النقد الأدبي بين الانطباعية والعلمية

ما الذي يقوله النص... وما الذي نقوله نحن؟

نورثروب فراي
نورثروب فراي
TT

النقد الأدبي بين الانطباعية والعلمية

نورثروب فراي
نورثروب فراي

الانطباعية. النقد الانطباعي. إسقاط أفكارك وانطباعاتك وتجاربك الشخصية وفلسفتك الحياتية وعواطفك الخاصة على العمل الأدبي الذي تضطلع بتحليله وتفسيره كناقد أدبي – تلك هي آفة النقد الأدبي، حتى إن تي إس إليوت، الشاعر والناقد الأنجلو أميركي (1888 - 1965)، شبّه الناقد الانطباعي الذي يُسقط أفكاره على النص الأدبي بطبيب التشريح الذي يُخرِج من معطفه أعضاءً يضيفها إلى الجثة التي يقوم بتشريحها. ليس هناك من إهانة تُوجّه إلى ناقد أشد مِن وصف نقده بالانطباعية؛ فكل ناقد يحب أن يُظَن أنه موضوعي محايد متجرِّد، يتعامل مع النص كما هو في ذاته بمعزل عن أي عناصر خارجة عليه.

مع ذلك فقلما يخلو نقد من قدر من الانطباعية، وقلما يجتمع ناقدان على فهم مشترك وتقدير متماثل لنص أدبي، وإن اشتركا في طول الباع وسعة المعرفة وعلو المكانة. فإن لم نُعْزِ هذا إلى العنصر «الانطباعي» الناتج من تباينهما كفردين متمايزين في الطبع وتجربة الحياة، فإلامَ نعزوه؟ فكأن المقال النقدي الذي نطالعه يتراوح بين أن ينير لنا العمل الأدبي في ذاته وأن يعرفنا بشخصية الناقد وميوله الخاصة، أو منطقةٍ وسط بين هذين الضدين. إلا أن ثمة طموحاً أن يطرح النقد عنه ذات يوم أي شبهة للانطباعية، وأن ينضم لقافلة العلوم الاجتماعية وتصبح له أصول وقواعد صارمة يتفق الرأي عليها ويلتزمها الجميع في ممارسته.

هذا الطموح النقدي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعلم النفس وبالدراسات الأنثروبولوجية الحديثة. فقد تأثر النقاد المحدثون بالكشوف الأنثروبولوجية التي أظهرت أن الأسطورة والطقوس والشعر كلها كانت كامنة في بداية الحضارات وبمقولة علم النفس إن الإنسان البدائي كامن داخل كل منا، كما يتضح في أحلامنا الليلية التي تعيد خلق الرموز الأسطورية القديمة. من هنا كان التفات النقاد الذين يطلبون في الأسطورة مفتاحاً لعملية الخلق الفني إلى السمات المشتركة بين الحلم من ناحية والإبداع الشعري من ناحية أخرى، ومن ذلك «تكثيف الصور» بمعنى تضمين أخيلة عدة في صورة واحدة، و«الإزاحة»، أي تجسيد المعنى الشامل في عنصر يبدو قليل الأهمية، و«التحميل»، بمعنى تركيز مستويات متعددة للمعنى في جزئية واحدة. ولا يغيب عن الذهن في هذا السياق أن الشعر والحلم كلاهما يفتقر إلى العلاقات المنطقية ويحفل بالأخيلة والمواقف السريالية.

في طليعة نقاد الأسطورة هؤلاء يبرز الناقد الكندي المشهور نورثروب فراي Northrop Frye (1912-1991) الذي اتخذ من الأسطورة منطلقاً يعتقد البعض أنه يمكن معه أن يترقى النقد إلى مرتبة العلم. يرى فراي أن العلم الحقيقي لا يمكن أن يقنع بتحليل بناء العمل الأدبي، وأن الشاعر لا يعدو أن يكون «العلَّة الصانعة» للقصيدة، التي تتمتع بدورها بـ«علّة شكلية» مستقلة عنه، وهي ما ينبغي أن يكون طُلبة الناقد «العلمي». هذه العلة الشكلية هي ما يسميه فراي بـ«النموذج الأولي» (Archetype)، وهو اصطلاح مستعار من علم النفس يشير إلى «الصورة الأولية»، التي هي جزء من العقل الباطن الجماعي تترسب فيه نتيجة خبرات من نوع واحد لا حصر لها، وهي بذلك تشكل جزءاً من نظام الاستجابة الموروث عند الجنس البشري قاطبةً. على هذا النسق مثلاً تصبح الأسطورة التوراتية التي تحكي قصة قتل قابيل لهابيل هي النموذج الأولي لكل قصة تلتها يقتل فيها الأخ أخاه أو الصديق صديقه، بدافع الغيرة والحسد... إلخ. وتصبح قصة برومثيوس سارق النار من الآلهة لصالح البشر في الأساطير الإغريقية هي النموذج الأولي لكل قصة تقوم على الفداء والتضحية بالذات للصالح العام أو الثورة على القوى العليا من أجل المبدأ، دون احتفال بالعواقب، وهلُم جرّا.

