أقارب ضحايا «سريبرينيتسا» ينشدون السلام بعد 3 عقود على المذابح

امرأة من البوسنة تبحث في مقبرة «بوتوكاري» التذكارية عن قبور أقربائها الذين قُتلوا في مذبحة «سريبرينيتسا»... (رويترز)
امرأة من البوسنة تبحث في مقبرة «بوتوكاري» التذكارية عن قبور أقربائها الذين قُتلوا في مذبحة «سريبرينيتسا»... (رويترز)
TT

أقارب ضحايا «سريبرينيتسا» ينشدون السلام بعد 3 عقود على المذابح

امرأة من البوسنة تبحث في مقبرة «بوتوكاري» التذكارية عن قبور أقربائها الذين قُتلوا في مذبحة «سريبرينيتسا»... (رويترز)
امرأة من البوسنة تبحث في مقبرة «بوتوكاري» التذكارية عن قبور أقربائها الذين قُتلوا في مذبحة «سريبرينيتسا»... (رويترز)

أخيراً، عُثر رسمياً على سيداليا أليتش وحسيب عمروفيتش وسيتم دفنهما، الجمعة، بجوار آلاف الضحايا الآخرين الذين قُتلوا قبل 30 عاماً بالضبط في الإبادة الجماعية في سريبرينيتسا، مع العلم أنّ أحباءهما لن يدفنوا سوى عظمة أو اثنتين فقط، على أمل أن يكون ذلك كافياً لمنح السلام للموتى والأحياء على السواء.

كان الرجلان بين أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى مسلم قُتلوا على يد قوات صرب البوسنة بعد استيلائها على المدينة في 11 يوليو (تموز) 1995، في واحدة من أسوأ الفظائع التي شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وحسب السلطات، لا يزال نحو ألف شخص من ضحايا المجازر في عداد المفقودين.

امرأة من البوسنة تبكي بجوار قبور أقربائها في مقبرة «بوتوكاري» التذكارية (رويترز)

وقالت ميرزيتا كاريتش عن والدها سيداليا أليتش، بابتسامة: «كان الجميع يُطلقون عليه اسم (بركو) أي شارب. لم أره يوماً حليق الشارب. كم كان ساحراً!»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

في ديسمبر (كانون الأول) 1993، بعد أكثر من عام من اندلاع الحرب العرقية في البوسنة، كان «بركو» وابنته التي كانت تبلغ (18 عاماً) آنذاك، آخر من فرّوا من قريتهما «ياغودنيا» في منطقة «سريبرينيتسا»، تحت نيران قوات صرب البوسنة.

قالت كاريتش، البالغة حالياً (50 عاماً): «كان الثلج يتساقط، ولم يكن هناك ما يدفئني سوى الجوارب. كلٌّ منا كان يحمل كيس حبوب يزن خمسين كيلوغراماً على ظهره، وتوجهنا إلى سريبرينيتسا».

امراة مسلمة من البوسنة تسير بين شواهد القبور في مقبرة «بوتوكاري» التذكارية قرب «سريبرينيتسا» شرق البوسنة (أ.ف.ب)

وأعلنت الأمم المتحدة المدينة المنكوبة «منطقة محمية»، ما استقطب عشرات الآلاف من المسلمين الذين كانوا يأملون في إيجاد ملجأ. لكنهم حوصروا في المكان.

مطلع عام 1994، سلكت كاريتش طريق النزوح مرة أخرى، بعد إجلائها من «سريبرينيتسا» في قافلة للصليب الأحمر مع والدتها وزوجة أخيها الحامل. وبقي في المدينة والدها المريض وشقيقها سيدين.

طفلان بوسنيان قرب شواهد القبور في مقبرة «بوتوكاري» التذكارية قرب «سريبرينيتسا» شرق البوسنة (رويترز)

قالت كاريتش، المقيمة في السويد منذ عام 1998، لوكالة الصحافة الفرنسية: «أخذني والدي بين ذراعيه وبكى. قال لي: سنلتقي مجدداً يوماً ما. لا تزال كلماته ترن في أذنيّ. لم أره مرة أخرى، ولم أرَ أخي أيضاً».

