محكمة الاستئناف الفرنسية تتيح إطلاق جورج إبراهيم عبد الله وترحيله إلى لبنان

الضغوط الأميركية والإسرائيلية حالت منذ 26 عاماً دون خروجه من السجن

اللبناني جورج إبراهيم عبدالله المفرج عنه بعد أربعين سنة في السجن في إحدى جولات المحاكمة أمام محكمة الجنايات الخاصة في 13 يوليو 1986 (أ.ف.ب)
اللبناني جورج إبراهيم عبدالله المفرج عنه بعد أربعين سنة في السجن في إحدى جولات المحاكمة أمام محكمة الجنايات الخاصة في 13 يوليو 1986 (أ.ف.ب)
TT

محكمة الاستئناف الفرنسية تتيح إطلاق جورج إبراهيم عبد الله وترحيله إلى لبنان

اللبناني جورج إبراهيم عبدالله المفرج عنه بعد أربعين سنة في السجن في إحدى جولات المحاكمة أمام محكمة الجنايات الخاصة في 13 يوليو 1986 (أ.ف.ب)
اللبناني جورج إبراهيم عبدالله المفرج عنه بعد أربعين سنة في السجن في إحدى جولات المحاكمة أمام محكمة الجنايات الخاصة في 13 يوليو 1986 (أ.ف.ب)

إذا لم يحصل أمر طارئ، فإن اللبناني جورج إبراهيم عبد الله، المسجون في فرنسا منذ العام 1984، سيكون طليقاً يوم الجمعة 25 يوليو (تموز) بأمر من محكمة الاستئناف في باريس التي استجابت لطلب إطلاقه المقدم منه عبر محاميه جان لويس شالانسيه.

وبذلك يكون القضاء قد صحح، أخيراً، خطأ بحق عبد الله الذي كان يحق له الخروج المشروط من السجن منذ العام 1999، إلا أن الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ومجموعات الضغط الموالية لهما حالت دون ذلك رغم الجهود التي بذلتها السلطات اللبنانية على أعلى المستويات والمساندة التي لقيها من لجنة الدعم، ومن العديد من السياسيين اليساريين، لا بل أيضاً من رجال قضاء وقانون سابقين.

وكان موقع «ويكيليكس» نشر وثائق أظهرت أن هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك، نشطت في العام 2013 لمنع إطلاق سراح عبد الله بعد موافقة محكمة الاستئناف على إطلاق سراحه شرط أن يصدر أمر عن وزير الداخلية الفرنسي لترحيله. لذا، اتصلت كلينتون بنظيرها الفرنسي، لوران فابيوس، في محاولة لإيجاد مسوغ قانوني يستجيب لمطلبها. وكانت النتيجة أن مانويل فالس، وزير الداخلية الاشتراكي وقتها الذي أصبح لاحقاً رئيساً للحكومة، لم يوقع قرار الترحيل، وبالتالي ظل عبد الله في السجن.

12 محاولة إفراج فاشلة

اثنتا عشرة محاولة فاشلة قام بها عبد الله البالغ من العمر اليوم 74 عاماً خلال السنوات الماضية. وبحسب أوساط قضائية فرنسية، فإن الحجج الحكومية تفاوتت بين خطورة الإفراج عنه، أو فرض شروط تعرقله، أو يصعب على السجين الاستجابة لها.

جانب من سجن لانزمان في جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

وعلى سبيل المثال، فقد ربطت محكمة الاستئناف في شهر فبراير (شباط) الماضي قرار إطلاق سراحه بأن يعمد إلى دفع تعويضات للضحايا الذين سقطوا أو أصيبوا بسببه. وكان ذلك يعني، عملياً، أن يقدم تعويضات مالية للحكومة الأميركية ولإسرائيل، الأمر الذي رفضه بشكل مطلق باعتبار أن عمله الثوري كان موجهاً، منذ البداية، ضد هاتين الدولتين، وأن حكم السجن المؤبد الذي صدر بحقه في العام 1987 كان بسبب إدانته في قتل الملحق العسكري الأميركي تشارلز راي والدبلوماسي الإسرائيلي ياكوف بارسيمتنتوف عام 1982، ومحاولة اغتيال القنصل الإسرائيلي في مدينة ستراسبورغ في العام 1984.

