طهران: لم نقدم طلباً للتفاوض وندرس عرض واشنطن

ويتكوف تحدث عن عقد جولة جديدة في غضون أسبوع

سيارات تمر أمام مبنى يحمل لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران 22 يونيو 2025 (إ.ب.أ)
سيارات تمر أمام مبنى يحمل لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران 22 يونيو 2025 (إ.ب.أ)
TT

طهران: لم نقدم طلباً للتفاوض وندرس عرض واشنطن

سيارات تمر أمام مبنى يحمل لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران 22 يونيو 2025 (إ.ب.أ)
سيارات تمر أمام مبنى يحمل لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران 22 يونيو 2025 (إ.ب.أ)

تدرس طهران طلب الولايات المتحدة لاستئناف المفاوضات، مع تأكيدها تلقي طلب من واشنطن لعقد لقاء مع مسؤولين أميركيين بشأن استئناف المحادثات النووية. وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إن بلاده لا تزال مهتمة بالدبلوماسية، لكن «لدينا أسباب وجيهة للشك في إمكانية إجراء المزيد من الحوار».

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إن مسؤولين إيرانيين تواصلوا مع الولايات المتحدة لترتيب موعد لاستئناف المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني، مؤكداً أن إدارته ستجتمع مع إيران.

وكتب عراقجي في مقال رأي نُشر اليوم الثلاثاء، في صحيفة «فاينانشال تايمز»، أن إيران تلقت في الأيام القليلة الماضية رسائل تشير إلى أن الولايات المتحدة ربما تكون مستعدة للعودة إلى المفاوضات.

وحمّلت طهران إسرائيل مسؤولية انهيار المحادثات التي كانت جارية، عندما شن الجيش الإسرائيلي هجمات على إيران في 13 يونيو (حزيران)، ما أدى إلى اندلاع حرب استمرت 12 يوماً، دارت رحاها جواً، وأسفرت عن مقتل عدد من القادة العسكريين الإيرانيين والعلماء في مجال الطاقة النووية.

وقال عراقجي: «جرى تخريب التقدم المحرز في المحادثات بين إيران وأميركا؛ ليس من قبل إيران بل من قبل حليف ظاهري لأميركا». وأضاف: «طهران لا تزال مهتمة بالدبلوماسية ولكن لدينا سبب وجيه للشك بشأن المزيد من الحوار».

وجاء في مقاله: «في خمسة اجتماعات فقط خلال تسعة أسابيع، حققتُ أنا والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف أكثر مما حققته خلال أربع سنوات من المفاوضات النووية مع إدارة بايدن الفاشلة. كنا على وشك تحقيق اختراق تاريخي».

وحذر عراقجي من شن هجمات جديدة، قائلاً: «سنهزم أي هجوم على شعبنا في المستقبل». وقال: «بعد موافقتنا على مفاوضات جديدة بحسن نية، رأينا حسن نيتنا يُقابل بهجومٍ شنّته قوتان عسكريتان نوويتان». وأضاف: «لا تزال إيران مهتمة بالدبلوماسية، لكن لدينا أسباب وجيهة للشك في جدوى مواصلة الحوار».

وبشأن وقف إطلاق النار الذي بدأ بوساطة أميركية، قال عراقجي: «طهران قاومت العدوان بقوة حتى اضطرت إسرائيل إلى الاعتماد على ترمب لإنهاء الحرب التي بدأتها». وتابع: «بعد أن واجهنا معاملة جائرة، فستكون إيران أكثر حذراً من الآن». وتابع: «ملتزمون دائماً ببرنامج نووي سلمي تحت مراقبة الأمم المتحدة باعتبارنا دولة موقعة على معاهدة منع الانتشار النووي».

ونقلت «رويترز» عن عراقجي قوله إن «إسرائيل زعمت زوراً أن ضرباتها الجوية كانت تهدف إلى منع إيران من صنع أسلحة نووية». ولفت إلى أن بلاده تركز أيضاً على إنهاء العقوبات ومشاركة واشنطن في التعاون الاقتصادي الأوسع.

وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد قال، في مقابلة صحافية، إن المرشد الإيراني علي خامنئي منفتح على دخول المستثمرين الأميركيين. وأوضح عراقجي: «طهران منفتحة على التعاون المتبادل الذي من شأنه أن ينشط الاقتصاد الإيراني».

عراقجي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال التقاط الصورة الجماعية لقادة الدول المشاركة في قمة «بريكس» في ريو دي جانيرو الاثنين (أ.ف.ب)

وفي وقت متأخر، الاثنين، نفت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن يكون وزير الخارجية عباس عراقجي قد زار واشنطن، في طريق عودته من ريو دي جانيرو، حيث شارك في قمة «بريكس».

ولاحقاً، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في منشور على «إكس»، إن عراقجي سيزور السعودية في طريق عودته من البرازيل للقاء المسؤولين‭ ‬السعوديين ومناقشة العلاقات بين البلدين والسلام والأمن في المنطقة.

استعراض «النجاح الإيراني»

وقال ترمب للصحافيين خلال استقباله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، مساء الاثنين: «حددنا موعداً للمحادثات مع إيران، وهم يرغبون بذلك... إنهم يريدون التحدث». وكان قد صرّح سابقاً بأن المحادثات ستستأنف قريباً.

وكانت هذه المفاوضات قد بدأت في أبريل (نيسان)، لكنها توقفت إثر انطلاق العمليات العسكرية الإسرائيلية، الشهر الماضي.

من جانبه، أوضح مبعوث ترمب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، الذي كان جالساً إلى جانبه خلال اللقاء، أن الاجتماع قد يعقد خلال أسبوع. ويأتي ذلك بعد تقارير إسرائيلية عن اتصالات إيرانية - أميركية لعقد جولة سادسة من المحادثات في جنيف.

