هل واشنطن جادة في حل نزاع «السد الإثيوبي»؟

بعد إعلان أديس أبابا اكتماله وسط تخوفات مصر والسودان

لقاء بين السيسي وآبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية-الروسية» في 2019 حيث أكد رئيس وزراء إثيوبيا التزام بلاده بعدم إلحاق الضرر بمصر من خلال مشروع «سد النهضة» (الرئاسة المصرية)
لقاء بين السيسي وآبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية-الروسية» في 2019 حيث أكد رئيس وزراء إثيوبيا التزام بلاده بعدم إلحاق الضرر بمصر من خلال مشروع «سد النهضة» (الرئاسة المصرية)
TT

هل واشنطن جادة في حل نزاع «السد الإثيوبي»؟

لقاء بين السيسي وآبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية-الروسية» في 2019 حيث أكد رئيس وزراء إثيوبيا التزام بلاده بعدم إلحاق الضرر بمصر من خلال مشروع «سد النهضة» (الرئاسة المصرية)
لقاء بين السيسي وآبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية-الروسية» في 2019 حيث أكد رئيس وزراء إثيوبيا التزام بلاده بعدم إلحاق الضرر بمصر من خلال مشروع «سد النهضة» (الرئاسة المصرية)

مع إعلان أديس أبابا اكتمال مشروع «سد النهضة» على نهر النيل، ما أثار توترات مع دول الجوار، خصوصاً مصر، أكد خبراء من الولايات المتحدة أن «واشنطن لديها رغبة في حل الأزمة حول (السد) بين مصر والسودان وإثيوبيا»؛ لكن هؤلاء الخبراء اختلفوا حول «مدى جدية واشنطن أو مدى امتلاكها رؤية حقيقية للحل».

الخميس الماضي، قال رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، أمام برلمان بلاده إن «العمل بات الآن منجزاً ونحن نستعد لتدشين (السد) رسمياً»، مضيفاً: «إلى جيراننا عند المصب، مصر والسودان، رسالتنا واضحة (سد النهضة) لا يشكّل تهديداً؛ بل فرصة مشتركة».

ووجه أحمد الدعوة إلى مصر والسودان وباقي دول حوض النيل، للمشاركة في افتتاح «السد»، قائلاً: «ندعو مصر والسودان رسمياً، وكذلك جميع حكومات دول المصب، للانضمام إلينا في فرحتنا بافتتاح (سد النهضة) في سبتمبر (أيلول) المقبل».

لكن وزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، أعلن في بيان، «رفض بلاده القاطع لاستمرار إثيوبيا في فرض الأمر الواقع، من خلال إجراءات أحادية تتعلق بنهر النيل باعتباره مورداً مائياً دولياً مشتركاً».

وأكد سويلم أن الجانب الإثيوبي دأب على الترويج لاكتمال بناء «السد»، حيث وصفه بـ«غير الشرعي والمخالف للقانون الدولي» رغم عدم التوصل إلى اتفاق ملزم مع دولتي المصب، ورغم التحفظات الجوهرية التي أعربت عنها كل من مصر والسودان.

وكان لافتاً أن الإعلان الإثيوبي عن اكتمال «السد» والاستعداد لافتتاحه رسمياً جاء بعد أسبوعين، من خروج الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتصريح مثير للجدل على منصة التواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، قال فيه إن «الولايات المتحدة مولت بشكل غبي (سد النهضة) الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر»، مما أثار تساؤلات حول ما يُمكن أن تقوم به واشنطن لحل تلك الأزمة التي تهدد بتصعيد في المنطقة.

صورة لـ«سد النهضة» وضعها آبي أحمد على صفحته الرسمية في «فيسبوك» يوم 26 أغسطس الماضي (صفحة آبي أحمد)

«الشرق الأوسط» حاولت الحصول على تعليق من وزارة الخارجية الأميركية، ولم يتسن ذلك، ولكن في رأي الأكاديمي، عضو الحزب الجمهوري الأميركي، فرانك مسمار، فإن «واشنطن جادة ولديها رغبة حقيقية لحل أزمة (سد النهضة)».

