الطبيب يظل مرآة الإنسان: من تعاويذ القدماء وحتى لمسات الذكاء الاصطناعي

حكاية الشفاء بين الروح والخوارزمية

الطبيب يظل مرآة الإنسان: من تعاويذ القدماء وحتى لمسات الذكاء الاصطناعي
TT

الطبيب يظل مرآة الإنسان: من تعاويذ القدماء وحتى لمسات الذكاء الاصطناعي

الطبيب يظل مرآة الإنسان: من تعاويذ القدماء وحتى لمسات الذكاء الاصطناعي

الطبيب يتبدّل شكله، لكنه لا يفقد قلبه... على مر العصور.

في زمنٍ كانت فيه الأرض تُدوِّن حكاياتها على رقيمٍ من طين، وقف أول طبيب سومري يُمسك بقطعة من القصب، لا ليكتب دواءً فحسب؛ بل ليُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والألم.

آثار لنصوص طبية يعود تاريخها إلى الإمبراطورية الآشورية

الوصفة الأولى: مزيج أعشاب وصلوات

كانت الوصفة الأولى مزيجاً من أعشاب وصلوات، لا فرق فيها بين الطب والدين، وبين العلاج والتنجيم. والمرض لم يكن خللاً فسيولوجياً؛ بل رسالة غامضة من عالم الآلهة، والطبيب كاهن يُترجم تلك الرسالة.

الكاهن الشافي: حين كان الطب طقساً مقدساً

في سومر، لم يكن الطبيب مجرد شخص يحمل جرّة دواء؛ بل كان واسطة روحية بين المريض والسماء. لا يأتيه المريض بشكوى من صداع أو حمى؛ بل بقصة متشابكة عن غضب إلهي أو عينٍ حاسدة أو لعنة أصابت البيت. أما العلاج فكان يشبه المسرح: أعشاب تُنثر، وبخور يُحرق، وتراتيل تُتلى على ضوء الفجر، وربما ذبيحة صغيرة تُقدَّم للآلهة.

حتى شريعة حمورابي، أول قانون مدوّن في التاريخ، تعاملت مع مهنة الطب بقدسية وخطورة في آنٍ معاً: فإن شفى الطبيب المريض، فله أجرٌ وافر، وإن أخطأ، فله عقاب قد يصل إلى قطع اليد. هكذا كان الجسد معبداً، والطبيب هو الكاهن الذي لا يُسمح له بالخطأ.

من الطين إلى السيليكون: هل ما زال الطبيب نفسه؟

مرّت القرون، وتحوّلت وصفة الطبيب من رقيم طيني إلى شاشة رقمية، ومن تعويذة إلى خوارزمية. لم تعُد الوصفة تبدأ بـ«ليمنحك الإله نينورتا الشفاء»؛ بل بـ«حسب نتائج تحاليلك المخبرية والتصوير بالرنين». لكن، هل تغيّر جوهر الطبيب؟ وهل غابت قدسيته؟

اليوم، الطبيب يقف وسط عاصفة من التكنولوجيا: ذكاء اصطناعي يشخّص، وتطبيقات تتابع النبض، وساعات ذكية تعرف ضغطك قبل أن تشعر به. ومع ذلك، ما زالت عين المريض تبحث عن عين الطبيب، ويده تبحث عن لمسة إنسانية تتجاوز كل الخوارزميات.

الطبيب اليوم لا يقرأ الطالع؛ بل يقرأ صور الرنين المغناطيسي. لا يطلب من المريض أن يتطهّر قبل العلاج؛ بل يطلب منه أن يصوم قبل التحليل. لكنه، رغم كل هذا التقدّم، يظل نفس الرجل أو المرأة اللذين وُلدا في معبد سومري منذ آلاف السنين، واقفين بين الحياة والموت، وبين الأمل والخوف.

ربما الفرق الوحيد أن الأدوات تغيّرت... لكن الرسالة لم تتغير.

