هل بات الكاتب مجرد «مفبرك بيانات»؟

معارك محتدمة بين المؤلفين وشركات الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يقلب المقاييس
الذكاء الاصطناعي يقلب المقاييس
TT

هل بات الكاتب مجرد «مفبرك بيانات»؟

الذكاء الاصطناعي يقلب المقاييس
الذكاء الاصطناعي يقلب المقاييس

كتب بعشرات الآلاف، باتت في متناول القراء، هي كلياً من إنتاج الذكاء الاصطناعي. عدد كبير آخر هجين، كتب بتعاون بشري وآلي، وما تبقى لا يزال بشرياً. مؤلفو الصنف الأخير يحاربون لإثبات أن مؤلفاتهم، هي من بنات أفكارهم وحدهم، ولا علاقة للآلة فيها، ويحاولون الدفاع عن حقوقهم وسط غابة من الفوضى العارمة، التي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، منذ عرفت الكتابة. وهو ما يثير في أميركا الكثير من الأخذ والرد، ويطرح أسئلة حول مستقبل الكاتب والكتابة بالشكل الذي نعرفه اليوم.

كتب الذكاء الاصطناعي مطروحة للقراء تحت أسماء مستعارة، وهي في الغالب رديئة. لكن القارئ قد لا يميز بين الغث والسمين، ثم إنه لا قانون يمنع أي أحد من أن يولّد كتاباً آلياً، ويكتب عليه الاسم الذي يختار وينشره. فعالم الكتب مليء بالأسماء المستعارة التي لم يوجد قانون يمنعها أو يجرّمها. والسرعة الهائلة التي يتم فيها توليد الكتب اصطناعياً، جعلت منصّات بيع الكتب في حالة ازدحام، والغلبة للعنوان الأكثر جذباً، والمؤلّف الأفضل ترويجاً. الأظرف أن ثمة كتباً كثيرة، تباع على أنها من صناعة آلية خالصة، ومع ذلك تجد رواجاً بين القراء، الذين لا يرون غضاضة في قراءتها. ولو سألت «غوغل» عن هذا الصنف من الكتب لاقترح عليك ما لا يحصى من العناوين المعروضة للبيع، وبمقدورك أن تكتشف أسماءها بكبسة زر.

غلاف كتاب من تأليف الذكاء الاصطاعي

كل 6 ساعات كتاب

الأسوأ هو استغلال كتب المؤلفين، والعمل على إعادة صياغة أفكارها بأسلوب مختلف، عبر الذكاء الاصطناعي، في عملية انتحال آلي، تصعّب على صاحب الكتاب ملاحقة اللصوص أو إثبات جريمتهم.

يباهي تيم بوشيه، الأميركي الذي لا نعرف إن كان يستحق صفة روائي أم لا، أنه ألف سبعة وتسعين كتاباً خلال تسعة أشهر، تحوي قصصاً كتبها متسلحاً بخياله (حسب قوله) وأدوات الذكاء الاصطناعي. وهي تجمع بين الخيال العلمي وعالم الديستوبيا. ويشرح في مقالة نشرها في «نيوزويك» تفاصيل تجربته الشخصية، قائلاً: «عادةً، ما يستغرق كل كتاب مني ما بين 6 إلى 8 ساعات تقريباً لإنشائه ونشره. في بعض الحالات، تمكنت من إنتاج مجلد كامل في ثلاث ساعات فقط، شاملةً كل شيء». كل ذلك يعيده بوشية إلى مهارته في الجمع بين التكنولوجيا وأفكاره الشخصية، التي يباهي بأنها جلبت له ربحاً بلغ آلاف الدولارات. هذا تحول كبير، كانت الاستعانة بالتأليف الآلي غايتها الربح، وتدريجياً قد يصبح الهدف تحقيق الشهرة والحصول على جوائز.

