن رفع كفاءة الخلايا عبر تقنية «توب كون» يحقق عدة فوائد، أبرزها تقليل عدد الألواح اللازمة لإنتاج كمية الطاقة نفسها بنحو الثلث تقريباً، مما ينعكس على خفض التكاليف. كما يُسهم في إطالة العمر التشغيلي للألواح إلى نحو 30 عاماً، وتقليل كمية السيليكون المستخدمة في تصنيع الخلايا، وبالتالي خفض تكاليف النقل والتصنيع والأثر البيئي الإجمالي.

وبيّن أن الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذه التقنية يمكن أن تقلل الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ بنحو 6.5 في المائة لكل وحدة قدرة كهربائية، نتيجة زيادة كفاءة الخلايا، وتظهر هذه الفوائد بشكل أوضح في الدول التي تعتمد على الطاقة النظيفة في مزيج الكهرباء، مثل الصين وعدد من الدول الأوروبية.

وفي المقابل، لفت إلى أن التقنية لا تزال تواجه تحديات، أبرزها محدودية انتشارها الصناعي حتى الآن، لكنه أشار إلى أن تبني كبرى الشركات خطوط إنتاج قائمة على تقنية «توب كون» سيسرّع انتشارها ويخفّض تكلفتها ويعزز كفاءتها. كما شدد على أهمية الاعتماد على الطاقة النظيفة في تصنيع هذه الخلايا، لتحقيق أعلى معايير الاستدامة وتقليل الأثر البيئي لصناعة الألواح الشمسية.


«بروتينات مصمَّمة صناعياً» تستجيب للتأثيرات المغناطيسية

بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
TT

«بروتينات مصمَّمة صناعياً» تستجيب للتأثيرات المغناطيسية

بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر

أظهرت دراسات علمية حديثة نجاح العلماء في هندسة بروتينات قادرة على الاستجابة للحقول المغناطيسية الضعيفة، وتغيير سلوكها داخل الخلايا عند تعرّضها لمجالات مغناطيسية، ونبضات راديوية دقيقة. وتُعد هذه النتائج خطوة واعدة نحو تطوير أدوات تصوير طبية أكثر دقة، وإنتاج أدوية يمكن التحكّم في نشاطها عن بُعد.

وتشير الأبحاث -التي نُشرت في مجلة «Nature» في 21 يناير (كانون الثاني) 2026، وقادها باحثون من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وجامعة هارفارد ومؤسسات تقنية حيوية في الولايات المتحدة- إلى أن هذه البروتينات المصمَّمة خصيصاً تستطيع تعديل خصائصها الحيوية، مثل شدة الضوء الذي تُصدره استجابةً للمغناطيس. وقد يتيح ذلك تتبّع بروتينات مرتبطة بالأمراض داخل الجسم بطريقة شبيهة بالتصوير بالرنين المغناطيسي، ولكن باستخدام أدوات أصغر، وأقل تكلفة.

ويُمثّل هذا التقدم تحولاً في الفهم العلمي لتأثير المغناطيس على الأحياء. وكان الاعتقاد السائد لعقود أن الحقول المغناطيسية لا تؤثر تقريباً في الخلايا، وهو ما سمح باستخدامها بأمان في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. كما تشير هذه النتائج إلى إمكانية توظيف المغناطيس ليكون وسيلة نشطة للتأثير في العمليات الحيوية، وفتح آفاق جديدة للتشخيص، والعلاج الموجّه.

بروتينات مرئية بالمغناطيس

يعتمد الأطباء اليوم على أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) التي تستخدم حقولاً مغناطيسية قوية، وموجات راديوية لرؤية ما بداخل الجسم. ورغم دقة هذه التقنية، فإنها تُظهر صورة عامة للأنسجة، ولا تستطيع تتبّع جزيئات محددة، مثل البروتينات المرتبطة بمرض معيّن. ولهذا يسعى العلماء منذ سنوات إلى ابتكار طرق تمكّنهم من «رؤية» هذه البروتينات داخل الجسم الحي. وفي خطوة واعدة نحو هذا الهدف، نجح باحثون من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة -بقيادة غابرييل أبراهامز، وهاريسون ستيل من قسم العلوم الهندسية- في هندسة بروتينات فلورية (التي تشع بلون أخضر فلوري عند تعرضها لضوء أزرق اللون). تُستخدم عادة في المختبرات لإضاءة الخلايا بحيث يتغيّر سطوعها عند تعرّضها لحقول مغناطيسية ضعيفة. فعند وضع مغناطيس قريب منها تصبح هذه البروتينات أكثر خفوتاً أو سطوعاً بطريقة يمكن التنبؤ بها، ما يجعل تتبّعها ممكناً باستخدام المغناطيس.

