طارق الخواجي: السينما السعودية في صحوة حقيقية

الناقد السعودي لـ«الشرق الأوسط»: ثيمة «الحب» الأصعب سينمائياً… و«مندوب الليل» الأفضل محلياً

طارق الخواجي (الشرق الأوسط)
طارق الخواجي (الشرق الأوسط)
TT

طارق الخواجي: السينما السعودية في صحوة حقيقية

طارق الخواجي (الشرق الأوسط)
طارق الخواجي (الشرق الأوسط)

ما الذي يجعلنا نحب فيلماً دون غيره؟ ونشعر وكأنه يلامس أعماقنا؟... أسئلة يجيب عنها الناقد والكاتب السعودي طارق الخواجي في كتابه الجديد «عيون محدقة باتساع»، والذي يغوص من خلاله في رحلة تأملية لا تكتفي بتفكيك السينما على مستوى الشكل أو النوع، بل تنقب في أعماقها بحثاً عن الثيمات التي تشكّل جوهر الفن السابع، فالكتاب الصادر مؤخراً عن دار «جسور» وجمعية السينما، لا يسرد ولا يحاكم، بل يفتح باباً للحوار مع الأفلام عبر عدسة الثيمة (السمة).

يستند الخواجي في كتابه على «الثيمات السينمائية» من خلال 12 ثيمة يعالجها، مع طرح نماذج سينمائية عالمية تتضمنها، ويكشف في حوار له مع «الشرق الأوسط» عن دوافع هذا المشروع السينمائي، وعن علاقته مع أفلام أندري تاركوفسكي، ورأيه في المشهد السينمائي السعودي، ولماذا يرى في فيلم «مندوب الليل» محطة ناضجة في التجربة المحلية... فإلى نص الحوار:

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

* ما الذي دفعك لاختيار الثيمة مدخلاً للكتابة عن السينما بدلاً من النوع أو الشكل؟

- لفترة طويلة جداً كانت السينما تُقرأ وتُقدم وتُصنّف بناءً على النوع: دراما، كوميديا، رعب، إثارة، حرب... وهي تصنيفات أجدها قاصرة، بل في كثير من الأحيان جائرة، ومنحازة، لأن الفيلم لا يتشكل وفق قالب سطحي يمكن تسميته بنوع محدد، بل غالباً ما تتداخل فيه مستويات متعددة من المعاني، وهذا التداخل يضيع تماماً إذا ما حصرنا الفيلم ضمن تصنيف واحد. بينما السينما المتعالية (كما يصفها) هي سينما لا تخضع لهذه القوالب. هي سينما ذات بنية داخلية مركبة، وتتناول موضوعات فلسفية وإنسانية معقدة تتجاوز ما يسمح به التصنيف النمطي. قد ترى فيلماً يصنف على أنه «درامي»، لكن جوهره الفعلي يدور حول ثيمة الفقد، أو الصراع الوجودي، أو العائلة بوصفها بنية مجتمعية تتآكل. وبعض القراء تفاجأوا من فكرة الكتاب، لأنهم اعتقدوا أن الثيمة مجرد أداة تحليلية، أو توجيه نقدي، بينما أنا أتعامل معها باعتبار أنها مدخل أساسي لفهم بنية الفيلم، وعلاقته بالزمن، وبالإنسان. الثيمة هي ليست ملصقاً على واجهة الفيلم، بل هي النبض الذي يتحرك داخله. إذا نظرنا إلى الثيمة على أنها «الموضوع الرئيس الذي يسيطر على العمل الفني»، فأظن أنني أصبت عندما اخترتها مفتاحاً للحديث عن السينما.