قراء يقبلون على الرداءة

هذه الكتب القصصية الصغيرة، شبه المتسلسلة ويجمعها عالم واحد، تمكن قراءتها منفصلة أو كأنها مترابطة، تغري القراء بالفعل. فقد اشترى كثيرون أكثر من اثني عشر عنواناً، وفي بعض الحالات ثمة من اشترى أكثر من ثلاثين عنواناً. وهو ما يصيب أي روائي مجتهد يكدّ ليكتب مقطعاً أو يرسم شخصية روائية، بكثير من الإحباط، حين يصبح جمهور القراء متقبلاً، لا بل ومقبلاً على كتب يفاخر صاحبها بأنه لم يفعل شيئاً تقريباً، وأنه يتفوق على الكتّاب الحقيقيين بقدرته على إدارة هذه الأداة الجديدة.

في خطوة أثارت الجدل في عالم النشر الأدبي الأميركي، تحدثت تقارير صحافية عن عرض تقدّمت به دار النشر الأميركية الكبرى «هاربر كولينز» لبعض مؤلفيها، يتضمّن السماح لإحدى شركات الذكاء الاصطناعي – مجهولة الاسم – باستخدام أعمالهم المنشورة لتغذية نماذجها اللغوية التوليدية، مقابل 2500 دولار لكل كتاب، على أن يستخدم لمدة ثلاث سنوات.

مؤلفون أمام الأمر الواقع

العرض، الذي أتى بالتنسيق مع شركة تكنولوجيا ناشئة، الغاية منه تدريب نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على توليد محتوى بأنماط وأساليب متنوعة. وقد أكدت «هاربر كولينز» إبرامها بالفعل عقداً يسمح بالاستخدام «المحدود» لمحتوى بعض الكتب، مع تأكيدها أنّ الاتفاق «ينظم بشكل واضح استخدام هذه الأعمال مع احترام حقوق النشر». وهذه الجملة الأخيرة، بات لها على ما يبدو معنى غير الذي كنا نعرفه.

لكنّ مؤلفين كثر عبّروا عن رفضهم القاطع، وفي مقدّمتهم الكاتب الأميركي دانييل كيبلسميث الذي كتب عبر منصة «بلوسكاي»: «ربما أوافق فقط مقابل مليار دولار، وهو مبلغ يتيح لي التوقف عن العمل نهائياً، لأن هذا هو الهدف الحقيقي من وراء هذه التكنولوجيا». وهو ما يعبر عن الإحساس بالخطر الذي يشعر به كتّاب في مواجهة هذه الهجمة.

دار نشر «هاربر كولينز» ليست الأولى التي تقترح على كتّابها هذا النوع من الاتفاقات، فقد سبقتها دار «ويلي» المتخصصة بالكتب العلمية، حين أتاحت لشركة تكنولوجية استخدام محتوى أكاديمي ومهني من كتبها كنماذج تدريبية، مقابل 23 مليون دولار، بحسب ما كشف عنه.

غلاف كتاب آخر من تأليف الذكاء الاصطناعي

هل صار الكاتب «بائع بيانات»؟

وسواء حصلت الشركات التكنولوجية على موافقة الكتاب ودور النشر، أم لم تحصل، فإنها في النهاية ستجد السبيل ولن تعدم الحيلة للالتفاف على القوانين، للحصول على تلك الكميات الهائلة من النصوص لتدرب نماذج الذكاء الاصطناعي التي تعدّها، وهو ما يجعل الكتّاب أمام خيارين كلاهما مرّ: إما بيع الجهد الذي بذلوه بأبخس الأثمان، أو المكابرة والرفض، وترك هذه الشركات تنهش في نصوصهم من دون إذن أو مقابل.