تي إس إليوت

من هنا، يرى فراي أن مهمة النقد هي البحث عن هذه «النماذج الأولية»، مما يحوّل دراسة الأدب إلى نوع من علم الأنثروبولوجيا الأدبية يختص بدراسة الأدب من حيث تشبُّعه بالمقولات السابقة عليه، مثل الطقس الديني والأسطورة والحكاية الشعبية. لكن الأنثروبولوجيا الأدبية ليست إلا فرعاً من فروع النقد كما يتصوره فراي. فهو يرى أن العمل الأدبي يجب أن يمر بـ«خط إنتاج» نقدي يبدأ بالمحقق الأدبي الذي يطهّر النص الأدبي القديم من الشوائب العالقة به، ثم ينتقل النص إلى عالم البلاغة وتاريخ اللغة والأدب، ومنه إلى المؤرخ الاجتماعي للأدب، ثم إلى الفيلسوف واختصاصي تاريخ الفكر، وأخيراً يؤول الأثر الأدبي إلى عالم الأنثروبولوجيا الأدبية.

إلا أن ثمة نقطة مهمة ينبغي التنويه بها عند هذا الحد، وهي أن هذا المنهج النقدي يخلو تماماً من أحكام القيمة. هو منهج وصفي تصنيفي يصلح للتطبيق على الأعمال الأدبية العظيمة، وتلك القليلة الشأن في آن. وفي هذا السياق نلاحظ أن فراي كثيراً ما يشير إلى العمل الأدبي بوصفه نوعاً من المنتجات (a product) أو سلعة عضوية يمكن رصد نوعها وتصنيفها وتحديد رتبتها. وهي فكرة تتضح إذا ما تأملنا وصفه لكيفية خروج القصيدة إلى الوجود. يقول في مقالة له بعنوان «عقيدتي في النقد»:

«إن عملية مراجعة القصيدة وتنقيحها، وحقيقة أن الشاعر يغيّر فيها، ليس لأنه شخصياً يفضّل ذلك، وإنما لأن ذلك أفضل في حد ذاته، هذا يعني أن القصائد – مثلها مثل الشعراء – تُولد ولا تُصنع. وينحصر عمل الشاعر في أن يخرج بالقصيدة إلى الوجود في حال سليمة بقدر الإمكان. وإذا وُلدت القصيدة حيّة فإنها تكون في شوق للتخلص من الشاعر وتصرخ لكي يقطع الحبل الذي يربطها بذكرياته وعلاقاته الخاصة وبرغبته في التعبير عن ذاته، وكذلك كل حبال المشيمة الأخرى وأنابيب التغذية المتصلة بالذات. بعد ذلك يأتي الناقد ليستأنف من حيث توقف الشاعر».

في هذه المقارنة الحيّة تلعب القصيدة دور الوليد، والشاعر دور الأم. أما الناقد فيؤدي دور القابلة التي تفصم حبل المشيمة عن الأم/ الشاعر. على أن هذه المقارنة لا تقدم الإجابة عن سؤال بالغ الأهمية: هل القصيدة الوليدة تنبض بالحياة أم هي جثة هامدة لا تجري في عروقها الدماء؟ لا يجيب فراي عن هذا السؤال الحيوي الذي هو في العادة شغل النقد الشاغل. فلا نراه يعهد لناقده/ القابلة في أي من أدواره العديدة كمحقق للنصوص أو مؤرخ للأفكار أو حتى عالم في الأنثروبولوجيا الأدبية بمهمة الإجابة على هذا السؤال. فالقصيدة الخاملة لا تعدو أن تكون وثيقة لا قيمة لها تخضع للعملية التصنيفية ذاتها التي تخضع لها القصيدة الحية العظيمة.

وإذا تذكرنا أن الغرض من هذه العملية هو أن يصبح النقد علماً يحتل مكانه بين سائر العلوم الاجتماعية، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً، لأنه إذا أصبح النقد علماً اجتماعياً، فإنه من الأهمية بمكان أن نعرف موقفه من أحكام القيمة. هل يصير علماً وصفياً راصداً، فحسب مثل العلوم الاجتماعية الأخرى؟ أم ينتحي طريقاً يميزه منها فيصير دراسة معيارية تتجاوز الرصد والوصف إلى اتخاذ الموقف الجمالي وإصدار أحكام القيمة. وفي الحالة الأخيرة ألن يجد النقد نفسه ينزلق من جديد في طريق الانطباعية والأحكام الخاضعة لشخصية الناقد وتجربته؟ معضلة قد يحلها المستقبل. وقد لا يحلها.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.