«الداخلية» السورية لـ«الشرق الأوسط»: إعادة سلطة القانون تفرض سحب السلاح وتوحيد القوة بيد الدولة

المتحدث الرسمي حمّل التيارات الانعزالية في السويداء المسؤولية لرفضها الحوار

TT

«الداخلية» السورية لـ«الشرق الأوسط»: إعادة سلطة القانون تفرض سحب السلاح وتوحيد القوة بيد الدولة

انتشار الجيش السوري وقوات الأمن في السويداء جنوب سوريا الاثنين (سانا - أ.ف.ب)
انتشار الجيش السوري وقوات الأمن في السويداء جنوب سوريا الاثنين (سانا - أ.ف.ب)

حملت دمشق «التيارات الانعزالية» في السويداء المسؤولية عما يحصل هناك، وذلك لرفضها الحوار ومحاولتها مصادرة القرار السياسي والعسكري، وفرض خطاب يُقصي الآخرين ويضع المحافظة في حالة عداء مفتعل مع الدولة السورية.

وكانت المواجهات التي اندلعت أمس الأحد، بين مسلحين من الطائفة الدرزية والعشائر البدوية هي أول عنف طائفي داخل المدينة نفسها، بعد توتر واسع النطاق نشب على مدى شهور في المحافظة.

وأسفرت المواجهات التي لا تزال متواصلة عن مقتل 89 شخصاً في المحافظة الواقعة بجنوب سوريا، فيما أعلنت وزارة الدفاع السورية سقوط 18 من قوات الجيش في هجمات مسلحة على نقاط عسكرية.

وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه «التيارات تحاول احتكار التمثيل، وتمنع أي انفتاح وطني جامع، وتضغط على الأفراد تحت شعارات لا تمثل المصلحة العامة، بينما الحل الحقيقي يكمن في فتح مسارات الحوار مع كل المكونات، وتمكين المؤسسات من أداء دورها، ورفع الصوت المدني الحقيقي في وجه خطاب الفوضى والعنف».

المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا

وبدأت القوات السورية بالانتشار في السويداء، الاثنين، مع تواصل الاشتباكات الدامية التي اندلعت، الأحد، بين فصائل محلية في السويداء ومجموعات مسلحة من عشائر البدو. وأعلنت وزارة الداخلية تدخلها المباشر «لفض النزاع» ووضع خطة لفرض الأمن وسحب السلاح المنتشر في المحافظة، وسط اتهامات من بعض الجهات في السويداء بأن دمشق تسعى لاستغلال التوتر العسكري لفرض سيطرتها على المحافظة.

ورد نور الدين البابا على تلك الاتهامات بالتأكيد على أن تدخل الدولة في السويداء ليس بدافع السيطرة، بل بدافع حماية المواطنين وإعادة الاعتبار للقانون، مؤكداً وقوف الحكومة على مسافة واحدة من جميع أبناء الشعب السوري، والتعامل وفق «معايير السيادة، والشرعية، والقانون»، بقوله: «إن إعادة سلطة القانون تقتضي سحب السلاح من الجميع، دون استثناء، وتوحيد القوة بيد الدولة فقط؛ لأنها الضامن الوحيد لوحدة التراب السوري».

مجموعات خارجة عن القانون

وحول المقصود بتوصيف «المجموعات الخارجة عن القانون»، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية إن توصيف الدولة السورية لأي «مجموعات خارجة عن القانون»، لا ينبع من هوية طائفية أو عشائرية أو مناطقية، بل «يُبنى على أساس قانوني ووطني بحت». مؤكداً على أن هذا التوصيف لا يميز بين مكوّن وآخر، بل يعكس التزام الدولة بحماية النظام العام وضمان أمن المواطنين.

أحد أفراد قوات الأمن السورية يعبر سيارة محترقة في منطقة المزرعة إثر اشتباكات بين عشائر بدوية ومقاتلين محليين من السويداء (أ.ف.ب)

ومن هذا المنطلق، يتابع البابا، فإن الحكومة «تقف على مسافة واحدة من جميع أبناء الشعب السوري، وتتعامل مع الجميع وفق معايير السيادة، والشرعية، والقانون، لا وفق الاعتبارات الفئوية أو المناطقية التي يسعى البعض لفرضها في الخطاب العام. وإن الانحياز الوحيد الذي تعبّر عنه الدولة هو انحيازها للمواطن المدني، المسالم، الذي يطالب بالأمان والكرامة في ظل مؤسسات دولته».

