مأساة تهز كينيا: مقتل مدوّن تحت تعذيب الشرطة

جنازة تحولت إلى صرخة غضب ودعوة الشباب للحراك

أرملة نيفينينا أونيانغو (2-يسار) ويوكابيث أديامبو (2-يمين) والدة المدون الكيني ألبرت أوغوانغ الذي توفي أثناء احتجازه لدى الشرطة تتفاعلان أثناء دفنه في منزل والده في قرية كاكوث في خليج هوما بمنطقة نيانزا في كينيا... 4 يوليو 2025 (إ.ب.أ)
أرملة نيفينينا أونيانغو (2-يسار) ويوكابيث أديامبو (2-يمين) والدة المدون الكيني ألبرت أوغوانغ الذي توفي أثناء احتجازه لدى الشرطة تتفاعلان أثناء دفنه في منزل والده في قرية كاكوث في خليج هوما بمنطقة نيانزا في كينيا... 4 يوليو 2025 (إ.ب.أ)
TT

مأساة تهز كينيا: مقتل مدوّن تحت تعذيب الشرطة

أرملة نيفينينا أونيانغو (2-يسار) ويوكابيث أديامبو (2-يمين) والدة المدون الكيني ألبرت أوغوانغ الذي توفي أثناء احتجازه لدى الشرطة تتفاعلان أثناء دفنه في منزل والده في قرية كاكوث في خليج هوما بمنطقة نيانزا في كينيا... 4 يوليو 2025 (إ.ب.أ)
أرملة نيفينينا أونيانغو (2-يسار) ويوكابيث أديامبو (2-يمين) والدة المدون الكيني ألبرت أوغوانغ الذي توفي أثناء احتجازه لدى الشرطة تتفاعلان أثناء دفنه في منزل والده في قرية كاكوث في خليج هوما بمنطقة نيانزا في كينيا... 4 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

تحولت جنازة المدون ألبرت أوغوانغ (31 عاماً) في قريته النائية كاكوث إلى مشهدٍ يُجسّد غضب الكينيين. في البداية لم يكن هناك سوى مجموعة صغيرة من المعزين، لكن مع بزوغ الشمس خرج الرجال من قبره. ولم يُشِر مشهدُ مجموعات المعزين القليلة المتجولة، أو الرجال الذين ينحتون قبرا في الأرض الصلبة، في البداية إلى ما سيأتي، لكنَّ ذبائحَ الثيران، الكافية لإشباع جيش، والخيامَ الممتدةَ كانتا مثل نبوءة صامتة. لقد نُصبت خيام ضخمة في حقل قريب، تحتها صفوف من المقاعد.

يصطف المعزون والقرويون لرؤية جثمان المدون والمعلم ألبرت أوغوانغ الذي توفي أثناء احتجازه لدى الشرطة خلال مراسم دفنه التي حضرها مئات المعزين في منزل والده في قرية كاكوث بمقاطعة هوما باي في منطقة نيانزا... كينيا في 4 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

وتوافد الآلاف على تلك القرية الكينية مثبتين صور الشاب المدون، الذي لقي مصرعه خلال احتجازه لدى الشرطة الشهر الماضي، على قمصانهم، وارتدى آخرون قمصانا كُتب عليها: «ارقد بقوة يا ألبرت»، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز» الأحد.

امرأة تتحدث عبر هاتفها الجوال في وسط مدينة نيروبي... 13 أبريل 2025 (أ.ب)

موجة من الاحتجاجات

وبين لحوم الثيران المشوية والخيام الممتدة، لم تكن المراسم مجرد وداع، بل كانت إعلاناً صارخاً عن السخط تجاه ما يراه كثيرون نظام تطبيق قانون فاسد وغير خاضع للمساءلة. سلط مقتل أوغوانغ الضوء على الأفعال الوحشية للنظام وكان وقودا لموجة من الاحتجاجات المناهضة للنظام في جميع أنحاء البلاد أسفرت عن مقتل 16 شخصا.

