العائدون للخرطوم... العيش مع ضمور الخدمات أفضل من النزوح

وزير لـ«الشرق الأوسط»: العاصمة تستقبل تدفقات هائلة من المواطنين

تجار يجتمعون أمام متاجرهم المحترقة في إحدى الصالات التجارية بالخرطوم (الشرق الأوسط)
تجار يجتمعون أمام متاجرهم المحترقة في إحدى الصالات التجارية بالخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

العائدون للخرطوم... العيش مع ضمور الخدمات أفضل من النزوح

تجار يجتمعون أمام متاجرهم المحترقة في إحدى الصالات التجارية بالخرطوم (الشرق الأوسط)
تجار يجتمعون أمام متاجرهم المحترقة في إحدى الصالات التجارية بالخرطوم (الشرق الأوسط)

عادت بلقيس عيسى إلى الخرطوم بعد عامين من النزوح، قضتهما في ولاية كسلا شرق السودان. بكت كثيراً، ثم حمدت الله «على أن الحرب اللعينة توقفت» في العاصمة، على أمل أن تنتهي في ولايات أخرى، لينعم المواطن بالأمن والاستقرار، «لأن الحرب لا خير فيها».

وقالت المرأة الستينية لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أشاهد عبر نافذة الباص آثار الدمار الكبير الذي خلفته الحرب». وأضافت: «لا شيء أفضل من العيش في سلام... أعلم أن الحياة ستكون صعبة لأن الكثيرين فقدوا وظائفهم، وتحولت حياة الناس للأسوأ بسبب الحرب، لكن العودة إلى الديار والعيش وسط الأهل ستخفف علينا آلام الحرب ومعاناة النزوح».

المواطنة بلقيس عيسى ترفع يديها استبشاراً بالعودة إلى دارها (الشرق الأوسط)

وبلقيس عيسى واحدة من 852 شخصاً عادوا الأحد إلى الخرطوم من ولاية كسلا، وفقاً لرئيس «الهلال الأحمر السوداني» الدكتور محمد عبد الله في إفادته لـ«الشرق الأوسط»، التي كشف فيها تسيير منظمته لرحلات مماثلة من ولايات أخرى إلى العاصمة، لأن آلاف النازحين يرغبون في العودة إلى الديار بعد انتهاء الحرب.

معاناة العائدين

تواجه العودة إلى الخرطوم مشكلات عدّة، على رأسها ارتفاع تكاليف المعيشة، ونقص الخدمات، وعدم توفر العلاج في العاصمة التي دُمّرت أغلب مؤسساتها الصحية.

ورغم ذلك، أكدت السلطات عودة 600 ألف أسرة في الآونة الأخيرة، ليبلغ عدد المواطنين الذين هم بحاجة لمساعدات غذائية 6 ملايين شخص في ولاية الخرطوم وحدها.

وتتجاوز هذه التقديرات لأعداد العائدين، تقديرات «منظمة الهجرة الدولية»، التي توقعت فيها خلال أبريل (نيسان) الماضي، عودة 2.1 مليون شخص إلى الخرطوم خلال 6 أشهر.

حنين للديار

لم يترك اللصوص شيئاً في منزل المواطن أحمد أبكر، لكنه قال لـ«الشرق الأوسط: «لا مانع لدي من أن أنام في تراب منزلي، وهو بالتأكيد أفضل من العيش في دور إيواء، فالحياة صعبة في معسكر الكرامة بكسلا، كنا نتلقى المساعدات من المنظمات هناك، لكنها كانت قليلة».

المواطن أحمد أبكر: الحياة لن تكون سهلة لكنها أفضل من النزوح (الشرق الأوسط)

وممسكاً بلحيته المخضبة بالمشيب، أضاف أبكر: «عدت الآن إلى الخرطوم المدمرة، وأنا أعلم أن الحياة ليست سهلة في ظل عدم توفر الماء والكهرباء وقلة فرص العمل، لكنها بالتأكيد أفضل من العيش نازحاً».