كما أوضح أن عملية سحب السلاح ستشمل «كل ما يوجد خارج إطار مؤسسات الدولة، أياً كانت الجهة التي تحمله» بوصفه «سلاحاً غير شرعي، ويُعد تهديداً لوحدة البلاد وسلامة مجتمعها»، وبالتالي، فإن الدولة ترفض بشكل قاطع أي وجود مسلح مستقل، سواء كان لفصائل عشائرية أو لفصائل محلية، تحمل طابعاً مذهبياً أو سياسياً، حتى ولو ادعت تأييدها للدولة. مع التأكيد أن «الحفاظ على السلم الأهلي، ومنع اندلاع الفتن الداخلية، وإعادة سلطة القانون، تقتضي سحب السلاح من الجميع، دون استثناء، وتوحيد القوة بيد الدولة فقط؛ لأنها الضامن الوحيد لوحدة التراب السوري».

مظاهر مسلحة بين الأهالي في السويداء جنوب سوريا (أرشيفية - السويداء 24)

وأضاف المتحدث باسم وزارة الداخلية أن «ما تشهده السويداء من اضطرابات واشتباكات وسقوط ضحايا أبرياء فرض على الدولة مسؤولية لا يمكن تجاهلها، فتدخل الدولة لم يكن بدافع السيطرة، بل بدافع حماية الناس، وإعادة الاعتبار للقانون وإنهاء مظاهر الفوضى التي تسببت في تهجير السكان، وتهديد نسيج المنطقة». محملاً من أسماهم «بعض التيارات الانعزالية» في السويداء المسؤولية لرفضها الحوار، و«محاولتها مصادرة القرار السياسي والعسكري في السويداء، وفرض خطاب يُقصي الآخرين»، معتبراً أن ذلك «يضع المحافظة في حالة عداء مفتعل مع الدولة السورية».

بيان دار الإمارة

وجاءت دعوة الحكومة للحوار متوافقة إلى حد كبير مع ما جاء في بيان صدر، الاثنين، عن دار الإمارة في قرية عرى من الأمير أبو يحيى حسن الأطرش، دعا فيه إلى إنهاء الاقتتال الداخلي وعدم الانجرار وراء الفتن. كما طالب بمنح فرصة حقيقية للحوار وفرض الأمن من خلال التواصل مع الدولة ومشايخ العقل ووجهاء المنطقة للتوصل إلى حل يرضي الجميع.

إلا أن الرئاسة الروحية للموحدين الدروز في السويداء نحت نحو التصعيد معلنة رفض دخول أي جهات إلى المنطقة، ومنها «الأمن العام السوري وهيئة تحرير الشام»، بحسب بيان صادر عنها، يوم الاثنين، مع توجيه اتهام مباشر لتلك الجهات بالمشاركة في قصف القرى الحدودية مع درعا ومساندة مجموعات وصفتها بـ«التكفيرية»، باستخدام أسلحة ثقيلة وطائرات مسيّرة، محملة كامل المسؤولية «لكل من يساهم في الاعتداء أو يسعى لإدخال قوى أمنية إلى المنطقة»، وفق البيان. مع تأكيد المطالبة بالحماية الدولية الفورية كحق لحماية المدنيين وحقناً للدماء.

جلسة جمعت الرئيس السوري مع وفد من محافظة السويداء مارس الماضي (الرئاسة السورية)

يشار إلى أن عدداً من الفصائل المحلية في السويداء ومجموعات من الأهالي، كانت قد فتحت حواراً مع دمشق وتم التوصل إلى اتفاق يقضي بانضمام أبناء السويداء إلى قوى الأمن العام، أول مايو (أيار)، إلا أن فصائل وتيارات أخرى عارضت الاتفاق، ما ساهم في خلق أجواء غير إيجابية بين الحكومة السورية وبعض المرجعيات الدينية والاجتماعية في السويداء.