عائلة ألبرت أوغوانغ خلال جنازته.... قالت أرملته إن كلماته الأخيرة بينما كانت الشرطة تُخرجه كانت «أحبك» و«أراك قريباً» (نيويورك تايمز)

تحدث خلال جنازة أوغوانغ، التي أُقيمت بالقرب من منزل عائلته، قادة دينيون وسياسيون ونشطاء لساعات من منصة مرتفعة تحت شمس الشتاء. وشارك الحشد في إنشاد الترانيم الدينية، كما حثّ المتحدثون المتحمسون الشباب على المشاركة.

ووقف المعزون في صفوف لمصافحة أفراد أسرة أوغوانغ، الذين جلسوا في الصف الأمامي والدموع تملأ أعينهم. وعندما حان وقت الدفن، حمل شبان النعش من الحقل المفتوح إلى القبر. وكان النعش مغطى بعلم بلاده وعلم فريق كرة القدم المفضل لديه.

اصطفّ المعزون في الجنازة لرؤية جثمان المدون ألبرت أوغوانغ... بلغ الغضب على وفاته حدّ إحراق مركز الشرطة المحلي حيث احتُجز أوغوانغ لفترة وجيزة يوم الخميس (ّنيويورك تايمز)

جلست نيفينيا أونيانغو أوموندي، أرملة أوغوانغ، تحتضن ابنهما البالغ من العمر ثلاث سنوات. في الليلة السابقة للجنازة، وأثناء استعداد العائلة لمراسم الجنازة، ابتسمت عندما تذكرت كتابات زوجها الجريئة المناهضة للفساد. وشجّعت على التوحد ضد وحشية الشرطة، قائلة إن هذا ما كان أوغوانغ يتمناه. وأضافت أن زوجها، رغم خوفه أثناء اعتقاله، كان مفعماً بالأمل.

وتذكرت أوموندي آخر كلماته لها عندما اقتادته الشرطة: «أحبك» و«أراك قريباً»، لكنه لم يرها مجدداً. فبعد يومين، كان جسد أوغوانغ مسجّى في مشرحة في العاصمة نيروبي، على بُعد أكثر من 140 ميلاً من منزل العائلة. وأظهرت نتائج التشريح لاحقاً أن إصاباته كانت متوافقة مع الاعتداء الذي وقع عليه.

وقال أوديامبو أوجيرو، ناشط جاء من نيروبي لحضور الجنازة، إن وفاة أوغوانغ تمثل نداءً للشباب الكيني للتحرك. وأوضح قائلا: «إن وفاة أوغوانغ رسالة من الطبقة السياسية إلى الشعب مفادها (إذا تكلمت، فسنأخذك. سنختطفك. سنقتلك)»، مضيفاً: «لا يمكنك مخاطبة الشباب بالرصاص».

وكان أوغوانغ، البالغ من العمر 31 عاماً، قد اقتيد من منزل عائلته في 6 يونيو (حزيران) على يد رجال عرّفوا أنفسهم بأنهم ضباط من الشرطة، ثم احتُجز لفترة قصيرة في مركز محلي قبل أن يُنقل إلى نيروبي، بحسب قول والده، ميشاك أوغوانغ.

وقال دوغلاس كانجا، قائد الشرطة الكينية، في يونيو (حزيران) إن السلطات فتحت تحقيقاً بشأن منشورات أوغوانغ على الإنترنت، بناءً على شكوى من مسؤول رفيع. وتنحى المسؤول إليود لاغات، نائب المفتش العام للشرطة، عن منصبه انتظاراً لنتائج التحقيق في وفاة أوغوانغ، وفقاً لتقارير إعلامية محلية.

قال الأب إنه صُدم عندما علم أن ابنه نُقل إلى العاصمة، وسارع بالاتصال بمحامٍ، ثم سافر طوال الليل على أمل إطلاق سراحه. مع ذلك، في يوم الأحد 8 يونيو (حزيران)، طُلب منه التعرف على جثمان ابنه في المشرحة. وأخذ يصف بتلعثم وتردد مشهد الدم الجاف المتجمع تحت فم ألبرت وأنفه، والكدمات الداكنة الظاهرة حول عنقه.

قال الأب: «كان قلبي مكسوراً. لم أعد أرى أي مستقبل». وأضاف لاحقاً: «حتى ونحن نتحدث الآن، لا أرى مستقبلاً».