ومثله أبدت هنادي صالح سعادتها بالعودة إلى منزلها في حي السجانة الشهير، بعد أن كانت قد غادرته منذ الأيام الأولى للحرب. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أنا أشعر براحة نفسية، ستكون زادي في التغلب على المصاعب التي تواجهني في مقبل الأيام». وتتابع: «بيتي نهب وأنا الآن بلا وظيفة، والخدمات ضعيفة».

هنادي صالح حضّت السلطات في الخرطوم على تسريع توفير الخدمات، والاهتمام بعيش المواطنين، الذين فقدوا كل ممتلكاتهم في الحرب، بينما قالت رقية محمد، وهي عائدة أخرى لم تستطِع بعد الوصول إلى دارها: «اشتقت جداً لرؤية منزلي، ولا أعرف إذا تمت سرقته أو لا، وفي كل الأحوال سأعيش فيه».

السيدة هنادي صالح تقول إن بيتها نهب لكنها تشعر براحة نفسية بوجودها فيه (الشرق الأوسط)

وعود حكومية

وتعهد وزير التنمية الاجتماعية الخرطوم صديق فريني، بتوفير سلال غذائية للعائدين، رغم أعدادهم الهائلة، وبعودة الخدمات تدريجياً لتخفيف معاناة المواطنين، وقال: «الميليشيات المتمردة - يقصد قوات الدعم السريع - شردت المواطنين بشكل ممنهج، لكنهم عادوا الآن بعد أن حررتها القوات المسلحة والقوات المساندة لها».

وأعلنت سلطات ولاية الخرطوم في وقت سابق، عودة بعض محطات مياه الشرب إلى العمل، وقالت إن الفنيين يعملون على إصلاح شبكات المياه المدمرة، وتوقعت عودة تدريجية لخدمة الكهرباء.

وتعرضت البنية التحتية في الخرطوم لدمار كبير، بسبب الحرب، وتشير التقديرات غير الرسمية إلى أن عمليات إعادة إعمارها، قد تحتاج لما يزيد على 200 مليار دولار أميركي.


مقالات ذات صلة

حاكم إقليم دارفور: قواتنا حققت انتصارات في المحور الغربي بالإقليم

شمال افريقيا نازحون من الفاشر في مخيم طويلة بشمال دارفور يوم 17 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

حاكم إقليم دارفور: قواتنا حققت انتصارات في المحور الغربي بالإقليم

قال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي إن «المقاومة الشعبية حققت انتصارات عظيمة في المحور الغربي بولاية شمال دارفور» ضد «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
المشرق العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (الصفحة الرسمية للمتحدث باسم رئاسة الجمهورية)

السيسي: الأمن المائي المصري قضية وجودية وأولوية قصوى

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رفض مصر القاطع لأي محاولات للنيل من أمن السودان واستقراره، وأنها لن تسمح بذلك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)

اجتماع دولي بالقاهرة لتنسيق جهود السلام في السودان

تستضيف القاهرة الأربعاء الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز وتنسيق جهود السلام في السودان ودفع مسارات وقف الحرب الداخلية الدائرة منذ أكثر من عامين ونصف عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري مقاتلة باكستانية من طراز «جيه. إف 17 ثاندر» في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)

تحليل إخباري هل تتحول الحرب في السودان إلى سباق تسلح نوعي؟

أجمع خبراء عسكريون أن الحرب في السودان تقف أمام مرحلة تحول يمكن وصفها بـ«سباق تسلح نوعي»

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)

خاص السودان يستعيد 570 قطعة أثرية سُرقت من المتحف القومي

أعلنت السلطات السودانية، الثلاثاء، استرداد 570 قطعة أثرية تعود إلى حقب تاريخية مختلفة كانت في طريقها إلى خارج البلاد.

وجدان طلحة (بورتسودان)

وعكة الدبيبة الصحية تحيي سيناريوهات «الغياب المفاجئ» لقادة ليبيا

الدبيبة مع فريق طبي ليبي في مركز مصراتة الطبي للقلب (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مع فريق طبي ليبي في مركز مصراتة الطبي للقلب (مكتب الدبيبة)
TT

وعكة الدبيبة الصحية تحيي سيناريوهات «الغياب المفاجئ» لقادة ليبيا

الدبيبة مع فريق طبي ليبي في مركز مصراتة الطبي للقلب (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مع فريق طبي ليبي في مركز مصراتة الطبي للقلب (مكتب الدبيبة)

أعادت الوعكة الصحية التي ألمّت برئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، إحياء ملف حساس يتعلق بسيناريوهات «الغياب المفاجئ» للشخصيات القيادية الحاكمة في المشهد السياسي، في بلد لا يزال فيه الاستقرار رهين الأفراد أكثر من كونه نتاج مؤسسات دستورية راسخة قادرة على امتصاص الصدمات وإدارة التحولات الطارئة.