ولا تزال الاشتباكات متواصلة في بعض القرى في ريف محافظة السويداء الغربي، بحسب ناشط مدني في السويداء لـ«الشرق الأوسط»، قال إن هناك «محاولات لتقدم قوات وزارة الدفاع في ريف السويداء الغربي، ويجري استخدام أسلحة متوسطة وثقيلة، متهماً الحكومة بالتدخل لمساندة المجموعات المهاجمة من أبناء البدو».

انتشار الجيش السوري وقوات الأمن في السويداء جنوب سوريا الاثنين (سانا - أ.ف.ب)

وحول أسباب انفجار التوتر في السويداء، قال الناشط إن الأشهر الماضية شهدت تكراراً للانتهاكات على طريق دمشق - السويداء وريف السويداء الغربي، من قبل عناصر منتسبة للأمن العام ووزارة الدفاع، غالبيتهم من أبناء البدو ومن أبناء درعا من الذين عادوا من الشمال السوري. بحسب تعبيره، وتفاقمت الانتهاكات في الأسابيع الأخيرة، آخرها الاعتداء على تاجر خضار وسلبه سيارته من قبل مجموعة مسلحة، حصلت بعدها عمليات خطف متبادل واشتباكات بهدف الضغط لإطلاق سراح المخطوفين، إلا أن التصعيد انفجر.

وكان وزير الداخلية، أنس خطاب، قد عزا التصعيد الخطير في السويداء إلى غياب المؤسسات الرسمية المعنية عن السويداء، وقال في منشور له عبر منصة «إكس»: «يأتي هذا التصعيد الخطير في ظل غياب المؤسسات الرسمية المعنية، ما أدى إلى تفاقم حالة الفوضى وانفلات الوضع الأمني، وعجز المجتمع المحلي عن احتواء الأزمة رغم الدعوات المتكررة للتهدئة، وقد أسفر ذلك عن ارتفاع عدد الضحايا وتهديد مباشر للسلم الأهلي».


مقالات ذات صلة

البنزين المغشوش وغضب «القطيع» يطيح برئيس «السورية للبترول»

المشرق العربي متظاهرون في مدينة الباب شمال سوريا يغلقون الاثنين طريقاً بإطارات مشتعلة احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود 14 سبتمبر (أ.ف.ب)

البنزين المغشوش وغضب «القطيع» يطيح برئيس «السورية للبترول»

أصدر الرئيس الشرع المرسوم الرئاسي بتعيين المهندس ماهر خليل الحسن رئيساً للشركة السورية للبترول بعد الأزمات التشغيلية والإدارية التي ضربت قطاع المحروقات

منصور حسين (دمشق)
المشرق العربي صورة نشرتها «السويداء 24» لعناصر «الحرس الوطني» (الهجري) على دوار العنقود في مدينة السويداء يمنعون الطلاب من التوجه إلى مراكز الامتحانات بريف السويداء

مجموعات خارجة عن القانون في السويداء تمنع وفداً أممياً من الدخول

ضم الوفد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية برفقة منظمات دولية، وجرى التنسيق مع فريق الهلال الأحمر السوري فرع السويداء لمرافقتهم بالزيارات الميدانية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قوات إسرائيلية تتوغل في ريف القنيطرة (أرشيفية - رويترز)

القوات الإسرائيلية تتوغل في مناطق بالجنوب السوري وتجرّف أراضي زراعية

نفذت القوات الإسرائيلية اليوم (الأحد)، أعمال تجريف لأراضٍ زراعية بعد توغلها في مناطق في الجنوب السوري.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مواطنون سوريون من السويداء يراجعون المحافظة لتسهيل أمورهم اليومية (محافظة السويداء)

محافظ السويداء السورية يوجه دعوة جديدة إلى الحوار لحل أزمة المحافظة

«أصداء الدعوة لدى مشايخ العقل المناهضين للشيخ الهجري، وكذلك النخب الثقافية والأكاديمية، كانت إيجابية»...