* اخترت في كتابك 12 ثيمة رئيسة... أيها كان الأصعب في المعالجة؟ ولماذا؟

- قد يبدو الأمر غريباً، لكن أصعب ثيمة واجهتني خلال إعداد الكتاب كانت ثيمة الحب. وعلى الرغم من أنها من أكثر الموضوعات تناولاً في السينما، فإن التعامل معها يتطلب حذراً شديداً. فالحب من جهة هو موضوع مألوف، وسهل الالتقاط، ومن جهة أخرى هو من أكثر الثيمات عرضة للابتذال والتكرار. وما يجعل هذه الثيمة تحديداً معقدة هي أنها ليست واحدة، بل تتفرع إلى أشكال متعددة، ولكل شكل منطقه وسياقه. حاولت في الكتاب أن أتعامل مع الحب بوصفه فكرة مركبة، فقمت بتقسيمه إلى 4 محاور: الحب الرومانسي العاطفي، الحب الأفلاطوني، الحب الأمومي، والحب التدميري. وواجهت صعوبة خاصة في إيجاد نماذج سينمائية ناضجة تعبر عن الحب الأفلاطوني تحديداً. ورغم أن هذا الشكل من الحب حاضر بكثافة في المخزون الأدبي والفلسفي، فإن السينما كثيراً ما تفشل في التعبير عنه دون أن تنزلق نحو الغموض، أو التلميح غير المجدي. أما الحب الأمومي أو التدميري، فهما ثيمتان قويتان، وغنيتان، وقد وجدت لهما تمثيلات سينمائية مثيرة للاهتمام.

* افتتحت كتابك بمقولة للمخرج الروسي أندري تاركوفسكي، وظهر تأثيره في ثنايا الكتاب... ما الذي يمثله تاركوفسكي بالنسبة لك؟

- لو أردت أن أختصر إجابتي بكلمة لقلت: تاركوفسكي هو من جعلني أحب السينما، لا فقط الأفلام. فقبل أن أكتشف أفلامه، كنت أحب مشاهدة الأفلام كما يحبها الكثيرون: بوصف أنها ترفيه راقٍ، أو تجربة شعورية. لكن مع تاركوفسكي، شعرت بأنني أمام فن يتجاوز المتعة البصرية. سينماه عميقة، مجازية، تتغذى على الشعر، وعلى الفلسفة، وعلى الميتافيزيقا. أسلوبه جعلني أفهم أن السينما يمكن أن تكون فناً قائماً بذاته، لا تابعاً، وأنها تستطيع أن تطرح أسئلة وجودية. لقد أخذ السينما إلى منطقة تتجاوز السرد إلى القصيدة البصرية. ولهذا السبب، خصصت له إشارات كثيرة في الكتاب، وكنت أفكر في أن أُهدي له الكتاب بالكامل!

* معظم النماذج التي استعنت بها في كتابك تنتمي إلى أفلام ما قبل الألفية الثالثة... لماذا؟

- الأمر لا علاقة له بالحنين، أو بالزمن بقدر ما يرتبط بـ«نضج المعالجة». في نظري، السينما في القرن العشرين امتلكت قدرة كبيرة على تقديم أفكار معقدة بطريقة أولية، لم تكن مكررة بعد، ولم تكن محكومة بمعادلات السوق، أو إملاءات المنصات الرقمية. اليوم، لدينا زخم هائل من الإنتاج، ولكن المعالجة العميقة أصبحت نادرة. الكثير من الأفلام المعاصرة تلعب على الإبهار، أو على التماس مع قضايا الساعة، لكنها تخلو من العمق الثيمي الذي يميز الأفلام التي تُكتب وتُصور من الداخل، لا استجابة للترند.