وفي أي حال، نفى جورج إبراهيم عبد الله دوماً الاعتراف بهاتين الجريمتين، ورفض توصيف ما حصل بأنه عمل إرهابي، إذ وضعه في خانة أعمال «المقاومة» ضد «القمع الإسرائيلي والأميركي» في سياق الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990)، والغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978.

محامي جورج إبراهيم عبد الله خارجاً من قاعة محكمة الاستئناف الخميس بعد قرار المحكمة الموافقة على خروجه من السجن شرط أن يُرحّل إلى لبنان (إ.ب.أ)

وتميز حكم إطلاق سراحه الجديد عن الحكمين السابقين بأن الشرط الوحيد المفروض عليه تلبيته هو مغادرة الأراضي الفرنسية إلى غير رجعة. والملاحظة الثانية أن بوسع النيابة العامة الطعن بقرار محكمة الاستئناف ونقل الملف إلى محكمة التمييز. غير أن هذه الإمكانية لا تعني وقف تنفيذ قرار محكمة الاستئناف. مما يعني أنه لا شيء، عقلانياً وعملياً، يمكن أيضاً أن يحول دون إطلاق سراحه هذه المرة.

إذا سارت الأمور على هذا النحو، فمن المقرر أن يغادر سجنه القائم في بلدة لانزمان في مقاطعة هوت-بيرينه بجنوب غربي فرنسا، وقريباً من الحدود الإسبانية. ولإقناع فرنسا، تكفل لبنان، خطياً ومنذ فترة طويلة، لدى محكمة الاستئناف بتحمل أعباء نقل السجين المحرر إلى لبنان. ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصادر لم تسمها أن عبد الله سوف ينقل من سجنه إلى مطار مدينة تارب الواقعة جنوب البلاد إلى مطار رواسي-شارل ديغول «شمال باريس» حيث سيستقل رحلة متجهة إلى بيروت.

فرنسا «تخسر» أحد أقدم سجنائها

ومع رحيله، تكون فرنسا قد «خسرت» أحد أقدم سجنائها. وما يبرر إطلاق سراحه اليوم، إضافة إلى الجوانب القانونية، كون إبقائه في السجن يخالف هذه القوانين، أن عبد الله، مع مرور أربعين عاماً من وجوده وراء القضبان، قد تحول إلى «عبء» على السلطات الفرنسية، فهو بات يحظى بدعم متزايد من نواب يساريين، ومنهم من لا يتردد في زيارته في سجنه مثل النائب عن كتلة «فرنسا الأبية» أريك كوكريل.

سجن لانزمان الواقع جنوب غربي فرنسا قريباً من الحدود الفرنسية-الإسبانية حيث أمضى جورج إبراهيم عبد الله سنوات طويلة في إحدى زنزاناته (أ.ف.ب)

واللافت أكثر أنه أخذ يحظى بدعم من شخصيات بعيدة كل البعد عن اليسار، ومنها إيف بونيه، الرئيس السابق لجهاز المخابرات الفرنسية، أو ألان مارسو، القاضي المعروف المتخصص في قضايا الإرهاب الذي أبدى أيضاً تأييده للإفراج عن عبد الله. وعد محامي عبد الله، جان لوي شالانسيه، مباشرة بعد خروجه من الجلسة المغلقة لمحكمة الاستئناف أن القرار «انتصار قضائي (من جهة) وفضيحة سياسية (من جهة ثانية) في أنه لم يخرج (من السجن) في وقت سابق، بسبب سلوك الولايات المتحدة وجميع الرؤساء الفرنسيين». أما «مجموعة الدعم» فقد رأت في القرار «انتصاراً» لـعبد الله، وهو ما اعتبره أيضاً توم مارتن، العضو في مجموعة «فلسطين ستنتصر». ففي نظره أن عبد الله «بقي على الدوام، رغم اعتقاله أربعين عاماً، وفياً لمبادئه السياسية، ولهويته...».