موفق محمد (دمشق)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان مستقبلاً الوزير أسعد الشيباني في الرياض الجمعة (الخارجية السعودية)

السعودية وسوريا تؤكدان أهمية مواصلة التنسيق لحفظ أمن المنطقة

أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره السوري أسعد الشيباني أهمية مواصلة التنسيق بين البلدين بما يسهم في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«نفق» يثير مخاوف الأهالي في جبل لبنان

الحفرة التي كشف عليها الجيش في منطقة الفنار (الجيش اللبناني)
الحفرة التي كشف عليها الجيش في منطقة الفنار (الجيش اللبناني)
TT

«نفق» يثير مخاوف الأهالي في جبل لبنان

الحفرة التي كشف عليها الجيش في منطقة الفنار (الجيش اللبناني)
الحفرة التي كشف عليها الجيش في منطقة الفنار (الجيش اللبناني)

أثارت حفرة عُثر عليها داخل حرش صنوبر بين منطقتَي الفنار والزعترية ذات الغالبية الشيعية في جبل لبنان، مخاوف الأهالي، واستدعت تحرّك القوى الأمنية للكشف على الموقع وتحديد طبيعة الحفرة، قبل أن يتبيّن، وفق ما أبلغت به استخبارات الجيش رئيس بلدية الفنار، أنها ليست لأغراض أمنية.

وفي التفاصيل، اكتشف عناصر من شرطة بلدية الفنار حفرة داخل الحرش، فتم إبلاغ الجيش اللبناني الذي أوفد عناصر من المخابرات وفوج الهندسة للكشف على الموقع وتحديد طبيعة الحفرة، فيما أشار بعض المعلومات إلى أن شخصاً مجهول الهوية فرّ من الموقع فور وصول القوى الأمنية.

وبعدما كان رئيس بلدية الفنار ميشال سلامة، قد أعلن، صباحاً، أن المعلومات الأولية تشير إلى أن ما عُثر عليه هو بداية نفق يجري حفره في المنطقة، عاد وأكد أن استخبارات الجيش أبلغته بأن الحفرة لا تُستخدم لأغراض أمنية؛ بل حُفرت بهدف البحث عن الذهب، مشيراً إلى أن البلدية ستعمل على إقفالها.

وفي وقت لاحق، أعلنت قيادة الجيش في بيان لها، أن وحدات مختصّة من الجيش أجرت كشفاً على النفق الذي عُثر عليه في منطقة الفنار - المتن الشمالي، وتَبيّن أنّ طوله الإجمالي يبلغ نحو 13 متراً (5 أمتار عموديّاً و8 أمتار أفقيّاً)، وأنّه لا يحتوي على أي أسلحة أو عتاد عسكري.

وقد ضُبطت داخل النفق عدة حفر فردية، كما أوقِف أحد المشتبه فيهم بالمشاركة في حَفره، مشيرة إلى أنه تجري متابعة التحقيق لتحديد وجهة استعماله.

تفاعل شعبي وسياسي

أثارت الحادثة تفاعلاً شعبيا وسياسياً، لا سيما في ظل وجود أنفاق تابعة لـ«حزب الله» في بعض المناطق، وخوف من أن يكون النفق المكتشف جزءاً من هذه الشبكة.

وعند إعلان رئيس بلدية الفنار عن «الحفرة»، طالب رئيس حزب «الكتائب» النائب سامي الجميل، بإجراء مسح أمني شامل لمنطقة الرويسات الجديدة ومحيطها، معلناً أنه تواصل صباحاً مع وزير الدفاع لهذه الغاية، وأن الأخير أبدى تجاوباً مع الطلب.

وكتب الجميل عبر منصة «إكس»، أن اكتشاف النفق في المتن، إلى جانب شحنة المتفجرات في ضهر البيدر والمواجهات مع قوى الأمن في الضاحية، يشكّل، مؤشرات خطيرة تستدعي وضع حد نهائي لازدواجية السلاح والتنظيم العسكري لـ«حزب الله» على كامل الأراضي اللبنانية.

وختم معتبراً أن استمرار السلاح غير الشرعي والتنظيم العسكري والأمني للحزب يشكّل خطراً داهماً على لبنان، داعياً الدولة إلى الحسم حفاظاً على البلاد.


