فتور ومناوشات في العلاقات المصرية - الإسرائيلية لا تزعزع استحقاقات «السلام»

لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بنيويورك في 19 سبتمبر 2017 (رويترز)
لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بنيويورك في 19 سبتمبر 2017 (رويترز)
TT

فتور ومناوشات في العلاقات المصرية - الإسرائيلية لا تزعزع استحقاقات «السلام»

لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بنيويورك في 19 سبتمبر 2017 (رويترز)
لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بنيويورك في 19 سبتمبر 2017 (رويترز)

رغم إشارات «توتر» يشوب العلاقات المصرية - الإسرائيلية عكستها بيانات رسمية مصرية متكررة تدين ممارسات الحكومة الإسرائيلية، في مقابل حملات إعلامية وشبه رسمية موجهة ضد القاهرة، أكد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن ما تشهده العلاقات بين البلدين من فتور ومناوشات «لا يزعزع استحقاقات السلام»، مشددين على استمرار الاتصالات بين الجانبين على مدار الساعة.

وخلال 24 ساعة صدرت عن القاهرة انتقادات رسمية بشأن الممارسات الإسرائيلية؛ إذ أدانت وزارة الخارجية المصرية، مساء الأربعاء، التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين بشأن «ضم الضفة الغربية المحتلة»، وطالبت «المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لوضع حد لتلك الانتهاكات».

وفي اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره السوري أسعد الشيباني، أكدت القاهرة «رفضها الكامل للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة السورية»، بحسب إفادة رسمية لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

وسبق أن أصدرت مصر بيانات مماثلة طوال الفترة الماضية، أدانت فيها «انتهاكات» إسرائيل في غزة والضفة وسوريا ولبنان، وحتى الهجمات على إيران.

وجاءت بيانات الإدانة المصرية الأخيرة بعد أقل من يوم من إعلان الجيش الإسرائيلي إسقاط طائرة مُسيَّرة قال إنها «قادمة من مصر إلى إسرائيل في محاولة لتهريب أسلحة»، وهي إعلانات سبق أن كررتها تل أبيب مراراً طوال الفترة الماضية.

شاحنات تحمل مساعدات إنسانية تدخل رفح في جنوب قطاع غزة بعد عبور الحدود النهائية من مصر (أرشيفية - أ.ف.ب)

استمرار هذا النهج من المناوشات أثار جدلاً بشأن طبيعة العلاقات، وإلى أي مدى وصلت حدة التوتر بين البلدين، وهو ما علق عليه وزير الخارجية المصري، في تصريحات متلفزة، أخيراً، بقوله إن «بلاده تنظر إلى علاقتها مع إسرائيل من منظور معاهدة السلام التي تربط بين الجانبين»، مشيراً إلى أن «كل الشواهد تؤكد أن هناك حرصاً متبادلاً على الالتزام بمعاهدة السلام»، لكن عبد العاطي لفت إلى أن «التوتر الشديد واستمرار المذابح والجرائم ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، يلقيان بظلال سلبية على مسار العلاقات».

وتشهد العلاقات بين مصر وإسرائيل توتراً منذ بدء الحرب في غزة، بدأت ملامحه في البداية باتهامات متبادلة بالمسؤولية عن إغلاق معبر رفح، وتصاعد تباعاً، لا سيما مع حديث عن انتهاك إسرائيل لمعاهدة السلام بالوجود في «محور فيلادلفيا»، واتهامات من جانب إسرائيل لمصر بخرق المعاهدة عبر «تحديث البنية العسكرية في سيناء».

ويبدو أن «التوتر» هو السمة البارزة في العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، الذي أكد أن «هذا التوتر يظل في إطار حرص القاهرة على الالتزام بمعاهدة السلام».

وقال هريدي لـ«الشرق الأوسط» إن «العلاقات بين البلدين ستظل متوترة ما استمرّت السياسات الإسرائيلية الحالية، والطموح لفرض الهيمنة على الشرق الأوسط ومحاولة إعادة تشكيله»، وهي طموحات «ترفضها القاهرة».

مئات المصريين يتجمعون أمام البوابة المصرية لمعبر رفح رفضاً لتهجير الفلسطينيين (أرشيفية - رويترز)

ويتفق عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد حسن، مع الطرح السابق، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «العلاقات بين القاهرة وتل أبيب متوترة جداً»، لكن هذا «لا يمتد للسلام بين البلدين الذي تحرص القاهرة على عدم إنهائه».