وها هي تعود الآن إلى البوسنة، يوم الجمعة، لتحضر جنازة والدها، الذي سيكون الفرد الخمسين من عائلتها الذي يُوارَى في مقبرة «بوتوكاري» التذكارية إلى جانب أعمامها الخمسة وأبنائهم الخمسة. دُفن شقيقها سيدين الذي كان يبلغ (22 عاماً) عند مقتله، سنة 2003.

«عظْمة واحدة»

قالت كاريتش التي سمّت ابنها تيمناً بوالدها: «لقد تحمّلتُ كل شيء، لكنني أعتقد أن هذه الجنازة ستكون الأسوأ. سندفن عظمة واحدة. لا أستطيع وصف الألم».

صورة علوية لمقبرة «بوتوكاري» التذكارية شرق البوسنة التي دُفن بها ضحايا مذبحة «سريبرينيتسا»... (رويترز)

لم يُعثَر إلا على الفك السفلي لوالدها في المقابر الجماعية، حيث نقلت قوات صرب البوسنة جثث الضحايا بعد أشهر من المذبحة في محاولة للتستر على الجريمة.

قال خبراء إن أجزاء كثيرة من رفات الضحايا طُحنت باستخدام آلات ثقيلة، وهو ما لم يترك لخبراء الطب الشرعي في كثير من الأحيان سوى بضع عظام لتحديد هوية الضحايا من خلال اختبار الحمض النووي. سيُوضع عظم الفك في نعش حسيب عمروفيتش الذي يُدفن الجمعة.

ميفليدا عمروفيتش تبكي وخلفها تكوين بصري لصورتي زوجها حسيب عمروفيتش وابنهما عظيم (أ.ف.ب)

وقالت زوجته ميفليدا عمروفيتش: «بعد ثلاثين عاماً، لم يعد لديّ ما أنتظره».

وأضافت الزوجة البالغة (55 عاماً): «من الأفضل دفنهما، حتى لو اقتصر ذلك على عظمتين فقط، لأتمكن من زيارة قبره مع الأبناء».

آسيا عمروفيتش تحمل صور أفراد عائلتها الذين قُتلوا في مذبحة «سريبرينيتسا»... (أ.ب)

وأضافت أن حسيب عمروفيتش وشقيقه احتُجزا معاً، وربما أُعدما في أحد مواقع الإعدام الجماعي الخمسة الرئيسية في منطقة سريبرينيتسا. وكان عمره (33 عاماً).

انفصلت العائلة في 11 يوليو (تموز) 1995، عندما غادرت ميفليدا عمروفيتش مع ابنتهما البالغة تسع سنوات وابنهما البالغ ست سنوات إلى قاعدة الأمم المتحدة.

ودّع حسيب وميفليدا كل منهما الآخر في الشارع.

صور لابني زهرة مالك اللذين قضيا في مذبحة «سريبرينيتسا» معروضة بدار لكبار السن بقرية بوتوكاري بالبوسنة (أ.ب)

وتستذكر ميفليدا، والدموع تنهمر من عينيها في منزلها الحالي في «سريبرينيك» شمال شرقي البوسنة: «كل ما قاله لي هو: اعتنِ بطفلينا جيداً. كانت تلك كلماته الأخيرة».

وتقول: «عندما أنظر إلى ولديّ، أراه من خلالهما. كان في أحلى سنوات عمره، وسيماً كالوردة، وذكياً. لكن لا مفرّ من القدر».

«كنا سعداء»

لن تحضر شقيقة حسيب جنازته، إذ إنها توفيت قبل أسبوع.

زهرة مالك تحمل صور ابنيها اللذين قضيا بمذبحة «سريبرينيتسا» في البوسنة (أ.ب)

وتقول ميفليدا عمروفيتش: «قُتل أبناؤها الثلاثة وزوجها وشقيقاها. فقدت جميع رجالها. لم يعد قلبها يحتمل».