ويعتمد هذا الابتكار على جزء بروتيني حساس للضوء يُعرف باسم LOV، وهو شائع الاستخدام في أبحاث البيولوجيا.

ومن خلال تعديل هذا الجزء وربطه ببروتينات فلورية طوّر العلماء نسخاً شديدة الحساسية للمجالات المغناطيسية أُطلق على بعضها اسم MagLOV، ويمكن لهذه البروتينات المعدّلة أن تفقد نصف شدة إضاءتها أو أكثر عند التعرّض لمجال مغناطيسي قريب.

وتعود جذور هذا الاكتشاف إلى أعمال بحثية سابقة نُشرت عام 2024 قادها باحثون من شركة «Calico Life Sciences» في الولايات المتحدة، من بينهم أندرو يورك، وماريا إنغارامو. وقد أظهرت تلك الدراسات أن البروتينات الفلورية الشائعة -مثل البروتين الأخضر المضيء (GFP)، وبروتينات نطاق LOV - يمكن جعلها مستجيبة للمغناطيس عند تعديلها بعناية باستخدام ما يُعرف بالتطوّر الموجَّه. وفي إحدى النسخ المطوّرة تمكّن الباحثون من خفض شدة الإضاءة بنحو 75 في المائة عند التعرّض لمجالات مغناطيسية ضعيفة نسبياً.

ويرى العلماء أن هذه التقنية قد تمهّد الطريق لأدوات تصوير جديدة قادرة على تتبّع بروتينات مرتبطة بالأمراض داخل الجسم بدقة غير مسبوقة، وربما في المستقبل تمهد لأدوية يمكن التحكّم في نشاطها عن بُعد باستخدام المغناطيس، ما يفتح آفاقاً جديدة في التشخيص، والعلاج.

وسيلة تشخيص وعلاج

• تشخيص بالفيزياء الكمّية. تعود هذه الظاهرة إلى تأثيرات كمّية دقيقة داخل البروتين، حيث تتفاعل إلكترونات صغيرة عند امتصاص الطاقة. ويؤدي المجال المغناطيسي إلى تغيير طريقة تفاعل هذه الإلكترونات ما يؤثر في كمية الضوء التي يصدرها البروتين.

وفي أحدث تطوّر أظهر الباحثون أنهم يستطيعون التحكم في هذا التغيّر باستخدام نبضات ترددات راديوية شبيهة بتلك المستخدمة في أجهزة الرنين المغناطيسي. وقد مكّنهم ذلك من تحديد مواقع البروتينات الحساسة للمغناطيس بدقة أعلى حتى عندما كانت مدفونة داخل مواد صلبة.

وفي تجارب مخبرية، تمكّن العلماء من رسم خرائط لبكتيريا تحمل هذه البروتينات داخل كتل صلبة، وهو ما يشير إلى إمكانية تطبيق التقنية مستقبلاً في الكائنات الحية.

• أدوية يمكن التحكم بها عن بُعد. ولا يقتصر الأمل على التصوير فقط، بل يتعدّاه إلى تطوير علاجات يمكن تشغيلها أو تعطيلها بالمغناطيس. ففي أعمال بحثية لم تُنشر بعد أظهر العلماء أن الحقول المغناطيسية قد تُضعف أو تُعزّز قدرة الأجسام المضادة على الارتباط بأهدافها.

وقد يتيح ذلك تطوير أدوية تعمل فقط في المكان المطلوب، مثل تنشيط علاج داخل ورم سرطاني دون التأثير في الأنسجة السليمة، ما يقلل من الآثار الجانبية التي تُعد من أكبر تحديات العلاجات الحالية.

ورغم هذا التقدّم اللافت، يؤكد العلماء أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الاستخدام السريري. فبعض البروتينات الحالية تحتاج إلى ضوء ليزري للعمل، وهو أمر يصعب تطبيقه في أعماق الجسم. لكن الباحثين يعملون بالفعل على تطوير بروتينات تُصدر الضوء عبر تفاعلات كيميائية بدلاً من الضوء الخارجي.

ومع ذلك يرى كثيرون أن هذه الأبحاث تمثل بداية حقيقية لمجال علمي جديد، حيث لا تكتفي المغانيط بمساعدة الأطباء على رؤية الجسم، بل تصبح أداة فعّالة للتشخيص، والعلاج.