وفي هذا الصدد، لفت حسن إلى «فتور دبلوماسي في العلاقات تمثل في عدم تعيين مصر سفيراً جديداً لها في تل أبيب، وعدم قبول أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد في القاهرة».

وخلال الفترة الأخيرة، تحدَّثت تقارير صحافية إسرائيلية عن «غضب تجاه القاهرة بسبب تجاهل الرئاسة المصرية دعوة السفير الإسرائيلي الجديد لحفل استقبال واعتماد السفراء الجدد بمصر».

ورغم الفتور الذي يشوب العلاقات، أكد العميد خالد عكاشة، الأكاديمي المختص بالشؤون الاستراتيجية والأمن الإقليمي، أن «الاتصالات بين مصر وإسرائيل لم تنقطع على مدار الساعة»، مرجعاً ذلك إلى «دور القاهرة الرئيسي كوسيط في ملف الهدنة إلى جانب قطر والولايات المتحدة».

وقال عكاشة لـ«الشرق الأوسط» إنه «إضافة إلى الوساطة، تلعب القاهرة دوراً دولياً على المستوى الإنساني بصفتها المسؤولة عن تلقي وتجميع الإغاثة؛ ما يجعل الاتصالات مع إسرائيل مستمرة على مدار الساعة في عدة ملفات».

وتشارك مصرُ قطرَ والولايات المتحدة في جهود وساطة من أجل إيقاف الحرب في غزة، نجحت حتى الآن في تحقيق هدنتين، تم خلالهما تبادل الأسرى وإدخال المساعدات، وما تزال الجهود مستمرة في هذا الصدد.

وبالفعل، أكد هريدي استمرار التواصل السياسي والأمني بين البلدين، مشيراً إلى «أهمية مكتب الاتصال الأمني بين الجانبين في متابعة الالتزام بمعاهدة السلام». وقال: «طوال الوقت هناك محاولات إسرائيلية لجر مصر لمواجهة مصطنعة عبر حملات إعلامية وتصريحات رسمية وتسريبات بشأن البنية العسكرية للجيش المصري في سيناء، وفق خطة تدريجية للضغط على القاهرة»، لكن «مصر تتعامل مع هذه الخطة بهدوء وترفض الانجرار لمواجهات إعلامية أو الرد على التصريحات التي تسعى لاستفزازها»، وفق هريدي.

وتناولت تقارير إعلامية إسرائيلية عدة مسألة البنية العسكرية في سيناء، متسائلة عن أسباب تسليح الجيش المصري، ولم ترد عليها القاهرة رسمياً.

الهدوء المصري والحرص على «السلام» لا يمنعان مصر من «إعلان تحفظاتها ومواقفها الراسخة بشأن رفض التهجير وإدانة التصرفات والتصريحات الإسرائيلية»، بحسب عكاشة الذي أشار إلى «نشاط القاهرة وتنسيقها المستمر مع دول المنطقة لوقف المخططات الإسرائيلية».

وقال عكاشة إن هذا «النشاط والتنسيق والفاعلية تزعج إسرائيل، وبدا ذلك واضحاً في حملات إعلامية مكثفة في الصحافة العبرية تستهدف توتير العلاقات»، مضيفاً أن «القاهرة تتعامل مع ذلك بقدر من الرشد والرصانة إدراكاً منها لتفاصيل وكواليس هذه الحملات».

ويرى الأكاديمي المصري المتخصص في الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، الدكتور طارق فهمي، أن «العلاقات بين البلدين تتسم بالتوتر وعدم الاستقرار والاضطراب»، مرجعاً ذلك إلى «الموقف المصري الصامد والرافض للتهجير القسري والطوعي»، لكنه في الوقت نفسه أكد «حرص البلدين على عدم الصدام المباشر وعدم تصدير أزمات، والالتزام بالسلام». وأضاف: «الجانب الإسرائيلي على المستويين الأمني والاستخباري مدرك لخصوصية العلاقات مع مصر، وهناك لجان مشتركة تنعقد لضبط العلاقات على أسس السلام».

