رئيس «تأسيسية الدستور» الليبية يتهم البعثة الأممية بـ«تجاهل مسوّدة 2017»

نوح دافع عن لجنته المنتخبة... وأكد أن الترشح للرئاسة «حق للجميع»

رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي مراجع نوح (الشرق الأوسط)
رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي مراجع نوح (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «تأسيسية الدستور» الليبية يتهم البعثة الأممية بـ«تجاهل مسوّدة 2017»

رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي مراجع نوح (الشرق الأوسط)
رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي مراجع نوح (الشرق الأوسط)

اتهم مراجع نوح، الرئيس المنتخب لـ«الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي»، بعثة الأمم المتحدة بأنها «تجاهلت مسوَّدة الدستور، التي أقرّتها الهيئة عام 2017، ولم تُطرح للاستفتاء الشعبي بعد».

وبشكل مفاجئ، انتخبت الهيئة رئيساً لها في جلسة «مكتملة النصاب»، عُقدت الثلاثاء الماضي في مدينة البيضاء (شرقاً). وهذا هو أول اجتماع رسمي للهيئة بعد 8 أعوام من إقرار مسوَّدة الدستور، الذي وصفه الرئيس المنتخب بأنه «حراك مطلوب راهناً»؛ ردّاً على ما يعتقد أنه «عبث من البعثة».

تجاوزات «اللجنة الاستشارية»

منذ منتصف الشهر الماضي، انخرطت البعثة الأممية في سلسلة مشاورات حول توصيات اللجنة الاستشارية، التي تشمل مقترحات عدة، من بينها «إنشاء هيئة تأسيسية تحلّ محل الأجسام السياسية الحالية؛ لوضع اللمسات الأخيرة على القوانين الانتخابية، والسلطة التنفيذية، والدستور الدائم».

لكن نوح يرى أن «اللجنة الاستشارية، التي شكَّلتها البعثة الأممية، خالفت المهمة التي أُنشئت من أجلها، وهي إيجاد حلول للخلافات في قانون الانتخابات، المُعد من قبل اللجان المختارة من مجلسي النواب و(الأعلى للدولة)».

والتأمت اجتماعات الهيئة التأسيسية مجدداً في المدينة نفسها، التي شهدت التصويت على المسوَّدة، وسط حالة من الجدل انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي بشأن «تقاضي الأعضاء مكافآت شهرية رغم توقف اجتماعاتهم».

ولم ينفِ نوح استمرار تقاضي أعضاء «تأسيسية الدستور» مكافآتهم، مفسراً ذلك بأنه «نتاج نصوص قانونية، منها قانون 17 لعام 2013 المنظّم لأعمال الهيئة، والذي ألزم الأعضاء بالتفرغ التام، وعدم العمل لدى جهات أخرى إلى حين الاستفتاء على مسوّدة الدستور»، كما استدل أيضاً بـ«فتوى أصدرتها إدارة القانون بالمجلس الأعلى للقضاء بأحقيتهم في الحصول على مرتبات؛ نتيجة تفرغ العضو ومنعه من العمل»، مشيراً إلى أن «جل أعضاء الهيئة التأسيسية يتذمرون من شرط التفرغ»، عادّاً أن «بعضهم رجال قانون لديهم مكاتب محاماة، ومنهم مَن يعمل مستشاراً في جهات رسمية وخاصة، أو في مجالات أخرى مثل الهندسة والطب، بالتالي فإن إيراداتهم الشهرية تفوق ما يتقاضونه من الهيئة التأسيسية».

وسيكون إحياء المسار الدستوري على رأس مهام الهيئة التأسيسية الجديدة، بحسب رئيسها المنتخب، الذي أوضح أن المسار المستقبلي «سيركز على التوعية الدستورية، عبر التواصل مع مراكز الأبحاث في الجامعات الليبية، والمجلس الأعلى للقضاء، ومنظمات المجتمع المدني وغيرها».