لكن الحقيقة أيضاً أن الشركات التي تعمل على تطوير الذكاء الاصطناعي استنفدت أو تكاد كل النصوص المتاحة لاستخدامها مجاناً مع ضمان عدم الملاحقة، وباتت تجد نفسها مضطرة للجوء إلى مصادر جديدة مدفوعة الثمن. في هذه الحالة، هل تحوّل الكاتب إلى مجرّد «بائع بيانات»؟

ثمة من يعدّ قيام بعض الشركات بمحاولة إرضاء المؤلفين، تقدماً ملحوظاً يفسح المجال أمام أصحاب المؤلفات البشرية، من حيث الإفادة المادية، ولو كانت غير مجزية. وليست كل الكتب سواء، ولا هي بمستوى واحد، كي تعامل بعدّها مجرد كلمات صالحة للالتهام الآلي.

الصحافة مستهدفة أيضاً

الصحافة أيضاً مستهدفة، بعد أن نضبت النصوص أو تكاد، ويبدو أن نصوصها تستغل أيضاً مما دفع صحيفة «نيويورك تايمز» إلى رفع دعوى ضد شركتي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» بتهمة انتهاك حقوق النشر، بينما اتجهت مؤسسات إعلامية أخرى نحو توقيع اتفاقات ترخيص مع شركات التكنولوجيا، شبيهة بتلك التي تعرض على دور النشر، كي تستفيد من تخزين موادها بمقابل، بدل أن تسرق.

سواء حصلت الشركات التكنولوجية على موافقة الكاتب ودور النشر، أم لم تحصل، فإنها في النهاية لن تعدم الحيلة للالتفاف على القوانين

حيرة أصحاب المكتبات

والحيرة كبيرة، عند بعض أصحاب المكتبات الذين بدأت تصلهم كتب غير مصرح عليها بأنها مكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي، وثمة من قرر ألا يقبلها حين يكتشف أمرها، ويعيدها من حيث أتت، لكن هؤلاء أنفسهم يتساءلون كم من الوقت بمقدورهم أن يقاوموا الموجة، فهذه التقنيات تزداد مهارة، ثم إذا تحول أحد هذه الكتب إلى «بست سيلر»، وجاء الطلب عليه جارفاً، هل بنقدورهم الاستمرار في رفض بيعه؟ وهل الرفض في هذه الحالة يبقى ممكناً؟

كتّاب أميركيون يرفعون الصوت بعد أن خذلتهم المحاكم

وجّه أكثر من 70 كاتباً أميركياً بارزاً، بينهم دينيس ليهان وغريغوري ماغواير ولورين غروف، رسالة مفتوحة نُشرت على منصة «ليت هب»، دعوا فيها دور النشر الكبرى إلى التوقف عن نشر أي كتاب من تأليف الذكاء الاصطناعي، لأن «الإبداع الإنساني لا يُستبدل». وطالب الكتاب في بيانهم، بمنع استخدام الذكاء الاصطناعي وتطبيق القوانين التي تمنع النشر دون إذن، أو تعويض، واستبدال الآلات بالبشر في دور النشر كما في تسجيل الكتب الصوتية. ووجهت الرسالة والمطالب إلى دور نشر كبيرة، بدل اللجوء إلى المحاكم، نظراً للخذلان من الأحكام التي تصدر غالباً لصالح الشركات التكنولوجية. وهو أمر يصيب الكتاب والفنانين بإحباط كبير، وبإحساس بالغبن في مواجهة قوة تزداد نفوذاً.

«أتلانتيك» تتساءل بمرارة

ومؤخراً نشرت «أتلانتيك» مقالة عنوانها «القضاة لا يعرفون ماذا تعني قرصنة الذكاء الاصطناعي للكتب؟» وذلك بعد صدور حكمين جديدين في قضيتين رفعتا ضد شركات الذكاء الاصطناعي، إحداهما على «أنثروبيك» والثانية على «ميتا». وعدّ القاضيان في حكمهما أن استخدام الشركات للكتب كان «عادلاً»، لأنه جاء بطريقة «تحويلية» أدت إلى منتج مختلف تماماً عن الأصل. وهو بذلك (أي المنتج الجديد) لا ينافس الكتب التي أخذ عنها، ولا يشكل أذى لها، وشبه القاضيان ذلك باستخدام الاستشهادات في الأبحاث. وهو ما حدا بمجلة «أتلانتيك» لأن تعدّ القضاة غير مدركين بعد لما هو الذكاء الاصطناعي، فكيف لهم أن يصدروا أحكاماً بخصوصه.