خبراء الأمم المتحدة يطالبون إسرائيل بحماية المزارعين الفلسطينيين في الضفة

رجل فلسطيني يتحدث مع القوات الإسرائيلية بينما تقوم هذه القوات باحتجاز فلسطيني آخر وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
رجل فلسطيني يتحدث مع القوات الإسرائيلية بينما تقوم هذه القوات باحتجاز فلسطيني آخر وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
TT

خبراء الأمم المتحدة يطالبون إسرائيل بحماية المزارعين الفلسطينيين في الضفة

رجل فلسطيني يتحدث مع القوات الإسرائيلية بينما تقوم هذه القوات باحتجاز فلسطيني آخر وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
رجل فلسطيني يتحدث مع القوات الإسرائيلية بينما تقوم هذه القوات باحتجاز فلسطيني آخر وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله في الضفة الغربية (رويترز)

حضّ خبراء في الأمم المتحدة، الاثنين، إسرائيل على ضمان حماية المزارعين الفلسطينيين في الضفة الغربية، في ظل تزايُد هجمات المستوطنين عليهم مع بداية موسم قطاف الزيتون.

وإذ شدد سبعة خبراء من بينهم المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي والمقررة الخاصة المعنية بالحق في الغذاء صوفيا مونسالفي سواريز، على أن «المزارعين الفلسطينيين يجب أن يحظوا بالحماية وأن يتمكنوا من الوصول إلى أراضيهم بأمان»، لاحظوا أن «وتيرة العنف والتدمير والقيود تتصاعد عاماً بعد عام».

جنود إسرائيليون يتجمعون على طريق بالقرب من بستان زيتون وذلك في أعقاب هجوم بحسب تقارير شنه مستوطنون إسرائيليون على منزل فلسطيني في قرية ترمسعيا بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

وتصاعدت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة أعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون إسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتجددت بمناسبة موسم قطف الزيتون، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحذّر الخبراء المكلّفون من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لكنهم لا يتحدثون باسم المنظمة، من أن قطاف الزيتون «ينبغي ألا يتحوّل مجدداً إلى موسم خوف وخسائر وعنف وتدمير».

جنود إسرائيليون يراقبون مزارعين فلسطينيين أثناء قطفهم ثمار الزيتون في قرية دير أبو مشعل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

وأفادت الأمم المتحدة بتوثيق 178 اعتداءً نفّذها مستوطنون في مختلف أنحاء الضفة الغربية خلال موسم قطاف الزيتون عام 2025، طالت 88 مدينة وقرية فلسطينية. وأشارت إلى «تخريب» أكثر من ستة آلاف شجرة وشتلة، وهو الرقم الأعلى منذ ستة أعوام في هذا المجال.

وأعرب الخبراء أيضاً عن «قلقهم البالغ» من أوامر قالوا إن السلطات العسكرية الإسرائيلية أصدرتها في سبتمبر (أيلول) بإزالة الغطاء النباتي على مساحة نحو 339 ألف متر مربع من الأراضي الزراعية الفلسطينية في شمال الضفة الغربية المحتلة ووسطها، خصوصاً في مناطق مزروعة بأشجار الزيتون في جنين وقباطية وبيت ريما قرب رام الله.

رجل فلسطيني اعتقلته القوات الإسرائيلية يجلس على الأرض بجوار مركبة عسكرية وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله (رويترز)

وذكّروا بأن «موسم قطاف الزيتون يشكل مصدراً أساسياً للغذاء والدخل وسبل العيش لآلاف العائلات الفلسطينية»، منبّهين إلى أن إتلاف الأشجار «لا يحرم هذه العائلات محاصيلها فحسب، بل يضر بأنظمة الغذاء المحلية والعادات الثقافية وأنماط الحياة، وكذلك بالحق في الغذاء والسيادة الغذائية للمناطق الفلسطينية».

مستوطنون إسرائيليون يتجمعون حول مركبة عسكرية بعد أن احتجزت القوات الإسرائيلية رجلاً فلسطينياً خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله (رويترز)

وطالب الخبراء إسرائيل بـ«ضمان حماية قواتها المزارعين الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين والالتزام بواجباتها بموجب القانون الدولي».

كذلك دعوا المجتمع الدولي إلى «ممارسة أقصى قدر من الضغط من أجل حماية المدنيين الفلسطينيين، ووقف وعكس سياسات وممارسات الضمّ التي تتوسع بسرعة، وضمان محاسبة المسؤولين عن عقود من انتهاكات حقوق الفلسطينيين، بموجب القانون الدولي».


برنامج الأغذية العالمي يوقف المساعدات لنصف مليون شخص في غزة

فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)
TT

برنامج الأغذية العالمي يوقف المساعدات لنصف مليون شخص في غزة

فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)

أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، اليوم (الاثنين)، أنه سيوقف تقديم المساعدات الشهرية لنحو 500 ألف شخص في قطاع غزة بسبب نقص التمويل، محذراً في الوقت ذاته من أن الاحتياجات لا تزال ملحة للغاية.