لا تزال هذه المرأة تأمل في العثور على رفات شقيقها الآخر سيناد الذي كان عمره (17 عاماً) عندما قُتل في الغابات المحيطة بسريبرينيتسا.

مع صورة شقيقها في يد وصورة زوجها في اليد الأخرى، استذكرت ميفليدا عمروفيتش حياتهما قبل الحرب ببريق في عينيها الزرقاوين.

شهيدة عبد الرحمنفيتش تحمل صور أفراد عائلتها الذين قُتلوا في مذبحة «سريبرينيتسا»... (أ.ب)

كان الزوجان قد شيّدا منزلاً للتوّ. وكان حسيب يعمل في منجم كبير للبوكسيت (الخام الطبيعي الذي يُصنع منه معظم معدن الألمنيوم)، حيث كان يتولى صيانة الآلات، وعملت ميفليدا في بقالة بالقرية.

وتقول: «كان ذا روح طيبة، ولطيفاً مع الجميع. كان لديه كثير من الأصدقاء الصرب الذين يُكنّون له الاحترام (قبل الحرب)، وظننتُ أن ذلك سيُنقذه».

وتضيف: «كنا نتبادل الحب والاحترام. كنا سعيدين. هذه أعظم ثروة. يُمكن للمرء أن يشتري كل شيء، لكن لا يُمكنه أن يُشتري السعادة. ومع ذلك، فالسعادة لا تستمر طويلاً. كل شيء جميل لا يستمر طويلاً».



غابرييل أتال... «الفتى الطموح» يرفع راية الوسطية لإنقاذ «الماكرونية» من حصار اليمين

رئيس وزراء فرنسا الأسبق غابرييل أتال (رويترز)
رئيس وزراء فرنسا الأسبق غابرييل أتال (رويترز)
TT

غابرييل أتال... «الفتى الطموح» يرفع راية الوسطية لإنقاذ «الماكرونية» من حصار اليمين

رئيس وزراء فرنسا الأسبق غابرييل أتال (رويترز)
رئيس وزراء فرنسا الأسبق غابرييل أتال (رويترز)

لم يكن إعلان غابرييل أتال، رئيس وزراء فرنسا الأسبق، ترشحه للانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، من بلدة «مور دي باريه» الهادئة في جنوب فرنسا، مجرد خطوة سياسية عادية، بل جاء بمثابة إطلاق مبكر لصافرة معركة وجودية شرسة لتيار الوسط.

أتال، الذي لم يتجاوز الـ37 من عمره، يتقدم اليوم ليتحمل العبء الأثقل: الحفاظ على إرث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وإعادة ترميم جدار الوسطية المتصدع أمام زحف اليمين المتطرف المتصاعد بقيادة مارين لوبان وجوردان بارديلا.

الصعود الصاروخي... من أروقة الوزارات إلى زعامة «رينيسانس»

يُمثل غابرييل أتال ظاهرة فريدة في السياسة الفرنسية الحديثة؛ فمنذ دخوله الإليزيه وجهاً شاباً، حرق المراحل بسرعة مذهلة. تنقّل بين ملفات حساسة ومتباينةـ من هندسة الأرقام في وزارة الميزانية، إلى إدارة المعارك الهوياتية والاجتماعية المعقدة في وزارة التعليم.

هذا التنوع بنى له رصيداً سياسياً أهّله لدخول التاريخ في يناير (كانون الثاني) 2024 كـأصغر رئيس وزراء في تاريخ الجمهورية الخامسة (34 عاماً)، وأول مسؤول في هذا المنصب يعلن مثليته الجنسية علناً. ورغم الهزات السياسية العنيفة التي تلت قرار ماكرون بحل الجمعية الوطنية في يونيو (حزيران) من العام نفسه، أثبت أتال مرونة سياسية فائقة؛ حيث قاد الحكومة كـ«تصريف أعمال» بكفاءة وهدوء حتى سبتمبر (أيلول)، مما عزز صورته بوصفه رجل دولة يجيد إدارة الأزمات العاصفة.