مقالات ذات صلة

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

«الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

صدر حديثاً العدد 118 (أغسطس/ آب 2026) من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمَّن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل

«الشرق الأوسط» (الشارقة)
ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل..

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون مبارك العامري

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

«أشعر أن القطار السريع شارف على الوصول إلى محطته الأخيرة / وأن رحلة الآلام المريرة حان لها أن تنتهي / دون إخلال بسيرها المتعرج / وما دام الأمر كذلك

رشا أحمد (القاهرة)

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن
TT

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية قاتمة (ديستوبيا) تتسم بالقلق والتحذير - ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها بالاطمئنان التام؟ لقد حفلت حقبة القرن العشرين، على وجه الخصوص، بمثل هذه الرؤى؛ وقد أثبتت بعض الأعمال مثل «حكاية الجارية» (The Handmaid’s Tale) لمارغريت آتوود، أو «عالم جديد شجاع» (Brave New World) لألدوس هكسلي، التي نُشرت عام 1932، وتزداد أحداثها إثارةً للرعب يوماً بعد يوم - أنها كانت أكثر دقة في استشراف المستقبل مقارنة بغيرها. ومع ذلك، فإن أفضل طريقة لفهم هذه الأعمال ليس باعتبارها تنبؤات حقيقية لمستقبلنا، بل كإطلاقٍ لجام المخاوف الراهنة - التي تشبه أحلام اليقظة - بشأن التقلبات العمياء التي تميز لحظتنا الحالية.

غلاف الرواية

في روايته الجديدة «الانفصال» (The Breakup)، يقدم كورت أندرسن شيئاً نادراً ما نراه في هذا النوع من الكتب (وتتبادر إلى الذهن هنا رواية جون رايموند الممتازة الصادرة عام 2022 حول الكوارث المناخية، وهي «الإنكار» Denial)؛ فهو لا يختار مسرحاً لأحداثه في قرن بعيد حيث تصبح مشاكلنا الحالية مجرد جزء من التاريخ، بل يختار وقتاً لا يبعد سوى 19 عاماً من الآن، وهي فترة من المرجح أن يعاصرها معظم قرائه.

وفي محاولة لاستشراف الحالة الانتقالية المقلقة للحياة الأميركية في عام 2026، يرسم الكاتب صورة لعام 2045 - بعد مرور سنوات على حرب أهلية أميركية ثانية قصيرة وقذرة ومصوّرة ببراعة لافتة، حيث انقسمت البلاد إلى كيانين منفصلين بشكل فوضوي ولكنهما لا يزالان رسميين: «الولايات المتحدة الأميركية» (التي تقلصت لتضم 39 ولاية فقط) و«الجمهورية الأميركية الحرة» (Free American Republic)، وهي كيان يغلب عليه السكان البيض والمسيحيون، ويمثل عودة إلى أفكار رجعية نألفها جميعاً - ونشعر بالأسى تجاهها - في واقعنا الحالي.

ومع حلول السلام، يُسمح لسكان الولايات المتحدة السابقة بأسرهم التصويت لتحديد الكيان الذي يرغبون في الانضمام إليه. وهكذا، لا نجد هذه المرة حدوداً فاصلة مرتبة جغرافياً أو متخيلة بوضوح كما كان الحال مع «خط ميسون - ديكسون»؛ فعلى سبيل المثال، نرى المسافرين عبر الولايات الجنوبية - حيث لا ترغب المناطق الحضرية في الانضمام إلى «الجمهورية الأميركية الحرة» (F.A.R)، تماماً كما أن الجمهورية نفسها لا ترغب في ذلك... - نراهم يعبرون الحدود «الوطنية» ذهاباً وإياباً طوال الوقت. إنها ليست حالة انفصال تام (secession)، بل «تفكك للوحدة» (disunion)؛ ورغم أن هذا الحل يمثل فوضى عارمة، فإنه أوقف على الأقل هجمات الطائرات المسيرة الإرهابية ونشر الجيش للروبوتات - كرد فعل - لقتل مواطنين أميركيين متمردين في الشوارع. هذا في الوقت الراهن على الأقل.