وفي هذا السياق، يعيد نوح التذكير بأن الهيئة سبق أن تواصلت مع «المفوضية الوطنية للانتخابات» بشأن الاستفتاء على الدستور، عادّاً أن «الخطوة الأهم كانت مراسلة نائب رئيس مجلس النواب الليبي؛ للمطالبة بالاستفتاء، أو توضيح الأسباب المانعة».

عقدة رئيسية

في هذه الأثناء، تبدو العقدة الرئيسية والمستمرة في مادتين خلافيتين بمشروع الدستور، تتعلقان بـ«منع ترشح مزدوجي الجنسية والعسكريين» في الانتخابات الرئاسية، وفق قانونيين.

وفي هذا السياق، يشير نوح إلى أن مناقشة هاتين المادتين «شأن يخص أعضاء الهيئة التأسيسية؛ لأنه يتطلب نصاباً معيناً لحضور الأعضاء، وإرادة الفعل من قبلهم». ويرى أن «مشروع الدستور الليبي يتمتع بنظرة دستورية متقدمة، وفَّر من خلالها حلولاً لتحديات مختلفة في إطار التنوع، لا في إطار الاختلاف، فضلاً عن استجابته للمواثيق الدولية الحقوقية».

ويذهب نوح إلى الاعتقاد بأن مسوَّدة الدستور «تعدّت أحياناً المواثيق الدولية بشأن حقوق الأقليات، ووضعت منهجيةً للعدالة الاجتماعية والانتقالية، وترسيخ التوازن المكاني والمؤسسي، والشفافية، والتأكيد على استقلالية القضاء من خلال آليات محكمة»، وفق قوله.

ولا تتوقف شكاوى الأقليات، خصوصاً الأمازيغ، من مخرجات «تأسيسية الدستور»، لكن نوح يقول إن «الهيئة التأسيسية أعطت للأقليات جميع حقوقها، بل تعدَّت إعلان باريس للأقليات الصادر عام 1992 على نحو إيجابي»، محملاً مسؤولية تعطيل الدستور وعرقلته طيلة 8 أعوام إلى «أطراف داخلية وخارجية»، واصفاً الطرف الليبي الأكثر رفضاً للمسوَّدة بأنه «غير مستوعب لمحتواها».

ويستبعد نوح صحة ما يتردد بشأن رفض القائد العام للجيش الوطني، المشير خليفة حفتر، مسوَّدة الدستور الحالية، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أظن ذلك».

ورداً على سؤال بشأن سيناريوهات ترشح المشير حفتر، ورئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، في الانتخابات الرئاسية، قال نوح: «حق الترشح والانتخاب من الحقوق السياسية، حيث يحق لكل مواطن تنطبق عليه شروط الترشح. وهو ما ينطبق أيضاً على سيف الإسلام، نجل العقيد القذافي»، مضيفاً: «بالتأكيد، لا تمييز بين الليبيين».

وتعثرت العملية السياسية في ليبيا منذ انهيار الانتخابات الرئاسية، التي كان إجراؤها مقرراً في ديسمبر (كانون الأول) 2021، وسط خلافات حول أهلية المرشحين الرئيسيين.

وشدَّد نوح على أن «الهيئة التأسيسية لا يمكن أن تركن إلى القوى الدولية الأجنبية، وأقصد بها (غير العربية)، حتى لا تَتَّخذ ذلك ذريعةً للضغط على مؤسساتنا السياسية»، مضيفاً: «نحن متمسكون بالملكية الوطنية للدستور». ورحَّب «بالجهود العربية، خاصة مصر؛ للاستفادة من خبرتها ومجالها السياسي والدستوري».


