يحيى مختار: المنصات الغربية تقدم صورة مغلوطة للعرب عن الثقافة الصينية

أصغر مترجم يحصل على جائزة «الكتاب الخاص» من الصين

يحيى مختار
يحيى مختار
TT

يحيى مختار: المنصات الغربية تقدم صورة مغلوطة للعرب عن الثقافة الصينية

يحيى مختار
يحيى مختار

لم يكن غريباً أن ينال يحيى مختار مؤخراً جائزة «الكتاب الخاص» التي تُعد أرفع جائزة دولية تمنحها الحكومة الصينية للأجانب المتخصصين في مجال الترجمة على مستوى العالم، ليصبح أصغر الحاصلين عليها. ورغم حداثة سنه، فإن د. يحيى مختار تحوّل إلى أحد أهم الأسماء على الساحة الثقافية في مجال نقل الأدب والفكر على خريطة الثقافة الصينية المعاصرة إلى اللغة العربية، حيث تجاوز عدد أعماله في هذا السياق 35 عملاً.

حصل مختار على درجة الدكتوراه من جامعة بكين في «الأدب المقارن»، ومن أبرز ترجماته عن الصينية روايات «بكين - بكين»، «نهر الزمن»، «1942»، «بعد النهاية»، «طلاق على الطريقة الصينية»، «رحلة إلى الشمال»، كما ترجم في المجال غير الإبداعي «تأثير الثقافة الشرقية على النهضة الأوروبية في العصر الحديث»، «الموسوعة الإسلامية الصينية»، «علم الجمال الأيكولوجي في الصين - النشأة والحاضر»، «اقتصاديات دول ومناطق الحزام والطريق - دراسة مقارنة».

هنا حوار معه حول هذه الرحلة، ورؤيته للأدب العربي المترجم إلى الصينية:

> في البداية، ما أسباب ولعك باللغة الصينية كخيار دراسي حين كنت طالباً رغم الانطباع الشائع حول صعوبتها وغموضها؟

- موضوع دراستي للغة الصينية جاء بمحض الصدفة، حيث وجدت اسمي مدرجاً ضمن قائمة قسم اللغة الصينية في الجامعة، وبالطبع كنت سمعت كغيري عن صعوبة هذه اللغة، لذلك حاولت عدة مرات الالتحاق بقسم آخر لكن محاولاتي لم تفلح. اضطررت في النهاية إلى الاستمرار في دراستها، لكن بعد فترة من الوقت، وبمزيد من الجهد، أدركت أنها ليست بالصعوبة التي كنت أتخيلها، بل على العكس صرت مغرماً برموزها المعقدة وتفاصيلها الغريبة وغموضها، لذلك أقول دوماً إنني لم أختر اللغة الصينية، بل هي التي اختارتني.

> ما الذي أثار الرغبة فيك كي تصبح مترجماً محترفاً لاحقاً؟

- كنتُ مولعاً بالقراءة منذ صغري، وطالعت الكثير من أمهات الكتب العربية، وأيضاً الكثير من الأعمال العالمية المترجمة، ودائماً ما كنت أُقدِّر المترجمين الذين نقلوا هذه الأعمال من مختلف اللغات إلى اللغة العربية، وتجذب انتباهي دوماً أسماؤهم على أغلفة هذه الكتب، وكنت أتمنى أن أصبح واحداً منهم. زادت هذه الأمنية بعد دراستي للغة الصينية كواحدة من اللغات النادرة، خصوصاً بعد ما أدركته من وجود فجوة كبيرة في عملية الترجمة من الصينية إلى العربية، وأيضاً وجود الكثير من الأعمال الصينية القيمة التي لا تزال بعيدةً عن متناول القارئ العربي بسبب عائق اللغة، كل هذه عوامل أثارت رغبتي في العمل بمجال الترجمة.