وأشار فهمي إلى «مخاوف إسرائيلية من أن تدفع زيادة حدة التوتر بين البلدين لإجراءات ردع مصرية، وهو ما يظهر في تقارير تحذر من التسليح المصري»، لكنه عاد وأكد أن «القاهرة دولة سلام، وتواصل دورها في الوساطة لإنهاء الحرب، وتل أبيب تدرك أهميتها كوسيط، وأهمية الحفاظ على سلام معها».


مقالات ذات صلة

إردوغان يحيل «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» إلى البرلمان للتصديق عليها

الخليج محمد بن سلمان ورجب طيب إردوغان وشهباز شريف عقب توقيع «اتفاقية مكة» (الرئاسة التركية)

إردوغان يحيل «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» إلى البرلمان للتصديق عليها

أحال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الثلاثاء، «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الموقَّعة بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس (آب) الماضي للبرلمان للتصديق عليها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي فلسطيني يحمل ألواحاً معدنية يمر بأطلال مبانٍ دُمرت خلال الحرب يوم الأحد (أ.ب) p-circle

أزمات غزة تتصاعد... شح في البضائع ووقف المساعدات عن نصف مليون شخص

تتفاقم الأزمات الإنسانية في قطاع غزة، من يوم إلى آخر، بفعل القيود والإجراءات الإسرائيلية، بالإضافة إلى إعلان منظمات دولية تراجع الدعم المقدم للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)

برنامج الأغذية العالمي يوقف المساعدات لنصف مليون شخص في غزة

أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، اليوم (الاثنين)، أنه سيوقف تقديم المساعدات الشهرية لنحو 500 ألف شخص في قطاع غزة بسبب نقص التمويل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد حركة «فتح» بالقاهرة في أبريل 2025 (الخارجية المصرية)

«فتح»: مشاورات القاهرة تمهد لحوار وطني شامل لإنهاء الانقسام الفلسطيني

قالت حركة «فتح» الفلسطينية إن مشاورات القاهرة تمهد لإطلاق حوار وطني شامل من خلال التوصل إلى تفاهمات مع حركة «حماس» وبقية الفصائل، في إطار جهود تقودها مصر.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يشاركون في مراسم تشييع جماعية في حي الدرج بمدينة غزة (أ.ف.ب)

تشييع 75 جثماناً انتُشلوا في غزة... و8 آلاف لا يزالون تحت الأنقاض

شيَّع فلسطينيون اليوم (الأحد) رفات 75 جثماناً انتشلوا من تحت أنقاض مبانٍ في حي الدرج بمدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مصر: مقتل 13 شخصاً وإصابة 34 آخرين في حادث سير جديد

وزارة الداخلية المصرية تكثف الحملات المرورية على مختلف الطرق السريعة (وزارة النقل المصرية)
وزارة الداخلية المصرية تكثف الحملات المرورية على مختلف الطرق السريعة (وزارة النقل المصرية)
TT

مصر: مقتل 13 شخصاً وإصابة 34 آخرين في حادث سير جديد

وزارة الداخلية المصرية تكثف الحملات المرورية على مختلف الطرق السريعة (وزارة النقل المصرية)
وزارة الداخلية المصرية تكثف الحملات المرورية على مختلف الطرق السريعة (وزارة النقل المصرية)

أودى حادث سير جديد في محافظة أسيوط بصعيد مصر بحياة ما لا يقل عن 13 شخصاً، وأدى إلى إصابة 34 آخرين، وفق بيانات أولية غير رسمية.

وقالت وسائل إعلام محلية إن الحادث وقع، الثلاثاء، نتيجة اصطدام حافلة تابعة لإحدى الشركات الخاصة مع سيارة نقل على طريق أسيوط الغربي؛ ما أدى لوقوع عدد من الضحايا والمصابين.

وذكرت وزارة الصحة المصرية أن وزير الصحة، خالد عبد الغفار، تابع تداعيات حادث التصادم، ووجّه بتقديم جميع أوجه الرعاية للمصابين، ورفع درجة الاستعداد في المستشفيات القريبة من موقع الحادث، وتوفير كل أوجه الدعم الطبي اللازم.

وكان متحدث وزارة الصحة، حسام عبد الغفار، قد أوضح، صباح الثلاثاء، أن هيئة الإسعاف دفعت بـ28 سيارة إسعاف إلى موقع الحادث، حيث «تم نقل 30 مصاباً إلى مستشفى 6 أكتوبر المركزي تحت الفحص والتقييم»، مضيفاً أن «الحادث أسفر عن وفاة 12 راكباً»، لكنه أشار حينها إلى أن «هذه الأرقام مبدئية، وعمليات الحصر والمتابعة لا تزال جارية، والوزارة ستعلن أي مستجدات فور توفرها».