مقالات ذات صلة

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

شمال افريقيا المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

تترقب ليبيا تحديد آلية تشكيل سلطة تنفيذية موحدة وفق اتفاق «4+4» لإجراء الانتخابات خلال عامين، فيما يرجح محللون تشكيل لجنة حوار جديدة لحسم الملف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

صعّد المعلمون في عدة مدن ليبية احتجاجاتهم للمطالبة بزيادة رواتبهم، في وقت شدد وزير التعليم في غرب ليبيا على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوق المعلمين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)

«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

كشف تحرك محمد المنفي نحو المحكمة الجنائية الدولية، بشأن خلية متهمة باستهداف منشآت حيوية، عن تباين ليبي، مع تمسك وزارة الدفاع بالتحقيقات المحلية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)

غياب التوافق الليبي يثير تكهنات حول اللجوء لمجلس الأمن بشأن الانتخابات

لم تلُح في الأفق، حتى الآن، ملامح على وجود توافق في المواقف بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بشأن تمرير اتفاق لممثلي طرفي الصراع في ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)

قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

يزداد القلق في ليبيا من تأثيرات ارتفاع منسوب المياه الجوفية على مشروعات الإعمار، وسط شكاوى من غرق منازل وشوارع وتضرر أراضٍ زراعية.

علاء حموده (القاهرة)

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.


جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
TT

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026
صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026

أثار حبس ناشطة وأستاذة للُّغة الأمازيغية في الجزائر موجة جدل حقوقي وسياسي واسع، بعد احتجازها بسبب منشور متصل بالانتخابات، وسط ملاحقات قضائية لكثير من النشطاء، بسبب تدويناتهم ومواقفهم السياسية عبر المنصات.

واتَّخذ الأمر منحى سياسياً، حين طالبت زعيمة «حزب العمال» اليساري المعارض ومرشحة انتخابات الرئاسة السابقة، لويزة حنون، في مؤتمر صحافي بالعاصمة، السبت، بالإفراج عن الناشطة نادية موساوي، المعروفة في منطقة القبائل، وإحدى الداعيات إلى تمكين اللغة الأمازيغية التي ينطق بها ملايين الجزائريين.

واستنكرت حنون إيداع الناشطة الحبس الاحتياطي منذ أسبوعين، بسبب منشور بحسابها الخاص على «فيسبوك»، مستغربة «توظيف قانون الانتخابات في القضية»، ومؤكدة أن «المنطق القانوني غير مفهوم في ملاحقة شخص بجريمة مرتبطة بالانتخابات».

الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون (إعلام حزبي)

كما أشادت بمسار نادية موساوي التعليمي، في مجال نشر اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وسط حملة تضامن واسعة تطالب بإعادة النظر في إجراء الحبس المتخذ بحقها.

«عرقلة عملية انتخابية»

وتُعرَف الناشطة في شبكة التواصل الاجتماعي بـ«تمازيغت موساوي»، وهي مُعلمة بمدرسة ثانوية في مدينة الشرفة بولاية البويرة، على بعد مائة كيلومتر إلى الشرق من العاصمة، بينما يُنظر ملفها قضائياً أمام محكمة مدينة مشدالة المختصة إقليمياً.

وعلى مدار سنوات، تجاوزت شهرة نادية موساوي نطاق مؤسستها التعليمية، لتصبح صانعة محتوى باللغة القبائلية؛ خصوصاً بعد أن أطلقت قناة مجانية على «يوتيوب» لتقديم دروس في الأمازيغية بهدف تبسيطها وترويجها للناطقين بالأمازيغية والعربية على حد سواء، معتبِرة أن المدرسة لا تفي بهذا الغرض بالقدر الكافي، وفق ما نقل عنها مقربون منها.

وفي التاسع من سبتمبر (أيلول) الجاري، فوجئت الناشطة باستدعاء من الشرطة المحلية التي أخضعتها للمساءلة، وأحالتها إلى النيابة بمحكمة مشدالة في ولاية البويرة، ثم على قاضي التحقيق لدى المحكمة نفسها الذي أمر بوضعها رهن الحبس الاحتياطي، بسبب منشور تضمَّن رأيها الشخصي حول التصويت في الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، وشهدت مقاطعة كبيرة من الناخبين؛ خصوصاً في منطقة القبائل.