* من بين كل النماذج، كان «مندوب الليل» الفيلم السعودي الوحيد الذي ورد في الكتاب... لماذا وقع اختيارك عليه تحديداً؟

- لأنني ببساطة أعتبره أفضل فيلم سعودي شاهدته حتى الآن. هو فيلم متماسك من حيث البناء والسرد، ويقدم موضوعاً معاصراً شديد الأهمية بطريقة رزينة وناضجة... قد يراه البعض بطيئاً، لكن هذا البطء في رأيي مقصود، وضروري، فهو يمنح القصة وقتها لتتشكل، وللمعاني أن تتسرب بهدوء. الفيلم يتحدث عن تحولات اجتماعية واقتصادية تمس الجيل الجديد بشكل مباشر، عن الشعور بالاغتراب في عالم رأسمالي، عن هشاشة العلاقات العاطفية في زمن السوق. ما يميز «مندوب الليل» أنه لا يحاول تقديم كل شيء دفعة واحدة. هو يعرف ما يريد قوله، ويقوله بهدوء وثقة، وهذا ما تفتقر إليه أفلام سعودية أخرى كثيرة، والتي تبدو أحياناً كأنها تريد قول كل شيء دفعة واحدة، فتتشتت، وتتوه.

* هل ترى أن بعض الثيمات فقدت بريقها في السينما الحديثة؟

- نعم، بالتأكيد. بعض الثيمات أصبحت تُستخدم فيما يمكن أن نسميه ثقافة النفايات. خذ مثلاً ثيمة الديستوبيا والتقنية التي أُفرط في استهلاكها في أفلام رديئة ومهلهلة لا تحمل أي عمق فكري. لكن في المقابل، هناك أعمال معاصرة استطاعت أن تعالج هذه الثيمات بذكاء، وابتكار.

الخواجي أثناء توقيع كتابه في الدورة الأخيرة من مهرجان أفلام السعودية (الشرق الأوسط)

* ما الثيمة الأقرب إليك شخصياً، وتشعر بأنها تُعبّر عنك؟

- لا توجد ثيمة واحدة أستطيع القول إنها تمثلني بالكامل، لكن إذا أردت اختيار واحدة، فهي ثيمة الحياة والموت، خصوصاً في ارتباطها بتقدم العمر، وبالاسترجاع، وبالسؤال عن جدوى الرحلة.السينما التي تطرح سؤال «كيف ننظر لحياتنا؟» هي السينما التي تشدني. أحب الأفلام التي تتفاعل مع هذه الثيمة من موقع التأمل لا الانفعال. أيضاً، تعجبني كثيراً الأفلام التي تسخر من الحرب، باعتبار أنها حلول مفرطة في حل الخلافات الإنسانية.

* لمن كتبت هذا الكتاب؟ ومن تتوقع أن يجد فيه نفسه؟

- أظن أن الكتاب يتوجه لثلاثة قراء في وقت واحد: المشاهد العادي، والقارئ المتخصص، والناقد السينمائي. فالمشاهد العادي سيجد فيه فرصة لتأمل أفلامه المفضلة من زاوية مختلفة، والمتخصص سيجد مادة ثرية للنقاش والتأمل، أما النقاد، فأعتقد أنهم سيجدون فيه مساحة جيدة للمراجعة، وربما أيضاً للنقد (يضحك)، لأننا باعتبار أننا ممارسون للنقد غالباً ما نُتّهم بأننا نبحث عن مناطق الخلل أكثر من الجمال.

* أخيراً... كيف ترى المشهد السينمائي السعودي اليوم؟

- أرى أن المشهد يعيش حالة صحو حقيقية من عدة زوايا، فالسعوديون متفاعلون مع السينما بشكل كبير، سواء من حيث الحضور في الصالات، أو المتابعة المكثفة للأفلام عبر المنصات. وهناك أفلام سعودية باتت تحقّق جماهيرية واسعة، وتجارب كسرت القوالب التقليدية مثل «سطار»، وكذلك «هوبال». وبالطبع هناك تحديات، أبرزها المرجعية الثقافية لصناع الأفلام، والتي أرى أنها بحاجة إلى جهد أكبر، ووعي أعمق، وعمل ذاتي طويل الأمد. أما على مستوى المؤسسات الرسمية، فأعتقد أن هناك اهتماماً حقيقياً... السينما السعودية تتحرك الآن بطاقة عالية، وتحاول أن ترسم ملامح هويتها الخاصة، وأنا واثق أنها ستنجح، لأن النضج لا يأتي دفعة واحدة، بل بالتراكم، والتجربة.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجّل مستحضراً لعلاج «الورم النقوي» لدى البالغين