وصرح شون هيوز، مدير برنامج الأغذية العالمي في فلسطين، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «بدءاً من هذا الشهر، سنستبعد نصف مليون شخص من قائمة المستفيدين من مساعداتنا».

وبهذا الخفض، يصل عدد الفلسطينيين الذين يتلقون مساعدات من البرنامج -سواء كانت في صورة أغذية أو مبالغ نقدية- إلى 1.1 مليون شخص، وهو ما يمثل تقريباً نصف سكان قطاع غزة الذي أنهكته الحرب.

وجبة كل يومين

وتأتي هذه التخفيضات مع اقتراب فصل الشتاء، وفي وقت لا تزال فيه العديد من العائلات في غزة تعاني لتوفير الغذاء لنفسها. ومن بين التداعيات، سيتم خفض عدد الوجبات الساخنة التي توفرها المطابخ المجتمعية حالياً من 250 ألف وجبة إلى 150 ألف وجبة يومياً.

ثلثا سكان قطاع غزة يعتمدون على المساعدات الغذائية من أجل البقاء على قيد الحياة (رويترز)

أما العائلات التي تقيم في مناطق يصعب الوصول إليها -على سبيل المثال بالقرب مما يُعرف بـ«الخط الأصفر» الذي يحدد نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية- فستحصل على وجبة واحدة كل يومين بدلاً من وجبة يومية.

يُذكر أن جميع سكان قطاع غزة تقريباً، والبالغ عددهم 2.1 مليون نسمة، يعيشون حالة من النزوح، ويعتمد ثلثاهم على المساعدات الغذائية من أجل البقاء، حسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

القليل سيصبح أقل

وتقول ميرفت السطري، وهي أم فلسطينية نازحة لخمسة أطفال في مخيم بمنطقة المواصي في خان يونس لهيئة الإذاعة البريطانية تعليقاً على قرار برنامج الأغذية العالمي: «إنها كارثة! ماذا سنفعل بهذه الحصص الغذائية المُقلَّصة؟ وكيف سنُؤمّن احتياجات الصغار؟»؛ وأضافت: «أحياناً ننتظر هذه الوجبات لنتمكن من الأكل».

وفي السياق ذاته، تقول سوسن بهلول، وهي أم لثلاثة أطفال ومن سكان منطقة المواصي أيضاً: «سيؤثر هذا علينا كثيراً. كانت المساعدات اليومية تفي بالحد الأدنى من الاحتياجات نوعاً ما، لكنها ستصبح الآن كل يومين». وتضيف أن الحصص التي يوفرها المطبخ المجتمعي -والتي تتكون عادةً من المعكرونة أو العدس، مع إضافة البطاطس والباذنجان أحياناً- كانت في الأصل غير كافية لإطعام عائلتها.

اشتكت عائلات تتلقى حالياً مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمي (WFP) لهيئة الإذاعة البريطانية من أن هذه المساعدات غير كافية أصلاً، ولا توفر تنوعاً يُذكر في نظامهم الغذائي.

أطفال في دير البلح بقطاع غزة ينتظرون وجبات مقدمة من برنامج الأغذية العالمي أمس (رويترز)

وتقول دلال الدحدوح، التي تعيش مع أفراد عائلتها الثمانية وسط أنقاض منزلها في مدينة غزة: «كمية الدقيق لا تكفي، وكذلك صناديق المواد الغذائية». وتخشى دلال أن تؤدي التخفيضات الجديدة إلى «تداعيات جسيمة».

وتقارن الأم بين الوضع المأساوي الراهن وحياتهم قبل الحرب، قائلة: «في الماضي، والحمد لله، كان لدينا منزلنا وحياة رائعة؛ توفرت لدينا الخضراوات الطازجة، ومرافق صحية ملائمة، وأرض نملكها. أما اليوم، فنحن نعتمد كلياً على المساعدات، بما في ذلك القسائم الغذائية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي».

من جانبه، يوضح شون هيوز أن هذه التخفيضات تأتي لأسباب مالية، «وليس لأن الاحتياجات قد انخفضت، أو لأننا نواجه عائقاً في الوصول إلى المحتاجين؛ فنحن قادرون على الوصول إليهم».