ووفق دفاعها، وجَّه لها قاضي التحقيق تهمة «عرقلة عملية انتخابية»، الأمر الذي أثار استغراب الأوساط السياسية والحقوقية.

وخلال محاكمتها يوم 16 سبتمبر الحالي، التمس ممثل النيابة العامة عقوبة عامَين حبساً مع التنفيذ، مع استمرار حبسها المؤقت لحين النطق بالحكم المقرَّر في 22 سبتمبر.

عشرات النشطاء تعرَّضوا للسجن منذ الحراك الشعبي سنة 2019 (ناشطون سياسيون)

وحسب مصادر قضائية، تعرضت نادية موساوي للمتابعة بناء على «المادة 295» من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، والتي تنص على معاقبة كل من يعرقل أو يخلُّ بسير العملية الانتخابية، بالحبس من 6 أشهر إلى سنتين، مع احتمال تطبيق عقوبات تكميلية، تتمثل في الحرمان من حق الانتخاب والترشح، مدةً تتراوح بين 3 و5 سنوات.

وتشمل الأفعال المجَرَّمة تحت هذه المادة «تعكير سير عمليات التصويت»، و«عرقلة عمل مكتب التصويت أو مراكز الاقتراع»، و«منع مرشح أو ممثله القانوني من ممارسة حقوقه المقررة قانوناً أثناء العملية».

ويؤكد المحامون والحقوقيون أن هذه الوقائع لا تنطبق على الأفعال المنسوبة لموساوي، مشيرين إلى أن سبب سجنها منشور لها تتناول فيه موقفها من الانتخابات، إضافة إلى أن وقتاً طويلاً نسبياً مرَّ على تنظيم هذه الانتخابات.

وبتصفح حسابها على «فيسبوك»، بدا أن المنشور الذي قادها إلى السجن قد حُذِف.

حرية التعبير

وفي منطقة الشرفة وبين متابعيها عبر الإنترنت، تسود حالة من الضيق والترقب للحكم؛ إذ اعتادت على تقديم محتويات اجتماعية وتعليمية، والترويج أحياناً للتجار والحرفيين المحليين، وهو ما يفسر حجم التعبئة والتضامن الواسع حولها.

وقال أحد السكان المحليين ممن يعرفونها، لـ«الشرق الأوسط»، مفضلاً عدم نشر اسمه: «السيدة نادية تنشط دوماً في الثقافة والتعليم؛ فهي ليست في تيار المعارضة، وتقوم أحياناً بالترويج لحرفيين محليين، والتجار الصغار، ومطاعم المنطقة. يمكن أن نصفها بأنها بروفايل ربة أسرة صالحة، لا يمكنها أن تؤذي ذبابة».

ياسين عيسوان برلماني طالب بالإفراج عن أستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي (حسابه الخاص)

ودعا ياسين عيسوان، النائب عن تيزي وزو، كبرى مدن منطقة القبائل، إلى الإفراج الفوري عنها، مُشدّداً في تصريحات إعلامية على أن «حرية التعبير حق أساسي، ولا يجوز تحويل الرأي إلى جريمة»؛ وهو الطرح الذي ترافعَت عنه مجدداً محاميتها نبيلة إسماعيل، مؤكدة استحالة إدراج حرية التعبير في خانة الجريمة.

ويكرِّس سجن أستاذة اللغة الأمازيغية واقعاً توثقه الهيئات الحقوقية باستمرار؛ حيث يدفع مئات النشطاء، منذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 الذي أطاح بالرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، ثمناً قانونياً للتعبير عن مواقفهم السياسية عبر المنصات الرقمية، في ظل سجال متواصل بين النصوص الزجرية ومبادئ حرية الرأي.