صحتك جهود سعودية مستمرة لتمكين المرضى من الوصول إلى الخيارات العلاجية الحديثة (واس)

السعودية تسجّل مستحضراً لعلاج «الورم النقوي» لدى البالغين

اعتمدت «هيئة الغذاء والدواء» السعودية تسجيل مستحضر «زينبكسوس» (إيبردوميد)، لعلاج المرضى البالغين المصابين بالورم النقوي المتعدد الناكس أو المقاوم للعلاج.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا السعودية تعزز مكانتها شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي عالمياً (واس)

الرياض تستضيف «المنتدى العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» سبتمبر المقبل

تستضيف العاصمة السعودية الرياض أعمال النسخة الرابعة لـ«منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» من 14 إلى 17 سبتمبر (أيلول) المقبل، بحضور عالمي كبير.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره التركي هاكان فيدان (الشرق الأوسط)

السعودية وتركيا تبحثان جهود خفض التصعيد وأمن الممرات المائية

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي في اتصال هاتفي مع نظيره التركي هاكان فيدان، الثلاثاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال توقيعه «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الجمعة (واس)

خاص إردوغان لـ«الشرق الأوسط»: «اتفاقية مكة» تعزّز البعد الردعي... ولا تستهدف أي دولة

شدَّد الرئيس رجب طيب إردوغان على أن علاقات تركيا مع السعودية هي «علاقة استراتيجية»، موضحاً أن «اتفاقية مكة» تعزّز الردع وتهدف إلى حماية الاستقرار الإقليمي.

غسان شربل (الرياض)
يوميات الشرق يأتي المسار التمويلي الجديد تزامناً مع عام الذكاء الاصطناعي حيث يشهد القطاع الثقافي السعودي تحولاً نوعياً (الصندوق)

السعودية تدعم القطاع الثقافي بمسار تمويلي لمشاريع الذكاء الاصطناعي

أعلنت السعودية عن إطلاق مسار تمويلي جديد يدعم تبني المنشآت لتقنيات الذكاء الاصطناعي أو تطويرها ضمن مشاريعها في مختلف القطاعات الثقافية لتعزيز نموها وابتكاريتها.

عمر البدوي (الرياض)

مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)
TT

مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)

من بين المظاهرات والأقسام التي يحشدها «مهرجان لوكارنو» في دورته الـ79، التي انطلقت في 5 من الشهر الحالي، وتستمر حتى 15 منه، استعادة لأفلام أنجزها سينمائيون أميركيون خلال الأربعينات والخمسينات، في ظل الحملة التي قادتها «لجنة مجلس النواب للتحقيق في النشاطات غير الأميركية» (HUAC) ضد مَن اشتبهت في انتمائهم إلى الحزب الشيوعي أو تعاطفهم معه.

هذه الأفلام كانت سبباً في تقديم أصحابها إلى المحكمة التي كانت تنظر في خلفيات السينمائيين السياسية لتصدر أحكامها عليهم.

من بين هؤلاء؛ دلمر دايفز، وإدوارد دميتريك، وتشارلي تشابلن، وروبرت روسن، وفرد زينمان، وإيليا كازان.

«مرمى نيران» (آر كي أو بكتشرز)

إفشاء معلومات

اختار المهرجان عدداً كبيراً من الأفلام لهذه الاستعادة، وهي موجهة، بالضرورة، إلى جيل ربما سمع عن تلك الفترة من تاريخ هوليوود، لكنه لم يشاهد غير القليل من أفلامها.

