كيف يقيّم الليبيون مسار الأمم المتحدة في حل أزمة بلادهم السياسية؟

وسط حديث عن استمرار «غياب الإجماع» حول مخرجات «الاستشارية»

نائبة المبعوثة الأممية في ليبيا ستيفاني خوري خلال لقاء مع فعاليات قبلية في مدينة بني وليد الليبية (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية في ليبيا ستيفاني خوري خلال لقاء مع فعاليات قبلية في مدينة بني وليد الليبية (البعثة الأممية)
TT

كيف يقيّم الليبيون مسار الأمم المتحدة في حل أزمة بلادهم السياسية؟

نائبة المبعوثة الأممية في ليبيا ستيفاني خوري خلال لقاء مع فعاليات قبلية في مدينة بني وليد الليبية (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية في ليبيا ستيفاني خوري خلال لقاء مع فعاليات قبلية في مدينة بني وليد الليبية (البعثة الأممية)

ينتقد ليبيون «بطء» مسار البعثة الأممية لحل الأزمة السياسية في البلاد، بعد نحو شهرين من طرح 4 خيارات للأزمة صاغها خبراء ليبيون برعاية أممية، وسط حديث عن استمرار «غياب الإجماع» حول مخرجات اللجنة الاستشارية.

انتقادات متكررة

تكررت الانتقادات لكيفية «تعامل الأمم المتحدة مع الأزمة» خلال لقاءات أجرتها نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري في مدينة بني وليد (غرب البلاد) مع قيادات بالمجلس البلدي، وفعاليات قبلية، وسياسيين وأكاديميين وممثلين عن المجتمع المدني الأسبوع الماضي.

من بين المشاركين في أحد «اجتماعات بني وليد» الأكاديمي عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، الهادي بوحمرة، الذي يرى وجود «بطء وتمديد متعمد ومدروس هو السبب في هذا الإحباط»، ويذهب إلى القول لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك تعمداً لتفادي النظر في حلول سياسية ممكنة، والتوجه إلى مسارات تدير الأزمة وتعيد إنتاجها».

ومنذ منتصف الشهر الماضي انخرطت البعثة الأممية في سلسلة من المشاورات حول توصيات لجنة الخبراء الليبية الاستشارية، استهدفت مختلف المناطق والمكونات الاجتماعية والانتماءات السياسية. وتشمل الخيارات التي طرحتها لجنة الخبراء الليبية «إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة». كما اقترحت اللجنة «إنشاء هيئة تأسيسية تحل محل الأجسام السياسية الحالية لوضع اللمسات الأخيرة على القوانين الانتخابية، والسلطة التنفيذية، والدستور الدائم».

المبعوثة الأممية هانا تيتيه في لقاء مع 15 عضواً من حراك المنطقة الغربية (البعثة الأممية)

ولم يخفِ بوحمرة استياءه من أن الحل الأممي يأتي «على حساب مشروع الدستور، الذي أنجزته الهيئة المنتخبة في عام 2017 بأغلبية تزيد على الثلثين، وأغلبية مصاحبة على مستوى كل منطقة انتخابية على حدة»، محذراً من أن «البعثة تقود مسار تحول خطير في مرجعية الشرعية، إلى ما يسمى الشرعية التوافقية الدولية، وربما يكون قريباً من اتفاق الطائف أو اتفاق دايتون، عن طريق رسم توافق ممنهج بين المتصارعين في الداخل، باعتبار أن من في الداخل هم أداة بيد طرف سياسي في الخارج»، وفق تعبيره.

وأنهى اتفاق دايتون صراعاً مسلحاً دار في البوسنة والهرسك بين 1992 و1995، أما اتفاق الطائف فقد أنهى الحرب الأهلية اللبنانية 1989.

تبرير الأمم المتحدة

سبق أن عزت الأمم المتحدة «البطء في مسارها للحل السياسي» إلى المخاوف من أن «يهدد التسرع بتقويض شرعية العملية السياسية واستدامتها، وهو ما يقتضي الانخراط في عملية تشاورية شاملة عبر التواصل مع عموم الليبيين في جميع أنحاء البلاد»، وفق تصريحات للمبعوثة الأممية هانا تيتيه أخيراً. ومع ذلك فإن بطء أداء البعثة الأممية لا يزال يلقى انتقادات وشكوكاً متزايدة من جانب سياسيين ليبيين.