ودلل على ذلك بما قاله كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، الشهر الماضي، على هامش توقيع اتفاق مصالحة في واشنطن بين الكونغو ورواندا من أن «الإدارة الأميركية جادة في حل تلك القضية الحساسة نظراً لما تمثله من أهمية بالغة لمصر وللمنطقة التي تتطلب التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة».

وأوضح مسمار لـ«الشرق الأوسط» أن «إثيوبيا ومصر دول مركزية، تلعب دوراً مهماً في توازنات القرن الأفريقي، كما أنهما حليفان استراتيجيان للولايات المتحدة، وهذا يفسر الرغبة الأميركية في إنهاء الصراع بينهما، كما أن أميركا لا تريد سقوط إثيوبيا نتيجة للخلافات الداخلية ما يعني تقليص الدور الأميركي في المنطقة، وفتح الباب أمام التغلغل الروسي والصيني في هذا الملف، وهو ما لا تريده واشنطن وتسعى لمنع حدوثه».

وأكد أن «الولايات المتحدة تسعى لإشراك دول خليجية، وكذلك تركيا؛ للمساعدة في حل ملف (سد النهضة) بعد زيارة المبعوث الأميركي لتلك الدول»، منوهاً كذلك لتصريح الرئيس ترمب بأن «التمويل الأميركي لـ(السد) كان فكرة غبية»، حيث قال ترمب إنه «عازم على إرساء التهدئة وإن الهدوء الحالي بسبب تدخله المباشر في هذا الملف».

وبحسب عضو الحزب الجمهوري الأميركي فإن «ترمب يعمل حالياً مع وزير الخارجية الأميركي لتنسيق مفاوضات مع الدول المعنية لإيجاد حل دبلوماسي حول توزيع المياه بشكل عادل يرضي جميع الأطراف، لأنه لا يريد أن يتطور الأمر إلى حروب جديدة بالمنطقة، لذلك فالإدارة الأميركية تتعامل مع التطورات التي تحدث على الأرض لاحتواء أي أزمة تلوح في الأفق».

آبي أحمد في زيارة لموقع سد النهضة الإثيوبي على نهر النيل أغسطس الماضي (صفحته على «فيسبوك»)

وقال مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق للشؤون الأفريقية، السفير تيبور ناجي، الجمعة، عبر حسابه على «إكس» إن «(سد النهضة) الإثيوبي الكبير يجب أن يكون قوة لفرص إقليمية مشتركة، لا تهديداً»، مؤكداً أن «الوقت قد حان لإبرام اتفاق إقليمي».

وهنأ ناجي إثيوبيا، قائلاً إنها «لحظة فخر لجميع الإثيوبيين مع اكتمال بناء (سد النهضة) على الرغم من العديد من العوائق».

واحتجت مصر والسودان على مشروع «السد» باعتباره يهدد إمداداتهما من مياه النيل، وطالبا إثيوبيا مراراً بوقف عمليات الملء بانتظار التوصل إلى اتفاق ثلاثي حول أساليب التشغيل.

الخبير في الشؤون الأميركية المقيم بنيويورك، محمد السطوحي، يرى أنه «يصعب القول إن لدى واشنطن استراتيجية واضحة متكاملة حول (سد النهضة)، وأقصى ما يمكن قوله بشأن الموقف الأميركي، هو أنه يسعى لاحتواء الخلاف حتى لا ينفجر بمواجهة عسكرية، لذلك تناوله الرئيس ترمب أخيراً في إحدى تغريداته بوصفه إحدى المشاكل التي يتم التعامل معها بطريقة سلمية، بفضل جهوده، وكأنه يرصدها ضمن مبررات حصوله على جائزة (نوبل للسلام) التي لا يزال يحلم بها».

