موسكو تراقب خطوات ترمب وتحذر من توسيع رقعة الحرب

اتهمت «الأطلسي» بدفع مولدوفا للانخراط عسكرياً ولوحت بتحركات في حوض البلطيق

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعقد اجتماعاً حكومياً في الكرملين الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعقد اجتماعاً حكومياً في الكرملين الاثنين (إ.ب.أ)
TT

موسكو تراقب خطوات ترمب وتحذر من توسيع رقعة الحرب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعقد اجتماعاً حكومياً في الكرملين الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعقد اجتماعاً حكومياً في الكرملين الاثنين (إ.ب.أ)

عكست تصريحات للكرملين أن موسكو تراقب الخطوات التي سيتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال ملف التسوية المتعثرة في حرب أوكرانيا، وتستعد لأسوأ السيناريوهات.

وبدا أن التركيز الروسي ينصب على عنصرين أساسيين: أولهما طبيعة الأسلحة التي يمكن لواشنطن أن تسرع عمليات نقلها إلى أوكرانيا. وفي هذا الإطار تتجه الأنظار ليس فقط إلى أنظمة «باتريوت» الدفاعية التي كثيراً ما تعهدت واشنطن بتوسيع تسليمها إلى الجانب الأوكراني، بل أيضاً إلى احتمال أن تشمل الخطة تزويد كييف بأسلحة هجومية وصواريخ بعيدة المدى يمكن أن تُستخدم داخل العمق الروسي. في هذا الإطار رأى عسكريون روس أن هذا سوف يشكل انخراطاً مباشراً لترمب في الحرب الأوكرانية بعد أن كانت بلدان أوروبية قد سمحت لكييف في السابق باستخدام أسلحة مصنوعة في الغرب في العمق الروسي.

والعنصر الثاني الذي تترقبه موسكو وفقاً للكرملين يقوم على مدى استعداد واشنطن لتسليم كييف أسلحة ومعدات من الولايات المتحدة مباشرة، تضاف إلى القدرات العسكرية التي تعد واشنطن كييف بنقلها من أوروبا. وبرأي خبراء مقربين من الكرملين، فإن هذا العنصر له أهمية خاصة على خلفية تقارير روسية تشير إلى نقص المخزون الأميركي، واضطرار واشنطن إلى الاعتماد على البلدان الأوروبيين لسد النقص. وهنا أيضاً تبرز إشارة إلى التلويح الروسي السابق باستهداف مصالح البلدان التي تسلم إلى أوكرانيا أسلحة هجومية قادرة على ضرب العمق الروسي، وعدها أطرافاً منخرطة بشكل مباشرة في الصراع. وحتى قبل اتضاح تفاصيل إعلان ترمب عن خطته رأى بيسكوف أن الولايات المتحدة تواصل تنفيذ سياساتها السابقة عبر استمرار توريد الأسلحة إلى أوكرانيا.

صورة التُقطت من مقطع فيديو تُظهر رئيس الأركان الروسي الجنرال فاليري غيراسيموف خلال زيارة للقوات في موقع غير معلن بأوكرانيا الاثنين (إ.ب.أ)

«أوروبا تدفع ثمن الإمدادات»

قال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف: «قيل الكثير عن التكلفة الباهظة للإمدادات، وما إلى ذلك. يبدو الآن أن أوروبا ستدفع ثمن هذه الإمدادات. بعضها سيُدفع، والبعض الآخر لن يُدفع. وتبقى الحقيقة أن توريد الأسلحة والذخيرة والمعدات العسكرية من الولايات المتحدة إلى أوكرانيا استمر ويستمر».