وفي لقائهما، تطرق ترمب ونتنياهو أيضاً إلى الملف النووي الإيراني بعد وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 24 يونيو، والذي شهد مشاركة الولايات المتحدة، بعد أن أمر ترمب بشن غارات على ثلاثة مواقع نووية رئيسية في إيران، باستخدام قنابل خارقة للتحصينات وصواريخ «توماهوك».

وعبر الزعيمان عن تفاؤلهما بأن «النجاح» في إيران سيمهد لعهد جديد في الشرق الأوسط. وقال ترمب: «أعتقد أن الأمور ستستقر كثيراً في المنطقة... إنهم يحترموننا، ويحترمون إسرائيل».

وأشار ترمب إلى رغبته في رفع العقوبات الأميركية عن إيران في الوقت المناسب. وقال إن الخطوة الأخيرة لرفع العقوبات عن سوريا ستساعد دمشق على المضي قدماً، معرباً عن أمله في أن تتخذ إيران خطوة مماثلة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستضيف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مأدبة عشاء في البيت الأبيض الاثنين (د.ب.أ)

وأضاف: «أود أن أتمكن، في الوقت المناسب، من رفع تلك العقوبات، ومنحهم فرصة لإعادة البناء؛ لأنني أود أن أرى إيران تبني نفسها من جديد بطريقة سلمية، لا أن تتردّد في ترديد شعارات مثل: الموت لأميركا، الموت للولايات المتحدة، الموت لإسرائيل، كما كانوا يفعلون».

ونقلت «رويترز» عن نتنياهو قوله إن تغيير الحكومة الإيرانية «متروك للشعب الإيراني».

ويبدو أن ترمب وكبار معاونيه يسعون إلى استغلال أي زخم ناتج عن إضعاف إيران - الداعمة لـ«حماس» - لدفع إسرائيل والحركة الفلسطينية نحو التوصّل إلى انفراجة بشأن الحرب المستمرة في غزة منذ 21 شهراً.

وقبل اللقاء، قال ترمب إنه يريد مناقشة آفاق التوصّل إلى «اتفاق دائم» مع إيران، العدو الإقليمي اللدود لإسرائيل.

ومن جانبه، قال نتنياهو للصحافيين إنه سيشكر ترمب على الغارات الجوية الأميركية على مواقع نووية إيرانية.

وقال ترمب للصحافيين، الجمعة، إنه يعتقد أن البرنامج النووي الإيراني تعرّض لانتكاسة دائمة، لكنه أشار إلى أن إيران قد تستأنف أنشطتها في أماكن أخرى. وتُنكر إيران سعيها لامتلاك سلاح نووي.

طهران ترد بحذر

وفي وقت لاحق، نقلت وكالة «مهر» الرسمية عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، قوله إن «مزاعم ترمب كاذبة»، دون أن يؤكد أو ينفي احتمال عقد جولة جديدة. لكن الوكالة، المقرّبة من مكتب المرشد الإيراني، نقلت لاحقاً عن مصادر مطلعة أن «الولايات المتحدة، بعد فشلها في وقف القدرات النووية الإيرانية، قد طلبت استئناف المفاوضات».

وأضافت الوكالة، نقلاً عن المصادر، أن «الخارجية الإيرانية تدرس هذا الطلب حالياً». وأشارت إلى أن «الولايات المتحدة سعت، عبر وساطات من دول متعددة، إلى استئناف المحادثات مع إيران». وأضافت: «تقوم وزارة الخارجية حالياً بدراسة ضرورة هذه المفاوضات، والتحقق من مصداقية الادعاءات الأميركية، إلى جانب بحث آليات لجولة جديدة تشمل رفع العقوبات، ومستوى التخصيب، وتعويضات الحرب المفروضة».

رسائل إيرانية

وقال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في مقابلة نُشرت، الاثنين، إنه يعتقد أن طهران قادرة على حل خلافاتها مع الولايات المتحدة عبر الحوار، لكن بناء الثقة سيشكل تحدياً بعد الهجمات الأميركية والإسرائيلية.

وقال بزشكيان في المقابلة التي أجراها معه الإعلامي الأميركي المحافظ، تاكر كارلسون، السبت: «أرى أننا قادرون على حل خلافاتنا مع الولايات المتحدة من خلال الحوار والمحادثات».

وحض بزشكيان نظيره الأميركي على عدم الانجرار إلى حرب مع إيران يدفعه إليها نتنياهو. وأضاف: «الرئيس الأميركي قادر على قيادة المنطقة نحو السلام ومستقبل أكثر إشراقاً، ووضع حد لإسرائيل، أو السقوط في حفرة لا نهاية لها... مستنقع. لذا، فإن اختيار المسار متروك لرئيس الولايات المتحدة».

كما قال بزشكيان إن الضربات الجوية الأميركية ألحقت أضراراً بالغة بالمنشآت النووية، إلى درجة أن السلطات الإيرانية لم تتمكن بعد من دخولها لتقييم حجم الدمار.

وأشار إلى أن إيران مستعدة لاستئناف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنها غير قادرة حالياً على الالتزام بالسماح للمفتشين الدوليين بدخول غير مقيد إلى المواقع النووية.

وقال بزشكيان: «نحن مستعدون لهذا النوع من الإشراف، لكن للأسف، وبسبب الهجمات غير القانونية التي شنّتها الولايات المتحدة على منشآتنا النووية، فإن العديد من المعدات والمنشآت قد تعرّضت لأضرار جسيمة».

ملصق لمنشأة تخصيب اليورانيوم في فوردو يعرض خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون 26 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

وأجرت إيران خمس جولات من المفاوضات بوساطة عمانية منذ أبريل، لكنها رفضت الشرط الأميركي بوقف تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات والتوصّل إلى اتفاق جديد.

وفي هذا السياق، تسلّم وزير الخارجية العُماني، بدر بن حمد البوسعيدي، الثلاثاء، رسالتين خطّيتين من نظيره الإيراني، عباس عراقجي، تتعلقان بالعلاقات الثنائية، وفقاً لما أوردته وكالة «إرنا».