وتتجدد حوادث السير بمصر من وقت لآخر؛ ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، أصيب 17 طالباً إثر انقلاب حافلتهم على طريق القاهرة - السويس (شرقاً)، كما شهدت محافظة جنوب سيناء (شمالي شرق)، في الشهر نفسه، حادث سير أسفر عن مقتل 22 شخصاً بينهم 10 أردنيين. وشهد طريق «دهب – نويبع» أيضاً حادث تصادم بين سيارتي نقل، كانتا تقلان عمالاً في محافظة الإسماعيلية بشرق القاهرة؛ ما أدى إلى مقتل 18 شخصاً، وإصابة عشرات آخرين.

حادث تصادم سابق وقع في محافظة بورسعيد فبراير الماضي (محافظة بورسعيد)

وفي أغسطس (آب) الماضي بمحافظة مطروح (شمالي غرب)، لقي 9 أشخاص حتفهم، وأصيب 8 آخرون في حادث تصادم بين حافلتي ركاب بمنطقة «رأس الحكمة». كما شهدت محافظة الإسماعلية (شمالي شرق)، في الشهر نفسه حادث تصادم بين سيارة «ربع نقل» وأخرى «ملاكي» أسفر عن إصابة 17 شخصاً.

ووفقاً لبيانات صادرة عن «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، فقد ارتفع عدد قتلى حوادث الطرق في مصر، بما في ذلك حوادث السيارات والقطارات، بنسبة 10.8 في المائة خلال عام 2025 ليصل إلى 5829، مقابل 5260 في 2024.

وبحسب إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري»، الثلاثاء، تتابع وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي تداعيات الحادث. بينما وجهت رئيس الإدارة المركزية للحماية الاجتماعية بالتنسيق الفوري مع مدير مديرية التضامن الاجتماعي بمحافظة الجيزة، وفريق الإغاثة بـ«الهلال الأحمر المصري» للتواجد بالمكان، ومتابعة تداعيات الحادث، وتقديم أوجه الدعم والتدخلات الإغاثية اللازمة، وصرف المساعدات العاجلة للمستحقين، واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة في هذا الشأن.

حادث انقلاب حافلة الشهر الماضي في محافظة جنوب سيناء (حزب حماة الوطن)

يأتي هذا في وقت تكثف فيه وزارة الداخلية الحملات المرورية على مختلف الطرق السريعة والمحاور؛ لتطبيق قانون «المرور»، ورصد المخالفات.

وقالت «الداخلية» في بيان، الثلاثاء، إنه «تم ضبط 96396 مخالفة مرورية متنوعة، أبرزها السير من دون تراخيص، وتجاوز السرعة المقررة، والتحدث بالهاتف المحمول في أثناء القيادة، ومخالفة شروط التراخيص». وأوضحت أنه تم فحص 1044 سائق «تبين إيجابية 41 حالة تعاطي مواد مخدرة منهم».

وبحسب مراقبين، «تنفذ أجهزة الأمن في البلاد عمليات تحليل عشوائية للسائقين على الطرق والمحاور السريعة، للتأكد مما إذا كانوا يتعاطون مواد مخدرة من عدمه، عبر تحليلات سريعة فورية، وفي حال ثبوت إيجابية العينة يتم توقيف السائق، واتخاذ الإجراءات القانونية ضده».

ووفق خبراء طُرق في مصر، فإن حوادث السير تعود إلى «سوء حالة بعض الطرق، وتهالك المركبات وعدم الالتزام بقواعد القيادة»، بينما يؤكد مسؤولون أن العامل البشري هو المسؤول الأول عن الحوادث، في ظل ما تقوم به السلطات من جهود واسعة لتطوير شبكة الطرق والسكك الحديدية.