عبد الله: عدو الشعب الفرنسي رقم واحد

حقيقة الأمر أن عبد الله لم يدفع «ثمن ما قام به، بل أيضاً ثمن ما نسب إليه، ولم يكن مسؤولاً عنه. ففي العام 1985 وما بعده، حصلت عدة أعمال إرهابية في فرنسا، وأشهرها عملية في عام 1986، في باريس، في شارع رين الواقع في قلب العاصمة والتي أوقعت 13 قتيلاً والعديد من الجرحى. ودارت حملة إعلامية حملت عبد الله الموقوف في السجن منذ العام 1984 مسؤولية ما حصل بحيث تحول إلى «العدو رقم واحد» للشعب الفرنسي.

مظاهرة في باريس الأربعاء للمطالبة بالإفراج الفوري عن جورج إبراهيم عبد الله (رويترز)

وفي هذا السياق، حوكم أمام محكمة الجنايات الخاصة التي قضت بسجنه مدى الحياة. ولكن بعد شهرين من الحكم الثقيل الصادر بحقه تبين أن مسؤولية الأعمال الإرهابية تعود لإيران، ولا علاقة لعبد الله بها. كذلك تتعين الإشارة إلى أن المخابرات الفرنسية كانت تريد أساساً استخدامه ورقة للمقايضة من أجل إطلاق سراح رهائن فرنسيين محتجزين في لبنان، وتحديداً جيل بيرو، مدير المركز الثقافي في طرابلس، إذ لم يكن بحوزة القضاء الكثير ضده، بل فقط حيازته جوازي سفر مزورين. لكن الأمور تبدلت بعد اكتشاف أسلحة في شقة كان يشغلها في مدينة ليون، وتبين أنها استخدمت في اغتيال الأميركي والإسرائيلي. وقبل توقيفه، كان عبد الله يظن أن المخابرات الإسرائيلية (الموساد) كانت تلاحقه، بينما الحقيقة أن المخابرات الفرنسية هي التي كانت تتابعه.

وعبد الله المولود في قرية في منطقة عمار «شمال لبنان» انخرط في العمل السياسي باكراً، وتنقل في العديد من الأحزاب والمنظمات الفلسطينية قبل أن يؤسس مع مجموعة من معارفه وأقربائه «الفصائل الثورية المسلحة اللبنانية»، ويختار العمل العسكري. وجاء قرار محكمة الاستئناف أن عبد الله بات «رمزاً من الماضي للنضال الفلسطيني، وأن مجموعته باتت منحلة، ولم ترتكب أي أعمال عنف منذ 1984».


مقالات ذات صلة

انفراج بملف الموقوفين السوريين في لبنان

المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)

انفراج بملف الموقوفين السوريين في لبنان

توقع مصدر وزاري بارز بداية انفراج في ملف المحكومين، والموقوفين السوريين في السجون اللبنانية يقضي بالإفراج عنهم على مراحل

محمد شقير (بيروت)
تحليل إخباري شعارات داعمة للجيش اللبناني مثبتة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (أرشيفية - أ.ب)

تحليل إخباري المجتمع الدولي يُصر على نزع السلاح في لبنان... لا تثبيت وقف النار فقط

يزداد التناقض بين ما يعلنه لبنان الرسمي من تمسك بتطبيق القرار «1701» الصادر عام 2006 والمعدّل عام 2024، وما تطلبه القوى الدولية لناحية حصرية السلاح.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً أمنياً (الرئاسة اللبنانية)

مواكبة لبنانية ودبلوماسية لتأمين نجاح مؤتمر دعم الجيش

يمضي لبنان في التحضير لمؤتمر باريس لدعم الجيش في 5 مارس (آذار) المقبل، على المسارين الدبلوماسي والأمني بمسعى لإنجاح المؤتمر وتلبية شروط الدول المانحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود لبنانيون في ضاحية بيروت (د.ب.أ)

لبنان يحقق مع سوري بشبهة تحويل أموال لمقاتلين موالين للأسد

نقلت وكالة «رويترز» عن أربعة مصادر مطلعة، الجمعة، أن السلطات اللبنانية ألقت القبض على مواطن سوري كان يساعد كبار مساعدي الرئيس المخلوع بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في القصر الرئاسي يونيو 2025 (أرشيفية-الرئاسة اللبنانية)

اتصال جعجع بعون يبدّد التقديرات عن خلافات بينهما

بدّد اتصال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، بالرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمعة، المعلومات عن خلافات جوهرية بين الطرفين.