بعض الأعمال التي أُدرجت في خانة الأفلام المعادية لأميركا، أو تعرَّض أصحابها للتحقيق، تثير التساؤل حول مبررات نقمة اليمين عليها. من بينها «متسلل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكلارنس براون (1949)؛ يُثير التساؤل ليس فقط لأنه من تأليف الأديب ويليام فولكنر، بل لأن الموضوع الذي أثاره الفيلم منح بطولة مواقف متوازية بين المحامي الأبيض (أداه ديفيد برايان) والمتهم الأسود (جوانو هرنانديز) الذي لم يرتكب جريمة القتل التي أسندت إليه. في النهاية هو تأكيد على موقف ناصع للمحامي أدّى إلى تبرئة متهم أسود في أجواء الأربعينات العنصرية.

ومن أهم الأفلام المرتبطة بالقائمة السوداء «مرمى نيران» (Crossfire)، الذي أخرجه إدوارد دميتريك عام 1947. يتخذ الفيلم موقفاً مناهضاً للعنصرية من خلال حكاية بوليسية تدور حول مقتل مجنَّد يهودي؛ تقع الشبهة في البداية على جندي آخر اسمه مونتغمري (روبرت رايان)، والدافع معاداة السامية. أُنجز الفيلم وعُرض عام 1947، وعندما طلبت اللجنة المكارثية من مخرجه ومنتجه أدريان سكوت المثول أمامها بتهمة نقد النظام وتصوير أحد أفراد الجيش الأميركي قاتلاً. لكنهما رفضا المثول، ما حدا بمنعهما عن العمل. دخل دميتريك السجن إلى أن وافق على الإدلاء بشهادة اعتراف بأنه انتمى إلى الحزب الشيوعي، وعندما سألته اللجنة إفشاء أسماء سينمائيين آخرين كانوا في الحزب لم يتأخر عن الإدلاء بمعلوماته، ومن بين من ذكرهم منتج الفيلم؛ أدريان سكوت الذي كان «مرمى نيران» آخر أعماله.

جون غارفيلد: «ركض كل الطريق» (يونايتد آرتستس).

في عام 1947، أخضعت اللجنة عدداً من الأفلام الحربية للفحص بحثاً عن ميولها السياسية، وكان من بينها «النجم الشمالي» (The North Star) للويس مايلستون، الشهير بفيلمه المناهض للحرب «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» (All Quiet on the Western Front)، و«مهمة إلى موسكو» (Mission to Moscow) لمايكل كورتيز، و«أغنية روسيا» (Song of Russia) لغريغوري راتوف.

كانت هذه الأفلام، في معظمها، نتاج مرحلة عُدّ فيها الاتحاد السوفياتي حليفاً للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. حتى «أغنية روسيا» كان في ظاهره فيلماً عاطفياً عن أميركي، أدّاه روبرت تايلور، يقع في حب عازفة بيانو روسية، أدّتها سوزان بيترز. وتم، حسب شهادة رئيس «وورنر برذرز»، بطلب من البيت الأبيض.

ومن الأفلام الأخرى المرتبطة بتلك المرحلة «ركض طوال الطريق» (He Ran All the Way) لجون بيري عام 1951. وهو حكاية بوليسية من بطولة جون غارفيلد، الذي خضع للتحقيق أمام اللجنة في 23 أبريل (نيسان) 1951، وكان هذا الفيلم آخر أعماله.

ومن أشهر القضايا في هذا المضمار تلك التي أحاطت بالمخرج إيليا كازان، الذي اعترف بأنه كان عضواً في الحزب الشيوعي لعامين، بين 1934 و1936. وفي عام 1952، أدلى بشهادة أمام اللجنة، ذكر فيها أسماء عدد من زملائه السابقين، الذين قال إنهم كانوا أعضاء في الحزب.