تقليص التحويلات النقدية

منذ شهر يوليو (تموز)، جرى بالفعل تقليص التحويلات النقدية المقدمة لنحو نصف مليون شخص، مما يعني أنهم باتوا يملكون أموالاً أقل لشراء الغذاء من الأسواق المحلية. كما سينخفض ​​عدد سكان غزة الذين يتلقون أكياس الدقيق وطرود الحصص الغذائية من برنامج الأغذية العالمي من 1.1 مليون إلى 600 ألف شخص شهرياً.

وقد تلقى برنامج الأغذية العالمي تمويلاً لعملياته في الأراضي الفلسطينية لعام 2026 يقل عن نصف ما كان يحصل عليه في السنوات السابقة. وتؤكد الوكالة العالمية أنها بحاجة ماسة إلى 450 مليون دولار لاستمرار عملياتها «الحيوية» على مدى الأشهر الستة المقبلة.

ظروف إنسانية بالغة السوء

ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل قبل عام، لا تزال الظروف الإنسانية في قطاع غزة بالغة السوء. فلم تشهد المنطقة أي عمليات إعادة إعمار، وكان التعافي محدوداً للغاية، في ظل فرض إسرائيل رقابة صارمة على دخول البضائع عبر المعابر، وفق «بي بي سي»، ورغم أن أسواق الغذاء باتت اليوم زاخرة بالسلع، فإن قلة قليلة فقط من السكان قادرون على الشراء منها؛ إذ يعاني أكثر من 80 في المائة من سكان غزة من البطالة، مما يجعل معظمهم يعتمدون على المساعدات.

كارل ساكو المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي خلال زيارة لمطعم يموله البرنامج في دير البلح بوسط قطاع غزة أمس (رويترز)

ولا يتوفر غاز الطهي في قطاع غزة؛ إذ تصنفه الحكومة الإسرائيلية ضمن المواد «مزدوجة الاستخدام»، بدعوى إمكانية استغلاله من قبل حركة «حماس» لأغراض عسكرية. ونظراً لارتفاع أسعار الحطب، تضطر عائلات كثيرة إلى إرسال أطفالها للبحث في الشوارع عن البلاستيك والكرتون لاستخدامها كوقود، سواء لخبز العجين أو تسخين الطعام.

وقال هيوز، المسؤول في برنامج الأغذية العالمي: «لا يزال الوضع الإنساني مثيراً للقلق البالغ؛ فالناس يعيشون في ظروف قاسية، ومعظمهم يفتقرون إلى مأوى ملائم، حيث يقيمون في خيام، مع صعوبة بالغة في الوصول إلى المياه والمرافق الصحية والرعاية الطبية». وأضاف: «إن تقليص المساعدات الغذائية سيزيد من حدة المعاناة التي تواجهها هذه العائلات منذ ثلاث سنوات».

ثلثا السكان يواجهون أزمة غذائية

وفي شهر يوليو، أفاد «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي» (IPC) - الذي يضم نخبة من أبرز خبراء الأمن الغذائي في العالم - بأن ثلثي السكان، أي 1.4 مليون نسمة، «من المتوقع أن يواجهوا مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد تصل إلى مرحلة الأزمة أو ما هو أسوأ، وذلك خلال الفترة الممتدة من يوليو إلى ديسمبر (كانون الأول) 2026».

وفي الوقت الحالي، يقول برنامج الأغذية العالمي إنه يستطيع الاستمرار في دعم المخابز التي توفر ثلث احتياجات غزة من الخبز وتوفر المساعدة الغذائية لنحو 300 ألف امرأة وطفل. كما أنه يقدم وجبات غذائية خفيفة لنحو مائتي ألف طفل.

وفي الضفة الغربية المحتلة، يواصل برنامج الأغذية العالمي تقديم المساعدات لنحو 200 ألف فلسطيني، بعد أن خفض عدد المستفيدين إلى النصف في سبتمبر (أيلول). وتقول الوكالة إن انعدام الأمن الغذائي آخذ في الارتفاع في القطاع، ويرجع ذلك في الغالب إلى تزايد عنف المستوطنين الإسرائيليين وتهجير الفلسطينيين.