الرئيس المصري خلال مصافحة رئيس الوزراء الإثيوبي في عام 2019 (الرئاسة المصرية)

وأضاف السطوحي لـ«الشرق الأوسط»: «نلاحظ أن حديث ترمب لم يكن حاداً أو عدوانياً تجاه إثيوبيا كما كان الحال عام 2020 عندما رفضت حكومة آبى أحمد التوقيع على مسودة اتفاق توسطت فيه واشنطن ووقعت عليه مصر، يومها تحدث ترمب عن حق مصر في تفجير (السد) لحماية مصالحها». وتابع: «لكنى أعتقد أن موقفه يومها كان تعبيراً عن إحباط شخصي وشعوره بالإهانة من جانب إثيوبيا التي رفضت طلبه، حيث إن وزير خارجيته في ذلك الوقت، مايك بومبيو، ذهب إلى أديس أبابا وتحدث بعبارات هادئة أقرب لتبرير الموقف الإثيوبي المتعنت، وهو ما يعبر عن افتقاد تلك الاستراتيجية بحيث تحول الأمر إلى ما يشبه رد الفعل لاحتواء الأزمة بدلاً من امتلاك رؤية واضحة لحلها».

واستضافت واشنطن، خلال ولاية ترمب الأولى، جولة مفاوضات عام 2020، بمشاركة البنك الدولي، ورغم التقدم الذي شهدته المفاوضات بين الدول الثلاث (مصر وإثيوبيا والسودان)، لكنها لم تصل إلى اتفاق نهائي، بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها، حيث اتهمت إثيوبيا أميركا بـ«الانحياز».

ووفق الخبير في الشؤون الأميركية المقيم بنيويورك، فإن «مصر كان يمكنها الاستفادة من انكشاف الموقف الإثيوبي للتدخل العسكري قبل بدء عملية الملء التي جعلت التدخل العسكري بعدها أكثر تعقيداً وصعوبة، ويمثل تهديداً بإغراق السودان ومصر في حالة انهيار السد، لذلك ربما يتعين التعاون مع ترمب الآن للوصول إلى اتفاق يحفظ الحد الأدنى من الحقوق المصرية، مع التسليم بأن ترمب قد لا يتردد في استخدام قضية (السد) للحصول على تنازلات من مصر في أي قضية أخرى».


مقالات ذات صلة

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

جانب من المؤتمر الصحافي لوزير الري وبجواره رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في القاهرة مساء الأحد (الشرق الأوسط)

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

كشفت مصر، الأحد، عن موافقتها على بناء سد في جنوب السودان، واعتبرت سد النهضة الإثيوبي «غير شرعي» في ضوء استمرار أديس أبابا في إجراءاتها الأحادية.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)

طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت

في إطار تعزيز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت حققت مصر طفرة في موانئها أخيراً فضلاً عن تنفيذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط

عصام فضل (القاهرة )
العالم العربي لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري ونظيرته اليمنية في القاهرة (الخارجية اليمينة)

«لا شبهة جنائية» في وفاة عسكري يمني بارز بأسوان

أعلنت السفارة اليمنية في القاهرة وفاة العميد محمد علي مهدي هادي في أحد فنادق مدينة أسوان (جنوب مصر)، واستبعدت «أي شبهة جنائية في الحادث».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا سودانيون بمصر في طريق العودة للسودان (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

مصر: الضغوط الاقتصادية تجدد الجدل حول «أعباء الوافدين»

جدّدت الضغوط الاقتصادية التي تعيشها مصر حالة الجدل المرتبطة باستضافة ملايين الوافدين وتكلفة إقامتهم فيها

رحاب عليوة (القاهرة )
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

لقاء مصري أميركي على مستوى رئاسي استخباراتي عالي المستوى، احتضنته القاهرة وسط تصعيد بمنطقة الشرق الأوسط، وأزمات متواصلة بالسودان وقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.