تكشف أفلام الاستعادة كيف تحوَّلت الشبهات السياسية في سنوات المكارثية إلى أحكام أغلقت أبواب هوليوود أمام عدد كبير من صنّاعها

بعد ذلك، اشترى كازان مساحة إعلانية في صحيفة «نيويورك تايمز» برّر فيها قراره، ودعا آخرين إلى اتخاذ موقف مماثل. لكن إفشاءه أسماء زملائه أدى إلى مقاطعته من جانب عدد من أصدقائه والعاملين في المهنة.

وحسب حديث للمخرج أورسن ويلز عام 1982، اتهم كازان بالتضحية برفاقه، قال: «باع نفسه للمكارثية مجاناً، لم يسأله أحد أن يقحم نفسه بهذه الطريقة. لم ينجز فيلماً اعتُبر معادياً لأميركا. إنه خائن».

من المجدي هنا ذكر أن أورسون وَيلز اضطر خلال مطلع الخمسينات إلى مغادرة الولايات المتحدة تفادياً لطلب شهادته. كذلك فعل تشارلي تشابلن والمخرجين جوزيف لوزاي وجول داسين وساي إندفيلد.

أما تشارلي تشابلن فكان قد غادر الولايات المتحدة على متن باخرة متوجهاً إلى لندن عام 1952، لحضور العرض الأول لفيلمه «أضواء المسرح» (Limelight)، عندما ألغت السلطات الأميركية تصريح إعادة دخوله، وهو في البحر. فاختار عدم العودة، واستقر مع عائلته في سويسرا، مؤكداً أنه لم يكن عضواً في الحزب الشيوعي، على الرغم من أن عدداً من أفلامه، وفي مقدمها «أزمنة حديثة» (Modern Times)، عُدّ يساري التوجه وناقداً للرأسمالية.

ويعرض «مهرجان لوكارنو» عشرات الأفلام الأخرى، تتوزع بين الروائي والوثائقي، لمخرجين وكتّاب وفنانين ارتبطت أعمالهم بتلك الحقبة، من أمثال أورسن ويلز، وديفيد هلبورن، وفرد زينمان، وكليفورد أوديتس، وإلمر كليفتون، وهربرت بيبرمان، وغيرهم.


شاشة الناقد: فيلمان عن البطولة... أحدهما واقعي والآخر في منتهى الخيال

«تشي غيفارا: الرفاق الآخرون» (بنتاكل برودكشنز)
«تشي غيفارا: الرفاق الآخرون» (بنتاكل برودكشنز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن البطولة... أحدهما واقعي والآخر في منتهى الخيال

«تشي غيفارا: الرفاق الآخرون» (بنتاكل برودكشنز)
«تشي غيفارا: الرفاق الآخرون» (بنتاكل برودكشنز)

CHE GUEVARA‪:‬ THE LAST COMPANIONS ★★★★★

• إخراج: كريستوف ديمتري ريفاي

• فرنسا (2026)/ وثائقي

ينطلق هذا الفيلم للعرض في باريس الشهر المقبل، وهو مُبرمج بعد ذلك لعروض أوروبية متعددة مباشرة. إذا ما رضينا بكلمة واحدة بشأن ما إذا كان يستحق المشاهدة أم لا، فالجواب الموجز: بكل تأكيد.

يحمل الفيلم عنوان «تشي غيفارا: الرفاق الآخرون»، لكنه لا يدور أساساً عن تشي غيفارا الذي أُعدم يوم 1 أبريل (نيسان) سنة 1961 في بوليفيا. ليس عن مبادئه الثورية، ولا عن أسطورته بوصفه قائد حركة عسكرية مناوئة لليمين، ولا حتى عن إرثه، رغم أن كل ذلك يرد تلقائياً في هذا الفيلم. ما يعرضه المخرج كريستوف ديمتري ريفاي، بعد 22 سنة من البحث والتجميع والتصوير ثم استكمال الفيلم هذا العام، هو رفاق السلاح الستّة الذين أكملوا طريقهم من بعده.