ورغم التطمينات الرسمية المتكررة حول حالته الصحية، بعد خضوعه لتدخل جراحي بالقلب وُصف بـ«البسيط»، فإن تداعيات الحدث تجاوزت البعد الإنساني لتكشف مجدداً عن هشاشة بنية السلطة في دولة منقسمة بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب.

ويرى سياسيون ومتابعون أن وعكة الدبيبة شكّلت اختباراً عملياً لطبيعة الحكم القائم، حيث بدا أن تماسك الأوضاع في كل من المعسكرين الحكوميين المتنافسين في غرب ليبيا وشرقها هشاً ويرتبط بحضور قيادات بعينها، في ظل غياب آليات دستورية واضحة تضمن استمرارية الحكم وتوازن السلطات حال تعذر أداء أحد شاغلي المناصب السيادية لمهامه.

قلق متزايد

هذا الواقع انعكس بوضوح في النقاشات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، والتي عبّرت عن قلق سياسي متزايد من فراغ محتمل في قمة السلطة غرب البلاد. على سبيل المثال، فقد رأى رئيس حزب «التجديد الليبي»، سليمان البيوضي، أن وعكة الدبيبة «ليست شأناً خاصاً، بل قضية رأي عام»، مشيراً إلى أن جمعه بين رئاسة الوزراء وحقيبتي الدفاع والخارجية يجعل أي غياب مؤثراً على مفاصل سيادية أساسية.

بينما دعا عضو «التحالف الوطني» خالد المريمي إلى حوار سياسي شامل لمعالجة معوقات بناء الدولة، خصوصاً في حال تعذر عودة الدبيبة لأسباب صحية.

الدبيبة في آخر لقاء مع وفد من قيادات محلية واجتماعية وعسكرية في مدينة الزاوية قبل وعكته الصحية (مكتب الدبيبة)

وتأتي هذه المخاوف في وقت تشهد فيه ليبيا ازدواجاً واضحاً في السلطة بين حكومة «الوحدة» المتمركزة في طرابلس، وحكومة برئاسة أسامة حماد تدير مناطق الشرق وبعض مدن الجنوب بدعم من قائد «الجيش الوطني الليبي» خليفة حفتر؛ ما يجعل أي طارئ صحي أو سياسي عاملاً إضافياً لتعقيد المشهد.

ويحذّر رئيس فريق المصالحة الوطنية الشيخ علي أبو سبيحة، من أن أي غياب مفاجئ للدبيبة قد يفاقم الأزمة، مشيراً إلى «غياب آلية واضحة للخلافة وعدم وجود جهة مخوّلة شرعياً لتعيين بديل».

واستذكر أبو سبيحة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البرلمان سحب الثقة من حكومة «الوحدة» قبل أكثر من أربع سنوات، في حين تعجز حكومة حماد عن دخول طرابلس في ظل رفض متوقع من قوى سياسية وأمنية في الغرب.

في المقابل، حاول الدبيبة طمأنة الرأي العام عبر نشر صورة له مع فريق طبي بمدينة مصراتة يوم الإثنين، مؤكّداً استمراره في أداء مهامه، وشكر الليبيين على تضامنهم.

تنافس محتمل

غير أن هذه الخطوة لم تُنهِ الجدل؛ إذ ترى تقديرات سياسية أن غيابه قد يفتح قنوات تفاوض بين مراكز النفوذ في مدن الغرب، لا سيما طرابلس ومصراتة، من دون أن يقود بالضرورة إلى صراع مباشر، في حين تداول سياسيون وناشطون نصوص الاتفاق السياسي الذي وُقّع في مدينة الصخيرات 2015، الذي ينص عل تحويل الحكومة إلى تصريف أعمال في حال خلو منصب رئيس الحكومة.