الاحتجاجات ترغم الحكومة التونسية على خفض الأسعار

جانب من المسيرة الوطنية السبت الماضي التي تضمَّنت احتجاجات ضد الغلاء وتراجع القدرة الشرائية (أ.ب)
جانب من المسيرة الوطنية السبت الماضي التي تضمَّنت احتجاجات ضد الغلاء وتراجع القدرة الشرائية (أ.ب)
TT

الاحتجاجات ترغم الحكومة التونسية على خفض الأسعار

جانب من المسيرة الوطنية السبت الماضي التي تضمَّنت احتجاجات ضد الغلاء وتراجع القدرة الشرائية (أ.ب)
جانب من المسيرة الوطنية السبت الماضي التي تضمَّنت احتجاجات ضد الغلاء وتراجع القدرة الشرائية (أ.ب)

أعلنت وزارة التجارة في تونس إجراء مباحثات مع ممثلين عن المراكز التجارية الكبرى، بهدف إدراج تخفيضات في مواد استهلاكية، وذلك عقب مسيرة وطنية، السبت الماضي، تضمَّنت احتجاجات ضد الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وتدني الخدمات، وللمطالبة بالحريات، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأوضحت الوزارة، في بيان لها، أن الوزير سمير عبيد التقى ممثلي المراكز التجارية؛ للنظر في مسألة التزويد بمختلف المنتوجات الاستهلاكية والأسعار، والتَّحكُّم فيها حفاظاً على المقدرة الشرائية للمواطن. وأفادت بإدراج «تخفيضات في بعض المواد الاستهلاكية خلال الأيام القريبة المقبلة، في إطار السياسة الاجتماعية للدولة». مؤكدة أن اللقاء يأتي في إطار المقاربة التشاركية بين الوزارة والقطاع الخاص، والتأكيد على أهمية التعاون بينهما، خصوصاً في الظروف الاستثنائية للتحكم في أسعار المواد الاستهلاكية.

من جهته، أعلن الهادي بكور، رئيس الغرفة الوطنية للمساحات التجارية الكبرى، عن وجود مشاورات حثيثة وجادة مع وزارة التجارة، ومختلف الأطراف المتداخلة للتوصُّل إلى حلول عملية، تتيح توفير مجموعة أساسية من المواد الاستهلاكية بأسعار تناسب إمكانات العائلات التونسية.

وأوضح بكور في تصريح لبرنامج «صباح الناس»، اليوم الثلاثاء، أن التَّوجُّه الحالي يرتكز على اختيار تشكيلة متكاملة من المواد الغذائية ومواد التنظيف والتجميل، بالتنسيق المباشر مع الصناعيِّين والمزودين. وقال إن جلسة عمل جديدة ستنعقد خلال هذا الأسبوع للحسم في قائمة المنتوجات النهائية المشمولة بالتخفيضات، مبيناً أن العملية تتم تحت إشراف مباشر من وزارة التجارة لضمان التوصل إلى أسعار عادلة وتنافسية تخدم المستهلك.

وتأتي هذه التطورات إثر اجتماع موسَّع عُقد بمقر وزارة التجارة، بحضور الهياكل والجهات المتداخلة كافة، حيث ارتكزت المخرجات على 3 محاور استراتيجية كبرى تستهدف تنظيم السوق وضمان التزويد.

ويتعلق المحور الأول بالعمل المباشر على خفض الأسعار من خلال التركيز على المنتوجات الأكثر استخداماً واستهلاكاً لدى المواطن، مع إيجاد آليات توافقية بين المنتجين والتجار.

أما المحور الثاني، فيركز على تجاوز نقص المواد الأساسية، إذ شهد الاجتماع التأكيد على قرب الانفراج التام لأزمة سلعتَي السكر والأرز، بعد اتخاذ تدابير حثيثة لتجاوز العوائق اللوجستية، التي تسببت في اضطراب توزيعهما مؤخراً، إلى جانب الشروع في ضخ كميات جديدة من الدقيق الأبيض بالأسواق، وسط دعوات متجددة للمواطنين لتجنب الشراء المفرط.

وفيما يخص المحور الثالث والأخير، أكد بكور أنه خُصِّص للرفع من مستوى الاستباقية والجاهزية، من خلال إقرار خطة عمل مبكرة لمنع تكرار سيناريوهات الشح في المواد الحيوية خلال فترات الذروة الاستهلاكية، لا سيما بعد الصعوبات والتذبذبات، التي شهدها قطاع المياه المعدنية خلال فصل الصيف الماضي.

ووفق بيانات «المعهد الوطني للإحصاء»، بلغت نسبة التضخم في تونس في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي 5.6 في المائة، بينما سجَّلت أسعار مجموعة التغذية والمشروبات ارتفاعاً سنوياً بلغ 8.4 في المائة، وشمل أساساً ارتفاعاً في أسعار اللحوم والأسماك والخضر والفواكه.