نذير رضا (بيروت)

عضو بالكونغرس الأميركي يهدد بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)
عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)
TT

عضو بالكونغرس الأميركي يهدد بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)
عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز)

هدد عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، اليوم السبت، بإعادة فرض العقوبات على سوريا وفقاً لقانون قيصر، إذا قام الجيش بأي عملية عسكرية ضد القوات الكردية.

وقال عضو الكونغرس الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، وهو حليف للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إنه «إذا استخدمت الحكومة السورية الجديدة القوة العسكرية ضد الأكراد السوريين و(قوات سوريا الديمقراطية)، فسيؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار هائلة في سوريا والمنطقة، وسيكشف لي كل ما أحتاج إلى معرفته عن هذا النظام الجديد».

وأضاف عبر منصة «إكس» أنه «إذا أقدمت الحكومة السورية على عمل عسكري، فسأبذل قصارى جهدي لإعادة تفعيل عقوبات قانون قيصر، وجعلها أشد وطأة».

وأفاد ​مصدر أمني سوري، وكالة «رويترز» للأنباء، بأن طائرات ‌التحالف الدولي الذي ‌تقوده ‌الولايات المتحدة ⁠حلقت ​فوق ‌بلدات تشهد توتراً في شمال سوريا، حيث دارت اشتباكات ⁠بين قوات ‌الجيش السوري والفصائل الكردية، اليوم السبت.

وتتبادل دمشق والإدارة الكردية منذ أشهر الاتهامات بإفشال تطبيق اتفاق مارس (آذار) الذي كان يُفترض إنجازه في نهاية 2025، ونصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في الدولة السورية.

ودعمت الولايات المتحدة «قوات سوريا الديمقراطية» لسنوات طويلة، لكنها الآن تدعم أيضاً السلطة الجديدة في دمشق التي تشكلت عقب إسقاط حُكم عائلة الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وتوصل الكونغرس الأميركي في ديسمبر (كانون الأول) إلى اتفاق من شأنه أن يلغي عقوبات قيصر على سوريا نهائياً، فاتحاً صفحة جديدة من الأمل للبلاد التي رسخت لأكثر من خمس سنوات تحت وطأة عقوبات قاسية فرضتها الولايات المتحدة على نظام الأسد.

كان «قانون قيصر» من أكثر قوانين العقوبات صرامة؛ إذ يمنع التعامل مالياً مع مؤسسات الدولة السورية، ويعاقب أي جهة أجنبية تتعاون مع دمشق.


العراق: انسداد كردي وتردد شيعي يعطّلان حسم «الرئاسات»

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)
السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق: انسداد كردي وتردد شيعي يعطّلان حسم «الرئاسات»

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)
السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)

في وقت يُفترض أن يحسم فيه «الإطار التنسيقي الشيعي» في العراق مرشحه لمنصب رئيس مجلس الوزراء، لا تزال المفاوضات بين الحزبَين الكرديين الرئيسيين في إقليم كردستان، «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، و«الاتحاد الوطني الكردستاني» برئاسة بافل طالباني، تراوح مكانها من دون التوصل إلى اتفاق بشأن منصب رئيس الجمهورية، وهو ما يعقّد مسار استكمال الاستحقاقات الدستورية المرتبطة بتشكيل السلطات.

وكانت قوى «الإطار التنسيقي الشيعي» قد أعلنت، في الأسبوع الماضي، أنها حسمت اسم المرشح لمنصب رئاسة الحكومة، غير أن رسالة صدرت عن المرجعية الدينية الشيعية العليا في النجف أدّت إلى تعطيل إعلان هذا المرشح رسمياً، الذي تبيّن لاحقاً أنه رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي تنازل له رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني عن حقه في تشكيل الحكومة.

رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني لا يزال الرقم الأصعب في المعادلة السياسية (د.ب.أ)

وعلى الرغم من ذلك، لا يزال السوداني، بصفته زعيم «ائتلاف الإعمار والتنمية» ورئيس الحكومة الحالي، يمثّل الرقم الأصعب في المعادلة السياسية، خصوصاً بعد تراجع «قوى الإطار» عن طرح اسم المالكي بشكل علني، في ظل بروز خلافات داخلية بين مكونات «الإطار» نفسها.

وشهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حدة المناورات السياسية داخل العراق، مع اتساع نطاق النقاشات والمفاوضات الهادفة إلى تضييق الخيارات وحسم أسماء المرشحين لمنصبَي رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، ضمن المدد الدستورية التي حددها مجلس القضاء الأعلى. ووفقاً للوثيقة التي نشرها المجلس، فإن المدد الدستورية تشمل انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ التصديق على نتائج الانتخابات، وانتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يوماً، على أن يكلّف رئيس الجمهورية المنتخب مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة خلال خمسة عشر يوماً، فيما يمنح رئيس الوزراء المكلف 30 يوماً لتقديم تشكيلته الوزارية.

لا وفاق ولا اتفاق

وفي ظل هذه المدد، أعلن مجلس النواب العراقي قبول 15 طلب ترشح لمنصب رئاسة الجمهورية ممن استوفوا الشروط القانونية، من بين نحو 81 مرشحاً تقدموا بطلباتهم، مما أدى إلى تصاعد التكتيكات السياسية داخل الكتل البرلمانية، بهدف تقليص عدد المرشحين والتوصل إلى اسم واحد يمكن التوافق عليه داخل البرلمان. وفي هذا الإطار، أكد مصدر كردي مطلع لـ«الشرق الأوسط» أن المفاوضات بين الحزبَين الكرديين الرئيسيين أحرزت تقدماً فيما يتعلق بتشكيل حكومة إقليم كردستان، التي تعذّر تشكيلها لأكثر من عام ونصف العام بسبب الخلافات السياسية، غير أن المفاوضات بشأن منصب رئيس الجمهورية لا تزال تشهد تعثراً واضحاً، من دون تحقيق اختراق حقيقي حتى الآن.

قوى «الإطار التنسيقي» خلال أحد اجتماعاتها بحضور رئيس الحكومة محمد شياع السوداني (أرشيفية - واع)

وفي الوقت الذي لم يتوصل فيه البيت الكردي إلى توافق حول مرشح موحد لرئاسة الجمهورية، سواء من أحد الحزبَين أو عبر طرح مرشح تسوية، لم يشهد البيت الشيعي بدوره اتفاقاً نهائياً بشأن منصب رئيس مجلس الوزراء. فعلى الرغم من تداول اسم نوري المالكي مرشحاً محتملاً، فإن غياب الإعلان الرسمي يعكس حجم التردد والانقسام داخل «الإطار التنسيقي»، في وقت تشير فيه التقديرات السياسية إلى أن الأنظار قد تتجه مجدداً نحو محمد شياع السوداني، الذي تصدّر نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في أواخر العام الماضي.

ومع اقتراب انتهاء المدد الدستورية الخاصة باستكمال انتخاب «الرئاسات»، تتزايد المخاوف من حدوث فراغ دستوري في حال عدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل نهاية الشهر الحالي. ولا تزال الخلافات بين الأطراف الكردية قائمة، من دون أفق واضح لحسمها، باستثناء خيار طرح أكثر من مرشح وترك القرار للتصويت العلني داخل مجلس النواب.

فؤاد حسين مرشح «الحزب الديمقراطي الكردستاني» لمنصب رئاسة الجمهورية (الخارجية العراقية)

وكان «الحزب الديمقراطي الكردستاني» قد قرّر ترشيح وزير الخارجية فؤاد حسين لمنصب رئاسة الجمهورية، إلى جانب ترشيح محافظ أربيل السابق نوزاد هادي مرشحاً بديلاً، في خطوة عكست سعي الحزب إلى تحصين موقعه التفاوضي من خلال وضع خيارَين على طاولة التوافق. في المقابل، أعلن «الاتحاد الوطني الكردستاني» ترشيح نزار آميدي مرشحاً وحيداً له، مما يعكس عمق الانقسام داخل البيت الكردي حول هذا الاستحقاق.

أما على الصعيد الشيعي فقد أثارت التسريبات المتعلقة بترشيح نوري المالكي تساؤلات بشأن طبيعة رهانات «الإطار التنسيقي» ومدى انسجام أجنحته، بالإضافة إلى قدرته، في حال تم تثبيت هذا الخيار، على إنهاء الخلافات المرتبطة بتشكيل الحكومة وإقناع الشركاء السياسيين الآخرين، مع الالتزام بالمدد الدستورية وعدم تجاوزها.