هنا لا يستبعد أبو سبيحة «تنافساً محتملاً بين القيادات الأمنية في طرابلس أو تأخيراً طويلاً للتوافق؛ ما يترك العاصمة بلا قيادة فاعلة ويؤثر سلباً على حياة المواطنين».

ويتوازى هذا الحديث مع ترتيبات السلطة في عموم ليبيا وسط انقسام مزمن في البلاد منذ سنوات؛ إذ عدَّ عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، علي التكبالي، أن الوضع الصحي للدبيبة أعاد إلى الواجهة أزمة ليبيا المستمرة منذ 2011، المتمثلة فيما وصفه بأنه «شخصنة السلطة» و«الاعتماد على الفرد بدل المؤسسات».

صراع النخب

ويعتقد التكبالي، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب أي طرف محوري قد يخلق فراغاً سياسياً تتصارع فيه النخب دون حل أزمة الانتخابات، مع استفادة بعض الأطراف من استمرار الانقسام.

وهنا انتقد أبو سبيحة أداء الأمم المتحدة وبعثتها في ليبيا حيال إشكاليات جوهرية الأزمة الليبية، عاداً أن من بينها «المتعلقة بخلو المناصب رغم إدراكها هذا السيناريو، من دون تقديم حلول بديلة».

حفتر لدى عودته من رحلة علاج في فرنسا عام 2018 (الجيش الوطني الليبي)

وسبق أن أثار غياب حفتر أثناء تلقيه العلاج في باريس في أبريل (نيسان) 2018 موجة تكهنات واسعة رغم أن غيابه لم يدم سوى أسبوعين، وضعاً في الحسبان ترتيبات استجدت في هيكل قيادة «الجيش الوطني» بتعيين نجليه صدام ونائباً له وخالد رئيساً للأركان في صيف العام الماضي.

كذلك، يبرز البعد العُمري لدى أبرز المتصدرين للمشهد السياسي؛ إذ يبلغ حفتر 83 عاماً، بينما يقترب الدبيبة من عامه السابع والستين.

إصلاح شامل

ويعتقد رئيس مركز صادق للدراسات، أنس القماطي، أن« ليبيا لا تحتاج إلى تغيير جيلي بقدر الحاجة إلى إصلاح مؤسسي شامل»، مفصلاً لـ«الشرق الأوسط» هذا الإصلاح بمتطلبات عدة، أبرزها «دستور دائم، وانتخابات حقيقية بمدد ولاية محددة، قضاء مستقل، وجيش مهني تحت سلطة مدنية»، مع ضرورة وقف «شرعنة رجال الحكم» دولياً.

أما المواطن الليبي، فيرى ناشطون أن «انشغاله بأزماته المعيشية المتفاقمة من نقص السيولة والوقود إلى تدهور سعر الصرف وارتفاع الأسعار قلّل من منسوب القلق الشعبي من الفراغ السياسي»؛ إذ «تعيش شريحة واسعة فعلياً في ظل في فراغ سياسي منذ سنوات تحت نفوذ حكومات بعيدة عن همومهم ومؤسسات عاجزة عن تحسين أوضاعهم اليومية»، وفق ما قال الناشط السياسي أحمد التواتي لـ«الشرق الأوسط».


مسؤول فرنسي يقرّ بصعوبة ترميم العلاقات مع الجزائر

الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

مسؤول فرنسي يقرّ بصعوبة ترميم العلاقات مع الجزائر

الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

في حين كانت العلاقات الجزائرية - الفرنسية تشهد استئنافاً جزئياً للتعاون، برز «قانون تجريم الاستعمار» عقبةً جديدةً أعادت المسار إلى مربعه الأول، وعرقلت جهود التنسيق لزيارة مسؤول فرنسي رفيع العاصمةَ الجزائر.

بعد 8 أشهر من استدعائه إلى باريس، في خضم تصعيد حاد للتوترات، أقر السفير الفرنسي لدى الجزائر، ستيفان روماتيه، بوجود استئناف جزئي للتبادلات بين باريس والجزائر، دون أن يرقى ذلك إلى مستوى الحديث عن خروج من الأزمة.