ويأتي إعلان الوزارة بعد يوم واحد من مسيرة وطنية، دعا إليها «الاتحاد العام التونسي للشغل»، أكبر نقابة في تونس، شهدت احتجاجات ضد ارتفاع تكلفة المعيشة، واضطراب في التزود بالمواد الاستهلاكية الأساسية وتراجع في القدرة الشرائية للتونسيين من بين أمور أخرى.

ويسود التوتر بين السلطة والاتحاد الذي احتجَّ على تعليق المفاوضات الاجتماعية من أجل الزيادة في الأجور.


أحزاب جزائرية تندد بـ«تصفية سياسية» مع اقتراب الانتخابات المحلية

الانتخابات التشريعية في يوليو الماضي شهدت إقصاء 3 آلاف مترشح بشبهة المال الفاسد (سلطة الانتخابات)
الانتخابات التشريعية في يوليو الماضي شهدت إقصاء 3 آلاف مترشح بشبهة المال الفاسد (سلطة الانتخابات)
TT

أحزاب جزائرية تندد بـ«تصفية سياسية» مع اقتراب الانتخابات المحلية

الانتخابات التشريعية في يوليو الماضي شهدت إقصاء 3 آلاف مترشح بشبهة المال الفاسد (سلطة الانتخابات)
الانتخابات التشريعية في يوليو الماضي شهدت إقصاء 3 آلاف مترشح بشبهة المال الفاسد (سلطة الانتخابات)

تثير عملية دراسة ملفات الترشح والمصادقة عليها، التي تجريها «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، تحسباً للانتخابات المحلية المقررة في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، احتجاجاً واسعاً داخل الطبقة السياسية الجزائرية، إذ نددت عدة أحزاب وممثلون لقوائم مستقلين بإجراءات تصفها بالتعسفية والتقييدية، فيما استنكرت «جبهة القوى الاشتراكية» ما سمته «عملية تصفية حقيقية» تستهدف مرشحيها.

أطر سلطة الانتخابات (السلطة)

وفي بيان نُشر، الاثنين، أكدت «القوى الاشتراكية» استبعاد مرشحين من أغلبية قوائمها الانتخابية. وحسب أقدم أحزاب المعارضة، فقد استهدفت عمليات الإقصاء بشكل خاص رؤساء القوائم، وأطر الحزب، والمرشحين الذين يتمتعون بـ«قاعدة شعبية»، و«قدرة حقيقية على الإقناع بالتصويت». وندّد الحزب بقرارات الرفض، التي وصفها بأنها «تعسفية وغير دستورية»، عادّاً أنها تعكس إرادة واضحة للتأثير في نتائج الاقتراع، وتوجيه خيارات الناخبين.

وتنتقد «جبهة القوى الاشتراكية» تفعيل المادتين (1) و(184) من قانون الانتخابات في قرارات رفض الترشيحات، الذي تصفه بأنه «تقديري ومفرط وموجّه سياسياً»، مشيرة إلى أنها اعترضت على أحكامهما حتى قبل اعتمادهما. وترى أن هذه النصوص أصبحت تُستخدم أساساً لما تصفه بـ«منطق الإقصاء السياسي»، الذي يجري تقديمه تحت أسماء، من قبيل «تطهير الساحة السياسية»، أو «إضفاء الطابع الأخلاقي على الحياة العامة».

رئيس السلطة المستقلة للانتخابات (السلطة)

* جدل حول شروط الترشح

تتناول المادتان شبهة «الفساد المالي» بوصفهما أساساً لحرمان الشخص من الترشح للانتخابات المحلية، ونظيرتهما فيما يخص الترشح للبرلمان، وهي المادة (200) التي تم تفعيلها بشكل واسع في انتخابات 2 يوليو (تموز) الماضي.

كما عبّر «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، في بيان، عن رفضه لما يعدّه مساساً بحقوق المترشحين، وندّد الحزب بـ«تحقيقات إدارية موجّهة» يقول إنها تُجرى في انتهاك للقانون، وبالمساس بمبدأ قرينة البراءة، فضلاً عن تبليغ قرارات الرفض خارج الآجال القانونية. ورأى الحزب أن «الإدارة لا يمكنها أن تحل محل القضاء، ولا أن تتحول إلى أداة للانتقاء السياسي للمترشحين».