يأخذنا المؤلف في جولة عبر هذه الحياة الأميركية الجديدة عبر عائلة «زيمباليست»، التي تعكس خطوط التصدع فيها ما تعيشه الأمة بأسرها، وهو أمر تدركه العائلة تماماً. ففي عام 2044، انتقلت العائلة من ولاية تينيسي إلى سان فرانسيسكو ليتولى «آشر زيمباليست» إدارة «معهد» غامض المهام نيابةً عن شخص قد يمثل أندر الكائنات وجوداً: الملياردير المُحب للخير. لكن زوجته «ناتالي» لم تتحمل الصدمة الثقافية؛ فهي شاعرة - من بين كل المهن - وقد اكتسبت سمعة مثيرة للجدل (أو «سيئة السمعة» ثقافياً) لكونها صريحة ومباشرة في انتقاد المسلمات الليبرالية، بأسلوب يذكّرنا بالكاتبة ليونيل شرايفر؛ ونتيجة لذلك، عادت ناتالي إلى تينيسي قبل ستة أشهر.

إذن، هل انفصلا نهائياً؟ وهل السياسة هي السبب؟ لا أحد منهما متأكد (ولا حتى طفلاهما)، والآن يجدان نفسيهما أمام أمر واقع يفرض عليهما التحرك: اقتراب موعد جولة - خُطط لها منذ فترة طويلة - لزيارة جامعات محتملة لابنهما الأصغر «لوغان». ستأخذهم هذه الجولة عبر قلب أميركا الذي أعيد تشكيله حديثاً.

إنها بداية موفقة للقصة. لكن الأمر المحير هو انقضاء أكثر من 300 صفحة من الرواية قبل أن يدور محرك سيارة عائلة زيمباليست - وبالتالي محرك حبكة الرواية نفسها - وتبدأ أخيراً تلك الرحلة البرية التي طال الحديث عنها. فقبل ذلك، نواجه قسماً ضخماً وساكناً درامياً مما يمكن أن يطلق عليه أصحاب الخيال التأملي (أو التكهني) مصطلح «بناء العالم» (world-building)؛ وهو تصوير شامل ومبتكر ومفصل للغاية لرؤية الكاتب «أندرسن» للسنوات الـ19 المقبلة من التاريخ الأميركي. ورغم ذلك، فإن القراءة ممتعة، لا سيما أنها تتضمن تخيلات لمصائر العديد من المشاهير المعاصرين. (من بين عشرات الظهورات الخاطفة لشخصيات حقيقية، وبالتأكيد لن يضر الكشف عن تفصيل واحد: يموت إيلون ماسك إثر جرعة زائدة أثناء رحلته إلى المريخ).

بصفته روائياً، يُعد أندرسن - الذي تشمل أعماله غير الروائية «أرض الخيال: كيف فقدت أميركا صوابها» (Fantasyland) و«العباقرة الأشرار: تقويض أميركا» (Evil Geniuses) - فيلسوفاً أكثر منه صانعاً للحبكات القصصية. فالدراما العائلية التي تدور حول علاقة الزوجين «زيمباليست» - وما إذا كانت ستستمر أم ستنتهي - تفتقر إلى التشويق بمجرد أن تبدأ الأحداث فعلياً؛ إذ تشبه إلى حد كبير قضاء أسبوع في سيارة مع ثلاثة أشخاص يضحكون على سلسلة من النكات الخاصة بهم، ثم يشرحون لك لاحقاً سبب كون تلك النكات مضحكة.