إلى ذلك، أعلنت الحكومة الإيرانية حصيلة جديدة لضحايا الحرب مع إسرائيل، مشيرة إلى مقتل ما لا يقل عن 1060 شخصاً، ومحذّرة من احتمال ارتفاع العدد في ظل وجود إصابات حرجة.

وقال سعيد أوحدي، رئيس «مؤسسة الشهداء وشؤون المحاربين القدامى» الإيرانية، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي، مساء الاثنين، إن عدد القتلى قد يرتفع إلى 1100، نظراً لخطورة بعض الإصابات.

وخلال الحرب، خفّضت إيران من تقديراتها لحجم الأضرار الناتجة عن القصف الإسرائيلي، الذي استهدف منظومات الدفاع الجوي، والبنية التحتية لبرنامجيها النووي والصاروخي. ومع سريان وقف إطلاق النار، بدأت طهران تدريجياً بالاعتراف باتساع حجم الدمار، لكنها لم تكشف بعد عن حجم خسائرها في المعدات العسكرية.

من جانبها، أفادت منظمة «هرانا» لحقوق الإنسان، ومقرها واشنطن، أن 1190 شخصاً قُتلوا في الحرب، بينهم 436 مدنياً و435 عنصراً من القوات الأمنية، فيما بلغ عدد الجرحى 4475، بحسب بياناتها.


مقالات ذات صلة

سكان طهران يفرون من القصف شمالاً إلى «الريفييرا» الإيرانية الهادئة

شؤون إقليمية أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)

سكان طهران يفرون من القصف شمالاً إلى «الريفييرا» الإيرانية الهادئة

تبدو الحرب الدائرة في إيران بعيدة كل البعد عن منتجعات بحر قزوين الهادئة حيث لا انفجارات ولا حواجز تذكر، ومتاجر مليئة بالبضائع، يلجأ إليها سكان من طهران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي لقطة عامة للسفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد (إ.ب.أ)

تقرير: استئناف هجمات بصواريخ ومُسيرات على السفارة الأميركية في بغداد

أفادت مصادر أمنية باستئناف هجمات ​بالصواريخ والطائرات المسيرة على السفارة الأميركية ومنشأة دبلوماسية في العراق اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية تجمع لإيرانيين في طهران دعماً للمرشد الجديد مجتبى خامنئي 9 مارس (أ.ب)

السلطات الإيرانية تدعو لمظاهرات حاشدة في مواجهة «مخططات الأعداء»

دعت السلطات في طهران، الثلاثاء، المواطنين إلى النزول إلى الشوارع في مواجهة «مخططات الأعداء».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ب) p-circle

تركيا: اغتيالات إسرائيل السياسية لقادة إيران غير قانونية

انتقد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، اليوم الثلاثاء، إسرائيل بشدة، بعد إعلانها اغتيال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
أوروبا لقطة تُظهر مبنى البرلمان في لندن من الداخل (رويترز)

الحكومة البريطانية تحقق في تسريب مناقشات لمجلس الأمن القومي

أفادت رسالة أمينة سر مجلس الوزراء البريطاني بأن «مجموعة الأمن الحكومية» فتحت ​تحقيقاً في تسريب ​مناقشات مجلس ⁠الأمن القومي عن استخدام واشنطن لقواعد بريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إسرائيل تعلن مقتل لاريجاني… وطهران تقر بمقتل قائد «الباسيج»

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)
TT

إسرائيل تعلن مقتل لاريجاني… وطهران تقر بمقتل قائد «الباسيج»

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)

قالت إسرائيل، الثلاثاء، إنها قتلت أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، وقائد قوات «الباسيج» غلام رضا سليماني، في واحدة من أكثر الضربات حساسية منذ بدء الحرب، ومقتل المرشد علي خامنئي في الضربات الأولى.

وقبل تأكيد مقتل سليماني، التزمت طهران الصمت رسمياً حيال مصير الرجلين في الساعات الأولى، واكتفت وسائل إعلامها بنشر رسالة بخط يد لاريجاني، ورسالة من قائد «الباسيج»، من دون الإشارة إلى مقتلهما.

وجاء الإعلان الإسرائيلي في وقت رفضت فيه إيران، وفق رواية مسؤول كبير، مقترحات نقلتها دولتان وسيطتان لخفض التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مشددة على أن الوقت «ليس مناسباً للسلام» قبل رضوخ واشنطن وإسرائيل.

وفي موازاة ذلك، اتسع نطاق الضربات المتبادلة بين الطرفين، من طهران وشيراز وتبريز إلى أهداف في إسرائيل وقواعد أميركية في المنطقة، بينما بقي مضيق هرمز في صلب المواجهة، مع استمرار إغلاقه العملي وتزايد التداعيات على الطاقة والتجارة العالمية.

ضربة في القلب

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية قتلت علي لاريجاني، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أحد أقوى رجال الدولة في إيران، إلى جانب غلام رضا سليماني قائد «الباسيج» الذراع التعبوية لجهاز «الحرس الثوري».

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان، إنه استهداف لاريجاني في غارة قرب طهران استناداً إلى معلومات استخباراتية.

وذهب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبعد من ذلك حين وصف لاريجاني بأنه «زعيم عصابة تتولى إدارة إيران فعلياً»، معتبراً أن استهدافه جزء من جهد أوسع لتقويض بنية الحكم في طهران ومنح الإيرانيين «فرصة لتقرير مصيرهم بأنفسهم».

ومع أن نتنياهو أقر بأن هذا الهدف «لن يحدث دفعة واحدة، ولن يكون سهلاً»، فإن توصيفه للاريجاني عكس بوضوح قناعة إسرائيلية بأن الرجل كان يتجاوز موقعه الرسمي إلى دور تنسيقي مركزي داخل مؤسسات النظام.

وتزداد أهمية هذا الاستهداف إذا تأكدت الرواية الإسرائيلية، لأن لاريجاني سيكون أعلى مسؤول سياسي يقتل منذ مقتل علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب.