وكانت موسكو علقت آمالاً على تحوّل جدي في الموقف الأميركي لصالحها عندما أعلنت واشنطن، الشهر الماضي، تعليق الإمدادات العسكرية إلى كييف، لكن بدا، وفقاً لمعطيات إعلامية، أن البنتاغون اتخذ هذا القرار متجاوزاً البيت الأبيض، ومن دون أن يحمل تحولاً سياسياً جدياً تجاه الصراع، وهذا ما اتضح لاحقاً مع استئناف المساعدات العسكرية لكييف سريعاً.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائه المبعوث الأميركي كيث كيلوغ في كييف الاثنين (أ.ف.ب)

في غضون ذلك، تابعت موسكو بدقة زيارة كيلوغ إلى أوكرانيا، الاثنين، وسط معطيات عن مناقشته خطة متكاملة للدعم العسكري مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي الذي بدا مرتاحاً جداً عقب اللقاء، ووصفه بأنه كان مثمراً للغاية.

وشدد زيلينسكي لهجته تجاه موسكو بعد اللقاء، ودعا إلى فرض عقوبات شديدة جديدة على الكرملين، وكتب على قناته على «تلغرام»: «ناقشنا مسار السلام وما يمكننا فعله عملياً معاً لتحقيقه. وهذا يشمل تعزيز الدفاع الجوي لأوكرانيا، والإنتاج المشترك، وشراء أسلحة دفاعية بالتعاون مع أوروبا. وبالطبع، فرض عقوبات على روسيا ومن يدعمها».

وعلق بيسكوف على المعطيات القادمة من كييف، بأنه «من المهم لموسكو أن يواصل المبعوث الخاص للرئيس الأميركي جهوده للتوصل إلى تسوية روسية - أوكرانية»، في إشارة غير مباشرة إلى أن التحول في الموقف الأميركي يعرقل جهود التسوية السياسية التي كثيراً ما أراد ترمب دعمها.

موسكو تنتظر مقترحاً بشأن المفاوضات

وفي الوقت نفسه، قال الناطق الروسي إن بلاده لا تزال تنتظر مقترحاً بشأن توقيت الجولة المقبلة من المفاوضات مع أوكرانيا، لكنه رأى أنه «من الواضح أن كييف ليست في عجلة من أمرها».

في السياق نفسه، بدا أن التطورات المتعلقة بإمدادات الأسلحة والتحوّل النوعي في مواقف واشنطن حيال موسكو ترمي بظلال على تطورات أوسع في المحيط الروسي، خصوصاً لجهة توقُّع تدهور أكبر في مجال انخراط البلدان المجاورة لروسيا في الصراع الدائر.

ومع أن الكرملين كان يُوجّه عادة تطمينات متواصلة إلى بلدان مجاورة، خصوصاً في منطقة حوض البلطيق، بعدم وجود نيات لدى موسكو بمهاجمتها أو التأثير على مصالحها، لكن لهجة بيسكوف بدت مختلفة، الاثنين، وهو يتحدث عن «انخراط كثير من الدول الأوروبية في أعمال استفزازية في منطقة حوض البلطيق».

وتحدث الناطق الرئاسي عن «حقيقة باتت معروفة وبديهية، كون منطقة البلطيق أصبحت الآن منطقة توتر بسبب السياسات العدوانية للغاية للدول الساحلية الأوروبية»، مشدداً على أن «روسيا عازمة على الدفاع عن مصالحها هناك».

واتخذت بلدان حوض البلطيق (لاتفيا وليتوانيا وإستونيا) مواقف مؤيدة لأوكرانيا، ودعمت قدراتها العسكرية بشكل متفاوت، وتحدثت بشكل مستمر عن ضرورة مواجهة «التهديد الروسي المتصاعد». ونقلت وكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية، الاثنين، تقريراً متشائماً حول تحضيرات عسكرية تجري على مقربة من الحدود الروسية، وقالت إنه في الأسبوع الماضي، أجرى الجيش الإستوني تدريباً على إطلاق الصواريخ من منشأة في جزيرة ساريما. أصابت الصواريخ التي أُطْلِقت هدفاً على مسافة 15 كيلومتراً. وقد تسلمت تالين هذه الأنظمة في الربيع. وتقع ساريما على مسافة نحو 400 كيلومتر من سان بطرسبرغ.

في الوقت نفسه، حمل تقرير أصدره جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية مؤشرات إضافية إلى تزايد مخاطر اتساع الرقعة الجغرافية للصراع. مع توقع انخراط مباشر لمولدوفا التي تشاطر الغرب مخاوفه من سياسات الكرملين.