شاعر الوجع: أبو العلاء المعري... ومرارة السؤال

في ظلّ كل هذا التقدّم، ما زال السؤال القديم يطاردنا: هل يُمكن للطبيب أن يهزم الموت؟ وهل يستطيع العلم أن يشرح كل شيء؟

هذا السؤال ردّده أبو العلاء المعري قبل ألف عام، حين قال:

يموت راقيك إن مرضت، وكم ذا

يموت من لا يُعالَجُ المرضُ

(ديوان سقط الزند)

وفي موضع آخر، عبّر عن خيبة الأمل في قدرة الطبيب حين قال:

يداوِي الناسَ وهو عليلُ (اللزوميات). أبو العلاء لم يكن ضدّ الطب؛ بل كان واعياً بمحدوديته أمام مصير الإنسان، وشاعراً بالبون الشاسع بين أمل الشفاء وقدر الموت. كانت أبياته صرخة من أعماق الفلسفة: أن الطبيب مهما امتلك من أدوات، يظل إنساناً، يخضع لنفس الألم، ونفس النهاية.

الطبيب الحكيم: جبران والروح

مع تعاقب الأزمنة، خرج الطبيب من عباءة الكهانة ليصبح حكيماً يرى ما وراء الجسد. جبران خليل جبران، في كتابه «النبي»، رسم صورة شاعرية للطبيب، قائلاً: «الطبيب الحكيم لا يصب دواءه في أجسادكم؛ بل يسكب من روحه في أرواحكم».

في عالم جبران، الطبيب ليس موظفاً صحّياً يوزّع الأدوية»؛ بل راوٍ يصغي إلى وجع الروح، ويزرع بذور الطمأنينة في أرض الخوف. إنه من يفهم أن الشفاء لا يعني فقط غياب الألم؛ بل عودة الإنسان إلى توازنه، إلى ذاته. الطبيب الحقيقي، في فلسفة جبران، يُعالج بالكلمة كما بالدواء، وبالحضور كما بالعلم.

الطبيب الإنسان: محفوظ وحارات القاهرة

في حارات نجيب محفوظ، يغادر الطبيب برج المثالية ليعود إنساناً بين الناس. لم يعُد كاهناً يتلو تعاويذ، ولا حكيماً يتأمل من بعيد؛ بل هو شخص يتشارك الحياة اليومية، ويواجه معاناة الواقع.

في رواية «السراب»، نرى طبيباً يقف أمام مريضه متردداً؛ لا لأن الحالة معقدة، بل لأن المريض بحاجة إلى كلمة طيبة أكثر من وصفة دواء.

وفي «أولاد حارتنا»، يحاول الطبيب أن يفهم أكثر مما يشخّص، يصارع ضغوط الناس وحدود معرفته، ويحلم بأن يكون بطلاً في حارة لا تبحث عن المعجزات؛ بل عن رجل يسمعهم بصدق.

في زقاق شعبي بالقاهرة، نجد الطبيب كما صوّره محفوظ ببساطة وإنسانية: الدكتور سمير، رجل خمسيني، يجلس في عيادته المتواضعة بجوار سوق الخضار.

تزوره يومياً الحاجة أم خالد، امرأة في السبعين، تشكو من ألم في صدرها. الأشعة لا تكشف شيئاً، لكن الدكتور سمير يعرف - بحسّه، لا بسماعة - أن الألم ليس في القلب؛ بل في الوحدة.

يكتب لها دواءً بسيطاً، ويبتسم قائلاً: «اشربي اليانسون مع جارتك، وتعالي بكرة احكي لي إزاي قضيتِ يومك».

تغادر وهي تبتسم. كأن اليانسون هو الشفاء، أو ربما كانت كلماته هي الدواء.

الطبيب والآلة... من يشفي القلب؟

اليوم، يقف الطبيب على مفترق طرق حاسم. في مستشفيات الرياض ونيوم، تشخص خوارزميات الذكاء الاصطناعي سرطان الرئة بدقة تفوق أمهر الأطباء. وفي جدة، ترصد أجهزة ذكية مستوى السكري وتعدّل الجرعات دون تدخل بشري. كل شيء أصبح أسرع، وأدق، وأكثر كفاءة.