وقد برز اسمه خلال الأشهر الأخيرة، ثم بصورة أوضح منذ اندلاع الحرب، بوصفه الشخصية التي تجمع بين النفوذ الأمني والسياسي والقدرة على التعامل مع مراكز القوة المتعددة داخل النظام، من مؤسسات رجال الدين إلى «الحرس الثوري» مروراً بالأجهزة الأمنية والدبلوماسية.

لاريجاني يشارك في مسيرة «يوم القدس» يوم الجمعة الماضي بطهران

ولم يصدر عن طهران أي نفي أو تأكيد رسمي في الساعات الأولى. غير أن هذا الصمت لم يبدُ صمتاً عادياً. فقد بثّت قناة الأخبار في التلفزيون الإيراني رسالة لكل من لاريجاني وغلام رضا سليماني من دون الإشارة إلى أن إسرائيل تقول إنها قتلتهما. لكن بعد ساعات أكد «الحرس الثوري»في بيان رسمي مقتل سليماني.

وكانت رسالة لاريجاني، التي انتشرت صورة مخطوطتها في وسائل الإعلام الإيرانية، تكريماً لـ«ذكرى محاربي القوات البحرية للجيش»، فيما كانت رسالة سليماني، رئيس منظمة «الباسيج»، موجهة إلى القائد العام للجيش بمناسبة مراسم الوداع وتشييع المدمرة «دينا» التي ضربت قبالة سواحل سريلانكا .

ونُشر نص الرسالتين في وسائل الإعلام، في خطوة فُهمت على نطاق واسع على أنها محاولة لإظهار استمرار حضورهما أو على الأقل تجنب الإقرار السريع بما أعلنته إسرائيل.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل قائد «الباسيج» في ضربة دقيقة نُفذت في طهران، معتبراً أن قتله يمثل ضربة إضافية لهياكل القيادة والسيطرة الأمنية في إيران. وقال بعد ذلك إن سلاح الجو بدأ استهداف مقار وعناصر «الباسيج» المنتشرين في أنحاء طهران، قبل أن يعلن لاحقاً قصف أكثر من 10 مواقع لهذه القوات خلال يوم واحد.

وأشار إلى أن هذه الضربات جاءت بعد رصد انتقال نشاط «الباسيج» من مقراته الأصلية إلى مواقع بديلة، بعضها داخل مناطق مدنية في العاصمة. وأضاف أن من بين الأهداف التي ضُربت موقع قيادة طارئ كان يستخدمه «الباسيج» و«الحرس الثوري»، وكان في السابق مجمعاً لنادٍ لكرة القدم.

منظر عام للدمار الذي خلّفه القصف بمجمع «شهيدان إسماعيلي» الرياضي غرب طهران (د.ب.أ)

وقال رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، خلال تقييم أمني صباح الثلاثاء، إن الجيش الإسرائيلي يواصل تنفيذ ضربات «بحزم» ضد أهداف متعددة في إيران، مؤكداً أن العمليات الليلية حققت «إنجازات وقائية كبيرة» قد تؤثر في مسار العمليات العسكرية وأهدافها.

وأضاف زامير أن الضربات لا تقتصر على تقويض القدرات العسكرية والصناعية الإيرانية، بل تستهدف أيضاً عناصر في «الحرس الثوري» وأجهزة القمع التابعة للنظام.

خامنئي يرفض التهدئة

في الأثناء، «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير أن القيادة الجديدة رفضت مقترحات نقلتها دولتان وسيطتان إلى طهران لخفض التصعيد أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة.

وبحسب هذا المسؤول، فإن مجتبى خامنئي، في أول اجتماع يبحث السياسة الخارجية منذ توليه المنصب، أبلغ بأن «هذا ليس الوقت المناسب للسلام» قبل أن تُجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على الرضوخ وقبول الهزيمة ودفع التعويضات.

ولم يوضح المصدر ما إذا كان مجتبى خامنئي حضر الاجتماع شخصياً أم عن بعد، في ظل استمرار الغموض حول وضعه الصحي ومكان وجوده. لكن الرسالة السياسية هنا بدت واضحة؛ لا استعداد لتلقف الوساطات في هذه المرحلة، ولا رغبة في تقديم إشارة ضعف بعد إعلان إسرائيل استهداف أحد أبرز رجال النظام.

غبار ودخان يتصاعدان بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)

وتكتسب هذه المعادلة ثقلاً إضافياً إذا أخذ في الاعتبار أن لاريجاني كان يُنظر إليه، قبل إعلان مقتله، بوصفه من أكثر الشخصيات قدرة على لعب دور قناة تفاوض أو مخرج سياسي إذا قررت طهران خوض مسار تفاوضي مع واشنطن.

هذا الرفض لا ينفصل عن التصعيد اللفظي الداخلي. فقد قال محمد باقر قاليباف، في مقابلة تلفزيونية، إن إيران أعدّت نفسها لحرب طويلة الأمد، وإنها اتخذت تدابير لمواجهة محاولات تقويض قدراتها العملياتية، معتبراً أن الحديث الأميركي عن تدمير القدرة الهجومية الإيرانية «لم يعد يُصدّق».

كما أكد امتلاك بلاده مخزوناً كافياً من الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب القدرة على إنتاجها محلياً بوتيرة أعلى وتكلفة أقل من الصواريخ الاعتراضية لدى الخصوم.

وإلى جانب هذا الخطاب، شددت طهران قبضتها الداخلية عبر التحذير من اضطرابات أربعاء، واعتقال العشرات بتهم التجسس أو إرسال معلومات إلى الخارج، مع التهديد بمصادرة الأموال، بل الإعدام في قضايا التعاون مع «العدو».

في هذه البيئة، يظهر أن رفض التهدئة ليس مجرد رد فعل عاطفي على الاستهداف، بل جزء من معادلة بقاء. فالقيادة الإيرانية، وهي تواجه حرباً خارجية مفتوحة واهتزازاً في قمة هرم السلطة، لا تبدو مستعدة لإعطاء انطباع بالتراجع تحت الضغط.