كانت الشرطة قد صرّحت في البداية بأن أوغوانغ قد تُوفي بسبب إصابات أحدثها في نفسه، لكن دحض فحص لاحق لجثمانه هذا الادعاء. ووفقاً لتقرير التشريح، الذي اطّلعت صحيفة «نيويورك تايمز» على نسخة منه، ظهرت عليه آثار إصابات في الرأس وضغط في العنق وكدمات وجروح متعددة على جسده.

في 24 يونيو (حزيران)، وجّه ممثل الادعاء العام في كينيا تهمة قتل أوغوانغ إلى ستة رجال، من بينهم ثلاثة من ضباط الشرطة.

ولدى الشرطة الكينية سجل طويل من القتل خارج نطاق القانون، والاستخدام المفرط للقوة، والانتهاكات. وقد وثقت جماعة حقوقية مئات من عمليات القتل هذه خلال السنوات الست الماضية.

وبعد مظاهرات العام الماضي ضد خطة ضرائب مثيرة للجدل، اختُطف عشرات الأشخاص، من بينهم نشطاء وعاملون في المجال الطبي ومؤثرون على وسائل التواصل، وتم استجوابهم وتعذيبهم.

وأنكرت الشرطة الكينية مراراً استهداف المتظاهرين خلال اضطرابات العام الماضي. وصرّح ويليام روتو، الرئيس الكيني، بأن جميع المختطفين والمختفين عادوا إلى أسرهم، لكن لا يصدق عامة الشعب تلك المزاعم.

بلغ الغضب في المنطقة ذروته يوم الخميس الماضي، حيث أُضرمت النيران في مركز الشرطة المحلي الذي احتُجز فيه أوغوانغ لفترة وجيزة. وهجر الضباط مساكنهم، ولم يبقَ سوى هياكل معدنية محترقة وبقايا متفحمة لمركز الشرطة الصغير.


مقالات ذات صلة

أنقرة تعزز حضورها العسكري في الصومال وسط صراع نفوذ بـ «القرن الأفريقي»

العالم العربي مسؤول عسكري تركي يشارك في افتتاح قاعدة عسكرية تركية في مقديشو (رويترز)

أنقرة تعزز حضورها العسكري في الصومال وسط صراع نفوذ بـ «القرن الأفريقي»

مددت تركيا وجود قواتها العسكرية في الصومال عامين إضافيين، وسط صراع نفوذ يتزايد في القرن الأفريقي مع دخول إسرائيل للمنطقة عبر الاعتراف بالإقليم الانفصالي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الري المصري خلال لقائه السفراء المنقولين لرئاسة البعثات الدبلوماسية المصرية بالخارج (وزارة الري المصرية)

مصر تجدد تمسكها بقواعد القانون الدولي في أزمة «سد النهضة»

تستمر مصر في تحركاتها الساعية لتعزيز موقفها بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي وحشد الدعم الدولي لرؤيتها بشأن التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية تشغيل السد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

إشادة إسرائيلية بـ«سد النهضة» الإثيوبي وسط تصاعد التوتر مع مصر

دخلت إسرائيل بطريقة غير مباشرة على خط أزمة "سد النهضة" بين القاهرة وأديس أبابا، وأشادت بهذا البناء الضخم المطل على نهر النيل ودوره في مستقبل إثيوبيا.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا عناصر من الجيش الصومالي في محافظة غوبا السفلى (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال: ضربات متلاحقة ضد «الشباب» تعزز المكاسب الأمنية

ضربة كبيرة وجهتها السلطات الصومالية تجاه «حركة الشباب» الإرهابية، عقب إعلان مقتل قيادي بارز في الحركة المرتبطة بـ«تنظيم القاعدة» وتخوض هجمات مسلحة ضد الدولة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

تحذيرات من توسع أزمات القرصنة في البحر الأحمر

تزداد التحذيرات من تنامي ظاهرة القرصنة في البحر الأحمر وخليج عدن، بالتزامن مع استمرار أزمة البحارة المصريين المختطفين في الصومال.

محمد محمود (القاهرة )