وفي هذا السياق، قال الخبير القانوني الدكتور سيف السعدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن المدد الدستورية تُعدّ تنظيمية وليست حتمية، ولا يترتب على تجاوزها جزاء إجرائي مباشر. وأوضح أن المادة «54» من الدستور، وكذلك المادة «72»، قد جرى تجاوز المدد المنصوص عليها فيهما خلال الدورات البرلمانية السابقة، من دون أن يؤدي ذلك إلى آثار قانونية مباشرة. غير أن السعدي أشار إلى أن المتغير الأبرز هذه المرة يتمثّل في تأكيد رئيس مجلس القضاء الأعلى ضرورة الالتزام بالمدد الدستورية، بوصفها جزءاً من النظام العام، فضلاً عن أن المعطيات الجيوسياسية المحيطة بالعراق تفرض على القوى السياسية الإسراع في تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات. ولفت إلى أن تجاوز هذه المدد، وإن لم يترتب عليه جزاء قانوني، فإنه يعطي انطباعاً سلبياً عن مدى احترام القوى السياسية دستور البلاد. وختم بالقول إن «مجلس النواب لا يستطيع أداء دورَيه التشريعي والرقابي بشكل منتظم من دون وجود حكومة مكتملة الصلاحيات».

وفي ضوء هذا المشهد، يبدو أن العراق يقف عند مفترق حساس بين منطق التسويات السياسية المتعثرة وضغط التوقيتات الدستورية المتسارعة. فغياب التوافق داخل البيتَين الكردي والشيعي لا يهدد فقط استكمال الاستحقاقات الدستورية، بل يضع العملية السياسية برمتها أمام اختبار جديد يتعلق بقدرة القوى الفاعلة على تجاوز حساباتها الضيقة، والاستجابة لمتطلبات الاستقرار السياسي والمؤسسي. وبينما يظل تجاوز المدد الدستورية ممكناً من الناحية القانونية، فإن كلفته السياسية هذه المرة قد تكون أعلى، في ظل الضغوط الداخلية والدولية، مما يجعل خيار التفاهم والتسوية أقل كلفة من استمرار المراوحة والدخول في فراغ دستوري مفتوح.

Your Premium trial has ended


السيسي يدرس دعوة تلقاها من ترمب للانضمام إلى «مجلس سلام غزة»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز)
TT

السيسي يدرس دعوة تلقاها من ترمب للانضمام إلى «مجلس سلام غزة»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز)

أعلن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، السبت، أن القاهرة تدرس الانضمام إلى «مجلس السلام» بشأن غزة، وذلك بعد تلقي الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوة من نظيره الأميركي دونالد ترمب لشغل مقعد فيه.

وقال عبد العاطي في مؤتمر صحافي: «تلقينا دعوة من الجانب الأميركي موجهة من الرئيس الأميركي إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي للانضمام إلى (مجلس السلام)، ونحن ندرس هذا الأمر وندرس كل الوثائق»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف وزير الخارجية المصري أن تشكيل المجلس يمثل جزءاً من الاستحقاقات لقرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي نص على تشكيل «مجلس السلام» برئاسة ترمب وعضوية 25 من رؤساء الدول في العالم، من بينها مصر.

وأعلن الرئيسان التركي والأرجنتيني ورئيس الوزراء الكندي تلقيهم دعوات للانضمام إلى «مجلس السلام» بشأن غزة. ومن المقرر أن يشرف المجلس على الحكم المؤقت للقطاع الذي ​يشهد وقف إطلاق نار هشاً ⁠منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأعلن البيت الأبيض، الجمعة، أسماء «مجلس السلام»، وشملت وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص لترمب ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وصهر ترمب جاريد كوشنر. وتشير خطة ترمب التي تم الكشف عنها في أكتوبر إلى أن الرئيس الأميركي سيرأس المجلس.

ولم يحدد بيان البيت الأبيض مسؤوليات كل عضو. ولا تتضمن الأسماء أي فلسطينيين. وقال البيت الأبيض إنه من المقرر إعلان المزيد من الأعضاء خلال الأسابيع المقبلة.