لكن وسط هذا الانبهار بالتقنية، ينبعث صوت خافت من سرير المرضى: «أريد من يسمعني... لا من يقرأني فقط».

الذكاء الاصطناعي قد يُنقذ حياة، لكنه لا يُمسك بيد مريض يرتجف من خبر سيئ. لا يعرف أن قلب أم خالد لا يحتاج إلى أدوية بقدر ما يحتاج إلى دفء إنساني.

في سومر، كانت تعويذة تُهمَس في أذن المريض كي يطمئن. واليوم، قد تكون الشاشة هي التعويذة الجديدة، لكن؛ من يكتب السطر الأخير؟ الطبيب أم الخوارزمية؟

في هذا العصر الهجين، حيث يمتزج السيليكون بالقلب البشري، يبقى سؤال الشفاء مفتوحاً: هل هو معادلة كيميائية... أم لمسة صادقة؟

قال الشاعر:

وليس يُعدّ الطبيبُ حكيماً... إذا لم يُداوِ جراحَ النفوسِ.

دعوة إلى الحكاية

وهنا، يتلاقى صوت أبو العلاء مع صوت مريض في غرفة طوارئ اليوم، أو أم خالد في زقاق محفوظ: كلهم يسألون الطبيب شيئاً واحداً... أن يكون إنساناً قبل أن يكون خبيراً.

من معابد سومر الطينية، إلى زقاق صغير في القاهرة، إلى غرف العمليات في مدن المستقبل، ظل الطبيب مرآة للزمن، وشاهداً على تبدّل الإنسان وأدواته.

كان يوماً كاهناً، ثم حكيماً، ثم صار شريكاً للآلة. ومع ذلك، لم يفقد جوهره: الإصغاء، والرحمة، وكلمة «أنا هنا من أجلك».

فهل تتذكر طبيباً غيّر حياتك؟ هل كانت وصفته دواءً... أم كلمة؟

شاركنا قصتك معنا، فلكلٍ منا طبيب يسكن الذاكرة... ويُشبهنا.


مقالات ذات صلة

صحتك النظام الجديد يعتمد على تقييم سلوكيات الإدمان الأساسية (جامعة سينسيناتي)

طريقة ذكية لتشخيص إدمان المخدرات بسرعة وكفاءة

نجح باحثون في جامعة سينسيناتي الأميركية في تطوير نظام ذكاء اصطناعي مبتكر يساعد على تشخيص اضطراب تعاطي المواد المخدرة بدقة تصل إلى 84 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الولايات المتحدة​ علامة «مواد مشعة» على جانب إحدى الحاويات التي تحوي نفايات مشعة بمحطة «دونري» في اسكوتلندا (رويترز)

أميركا تريد متطوعين لاستضافة النفايات النووية إلى الأبد

تعتمد خطة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لتشييد مجموعة من المفاعلات النووية الصغيرة في المستقبل؛ لتوفير الطاقة لعصر الذكاء الاصطناعي، على استراتيجية قديمة.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الاقتصاد تمثيلات للعملة الرقمية «بتكوين» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

بعد ملامسة الـ60 ألف دولار... البتكوين ترتد من أدنى مستوى في 16 شهراً

ارتفع سعر البتكوين، يوم الجمعة، بعد وصوله إلى أدنى مستوى له في 16 شهراً عند 60 ألف دولار، مع ظهور بوادر تراجع الضغوط العالمية على أسهم شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستقر قرب أعلى مستوى له في أسبوعين

استقر الدولار الأميركي قرب أعلى مستوى له في أسبوعين يوم الجمعة، مدعوماً بعزوف المستثمرين عن المخاطرة بعد تراجع حاد في أسواق الأسهم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.


بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».