لكن هذا الموقف يرفع في المقابل تكلفة المواجهة ويجعل أي مخرج سياسي أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا ثبت فعلاً غياب لاريجاني، أحد الوجوه القليلة القادرة على وصل المتشددين بالبراغماتيين داخل النظام.

استخفاف بالخيارات الوسط

في واشنطن، واصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب استخدام لغة تميل إلى تضخيم أثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، مع تجنب التورط في تفاصيل مزاعم مقتل المسؤولين الإيرانيين. فقد قال إن الولايات المتحدة «قضت على أسطولهم البحري وقضت على جيشهم في كل جوانبه»، وكرر أن الضربات أزالت معظم القدرات العسكرية الإيرانية إلى جانب التهديد النووي، معتبراً أن إعادة البناء ستستغرق سنوات إذا توقفت الحرب الآن.

وبدا أن ترمب يدرس خيارين، من شأنهما أن يتطلبا عمليات برية، أحدهما متعلق بجزيرة خرج، حيث تمر غالبية صادرات النفط الإيرانية، والآخر بالموقع النووي تحت الأرض في أصفهان، حسبما أوردت صحيفة «نيويورك تايمز».

ولم يُظهر ترمب ميلاً إلى تسويق الحرب بوصفها مأزقاً أميركياً. بل على العكس، قال إنه لا يخشى تحوّل النزاع إلى حرب شبيهة بفيتنام، وإن ما يجري بالنسبة إليه «مجرد عملية عسكرية». وانتقد «الناتو» مجدداً، معتبراً أن الحلفاء ينبغي أن يشكروه على ضرب إيران، ومشيراً إلى أن امتناعهم عن المساعدة في الملفات الحساسة، وفي مقدمها هرمز، أمر «يجب أن نفكر فيه». كما لمح إلى أن الولايات المتحدة تستطيع التحرك بمفردها إذا لزم الأمر، قائلاً إنها لا تحتاج إلى كثير من المساعدة، «بل لا تحتاج إلى أي مساعدة» فعلياً.

في الملف الإيراني الداخلي، تجنب ترمب التركيز على مزاعم مقتل المسؤولين، لكنه واصل مهاجمة النظام كله. وكرر انتقاد الاتفاق النووي لعام 2015، وادعى أن إيران كانت ستحصل على سلاح نووي لولا انسحابه من الاتفاق، وهو قول يظل موضع نزاع واسع.

طهران تحت القصف

ميدانياً، بدت ليلة الثلاثاء من بين الأشد عنفاً على طهران منذ بداية الحرب. فقد تحدثت تقارير ومشاهدات عن سلسلة انفجارات متزامنة في مناطق واسعة من العاصمة بين نحو الساعة 3:07 و3:11 فجراً، تركزت خصوصاً في الشمال والشمال الشرقي. وأفاد سكان في تجريش ونياوران وباسداران ومناطق مجاورة بسماع انفجارات متتالية ترافقها أصوات طائرات مقاتلة تحلق على ارتفاع منخفض.

وفي شمال طهران، تحدثت تقارير عن انفجارات هزّت فرمانية، وأشارت تقارير إلى استهداف موقع مرتبط بقوات «الباسيج» في محيط كامرانية، حيث تردد الحديث عن 7 إلى 8 ضربات متتالية. وفي الشمال الشرقي، سجلت انفجارات في نارمك وسبلان وتهران بارس ومناطق مجاورة، فيما تحدث سكان عن 4 إلى 6 انفجارات بين 3:08 و3:11 فجراً.

أما في الوسط، فسمعت موجات انفجار في فاطمي ويوسف آباد وأمير آباد، بينما سُجلت في الغرب انفجارات قرب صادقية وستارخان وجنت آباد. وفي الجنوب والجنوب الشرقي، سُمع دوي قوي في شهر ري ومسعودية وخاوران، مع ترجيحات بأن بعض الضربات طالت مناطق صناعية أو لوجستية في أطراف المدينة.

ولم تقتصر الضربات على طهران. ففي كرج، أفيد عن انفجارين قويين قرابة الخامسة صباحاً. وفي كرمانشاه، وردت تقارير عن انفجارين شديدين عند نحو 4:50 فجراً. كما سُمع دوي انفجار في نجف آباد قرب أصفهان، وتحدثت تقارير لاحقة عن انفجارات وتحليق مقاتلات في أصفهان خلال النهار. وفي الجنوب، أفادت معلومات بسماع انفجارات في شيراز هزت عدة أحياء، وفي بندر عباس قرابة 2:50 فجراً.

وتعززت صورة الاستهداف المنهجي مع ما نشره الجيش الإسرائيلي عن غارات استهدفت بنى تحتية للنظام في طهران وشيراز وتبريز. وذكر المتحدث العسكري أفيخاي أدرعي أن الضربات في طهران طالت مقرات أمنية، بينها وزارة الاستخبارات وقوات «الباسيج»، إضافة إلى مواقع لتخزين وإطلاق المسيّرات والصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الجوي.

وفي شيراز استُهدف، بحسب البيان الإسرائيلي، مقر قيادة الأمن الداخلي وموقع لتخزين الصواريخ الباليستية، بينما طالت الضربات في تبريز منظومات دفاع جوي «بهدف توسيع التفوق الجوي وإزالة التهديدات».

وقال الجيش الإسرائيلي إن عشرات الطائرات المقاتلة نفّذت يوم الاثنين غارات في 3 مناطق رئيسية داخل إيران، هي طهران وشيراز وتبريز، استناداً إلى معلومات استخباراتية. وقال إن الضربات في طهران استهدفت مراكز قيادة تابعة لأجهزة الأمن الإيرانية، بينها وزارة الاستخبارات وقوات «الباسيج»، إضافة إلى مواقع تُستخدم لتخزين وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الجوي.