وحذر بيان أصدره الجهاز من أن «حلف شمال الأطلسي (الناتو) يُريد استخدام كيشيناو في الصراع مع موسكو». وأفاد البيان بأنه «وفقاً لمعلومات تلقاها جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، يُجهّز الناتو بنشاط لاستخدام مولدوفا في صراع مُسلّح مُحتمل مع روسيا. وقد اتُخذ قرار في بروكسل لتسريع تحويل هذا البلد إلى رأس حربة للحلف على الجناح الشرقي، مع الأخذ في الحسبان تقدّم القوات المسلحة الروسية في أوكرانيا».

وقال التقرير الأمني إن الحلف الغربي يسعى لجعل أراضي مولدوفا مناسبة للنقل السريع لقوات التحالف إلى الحدود الروسية. وزاد أنه «لتحقيق هذه الغاية، يجري تنفيذ مشاريع للانتقال إلى السكة الحديدية الأوروبية، وزيادة سعة الجسور. كما يجري بناء مراكز لوجيستية ومستودعات كبيرة ومواقع لتجميع المعدات العسكرية. ويجري تحديث مطاري ماركوليستي وبالتي، الواقعين بالقرب من مسرح العمليات العسكرية الأوكراني بهدف زيادة قدرتهما على استقبال عدد كبير من الطائرات المقاتلة وطائرات النقل العسكرية».

ورجح الجهاز الروسي أن تترافق التطورات العسكرية مع تطورات سياسية تعكس تحول مولدوفا من وضع محايد عسكرياً لتقترب أكثر من تنسيق سياساتها الأمنية والعسكرية مع حلف الأطلسي، في مقابل أن يدعم حلف «الناتو» حزب «العمل والتضامن» الحاكم حالياً، خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة. وقال التقرير الروسي إنه «في حال فوز مايا ساندو بولاية جديدة، فقد وعدت بإلغاء وضع البلاد المحايد».

ومن المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل.


مقالات ذات صلة

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

أوروبا بعض من السفراء الأجانب الجدد (أ.ف.ب)

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي؛ خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب) play-circle

الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

أكد الكرملين انفتاح موسكو على مواصلة النقاشات مع الإدارة الأميركية لدفع عملية السلام في أوكرانيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، للتوصُّل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدَّد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا سيارات تسير في ساحة الاستقلال خلال انقطاع التيار الكهربائي في كييف في 14 يناير 2026 وسط الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

زيلينسكي لإعلان حالة الطوارئ بقطاع الطاقة جراء الضربات الروسية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، إنه سيتم إعلان «حالة الطوارئ» في قطاع الطاقة، بعد الهجمات الروسية المتواصلة على إمدادات التدفئة والكهرباء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» في 15 أغسطس (أ.ف.ب) play-circle

ويتكوف وكوشنر للقاء بوتين قريباً... وكييف ترغب بحسم ملف الضمانات الأمنية

ويتكوف وكوشنر للقاء بوتين قريباً، وكييف ترغب في حسم ملف الضمانات الأمنية، وزيلينسكي يرى «الوضع صعباً في كل مكان»، وخطة أوروبية لدعم أوكرانيا بـ90 مليار يورو.

رائد جبر (موسكو)

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
TT

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي، وقال خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب، الخميس، إن العالم ينزلق نحو مزيد من التصعيد. وأوضح أنه إلى جانب الأزمات القديمة المستفحلة، تظهر بؤر توتر جديدة؛ بسبب ميل أطراف، وصفها بأنها «الأقوى»، إلى التصرفات الأحادية وسياسات الإملاء والهيمنة.

وأكد الرئيس الروسي انفتاح بلاده على الحوار مع البلدان الغربية، التي قال إن العلاقات بها وصلت إلى أدنى مستوياتها، واقترح إحياء الحوار مع البلدان الأوروبية بشأن مبادئ الأمن المشترك التي اقترحتها روسيا في وقت سابق، عادّاً أن هذا المدخل يشكل عنصراً مهماً لدفع التسوية في أوكرانيا.