> ما هي الرؤية التي تحكم خياراتك كمترجم، وعلى أساسها تقرر ترجمة هذا النص وتستبعد ذاك؟

- في الحقيقة، وعلى خلاف المعمول به في الكثير من اللغات الأخرى، فمساحة اختيارنا للأعمال التي نترجمها من الصينية إلى اللغة العربية محدودة للغاية بسبب الكثير من العوامل، أهمها عدم الانتشار الكافي للأدب الصيني مقارنة بالأدب اللاتيني أو الروسي مثلاً، أو حتى آداب شرق آسيا مثل الأدب الياباني والكوري. بالتالي لا يزال الإقبال عليه ضعيفاً من الناحية التجارية، الأمر الذي يجعلنا نعمل في معظم الأحيان وفق مشاريع لدعم الترجمة من جانب جهات صينية في الأغلب، بالتالي نكون مقيدين بالاختيار ضمن قوائم الكتب المدرجة ضمن هذه المشاريع.

> تجمع أعمالك المترجمة ما بين المضمون الفكري التاريخي من ناحية، والمضمون الأدبي من ناحية أخرى، إلى أي الناحيتين تميل وما الفارق بين الترجمة في الحالتين؟

- أميل بشكل أكبر إلى الأعمال ذات المضمون الأدبي، والفارق بينهما واضح للغاية، فالأعمال ذات الطابع الأدبي تحمل مضموناً إنسانياً مشتركاً، لذلك فهي عادة ذات طبيعة عامة سهلة التلقي عند القراء من ذوي الخلفيات والثقافات المختلفة. أما الأعمال ذات المنحى التاريخي فهي محملة بالأحداث الكبرى والفلسفات القديمة وغالباً ما تكون غارقة في المحلية، وهذا النوع من الأعمال إما أن يتسبب في عدم استيعاب القارئ لتفاصيله، وهذا عامل سلبي، أو يتسبب في أن يضطر المترجم إلى إضافة الكثير من الشروحات، وهو ما يتنافى مع طبيعة وروح الترجمة الأدبية.

> من الملاحظ أنك تميل في ترجماتك الأدبية إلى اختيار روايات قصيرة «نوفيلا»، ما السبب وراء ذلك؟

- بالفعل أفضل اختيار ترجمة الروايات القصيرة أو «النوفيلات»، أولاً لأنه يمكن اعتبارها وجبة دسمة ثقيلة، بالتالي فهي سهلة وسريعة الهضم. كما أن هناك نقطةً بالغة الأهمية تتعلق بطبيعة الكتابة والتعبير والفارق بينهما في اللغتين العربية والصينية، فالأعمال الأدبية الصينية غالباً ما يتضاعف حجمها بعد ترجمتها إلى العربية. ولو كان الأصل الصيني نصاً ضخماً، سيتسبب حجمه المتضاعف بعد الترجمة في عزوف القارئ العربي عن قراءته.

> تبدو حريصاً على التواصل المباشر مع المؤلفين الذين تترجم أعمالهم، لا سيما الأدباء منهم؟

- أعتقد أن الحرص على التواصل المباشر مع المؤلفين هو أحد العوامل المهمة التي تساعد على إخراج العمل المترجم في أفضل صورة ممكنة، فأحياناً قد يواجه المترجم بعض العوائق، أو تكون لديه استفسارات يحتاج إلى سؤال الكاتب عنها، وأحياناً قد يضطر المترجم إلى إجراء بعض التعديلات الطفيفة على النص بما في ذلك إضافة بعض الشروحات أو الحذف أو الإضافة بما يتوافق مع ذائقة القارئ العربي، وفي مثل هذه الحالات يتعين على المترجم أن يحصل على الإذن من الكاتب لإجراء هذه التعديلات.

> هل هناك طقوس معينة تلتزم بها أثناء عملية الترجمة؟

- قبل الشروع في الترجمة، أقوم بمطالعة كل ما يخص الكاتب، سواء سيرته الذاتية أو أسلوبه ومكانته وما إلى ذلك. بعد ذلك أقوم بقراءة العمل كاملاً قراءةً متأنيةً، كما أحاول قراءة ما كتبه النقاد عنه، وما هي آراء القراء حوله، وأيضاً أطالع بعض الدراسات التي أجريت عن هذا العمل. ومن ضمن الطقوس أيضاً هي أنني أجهز جميع أدواتي، سواء الكمبيوتر أو القواميس، وما إلى ذلك. أحب العمل في أجواء هادئة، وأحب أيضاً أن أعمل في الصباح الباكر على خلاف معظم المترجمين، كما أنني ألزم نفسي بخطة عمل يومية لا بد من إنهائها.