رئيس وزراء فرنسا الأسبق غابرييل أتال (د.ب.أ)

إرث ماكرون... عبء التركة وطموح التجديد

يواجه أتال معضلة حقيقية تتمثل في كيفية التموضع كخلَفٍ حتمي لرئيس يمنعه الدستور من الترشح لولاية ثالثة. فالانتماء إلى حزب «رينيسانس» (النهضة) يمنحه الشرعية السياسية والقاعدة التمويلية والتنظيمية، لكنه في الوقت ذاته يطوقه بتبعات السياسات الماكرونية المثيرة للجدل، والتي أضعفت شعبية المعسكر الوسطي في الشارع الفرنسي.

الخطاب الذي ألقاه أتال لم يكن مجرد إعلان ترشح، بل كان محاولة ذكية للفصل بين «الوفاء للمشروع» و«تجديد الدماء». ومن خلال التركيز على «الحب العميق لفرنسا والشعب الفرنسي»، يحاول أتال إضفاء لمسة عاطفية وإنسانية غابت غالباً عن أسلوب ماكرون الذي اتسم بالتكنوقراطية والنخبوية الفوقية.

رئيس وزراء فرنسا الأسبق غابرييل أتال (أ.ف.ب)

في مواجهة «التسونامي» اليميني... معركة استعادة الشارع

تأتي قفزة أتال إلى الأمام في وقت تكشف فيه استطلاعات الرأي عن سيناريوهات قاتمة لتيار الوسط، حيث يتصدر مرشحو حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف (مارين لوبان أو جوردان بارديلا) النوايا التصويتية. يدرك أتال أن المعركة المقبلة لن تكون استعراضاً للمهارات الخطابية، بل حرباً شرسة لاستعادة الطبقات الوسطى والعمالية التي شعرت بالتهميش.

رهان أتال يعتمد على تقديم نفسه كـ«بديل عقلاني ومستقر» قادر على حماية فرنسا من قفزة في المجهول قد يفرضها اليمين المتطرف، مستغلاً كاريزمته الشخصية وقدرته العالية على التواصل مع جيل الشباب الذي يبحث عن ملامح جديدة للقيادة..

رئيس وزراء فرنسا الأسبق غابرييل أتال (رويترز)

فرنسـا 2027... طموح الشباب في اختبار النضج السياسي

بإعلانه المبكر، يقطع غابرييل أتال الطريق على منافسيه داخل معسكر الوسط نفسه، ويفرض نفسه رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في ترتيبات ما بعد ماكرون. إلا أن السؤال الكبير الذي يتردد الآن في الصالونات السياسية الباريسية: هل يكفي «الشباب والكاريزما الحزبية» لإقناع شعب فرنسي غاضب ومنقسم؟

الأشهر المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي لنضج هذا «الفتى الطموح»، لمعرفة ما إذا كان قادراً على تحويل إرث ماكرون من «عبء سياسي» إلى «منصة انطلاق» نحو قصر الإليزيه.


«الصحة العالمية» تحث على مواصلة رصد فيروس «هانتا» بعد ظهور إصابة جديدة

تيدروس أدهانوم ​غيبريسوس مدير عام منظمة الصحة العالمية خلال مؤتمر صحافي في جنيف (إ.ب.أ)
تيدروس أدهانوم ​غيبريسوس مدير عام منظمة الصحة العالمية خلال مؤتمر صحافي في جنيف (إ.ب.أ)
TT

«الصحة العالمية» تحث على مواصلة رصد فيروس «هانتا» بعد ظهور إصابة جديدة

تيدروس أدهانوم ​غيبريسوس مدير عام منظمة الصحة العالمية خلال مؤتمر صحافي في جنيف (إ.ب.أ)
تيدروس أدهانوم ​غيبريسوس مدير عام منظمة الصحة العالمية خلال مؤتمر صحافي في جنيف (إ.ب.أ)

حث تيدروس أدهانوم ​غيبريسوس مدير عام منظمة الصحة العالمية، اليوم الجمعة، الدول على مواصلة مراقبة ركاب ‌سفينة سياحية ‌للتأكد ​من ‌عدم إصابتهم ​بفيروس «هانتا»، بعد اكتشاف إصابة أحد أفراد الطاقم وهو هولندي الجنسية.