وتسلم بوتين خلال المراسم أوراق اعتماد 32 سفيراً جديداً؛ بينهم ممثلون لـ11 دولة مصنفة لدى روسيا ضمن الدول «غير الصديقة»، منها فرنسا وإيطاليا والنرويج والسويد، بالإضافة إلى سفراء بلدان قال بوتين إنها «حليفة وشريكة لروسيا منذ سنوات طويلة»، مثل أفغانستان وكوبا وسريلانكا وبيرو. ومن المنطقة العربية تسلم بوتين أوراق اعتماد سفراء المملكة العربية السعودية ومصر ولبنان والجزائر.

بوتين يخاطب السفراء الأجانب الجدد (رويترز)

واستهل بوتين المراسم بخطاب سياسي تضمن قراءة لعلاقات بلاده مع البلدان التي حضر ممثلوها، بالإضافة إلى رؤيتها مسار العلاقات الدولية بشكل عام. وقال الرئيس الروسي إن الأزمة الأوكرانية خلقت تهديداً مباشراً لبلاده، مؤكداً انفتاح موسكو على التوصل إلى تسوية في أسرع وقت ممكن. وقال إن موسكو تدعو إلى سلام طويل الأمد، لكنه أعرب عن أسفه؛ لأنه «ليس الجميع يرغب في إحلال السلام، بما في ذلك كييف والعواصم الداعمة لها... لا تبدو مستعدة لذلك، لكننا نأمل أن يأتي الاعتراف بهذه الحاجة عاجلاً أم آجلاً. وحتى ذلك الحين، فستواصل روسيا السعي بثبات لتحقيق أهدافها».

وتحدث عن العلاقة بالبلدان الغربية، وقال إنها «تمر بأسوأ مراحلها، رغم أن الأطراف كانت بَنَت في أوقات سابقة علاقات تعاون مثمرة». وأعرب عن أمله في أن «تعود العلاقات بالبلدان الأوروبية إلى مسارها الصحيح»، واقترح العودة لمناقشة مقترحات بلاده التي قُدمت نهاية عام 2021 لبناء هيكل أمني عادل وشامل في أوروبا، ورأى أن هذا من شأنه أن يساعد بحل النزاع في أوكرانيا.

وقال بوتين: «ليس من قبيل الصدفة أن يُقال: السلام لا يأتي من تلقاء نفسه، بل يُبنى، ويستمر كل يوم. السلام يتطلب جهداً ومسؤولية واختياراً واعياً.» وزاد أنه «لا يمكن ضمان أمن الدول على حساب دول أخرى؛ فالأزمة الأوكرانية ناجمة عن تجاهل المصالح المشروعة لروسيا». ورأى بوتين أن العلاقات الدولية تنزلق نحو الأسوأ... و«يتدهور الوضع على الساحة الدولية بشكل متصاعد. تعاني عشرات الدول من الفوضى وانعدام القانون، وتفتقر إلى الموارد اللازمة للدفاع عن نفسها». ومن دون أن يشير إلى الولايات المتحدة مباشرة، زاد: «تتضاءل الدبلوماسية والسعي إلى التوافق والحلول التوافقية، لمصلحة أعمال أحادية الجانب وخطيرة. وبدلاً من الحوار بين الدول، نسمع مونولوغ (حوار ذاتي) أولئك الذين، بحكم قوتهم، يرون أنه من حقهم فرض إرادتهم، وتلقين الآخرين أساليب العيش، وإصدار الأوامر». وقال إن موسكو ملتزمة «الحفاظ على علاقاتها بالراغبين في التعاون، وتدعو إلى تعزيز دور الأمم المتحدة في الشؤون العالمية». وأكد: «ستواصل روسيا اتباع نهج سياسي متوازن والدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب».