ولكن، ما المشكلة في ذلك؟ الأعمال الأدبية التي تتناول الدراما العائلية منتشرة بكثرة في الأدب الأميركي. وما سيجذب قراء رواية «الانفصال» (The Breakup) في هذه اللحظة التي تتسم باستقطاب وغضب يبدوان غير قابلين للاستمرار، وبانتهاك صارخ للمؤسسات والمبادئ المدنية الأميركية، هو تقديم رؤية لمستقبلنا القريب؛ رؤية تتسم بالعنف والتحذير، وهي مروعة لدرجة تمنح شعوراً بالتفريغ العاطفي (التطهير)، ومع ذلك تظل قابلة للنجاة منها بطريقة ما. وفي هذا الجانب، ينجح أندرسن في تقديم تلك الجرعة من الإثارة والمتعة التي جعلت أعماله السابقة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

* جوناثان دي هو مؤلف ثماني روايات، أحدثها رواية «شارع السكر» (Sugar Street)، وهو يشغل منصب مدير برنامج الدراسات العليا في الكتابة بجامعة سيراكيوز

*خدمة: «نيويورك تايمز»


«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية
TT

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»، وهو كتاب في مجلد واحد مستمد من الأرشيف الشخصي والسياسي لنائب الرئيس السوري الأسبق الراحل عبدالحليم خدّام، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل دوائر الحكم في سوريا قبل إعلان انشقاقه في باريس عام 2005.

ويضع هذا الكتاب، الذي جمع مادته وحرّره إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة» بين أيدي القارئ أرشيفاً سياسياً بُني على مدى عقود في قلب النظام السوري السابق، ويضم آلاف الوثائق، والمذكرات المكتوبة بخط اليد، والمراسلات الخاصة، والملفات الشخصية، والروايات المباشرة التي تغطي فترة حكم حافظ الأسد، وصعود بشار الأسد، وحقبة الأسدين في لبنان، وصولاً إلى العلاقات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال ذلك، يكشف الكتاب عن مواد غير معروفة للمرة الأولى، وروايات جديدة من قلب دوائر السلطة.

ويعدّ الكتاب نافذة على الشؤون الداخلية لسوريا وصراعات القوة داخل النظام السوري السابق، فضلاً عن علاقاتها مع لبنان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، حيث يسلط الكتاب الضوء على أكثر الأحداث تعقيداً وجدلاً في المنطقة خلال الحقبة الماضية.

ويتضمن الكتاب أيضاًً شهادة خدّام حول أحداث كبرى متعددة في المنطقة، بينها، أحداث الأشهر التي سبقت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بما في ذلك تحذيره الأخير للحريري قبل ستة أيام من الاغتيال، مدعوماً بتفاصيل ولقاءات جرت بينهما. كما يغطي صراعات القوة الداخلية التي تلت وفاة حافظ الأسد، والادعاءات المحيطة بالإدارة المالية للنظام السوري السابق، وإبعاد شقيق حافظ الأسد، رفعت، من سوريا إثر صراع الأخوين على السلطة في أوائل الثمانينات. ويكشف الكتاب كذلك، وللمرة الأولى، عن مراسلات دبلوماسية مع قادة إقليميين ودوليين.

في تعليقه على إطلاق الكتاب، يقول إبراهيم حميدي: «تكمن أهمية هذا الأرشيف في كونه نابعاً من داخل المنظومة ذاتها. فهو ليس مجرد سرد استرجاعي من الهوامش، بل سجل توثيقي مبني على مستندات ومراسلات وشهادة مسؤول رفيع المستوى، كان حاضراً خلال بعض أهم اللحظات المفصلية في تاريخ سوريا الحديث».

ويضيف: «لا يسعى هذا الكتاب إلى طي صفحة التاريخ لتلك المرحلة، بل يفتح باباً أوسع لمزيد من القراءة والفهم؛ حيث يقدم للقراء والصحافيين والباحثين وصنّاع القرار مادة جديدة لدراسة الشأنين السوري واللبناني، والنظام الإقليمي الأوسع الذي أحاط بهما».