وفي تصريحات حديثه لـ«إذاعة فرنسا الدولية»، رسم السفير صورة لعلاقة ثنائية لا تزال تعوقها عقبات سياسية وتاريخية وأمنية، رغم إعادة فتح بعض قنوات التواصل مؤخراً، على مستوى وزارتَي الداخلية وجهازَي الأمن بالبلدين. وقال روماتيه بوضوح: «الأزمة لم تنتهِ... ليس بعد»، وذلك رغم استئناف التبادلات الدبلوماسية والأمنية منذ شهرين أو ثلاثة.

إشارات متناقضة

استقبل المراقبون، خصوصاً في باريس، إطلاق سراح الكاتب الجزائري - الفرنسي، بوعلام صنصال، في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على أنه بادرة قد تفتح مرحلة جديدة من التواصل. لكن هذا التفاؤل سرعان ما فتر بسبب استمرار احتجاز الصحافي الرياضي كريستوف غليز، الذي وصفه روماتيه بأنه «إشارة مضادة».

السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتيه (السفارة)

وثبتت محكمة الاستئناف في تيزي ووزو (120 كيلومتراً شرق العاصمة) مطلع الشهر الماضي، الحكم الابتدائي بالسجن 7 سنوات مع التنفيذ، ضد الصحافي الثلاثيني، بناء على تهمة «الإشادة بالإرهاب». وأسست النيابة التهمة على وجود صلة بينه وبين عضو في «حركة تقرير مصير القبائل» المصنفة «تنظيماً إرهابياً» في الجزائر، وذلك خلال نشاط صحافي قاده إلى الجزائر، العام الماضي، للاشتغال على «نادي شبيبة القبائل».

وأكد محامي غليز، خلال المرافعة، أن الشخص الذي تواصل مع موكله لم يكن مدرجاً على لائحة «الإرهاب» وقت الوقائع، غير أن ذلك لم يُثنِ المحكمة عن التشدد في إصدار العقوبة. وإثر المحاكمة، ناشدت والدة غليز الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، منحه عفواً رئاسياً، كما فعل مع الكاتب صنصال الذي تعرّض للمتابعة بتهمة «المساس بوحدة التراب الجزائري». وكان الرئيس الألماني فرنك فالتر شتاينماير قد تدخل لمصلحة الكاتب الثمانيني، ملتمساً «لفتة إنسانية» من تبون بدعوى أن السجين السابق يعاني من المرض.

ملفات «فردية»

ومنذ اندلاع الأزمة نهاية 2024 إثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء، تتعامل وسائل الإعلام مع هذه الملفات الفردية بوصفها مؤشرات سياسية على حالة العلاقات بين فرنسا ومستعمرتها السابقة. وبعبارة أخرى، تُعدّ هذه القضايا «بارومتراً» يقيس مدى الاستعداد النفسي لدى الطرفين لإعادة العلاقات إلى سابق عهدها.

وقال السفير روماتيه بشأن هذه الملفات: «هذا الإفراج (صنصال) جاء في توقيت مثّل بطبيعة الحال إشارة»، لكنه يدعو إلى «التريث» متسائلاً: «السؤال المطروح الآن هو عما إذا كان هذا الانخراط من جديد يمكن أن يثمر نتائج». ويشير في هذا السياق إلى أن الصحافي كريستوف غليز «لا يزال معتقلاً في الجزائر، وهو ما يشكل إشارة معاكسة» تقلل، في تقديره، من القيمة الرمزية لإطلاق سراح بوعلام صنصال.

لقطة بالهاتف من لقاء تلفزيوني مع الكاتب بوعلام صنصال بعد إطلاق سراحه

وقد ظل التعاونُ الأمني شِبهَ مجمّدٍ طيلة 18 شهراً من الأزمة. ويعترف روماتيه بأن «خطورة هذه الأزمة تجلت في شبه تعليق للتعاون»، مع الإشارة إلى أنّ الاتصالات استؤنفت منذ أسابيع قليلة. وفي هذا السياق، شكلت زيارة الأمينة العامة لوزارة الخارجية الفرنسية، آن ماري ديسكوت، الجزائرَ في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، منعطفاً مهماً؛ إذ سمحت بإعادة فتح قناة دبلوماسية لأول مرة منذ اندلاع التوترات، لا سيما بشأن الملف الحساس لمنطقة الساحل. كما جرى إطلاق ترتيبات لزيارة وزير الداخلية، لوران نونييز، الجزائر، وهي زيارة كانت مقررة نهاية عام 2025 لكنها لم تتم.