عدد من السفراء الأجانب خلال تقديمهم أوراق اعتمادهم لموسكو (رويترز)

وفي سياق متصل، أمرت السلطات الروسية، الخميس، دبلوماسياً بريطانياً بمغادرة البلاد بناء على مزاعم بالتجسس، وهي الاتهامات التي وصفتها المملكة المتحدة بأنها «دون أساس». وقال «جهاز الأمن الاتحادي (إف إس بي)» الروسي إن عضو طاقم السفارة عمل لمصلحة الاستخبارات البريطانية. وأعلنت وزارة الخارجية الروسية أن اعتماد الدبلوماسي قد أُلغي، وأنه يجب الآن أن يغادر البلاد خلال أسبوعين. واستُدعيت القائمة بالأعمال في السفارة البريطانية لدى روسيا، داناي دولاكيا، إلى مقر الوزارة بموسكو لتسلم الإخطار.

من جهتها، قالت وزارة الخارجية البريطانية إنها «تدرس بعناية» الرد على طرد روسيا دبلوماسياً بريطانياً، مضيفة أن هذه ليست أول مرة يوجه فيها الكرملين اتهامات «كيدية ودون أساس» ضد الموظفين.


الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)
شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)
TT

الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)
شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)

أكد الكرملين انفتاح موسكو على مواصلة النقاشات مع الإدارة الأميركية لدفع عملية السلام في أوكرانيا. وتمسك الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف بمواقف بلاده تجاه أسس التسوية السياسية، لكنه شدد على حرص موسكو على إبلاغ واشنطن بوجهات نظرها تجاه المحادثات الجارية حول أوكرانيا، محذراً أوكرانيا الخميس من أن نافذة التفاوض مع روسيا بشأن إنهاء الحرب المتواصلة منذ نحو أربعة أعوام تضيق، داعياً الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى حسم موقفه بشأن الجهود التي تقودها الولايات المتحدة.

وقال الناطق، الخميس، في أول إفادة صحافية شاملة حول ملف المفاوضات في العام الجديد، إن بلاده منفتحة على حوار مع واشنطن، وتترقب وصول المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر إلى العاصمة الروسية قريباً. ولم يحدد بيسكوف موعد الزيارة المرتقبة، لكنه لمّح إلى ترتيبات جارية لإنجاحها، وقال إن الكرملين سوف يعلن عن تفاصيلها لاحقاً.

الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثي الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)

وقال بيسكوف: «أجرى الأميركيون كثيراً من المحادثات مع الأوكرانيين والأوروبيين على حد سواء. ومن المهم أن يُبلغ الجانب الروسي أيضاً بوجهة نظره بشأن المحادثات الجارية». في إشارة مباشرة إلى أن بوتين يستعد لإبلاغ الجانب الأميركي بمواقفه تجاه التعديلات التي طرأت على خطة السلام الأميركية والأفكار التي نوقشت في اجتماعات باريس أخيراً، بما في ذلك الأفكار المتعلقة بإحلال قوات أجنبية تابعة لبلدان أوروبية في أوكرانيا في مرحلة ما بعد إبرام اتفاق سلام.

في الوقت ذاته، جدد بيسكوف موقف بلاده تجاه الرئيس زيلينسكي الذي تتهمه موسكو بعرقلة جهود السلام. وأعلن الناطق أن الكرملين يتفق في هذا الشأن مع تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي كان قد قال، الخميس، إن موسكو ترغب في إبرام اتفاق سلام، بينما يواصل زيلينسكي عرقلة التقدم في المفاوضات. وقال بيسكوف للصحافيين، رداً على تصريح ترمب: «يمكننا الاتفاق على هذا. هذا هو الواقع».

وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية إنّ «الوضع يتدهور يوماً بعد يوم بالنسبة إلى نظام كييف، والنافذة المتاحة لاتخاذ قراراته تضيق»، مضيفاً: «حان الوقت لأن يتحمل زيلينسكي مسؤولياته، ويتخذ القرار المناسب». وأوضح: «يتدهور الوضع يوماً بعد يوم بالنسبة لنظام كييف. لقد تحدثنا عن هذا الأمر. ونطاق صنع القرار في نظام كييف يضيق. وقد قلنا العام الماضي إنه قد حان الوقت لكي يتحمل زيلينسكي المسؤولية ويتخذ القرار المناسب. وحتى الآن لم تفعل كييف ذلك».

الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» في 15 أغسطس (أ.ف.ب)

ولم يؤكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية، صحة تقارير أفادت بأن روسيا قد توافق على نشر قوات أجنبية في أوكرانيا، شريطة مشاركة الصين ودول الجنوب العالمي.

وعندما سئل عما إذا كان بوتين مستعداً فعلاً لإبلاغ الجانب الأميركي بموافقته على نشر قوات أجنبية يتم الاتفاق على هويتها بين الطرفين، قال بيسكوف: «لا أستطيع تأكيد ذلك».

وكان بيسكوف قد صرح سابقاً بأن موقف روسيا من وجود وحدات عسكرية أجنبية في أوكرانيا معروف جيداً، ومتسق تماماً، وواضح. وشدّدت وزارة الخارجية الروسية على أن أي سيناريو يتضمن نشر قوات تابعة لحلف «الناتو» في أوكرانيا غير مقبول بتاتاً بالنسبة لروسيا، وينطوي على خطر تصعيد حاد. ووصفت الوزارة سابقاً التصريحات الصادرة في المملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى بشأن إمكانية نشر قوات من دول «الناتو» في أوكرانيا بأنها تحرّض على استمرار الأعمال العدائية. لكن رغم ذلك كله، برزت تقارير تشير إلى أن الكرملين قد يوافق في النهاية على نشر قوات من بلدان لم تشارك في العمليات العسكرية ودعم أوكرانيا، مثل الصين وبيلاروسيا وبعض البلدان الأخرى.

ويقول خبراء مقربون من الكرملين إن هذا قد يشكل استجابة مشروطة من جانب موسكو لمتطلبات الضمانات الأمنية التي تطالب بها كييف وعواصم أوروبية.

رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية فاليري غيراسيموف (ا.ب)

وفي وقت سابق، ذكرت وكالة «بلومبرغ» نقلاً عن مصادر، أن ويتكوف وكوشنر يرغبان في مناقشة الضمانات الأمنية لأوكرانيا، وعرض مسودات خطط التسوية في اجتماع محتمل قبل نهاية الشهر الحالي مع بوتين. ووفقاً لمعطيات، فإن أجندة الوفد الأميركي تشتمل إلى جانب ملف الضمانات الأمنية التي ستقدمها الولايات المتحدة وأوروبا لأوكرانيا لضمان التزامها بأي اتفاق سلام، مسائل إعادة إعمار البلاد بعد الحرب.

انقطاع التيار الكهربائي عن مبانٍ سكنية في كييف بعد الهجمات الروسية (رويترز)

​وميدانياً قال رئيس هيئة أركان الجيش الروسي فاليري غيراسيموف، ‌الخميس، ⁠إن ​القوات ‌الروسية سيطرت على أكثر من 300 كيلومتر مربع ⁠من الأراضي ‌الأوكرانية خلال ‍النصف الأول من يناير (كانون الثاني). وقالت روسيا إنها ​سيطرت على 6640 كيلومتراً ⁠مربعاً من الأراضي في أوكرانيا العام الماضي.

بدوره، أعلن سلاح الجو الأوكراني، في بيان عبر تطبيق «تلغرام»، الخميس، أن قوات الدفاع الجوي الأوكراني أسقطت 61 من أصل 82 طائرة مسيّرة، أطلقتها روسيا خلال هجوم جوي على أوكرانيا خلال الليل.

وأقر زيلينسكي بأن الوضع في أوكرانيا يزداد تفاقماً بعد ما يقرب من أربع سنوات من الحرب، سواء على الجبهات أو بالنسبة للمدنيين في أنحاء البلاد، مع استمرار موجة البرد الشديد.

على صعيد آخر، أعلن بيسكوف أن بلاده ما زالت تنتظر رداً من الولايات المتحدة على مبادرة تمديد معاهدة «ستارت الجديدة» التي اقترحها الرئيس الروسي قبل أشهر. وزاد أن هذا الموضوع بات حيوياً للغاية، علماً بأن المعاهدة ينتهي العمل بها بعد نحو أسبوعين.