الردّ الإيراني

في المقابل، سعت إيران إلى إظهار أن قدرتها على الردّ لم تتراجع. فقد أعلن الجيش الإيراني استخدام طائرات مسيّرة في هجوم على مراكز أمن تكنولوجي في إسرائيل، إلى جانب مراكز تصنيع أسلحة تابعة لشركة «رافائيل». كما أعلن «الحرس الثوري» تنفيذ موجة جديدة من الصواريخ فجر الثلاثاء، قال إنها استهدفت مواقع في شمال ووسط إسرائيل، من بينها نهاريا وبيت شيمش وتل أبيب والقدس الغربية، فضلاً عن وصفه «قواعد أميركية» في المنطقة.

وبحسب بيان العلاقات العامة لـ«الحرس الثوري»، استخدمت في الهجمات منظومات «فوق ثقيلة» وصواريخ من طراز «خرمشهر» برؤوس حربية زنة طنين، و«قدر» متعددة الرؤوس، و«فتاح» و«خيبر شكن»، إلى جانب منظومات متوسطة المدى من طراز «فاتح» و«قيام» وطائرات مسيّرة انتحارية. وأكد البيان أن جولة جديدة من العمليات «التأثيرية والموجهة» بدأت منذ الفجر، وأن نتائجها ستُعلن تباعاً.

كما قال المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية إن القدرة العملياتية لقاعدة الظفرة الجوية تراجعت «بشكل كبير» بعد استهدافها، مشيراً إلى أن الهجمات شملت أيضاً قاعدة «العديد». وفي السياق نفسه، أعلن قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» مجيد موسوي أن «خاصرة الاستكبار تُكسر في الشارع والميدان».

هرمز: الممر المغلق

بقي مضيق هرمز محوراً مركزياً في الحرب، ليس من زاوية التهديد العسكري فقط، بل أيضاً من زاوية المأزق الدولي في كيفية التعامل معه. فالمضيق لا يزال مغلقاً إلى حد كبير، وتمر عبره نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

وقد أدّى استمرار إغلاقه العملي، مقترناً بهجمات إيرانية على منشآت نفطية في الإمارات، إلى رفع أسعار النفط مجدداً وإحياء المخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة.

وترتبط أهمية هرمز هذه المرة بعاملين متوازيين: الأول أن إيران تتعامل معه كورقة ضغط استراتيجية مباشرة في مواجهة الحرب، والثاني أن حلفاء واشنطن أظهروا تردداً واضحاً في الانضمام إلى أي ترتيبات عسكرية لإعادة فتحه. فقد دعا ترمب مراراً الدول الحليفة إلى إرسال سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكن أياً منها لم يوافق حتى الآن.

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إنه لا بد من إيجاد حلول دبلوماسية لإبقاء المضيق مفتوحاً، مضيفة أنه «لا أحد مستعد لتعريض شعبه للخطر في مضيق هرمز». وأكدت فرنسا أنها غير مستعدة للمشاركة في تأمين المضيق «في الظرف الراهن»، في حين شددت ألمانيا على أن «هذه الحرب لا دخل لها بالناتو»، واستبعدت اليابان وأستراليا وبولندا وإسبانيا واليونان والسويد أي تدخل عسكري.

في الداخل الإيراني، سعى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى تقديم قراءة سياسية للمضيق، تتجاوز البعد العسكري المباشر. فقال إن هرمز «تحول إلى فرصة ذات مخاطرة» في الحرب، معتبراً أن الأميركيين وقعوا في «خطأ استراتيجي» نصبه لهم «الكيان الصهيوني»، وحوّلوا القدرة الكامنة في المضيق إلى ورقة فعلية. وأوضح أن هرمز «لن يعود من الناحية القانونية كما كان في السابق»، في إشارة إلى رغبة طهران في إعادة تعريف قواعد التعامل مع هذا الممر بعد الحرب.

في سياق موازٍ، أجرى وزير الخارجية عباس عراقجي اتصالاً بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وربط صراحة بين اضطراب الملاحة في المضيق وبين الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، معتبراً أنه لا يمكن النظر إلى وضع هرمز بمعزل عن الوضع العام في المنطقة، حسب بيان للخارجية الإيرانية.


سكان طهران يفرون من القصف شمالاً إلى «الريفييرا» الإيرانية الهادئة

أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)
أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)
TT

سكان طهران يفرون من القصف شمالاً إلى «الريفييرا» الإيرانية الهادئة

أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)
أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)

تبدو الحرب الدائرة في إيران بعيدة كل البعد عن منتجعات بحر قزوين الهادئة، حيث لا انفجارات ولا حواجز تذكر، ومتاجر مليئة بالبضائع. وتقول امرأة ثلاثينية لجأت إلى هناك هرباً من طهران: «يبدو أن الناس بالكاد يدركون وجود حرب».

وتضيف في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، طالبة عدم كشف اسمها: «إنهم لا يولون الأمر اهتماماً كبيراً».

وكانت تتحدث من بابلسر، إحدى المدن الواقعة على ساحل بحر قزوين، المعروف باسم «ريفييرا» إيران لما يتصف به من شواطئ وأجواء أكثر استرخاء من المدن الكبرى.

وتتابع: «لم تتعرض المنطقة لهجمات صاروخية، باستثناء هجوم واحد في بهشهر»، وهي بلدة صغيرة في محافظة مازندران.

يقع ساحل بحر قزوين على بُعد نحو 200 كيلومتر شمال العاصمة، خلف جبال البرز، وهو وجهة سياحية معروفة لسكان طهران الذين يتوافدون إليه في الأوقات العادية لقضاء عطلات الأسبوع والأعياد.

ويتميز الساحل بجو ألطف مقارنة بطهران خلال أشهر الصيف الحارة. وكان عالم أثرياء طهران الذين يقضون عطلاتهم على ساحل بحر قزوين موضوع فيلم بعنوان «عن إيلي» (About Elly) الصادر عام 2009 للمخرج الإيراني الحائز جائزة أوسكار أصغر فرهادي.