يُشكّل كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام» جزءاً من سلسلة كتب سياسية مرتقبة تُركز على منطقة الشرق الأوسط، ستصدرها «دار رفّ للنشر» بالتعاون مع حميدي. وسيكون متاحاً ابتداءً من 31 أغسطس (آب) 2026 على منصات «أمازون» (Amazon)، و«أبل بوكس» (Apple Books)، و«جوجل بوكس» (Google Books)، بالإضافة إلى توفره في مكتبات مختارة.


التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم
TT

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني، منطلقاً من أن الروائي الراحل، الذي تحل ذكرى رحيله الأولى هذه الأيام، قد امتلك وعياً حاداً بالتحولات الاجتماعية العميقة في مصر، وحساسية فائقة لانعكاساتها القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، مما جعله ينتقي شخصيات رواياته من الشعب المصري، ليحلل من خلال حيواتهم ومصائرهم بنية المجتمع وتغيراته الحادة، وجسَّد تحليله في شكل روائي معبراً عن الحقيقة، وإن اصطدم مع وجهة النظر السائدة، التي تفرضها قوة السلطة وغواية الدعاية.

ويؤكد الكتاب أن الواقع حاضر بقوة في روايات صنع الله، وأنه تناول قضاياه تناولاً جماليّاً، بعيداً عن ابتذال الالتزام السياسي الآيديولوجي، مهتمّاً بإنسان الحياة اليومية، الذي لا يتزين بالسياسة، ولا يتغنى بأناشيدها، ولا يؤمن بأساطيرها؛ إنسان البيوت والشوارع والعمل غير المجزي، ذو الآمال العريضة المجهضة دائماً، والآلام السائدة، والأفراح المختلسة. مشيراً إلى أن النظر العميق في واقع الإنسان المصري يكشف المأساة في كل تفاصيل حياته، التي لا تنفصل عن مأساة مجتمعه في عالمه الثالث، الذي صار عرضة لكل أشكال الاستغلال، فما إن تحرر من الاستعمار التقليدي حتى وقع في براثن استعمار أشد وأنكى، هو الاستغلال السلعي.ويقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن صنع الله «يعد واحداً من أصحاب المشروعات الروائية المتكاملة التي تعمل على مقاربة المرجع الاجتماعي/ التاريخي دون أن يتنازل في سبيل ذلك عن القيمة الجمالية للنص السردي، بل نجده في تجريب مستمر يتجاوز نفسه دائماً ويضع لنصه سمات فريدة تدل على تصور خاص حول الإبداع الروائي، ويستنطق التاريخ الاجتماعي والسياسي مقترحاً تأويله الخاص لتحولات بنية المجتمع المصري المتسارعة والعنيفة في ستة عقود فحسب».

يتكون الكتاب من تمهيد يتناول تاريخ الدراسة الاجتماعية للأدب، ثم ثلاثة فصول، بعناوين «المنهج والمصطلح»، و«الإجراء السردي»، و«التأويل السردي»، ثم خاتمة عن أهم ما توصلت إليه الدراسة.

واعتمد المؤلف منهجياً على علم اجتماع النص، كما تقدمه مقولات بيير زيما، بغرض استخلاص رؤية العالم للجماعة التي يعبر عنها الروائي، وركز على دراسة عنصري الشخصية واللغة، اللذين كانا محل اهتمام الروائي في تبيان الأثر العميق للتحولات الاجتماعية المتباينة والمتسارعة على المجتمع المصري وأفراده. واستبعد بعض روايات صنع الله التي تناقش مجتمعات أخرى عربية وعالمية. وكان قد صدر لمحمد ماهر بسيوني من قبل كتابان: «الصين في 65 عاماً»، و«المكان في الرواية العربية (دراسة ثقافية تطبيقية)».