وقال غيبريسوس، في مؤتمر ‌صحافي ‌في ​جنيف، «نواصل ‌حث الدول ‌المعنية على متابعة جميع الركاب والتعامل بحذر خلال الفترة ‌المتبقية من الحجر الصحي».

وأضاف، وفقاً لوكالة «رويترز»، أن أحد أفراد الطاقم، وهو هولندي الجنسية، ثبتت إصابته بالفيروس ويخضع حالياً للعزل، وبذلك يرتفع العدد الإجمالي للحالات إلى 12.

وتفشي الفيروس على متن السفينة السياحية «إم في هونديوس» ما أدى إلى وفاة ثلاثة من ركابها، وأثار حالة من القلق في مطلع مايو (أيار). و«المريض صفر»، وهو هولندي، كان قد مكث في أوشوايا بالأرجنتين لمدة 48 ساعة قبل صعوده على متن السفينة.


نظام التعرف على الوجوه في شوارع لندن يختبر التوازن بين الأمن والحرية

كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)
كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)
TT

نظام التعرف على الوجوه في شوارع لندن يختبر التوازن بين الأمن والحرية

كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)
كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)

وجد سياح ومتسوقون وموظفون في شارع مزدحم بلندن، خلال يوم ‌عمل عادي، أنفسهم جزءاً من عملية رقمية للتحقق من الهوية، إذ كانت كاميرات التَّعرُّف على الوجوه تلتقط صورهم وتفحص ملامحهم وتقارنها بقائمة المطلوبين لدى الشرطة.

تعد هذه العملية مثالاً على تقنيات تقول شرطة العاصمة إنها تحدث تحولاً في أساليب العمل الشرطي، إذ ساعدت ​عناصرها على القبض على نحو 2500 مطلوب منذ مطلع 2024، بينهم مشتبه بهم في جرائم عنف وجرائم جنسية.

لكن منتقدين يرون أنَّ استخدام تقنية التَّعرُّف الفوري على الوجوه يقوِّض مبدأ قرينة البراءة الذي يقوم عليه القانون البريطاني، من خلال التعامل مع كل المارة بوصفهم مشتبهين محتملين.

والشهر الماضي، تمَّ رفض طعن قضائي تقدَّم به نشطاء في مجال الحريات المدنية وأحد العاملين في الخدمة الاجتماعية، سبق أن جرى التَّعرُّف عليه خطأ بصفته مشتبهاً به، مما يفتح الطريق أمام توسيع استخدام هذه التقنية.

وفي منطقة فيكتوريا بوسط لندن، في أحد أيام الاثنين مؤخراً، لم يُبدِ سوى عدد قليل من الأشخاص قلقاً من وجود الكاميرات المؤقتة وعربة الشرطة واللافتات التي تشير إلى تشغيل نظام التَّعرُّف على الوجه.

وخلال ‌أقل من ساعة، ‌نبه النظام أحد أفراد الأمن داخل عربة المراقبة إلى تطابق محتمل، فتوجهت ​عناصر ‌من الشرطة ​إلى رجل واستجوبوه لفترة قصيرة قبل أن يتركوه. وقالت الشرطة لاحقاً إن التنبيه كان مرتبطاً بقيود قضائية مفروضة عليه، وليس بمذكرة اعتقال.

وبعد نحو 30 دقيقة، صدر تنبيه ثانٍ، إذ بدا الذعر على رجل يرتدي سترة رمادية بغطاء رأس وقبعة سوداء، وينتعل حذاءً رياضياً أزرق اللون عندما أوقفه شرطيان على الرصيف. وجرى تكبيله بالأصفاد، وانتظر بجانب الطريق إلى أن وصلت عربة شرطة لاقتياده إلى الحجز.