استكمال الطريق لم يكن بدوره مجرد حَمل أفكار غيفارا والدفاع عنها، بل محاولة الإفلات من الجيش البوليفي (وبعده الإكوادوري وسواه) طيلة 5 أشهر، قطعوا خلالها 3800 كيلومتر، معظمها سيراً على الأقدام، متنقلين بين سفوحِ جبالٍ وسهول ووديان وقرى، ودائماً تحت خطر إلقاء القبض عليهم أو قتلهم في معارك على أيدي جنود يفوقونهم عدداً بأضعاف. كيف استطاع هؤلاء الستة النجاة من الكمائن؟ فوصول معظمهم إلى كوبا بعد 5 أشهر من المطاردات، بحماية فرنسية (بأمر من الجنرال شارل ديغول)، هو إنجاز يقترب من الخيال.

في الواقع، لو أن القرار كان صنع فيلم روائي عن هؤلاء بدلاً من تحقيق فيلم وثائقي، لبدا الأمر خيالياً وغير قابل للتصديق. لكن الفيلم يؤكد، على لسان الناجين من رفاق غيفارا، ما حدث، في مقابلات أجراها المخرج معهم خلال فترة إعداده الفيلم، ومن خلال شهادات جنرالات ومسؤولين معادين لهم في بوليفيا وغيرها. مجموع ما يُدلي به هؤلاء لا يشكل وثيقة تاريخية كانت غائبة عن التداول فقط، بل استعادة لتاريخ شامل كان بمعظمه غائباً عن التداول ومنسياً طيلة تلك العقود.

لسد ثغرةِ ما لا يستطيع الفيلم تصويره حيّاً من المشاهد، أو ما لم يستطع الحصول عليه من وثائق مصوّرة، عمد المخرج إلى الاستعانة برسوم لشرح مواقع وأماكن وسبل هرب أو مواجهات. التكامل بين التصوير الفعلي والرسوم منجَز بدقّة؛ مما يُفيد في توجيه الفيلم صوب ما ينشده من توفير معلومات وحقائق، من دون التحوّل إلى بروباغاندا. يجري هذا عبر الاستماع إلى الشهادات والتعليق الصوتي الهادئ. يقترب المخرج من كل الأطراف (من بينها شهادات لعملاء من «سي آي إيه») مسافة واحدة، تاركاً للمُشاهد تأسيس مسافته الخاصّة. لكنه، في الوقت نفسه، يودِع البالَ وقائع لم يكشف عنها فيلم من قبل، على تعدد ما خرج من محاولات روائية وغير روائية سابقاً.

في مجمله، هو حديث عمّن أهملهم التاريخ، وما دفعوه في مقابل ما آمنوا به وعاشوا له.

SPIDER‪-‬MAN‪:‬ A BRAND NEW DAY ★★︎

• إخراج: ديستِن دانيال كريتون

• الولايات المتحدة (2026)

«مع القوّة العظمى تأتي المسؤوليات العظمى»، تقول عمّة «سبايدر-مان» في أحد المشاهد. إنها حكمة دون شك، لكنها ليست من ابتداع الفيلم، بل جرى تداولها في أفلام أخرى، من بينها الفيلم السابق من السلسلة (2021)، في مشهد جمع بين توم هولاند في دور «سبايدر-مان» وعمّته (ماريسا تومي). هذا لأن الفيلم الجديد مكوّن من مشاهد عدة سابقة تجمع بين هذا البطل وشخصيات أخرى. «سبايدر-مان: يوم جديد» لا يتأخر عن العودة إلى الماضي، عوض بناء حكاية جديدة تفي، على الأقل، بأننا نشهد يوماً جديداً بالفعل.