ارتفاع الأسعار

منذ بداية الحرب فرّ سكان العاصمة من الغارات الجوية اليومية في جميع الاتجاهات، معتمدين في كثير من الأحيان على تضامن أفراد عائلاتهم أو أصدقائهم.

بالنسبة للشابة في بابلسر، يُمثّل توفير الوقود التحدي الأكبر. وتوضح: «ليس بالإمكان الحصول على أكثر من 10 لترات، فيما طوابير الانتظار أمام محطات الوقود لا تنتهي».

وفي تنكابن، وهي بلدة أخرى عل ساحل قزوين، يقول أحد الأهالي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه لاحظ ارتفاعاً «كبيراً» في الأسعار.

ويضيف علي (49 عاماً): «كل شيء متوافر بكميات كبيرة والمتاجر الكبرى مفتوحة كما كانت من قبل».

ويقول إن الأجواء شبه طبيعية خلال النهار لكنها «تتغير في المساء».

وكما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» من مواقع أخرى في أنحاء البلاد، أن أنصار الحكومة ينزلون إلى الشارع رافعين الأعلام، وهم يهتفون.

ومن أبرز المستفيدين من اقتصاد الحرب الجديد على ما يبدو، محلات بيع خدمات الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وباقات الإنترنت التي تتيح للناس تجاوز القيود المشددة على الاتصالات، والتي ازدادت صرامة منذ بدء الحرب.

وتقول إحدى العاملات في بابلسر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «معظم محلات الوجبات السريعة في بابلسر تحولت إلى هذا النشاط. ظاهرياً يبيعون السندويشات، لكن نشاطهم الرئيسي هذه الأيام هو بيع خدمات في بي إن (VPN) والإنترنت بأسعار باهظة».


البدائل الأوروبية لمطالب ترمب بشأن أمن مضيق هرمز

صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
TT

البدائل الأوروبية لمطالب ترمب بشأن أمن مضيق هرمز

صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)

عجل الأوروبيون في قطع الطريق على دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لحثهم على إرسال قطعهم العسكرية البحرية إلى مياه الخليج من أجل مواكبة ناقلات النفط والغاز والسفن الأخرى لعبور مضيق هرمز الاستراتيجي المغلق فعلياً إلا بوجه عدد محدود من الدول التي توصلت إلى تفاهمات مع إيران كالصين والهند للسماح لناقلاتها أو تلك المتجهة إليها بالعبور الآمن.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) مترئساً اجتماعاً لمجلس الدفاع والأمن القومي في قصر الإليزيه مخصصاً للوضع في الخليج والشرق الأوسط (أ.ب)

كذلك لجأت عدة دول أوروبية أعضاء في الحلف الأطلسي إلى تذكير ترمب بأن مهام الحلف الأطلسي لا تشمل مضيق هرمز. وما لا يريده الأوروبيون، بأي شكل من الأشكال، أن يكونوا جزءاً من الحرب الدائرة منذ 18 فبراير (شباط) الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

وجاء إلحاح ترمب، الذي وجهه إلى الحلف الأطلسي والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ليضع الأوروبيين في وضع بالغ الدقة، حيث إنهم ليسوا مستعدين للحاق بترمب، ولا هم قادرون على تجاهله، والأكثر من ذلك مواجهته.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وبان التردد الأوروبي في عجز وزراء خارجية دول الاتحاد في اجتماعهم الاثنين في بروكسل للتوصل إلى مخرج يتخطى رفضهم الاستجابة لما يريده الرئيس الأميركي.

بيد أن الخط العام الذي يسير عليه الأوروبيون، بشكل عام، لخصته كايا كالاس، في مقابلة مع وكالة «رويترز» الثلاثاء، وجاء في حرفيته أن «لا أحد مستعد لتعريض شعبه للخطر في ‌مضيق هرمز، ولذا علينا إيجاد سبل ⁠دبلوماسية ⁠لإبقاء هذا المضيق مفتوحاً، حتى لا نواجه أزمة غذاء أو أزمة أسمدة أو أزمة طاقة أيضاً».

ويعني كلام المسؤولة الأوروبية الاستبعاد الكلي للجوء إلى القوة العسكرية للمحافظة على حرية الإبحار في المضيق الاستراتيجي. غير أن هذا الموقف الذي يحظى، كما بينت مناقشات وزراء خارجية الاتحاد، بدعم غالبية أعضائه، لا يكفي لإخراج الأوروبيين من ورطتهم؛ الأمر الذي برز من خلال عدم تبنيهم لأي قرار في اجتماع الاثنين.

«مهمة أسبيدس»

بوسع الاتحاد الأوروبي، نظرياً، أن يختار واحداً من الحلول الثلاثة الممكنة، في حال وضع الخيار الأميركي جانباً، وأولها توسيع إطار ما يسمى «مهمة أسبيدس» التي تعني باليونانية «الدروع». وهذه «المهمة» الأوروبية أطلقت في عام 2024 لحماية الملاحة في البحر الأحمر من الهجمات الحوثية التي كانت تستهدف السفن العابرة فيه. والفارق الرئيسي بين هذه «المهمة» وما قام به الطرف الأميركي أنها «محض دفاعية»؛ بمعنى أن القطع الأوروبية المشاركة فيها (وليست كثيرة وهي تعد ثلاث فرقاطات) كانت تمتنع عن استهداف مواقع إطلاق الصواريخ والأراضي اليمنية.

منظر جوي لجزيرة قشم المفصولة عن البر الإيراني الرئيس بمضيق كلارنس (رويترز)

والفكرة التي راجت أوروبياً أن بالإمكان تعزيز «أسبيدس» ومد انتدابها لتشمل مياه الخليج ومضيق هرمز. وهذا الخيار يحظى بدعم فرنسا وعدد آخر من الدول التي ترى فيه مخرجاً للهروب من الضغوط الأميركية. لكن المناقشات الوزارية لم تفض إلى نتيجة إيجابية أقله في الوقت الحاضر. وما يهم الأوروبيين راهناً هو كسب الوقت وعدم الانجرار وراء الأميركيين وترقب مسار التطورات العسكرية رغم الأزمة التي ضربت سريعاً قطاع الطاقة. بيد أن كالاس أسفت مع نهاية الاجتماع الوزاري أن «الدول الأعضاء لا ترغب بالوقت الراهن في تغيير انتداب (مهمة أسبيدس) وأن لا أحد يرغب في المشاركة النشطة في الحرب».