وكان بوتين اقترح في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي تمديداً مؤقتاً لمدة عام للاتفاقية، على أن يعمل الطرفان الروسي والأميركي على إطلاق مفاوضات لإبرام اتفاقية جديدة أكثر شمولية.

سيارات بساحة الاستقلال خلال انقطاع التيار الكهربائي في كييف 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وأكد بوتين أن بلاده سوف تلتزم بشكل أحادي ببنود الاتفاقية لمدة عام، وتتطلع لأن يقوم الجانب الأميركي بالتزام مماثل، لكن موسكو لم تتلق منذ ذلك الحين رداً على اقتراحها، رغم أن الرئيس الأميركي وصف مبادرة بوتين بأنها «جيدة».

وقال بيسكوف الخميس: «نحن بانتظار ردٍّ على مبادرة بوتين. نعد هذا الموضوع بالغ الأهمية. ونعتقد، بالطبع، أن وثيقةً ومعاهدةً أكثر ملاءمةً ستكون ضروريةً للجميع. لكن التوصل إلى مثل هذه المعاهدة عمليةٌ معقدةٌ للغاية، وتستغرق وقتاً طويلاً».

وتضع «ستارت 2» قيوداً متبادلة على نشر الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، وتحدد سقفاً لإنتاج الرؤوس النووية ووسائل حملها، لكنّ الجانبين الروسي والأميركي تحدثا عن ضرورة تحديث تلك المعاهدة. وتشترط واشنطن ضم الصين إلى أي معاهدة جديدة، بينما ترفض بكين ذلك، بينما تشترط موسكو توسيع المعاهدة الجديدة لتشمل الرقابة على ترسانتي فرنسا وبريطانيا النوويتين. وقال بيسكوف، رداً على سؤال في هذا الشأن: «موقف الصين من معاهدة ستارت الجديدة معروف جيداً، وروسيا تحترمه».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال خطابه السنوي مع نهاية العام في موسكو (أ.ف.ب)

مضيفاً في المقابل أن «الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صرّح في وقت سابق بأنه من المستحيل مناقشة قضايا الاستقرار الاستراتيجي دون الأخذ في الاعتبار قدرات فرنسا وبريطانيا»، مؤكداً أن العمل على إبرام معاهدة جديدة أكثر اتساعاً وملاءمةً للواقع الجديد سوف يمر بتعقيدات كبيرة، ويحتاج إلى فترة طويلة، ما يعزز التوجه الروسي لإعلان تمديد مؤقت للمعاهدة الحالية بالتوافق بين موسكو وواشنطن.


بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، للتوصُّل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدَّد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها حتى تبدي كييف استعدادها للتوصُّل إلى تسوية.

ونقلت وكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء عن بوتين قوله، في أثناء لقائه السفراء المعتمدين لدى بلاده في بداية العام الجديد، إن تقدّم حلف شمال الأطلسي (ناتو) نحو حدود روسيا يخالف الوعود التي قطعها الحلف.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وأكد بوتين أن تجاهل المصالح «المشروعة» لروسيا هو ما أدى إلى نشوب الأزمة الأوكرانية، لافتاً إلى أن الأجيال القديمة التي تلت الحرب العالمية الثانية كانت قادرةً على الاتفاق على مبادئ التواصل الدولي.

كان تلفزيون «آر تي» الروسي قد نقل عن المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف قوله، في وقت سابق من يوم الخميس، إن بوتين لا يزال منفتحاً بشأن التسوية مع أوكرانيا.

وقال بيسكوف إن موسكو توافق على ما ذكره الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تصريحه بأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي «يبطئ» عملية التسوية مع روسيا.

في الوقت نفسه، نقلت وكالة «سبوتنيك» عن الكرملين، قوله، إن روسيا تعدّ استمرار الحوار مع الولايات المتحدة أمراً ضرورياً ومهماً.

وقال المتحدث باسم الكرملين، إن الوضع في كييف «يتدهور يوماً بعد يوم، وقد حان الوقت لكي يتخذ زيلينسكي قراراً»، دون أن يفصح عمّا يعنيه بهذا القرار.