في هذا السياق يرى عضو المجلس الأعلى للدولة سعيد ونيس أن البعثة الأممية «منشغلة بشكل أكبر بترضية الأطراف الخارجية المتداخلة ومتضاربة المصالح في الملف الليبي، على حساب بلورة موقف حقيقي يعكس رؤية الأطراف المحلية التي تعاني وتشتت الإرادة السياسية».

وينطلق ونيس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من رؤيته بأن «البعثة الأممية تركز على المسار السياسي، الذي تحدد معالمه الدول المؤثرة في عملها، كلٌّ بحسب ممثليه داخل البعثة»، مشيراً إلى «تجاهل واضح لمبدأ الشرعية الوطنية، بل وتلميح في بعض مواقفها إلى تجاوز الاتفاق السياسي، وعدم اعتباره أساساً موجّهاً لخططها وبرامج عملها».

ومن بين المآخذ الأخرى لعضو المجلس الأعلى للدولة على البعثة الأممية، التي قادت لهذا البطء «غياب الرؤية والمنهجية في إدارة الملف، وترك المجال لاجتهادات شخصية لكل مبعوث أممي جديد، ليضع رؤيته الخاصة للحل، عوضاً عن استكمال وتطوير ما أنجزه سلفه». ويشير أيضاً إلى أن «ضعف التفويض الدولي للبعثة الأممية ينحصر في الدعم والمساندة»، عاداً أنها «لا تزال محكومة بإطار وساطة يفتقر إلى أدوات ضغط فعالة، وتقتصر مهامها على إصدار التوصيات دون القدرة على تنفيذها».

أمّا بالنسبة لمخرجات لجنة الخبراء الاستشارية، فيعزو القيادي في التيار الفيدرالي أبو بكر القطراني البطء في خروجها بخريطة طريق للحل السياسي إلى «عدم حصول بعثة الأمم المتحدة في ليبيا على إجماع شعبي على أحد الخيارات الأربعة المنبثقة عن اللجنة الاستشارية».

ويذهب القطراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى الاعتقاد بـ«تردد البعثة الأممية في إعلان خيار؛ حيث لا يوجد معيار كافٍ لحسم عملية الاختيار»، مستنداً إلى القول إن «البعثة الأممية خصصت رابطاً للاستفتاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، لكن يبدو أن حجم المشاركة متواضع، وربما سيزداد العدد مع الوقت».

ومن هنا يستنتج القطراني أن البعثة الأممية «تنتظر الوصول إلى عدد معين يكون مقنعاً للجميع، خاصة للرافضين من مؤسسات حكم الواقع بمختلف أنواعها في الغرب والشرق».

وفي يونيو (حزيران) الماضي، دعت بعثة الأمم المتحدة الليبيين إلى المشاركة في استطلاع رأي تجريه لجمع الآراء حول المقترحات التي قدمتها اللجنة الاستشارية للمضي بليبيا قُدماً نحو الانتخابات.

إجمالاً، يبدو أن هناك إجماعاً عاماً لدى طيف واسع من السياسيين على بطء بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، تحت وطأة الانقسام السياسي والصراع المسلح الداخلي، إضافة إلى تدخلات دولية متعارضة تعرقل التوافق جعل الحل السياسي «رهين توازنات داخلية وخارجية معقدة»، وفق ما قاله الأمين العام لحزب «البلاد» الليبي الشاوش أنوير لـ«الشرق الأوسط».

وحسب سياسيين ومحللين، فإن هذا البطء في المسار الأممي قد يقود إلى زيادة مستوى تآكل الثقة بآليات الحل الدولية بشكل عام، وهو ما أظهرته احتجاجات الأسابيع الماضية أمام مقر البعثة الأممية في طرابلس تطالبها بالرحيل.

وهنا لا يستبعد رئيس المؤتمر العام للحزب المدني الديمقراطي الدكتور علي الصبيحي أن «يقود هذا الوضع القوى الوطنية والأطراف المعنية إلى البحث عن آليات بديلة خارج الأمم المتحدة».


مقالات ذات صلة

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

شمال افريقيا اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

أعلن أسامة حمَّاد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان حالة الطوارئ في جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة للجهات الحكومية مع استثناء المرافق الصحية والأمنية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

تحدث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة غرب ليبيا، عن توقيع شراكة مع شركات قطرية وإيطالية وسويسرية تستهدف تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

تحليل إخباري هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إنها مستمرة في إجراء تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية بهدف ثنيها عن استخدام القوة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)

هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

كرّس خلاف مجلسَي «النواب» و«الدولة» في ليبيا بشأن مجلس مفوضية الانتخابات لمزيد من الانقسام السياسي، ووضع «خريطة الطريق» الأممية على المحك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».