Leaders of the "European Troika" with the Ukrainian President at the entrance to the British Prime Minister's headquarters in London on Monday (AFP)

هل سيرى التحالف الدولي النور؟

ثمة خيار آخر متاح للأوروبيين عنوانه إقامة «تحالف دولي» من الجهات الراغبة بالمشاركة بعيداً عن الأميركيين، وتنحصر مهمته بتوفير الإبحار الآمن في الخليج ومضيق هرمز، من خلال مواكبة الناقلات بقطع عسكرية أوروبية وغير أوروبية.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول من طرح المشروع الذي لا يمكن السير به في ظل الحرب القائمة. ووفق تصوره، فإن مهمة التحالف المشار إليه «محض دفاعية».

ورغم مرور عشرة أيام على مقترحه، فإن الأمور ما زالت ضبابية. واستبعد ماكرون، بعد ظهر الثلاثاء، وبمناسبة اجتماع جديد لمجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه، مشاركة بلاده في أي عمليات مواكبة في ظل الحرب المشتعلة، مكذباً بذلك تأكيدات ترمب الذي أشار نهاية الأسبوع إلى أن باريس تدعم جهود بلاده. وقال ما حرفيته: «لسنا طرفاً ‌في ‌النزاع، وبالتالي لن تشارك فرنسا أبداً في ‌عمليات فتح أو تحرير ‌مضيق هرمز في السياق الراهن».

سفينة الحاويات «سورس بليسنغ» التي أصيبت بمقذوفات أصابتها بالقرب من مضيق هرمز راسية في هامبورغ (رويترز)

بيد أنه أردف قائلاً: «نحن مقتنعون بأنه بمجرد أن تهدأ الأوضاع - وأنا أستخدم هذا المصطلح على نحو فضفاض عن قصد - أي بمجرد توقف القصف الرئيسي، سنكون مستعدين، إلى جانب الدول الأخرى، لتحمل مسؤولية نظام المرافقة».

ما يفهم من المصادر الفرنسية أن الغرض إنشاء قوة بحرية - جوية يكون حضورها رادعاً. ورغم سلمية المهمة والميل للتفاهم بشأنها مع إيران، فإن القوة ستكون مؤهلة للرد على الاعتداءات التي تستهدف السفن العابرة. وحتى اليوم، فإن دولاً أوروبية رئيسية مثل ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وأخرى غير أوروبية مثل الهند وكندا وأخرى خليجية أبدت انفتاحاً على المقترح المذكور الذي يحتاج للكثير من البحث والتأطير، والوقت.

وأفاد مصدر عسكري قبل يومين بأن باريس تقوم بمجموعة من الاتصالات مع دول يرجح أن تكون مهتمة بالمقترح ولن يكون ممكن التحقيق إلا بعد أن تتوقف الحرب عملياً. ويمكن تلخيص المبادرة الفرنسية بأنها أقرب إلى الدبلوماسية، ويراد لها أن تكون دفاعية ودولية وألا يتم الخلط بينها وبين النشاط الأميركي - الإسرائيلي في المنطقة في الخليج والمضيق.

الاحتذاء بالنموذج الأوكراني

خلال اجتماع الاثنين، وبعد أن أكدت كالاس أن الحرب الدائرة حالياً «ليست حرب أوروبا، ولكن المصالح الأوروبية معنية بها بشكل مباشر»، اقترحت حلاً شبيهاً بما يسمّى «مبادرة البحر الأسود»، التي تم التوصل إليها في يوليو (تموز) من عام 2022؛ أي بعد الأشهر الأولى من الحرب الروسية - الأوكرانية.

وهدف المبادرة وقتها، إتاحة الإبحار الآمن في البحر الأسود للبواخر المحملة بالحبوب والأسمدة إن من أوكرانيا أو من روسيا. والدول التي كانت ضالعة في الاتفاق، إلى جانب الأمم المتحدة، هي روسيا وأوكرانيا وتركيا. وتقوم «المبادرة» على إيجاد ممرات بحرية آمنة مع مركز للتنسيق قائم في إسطنبول. وقد سمحت المبادرة بإخراج آلاف الأطنان من الحبوب والمساهمة في استقرار الأسواق. وبالنظر إلى ما قامت به الأمم المتحدة، فإن كالاس اتصلت بأمينها العام غوتيريش للتنسيق معه. وسيكون الأخير في أوروبا هذا الأسبوع بمناسبة القمة التي ينوي قادة الاتحاد عقدها، والتي ستدور غالبية أعمالها عن الحرب في الخليج والشرق الأوسط.

وصلت السفينة الهندية «ناندا ديفي» المحمَّلة بغاز البترول المسال إلى ميناء فادينار بولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

في عام 2020، أطلق الأوروبيون «مهمة دولية» للمحافظة على الأمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ويشار إليها بـEMASOH. لكن هذه «المهمة» تراجع دورها بعد أن انسحبت منها عدة دول وتقلص القطع العسكرية المخصصة لها، إما بسحبها أو بتحويلها إلى مهمة «أسبيدس». وكان لهذه المهمة جناح عسكري يسمى «AGENOR» ومركز قيادة في أبوظبي. وبسبب هذه التطورات فرغت هذه «المهمة» التي كانت تجمع ما بين الدبلوماسية وإمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية من أي محتوى. ولذا، ليس من المستبعد أن الدول التي كانت ناشطة فيها وغير الراغبة بالاستجابة لنداء ترمب أن تكون مستعدة، عندما تتوافر الظروف، في الانخراط بـ«التحالف الدولي» الذي يستعيد «فلسفتها»، والذي يريده الأوروبيون بالدرجة الأولى.