وأعلنت تشكيلات سياسية أخرى، من بينها أحزاب تُعد تقليدياً قريبة من السلطة، عن تسجيل عدد كبير من حالات رفض الترشح، حيث واجهت أحزاب مثل «صوت الشعب» و«جبهة المستقبل»، إلى جانب «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، حالات رفض لقوائم أو مترشحين.

رئيس «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» (إعلام حزبي)

وحسب عدد من المسؤولين السياسيين، بررت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» قرارات في كثير من الأحيان بأشياء تتعلق بـ«سوء السمعة»، أو بشبهات «الارتباط بالمال القذر»، أو حتى بهدف «تطهير الحياة السياسية»، وهي مفاهيم يرى المعترضون أنها فضفاضة وغير محددة بما يكفي.

ويفرض هذا الوضع على الأحزاب والقوائم المستقلة خوض سباق مع الزمن لاستبدال المترشحين المرفوضين، أو تقديم طعون أمام المحاكم الإدارية. وتزداد هذه المهمة صعوبة في بعض المناطق، التي يقل فيها عدد المترشحين، والتي يشترط فيها القانون، على وجه الخصوص، أن يكون نصف المترشحين دون سن الأربعين.

من جهته، أشار رئيس «حركة مجتمع السلم» الإسلامية، عبد العالي شريف حساني، في مقابلة مع «الخبر تي في»، إلى أن الإقصاءات التي شملت مرشحي الحزب لم تقتصر على أسماء معروفة، أو شخصيات سبق لها ممارسة العمل السياسي، بل مست، حسبه، بالجملة شباباً لم يسبق لهم خوض أي تجربة سياسية، أو الترشح للاستحقاقات الانتخابية.

* تحذير من تراجع المنافسة الانتخابية

وتساءل الحزب عن «الجهة التي تملك صلاحية الحكم على أخلاق المترشحين، أو تصنيفهم ضمن من يساهمون في أخلقة الحياة السياسية، أو من يُفترض أنهم يسيئون إليها»، عادّاً أن إطلاق مثل هذه الأحكام «لا يمكن أن يستند إلى تقديرات فضفاضة أو شبهات غير مثبتة، بل يتطلب معايير قانونية واضحة، وضمانات تحول دون التعسف في استعمال السلطة».

رئيس «حركة مجتمع السلم» عبد العالي شريف حساني (إعلام حزبي)

وفي هذا السياق، ذكّر حساني بأن المحكمة الدستورية، عند نظرها في قانون الانتخابات، أثارت مخاوف بشأن احتمال التعسف في تطبيق المادة (184)، وهو ما يعيد، وفقه، طرح مسألة الضمانات القانونية الكفيلة بمنع التوسع في تفسير شروط الإقصاء، وتحويلها إلى أداة لتقييد حق الترشح.

وكشف حساني أن نحو 20 في المائة من قوائم مرشحي الحزب تعرضت للإقصاء، مشيرة إلى أن المبررات المتداولة تتركز أساساً حول ثلاث مسائل: الاشتباه في الصلة بأوساط المال الفاسد، والارتباط بأوساط مشبوهة، وما يُقدَّم تحت عنوان «أخلقة الحياة السياسية».

وترى «حركة مجتمع السلم»، حسب رئيسها، أن إقصاء المترشحين بناءً على شبهات غير مدعومة بأدلة قانونية ثابتة، ودون الاستناد إلى أحكام قضائية نهائية، يشكّل مساساً بمبدأ قرينة البراءة، ويحوّل مجرد الشكوك والتقديرات الإدارية إلى مبررات لحرمان المترشحين من حقهم في الترشح، رغم عدم ثبوت أي إدانة قضائية في حقهم.

وفي بيان شديد اللهجة، لفت رئيس حزب «جيل جديد»، لخضر أمقران، إلى أن «تراكم قرارات الرفض المبنية على أسباب لا يفهمها المترشحون، أو يصعب عليهم مناقشتها، يتسبب في تقلص المنافسة، كما تضيق الخيارات أمام الناخب، وتتراجع الثقة في العملية الانتخابية»، متسائلاً: «هل نريد انتخابات حقيقية تتنافس فيها البرامج والكفاءات، أم مساراً تتراجع فيه المنافسة قبل أن يصل المواطن إلى صندوق الاقتراع؟».