أما الملف الحساس الآخر فيتعلق بالتعاون في مجال الهجرة، حيث تنتظر باريس استئنافاً فعلياً لإجراءات ترحيل الرعايا الجزائريين الصادرة بحقهم أوامر مغادرة التراب الفرنسي. وفي هذا الإطار، تظلّ زيارة وزير الداخلية، لوران نونييز، الجزائرَ مرتقبةً، رغم تأجيلها، على أن تشكّل مناسبة لبحث ملفَي الأمن والهجرة، وسط ترقّب الأوساط السياسية والإعلامية لها بوصفها خطوة ميدانية قد تمهّد لاحتواء التوترات القائمة بين البلدين.

قانون عقّد انفراجة محتشمة

تضاف إلى هذه التوترات خطوة البرلمان الجزائري التصويت على مشروع قانون يجرم الاستعمار الفرنسي (1830 - 1962)، في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2025. ويرى السفير أن هذا التشريع «جاء في وقت حساس للغاية ليعقّد ديناميكية التقارب»، حيث تعدّه السلطات الفرنسية دليلاً على العداء، وتكريساً لنهج التصلب في «ملف الذاكرة» من جانب الجزائر.

وأشار روماتيه أيضاً إلى «التأثير السلبي» لبعض المواقف السياسية في فرنسا؛ حيث عدّ أن التصريحات الحادة مِن منتخَبِين من اليمين واليمين المتطرف تجاه الجزائر تسهم في توتير العلاقة بشكل أكبر. وحذر السفير من «أي وصم يتجاوز القادة ليستهدف بلداً أو شعباً»، مذكراً بـ«مسؤولية السياسيين في اختيار مفرداتهم».

وبشأن عودته لمباشرة مهامه لدى الجزائر، لم يحدد روماتيه أي تاريخ، لكنه أعرب عن استعداده للمساهمة في أي مخرج محتمل للأزمة، معبّراً عن «أمله» أن يمثل عام 2026 نهاية لعام 2025 الذي وصفه بـ«الصعب للغاية».


مصر تتعهد باتخاذ «الإجراءات الضرورية» للحفاظ على وحدة السودان

يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل الهلال الأحمر السوداني الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب)
يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل الهلال الأحمر السوداني الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب)
TT

مصر تتعهد باتخاذ «الإجراءات الضرورية» للحفاظ على وحدة السودان

يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل الهلال الأحمر السوداني الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب)
يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل الهلال الأحمر السوداني الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب)

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اليوم (الأربعاء)، أن بلاده ستتخذ «الإجراءات الضرورية» للحفاظ على وحدة السودان، الذي يدخل في أبريل (نيسان) المقبل عامه الرابع للنزاع، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال عبد العاطي في مؤتمر صحافي في القاهرة مع مبعوث الأمم المتحدة للسودان رمطان لعمامرة: «مصر لن تقف مكتوفة الأيدي ولن تتردد في اتخاذ الإجراءات الضرورية بما يحافظ على السودان ووحدته وسلامة أراضيه».

والأحد، شددت مصر على دعمها الثابت لوحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على سيادته ومؤسساته الوطنية.

وكان رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس قد أكد، الأحد، أن السلام قادم لا محالة، عادّاً عام 2026 عام السلام، وفقاً للمبادرة القومية للسلام التي قدمتها الحكومة.

وفي أغسطس (آب) الماضي، طرحت «الرباعية»، التي تضم المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة، «خريطة طريق» دعت فيها إلى «هدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، تليها هدنة دائمة لبدء عملية سياسية وتشكيل حكومة مدنية مستقلة خلال 9 أشهر».