> ما الذي لا نعرفه عن المشهد الأدبي المعاصر في الصين ولمسته أنت بنفسك؟

- للأسف نحن لا نعرف الكثير عن الأدب الصيني بشكل عام، فهو أدب عريق كحال الأمة الصينية، ويعج بالروائع، ولو طلبت من مثقف مصري أو عربي أن يذكر لك عدداً من أسماء الروايات أو الأدباء الصينيين، فقد يفشل في ذلك. وبالنسبة للمشهد الإبداعي المعاصر، فهو يتسم بكثرة الأدباء وغزارة الإنتاج، خصوصاً من جيل الشباب. كما يتميز أيضاً بظهور ما بات يُعرف بأدب الإنترنت، وتحول عدد لا بأس به من الكتاب إلى الكتابة في إطار أدب الخيال العلمي الذي يلقى رواجاً كبيراً بين القراء في الصين، وأشهرهم الكاتب الصيني ليو تسيشين صاحب رواية «الأجسام الثلاثة» التي حققت شهرة عالمية كبيرة، وزادت من سرعة رواج هذا النوع من الروايات في الصين.

> كيف تقيّم مدى إلمامنا كعرب بالثقافة الصينية الحديثة وما يعتريها من غموض لدى كثيرين؟

- من وجهة نظري، لا يزال إلمامنا كعرب بالثقافة الصينية الحديثة محدوداً للغاية، أو مغلوطاً في معظم حالاته حيث إن معظمنا يلجأ إلى المنصات ووسائل التواصل الغربية إذا أراد الحصول على أي معلومات تخص الصين، سواء في الجانب الثقافي أو غيره. وغني عن الذكر أن معظم هذه المنصات الغربية تعمد إلى تشويه الكثير من الحقائق التي تتعلق بالصين بسبب قلق الغرب المتنامي من صعود الصين، وتبنيه لهذه الآيدولوجيا وسيلةً للصراع مع هذا البلد الآسيوي. لذلك إذا أردنا إزالة ما يعتري الغموض المتعلق بمعرفتنا بالصين وثقافتها، يجب علينا أن نتعرف عليها من مصدرها الأصلي ألا وهو الصين.

> في المقابل، ما مدى إلمام الصينيين بالأدب العربي المعاصر؟

- أعتقد أن الوضع متشابه على كلا الجانبين، فكما هي الحال بالنسبة لإلمام العرب بالأدب الصيني المعاصر، الأمر نفسه بالنسبة لإلمام الصينيين بالأدب العربي المعاصر. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، أهمها القصور الحادث في ترجمة الأدب العربي المعاصر إلى اللغة الصينية، واقتصار انتشاره على الأوساط الأكاديمية والدارسين. ولو حدث أن سألت مثقفاً صينياً عن مدى معرفته بالأدب العربي، فعلى الأغلب ستجد معلوماته قاصرة على بعض الكلاسيكيات القديمة مثل ألف ليلة وليلة، أو ما يخص نجيب محفوظ، والسبب في ذلك بالطبع هو حصوله على جائزة نوبل في الآداب.

> أخيراً، ألم تفكر في ترجمة نماذج من الأدب العربي إلى الصينية؟

- في الحقيقة هناك توافق في أوساط المترجمين عموماً، والمترجمين بين العربية والصينية خصوصاً، بأن الأفضل لعملية الترجمة هو أن يقوم المترجم بالنقل من اللغة الأجنبية إلى لغته الأم. ويعود هذا إلى طبيعة وخصوصية اللغتين العربية والصينية اللتين تعدان الأصعب على مستوى العالم بلا شك. ففي حالتي كمترجم عربي بين العربية والصينية، يعد الأنسب بالنسبة لي هو الترجمة من الصينية إلى العربية، خصوصاً لو تحدثنا عن المجال الأدبي. لذلك فعملي الأساسي هو ترجمة الأعمال الأدبية الصينية إلى العربية، أما ترجمة الأعمال الأدبية العربية إلى الصينية فيقوم بها المترجمون الصينيون من دارسي اللغة العربية.


مقالات ذات صلة

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي
ثقافة وفنون متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.