الشرطة تشيد بالتكنولوجيا «غير المسبوقة»

قالت ليندسي تشيسويك، المسؤولة عن برنامج التَّعرُّف على الوجوه في شرطة العاصمة وعلى المستوى الوطني، إنَّ تأثير هذه التكنولوجيا كان «غير مسبوق» على عمل الشرطة في لندن، إذ ساعد أفراد الأمن على تحديد هوية مشتبه بهم في جرائم تشمل السرقة والاغتصاب والخنق.

كاميرات التَّعرُّف على الوجوه تلتقط صور المارة وتفحص ملامحهم وتقارنها بقائمة المطلوبين لدى الشرطة البريطانية (رويترز)

وفي حديثها خلال ‌عملية ميدانية في منطقة فيكتوريا، أشارت إلى واقعة حديثة تتعلق بمجرم ‌مدان بالاعتداء الجنسي على الأطفال تم التَّعرُّف عليه في أثناء سيره في الشارع ​ممسكاً بيد طفلة تبلغ من العمر 8 سنوات.

وقالت: «لم يكن ‌ينبغي إطلاقاً أن يكون بمفرده مع طفلة صغيرة على هذا النحو... ونتيجة لذلك، عاد الآن إلى السجن».

وأفادت ‌شرطة العاصمة بأنَّ عملية نشر هذه التقنية في فيكتوريا، بالتزامن مع عملية أخرى في توتنهام شمال لندن، أسفرت عن 6 اعتقالات بتهم تشمل التهديد بالقتل.

ولطالما كانت بريطانيا من بين أكثر الدول استخداماً لكاميرات المراقبة في الأماكن العامة، إذ يمكن تصوير سكان لندن مئات المرات يومياً في أثناء تنقلهم في أنحاء المدينة.

وأصبحت البلاد اليوم من بين الدول الرائدة في أوروبا في استخدام تقنية ‌التَّعرُّف الفوري على الوجوه في عمليات الشرطة، بقيادة شرطة لندن.

وتعمل هذه التقنية على تحويل ملامح الوجه إلى بيانات بيومترية تُقارن بقوائم مراقبة تضم نحو 17 ألف شخص، جمعت في الأساس من صور المحتجزين، إذ إنَّ الصور الملتقطة عبر كاميرات المراقبة لا تكون دقيقة بما يكفي للاستخدام.

ويقول نشطاء في مجال الحريات المدنية إن القضية لا تتعلق بالدقة فحسب، بل بالمبدأ أيضاً، عادّين أن هذه التكنولوجيا تتيح للشرطة فحص أعداد كبيرة من الأشخاص من دون وجود شبهات فردية.

وقالت منظمة «بيغ براذر ووتش»، التي تعارض استخدام تقنيات التَّعرُّف على الوجوه، إنَّ هذه الممارسات تنطوي على خطر تكريس المراقبة الجماعية في الأماكن العامة.

وذكرت جاسلين تشاجار كبيرة المسؤولين القانونيين والسياسيين في المنظمة: «نحن معرَّضون لخطر أن نصبح أمةً من المشتبه بهم، نُراقَب منذ لحظة خروجنا من منازلنا، مما سيؤثر بشكل كبير على حقوقنا في الخصوصية وحرية التعبير وحرية التجمع».

واستُخدمت هذه التقنية خلال مسيرة مناهضة للهجرة بوسط لندن نهاية الأسبوع الماضي، في سابقة هي الأولى من نوعها، ما أثار انتقادات من جماعات الحريات المدنية ومنظمي المظاهرة.

ومن جانبها، قالت تشيسويك إن شرطة لندن أثبتت قدرتها على استخدام هذه التقنية بشكل مسؤول، وإنها تحظى بدعم واسع ​من الجمهور.

وأضافت: «يريد الناس القضاء على الجريمة في ​شوارعنا، ويريدون أن يعود المطلوبون منذ فترة طويلة والذين يستخدم بعضهم هويات مزيفة، إلى السجن حيث ينتمون».

وتابعت: «بشكل عام، تظهر استطلاعاتنا الفصلية أنَّ نحو 80 في المائة من الجمهور في لندن يؤيِّد استخدام هذه التكنولوجيا، وهي نسبة مرتفعة للغاية».