«سبايدر-مان: يوم جديد» (كولومبيا بيكتشرز)

إنه الفيلم التاسع من السلسلة التي شهدت قدراً ملحوظاً من اللعب على العواطف. منذ البداية، بيتر باركر، الذي يتمتع بقدرات خارقة تحوّله إلى رجل عنكبوتي يستخدم الخيوط اللزجة في طيرانه فوق مدينة نيويورك، يحب زميلته في الدراسة ولا يستطيع الكشف عن حقيقته. يفكّر في التخلي عن بطولاته، لكنه لا يقدر. إلى ذلك، هو الشخص الحائر بين هويّتين، كل منهما تنافس الأخرى على الاستحواذ عليه.

تلعب العاطفة دوراً أكبر من المعتاد بقليل. ما عاد باركر شخصية مراهقة واقعة في حب رومانسي، أو تعرف إلى أي فصيل من المخلوقات تفضّل أن تنتمي: السوبرمانية أم تلك العادية القدرات التي تشبهنا؟ وهل يضع عاطفته في زجاجة أم يواصل تعلّقه بالفتاة التي أحبها منذ سنوات؟ يكتشف، عندما يلتقيها وصديقَ الأمس ند (جاكوب باتالون)، أنهما لا يعرفانه بسبب تعرّضهما لحالة غامضة جعلتهما ينسيانه تماماً. في الوقت نفسه، عليه أن يهتم بنفسه ليدرأ عنها أخطاراً أخرى، فكما هي الحال مع كل الأبطال الخارقين، هناك أعداء لدودون يتمتعون بقوى مماثلة، أو أكبر من قواهم، ولو إلى حين.

هناك قدر كبير من الاستعادات التي تؤخر سرد ما يُفترض أنها حكاية جديدة. في الواقع، لا يفي العنوان بيوم جديد بقدر ما يعبّر عن يوم مُستطرَد. كتابته الموزّعة بين المؤثرات والدراميات المبثوثة وسطها لا تخلو من الفوضى في السرد. كذلك يبدو البوليس الأميركي وقد ترك مهامه لـ«سبايدر-مان»، الذي سرعان ما نراه يفشل في إحدى مهامه. المخرج ماهر في توضيب المؤثرات والإشراف عليها، لكن هذا أفضل ما يمكن الخروج به من هذا الفيلم.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«الأوديسة» يحيي أفلام العصر الذهبي للسينما التاريخية

«هيلين الطروادية» (وورنر برذرز)
«هيلين الطروادية» (وورنر برذرز)
TT

«الأوديسة» يحيي أفلام العصر الذهبي للسينما التاريخية

«هيلين الطروادية» (وورنر برذرز)
«هيلين الطروادية» (وورنر برذرز)

يُحسب لفيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» أنه يحيي، بنجاحه، عصراً من الأفلام الملحمية التاريخية التي شهدت ذروتها الإنتاجية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. يضع أمام مشاهدي اليوم نوعاً من الأفلام التي لم نعد نراها إلا لُماماً، وغالباً في أفلام ريدلي سكوت التاريخية مثل «غلادياتور» (2000)، و«مملكة السماء» (2005)، وصولاً إلى «نابليون» (2023)، و«غلادياتور 2» (2024)

لكن أفلام الملاحم التاريخية، خصوصاً تلك التي تقع أحداثها في حوض البحر المتوسط حيث حضارات الفراعنة والإغريق والرومان، ليست فقط الأقرب إلى ما وفَّره نولان، بل أيضاً النوع الذي تطلّب دائماً تضافر عناصر العمل من تصاميم إنتاجية وديكورات وملابس وكومبارس، وتنفيذاً يتبع تفاصيل التاريخ التقنية الأخرى، متوسّماً استقبال الأجيال لعالم مرّت على أحداثه نحو 3000 سنة.

إليزابيث تايلور في «كليوباترا» (تونتييث سنتشري فوكس)

نجاح طفيف

تلك السينما كانت تُسمى بـ«أفلام السيف والصندال»، حيث السيف في اليد والأحذية عبارة عن صنادل مما توفر صنعها. لكن المضمون كان دوماً الصراع بين الأفراد وبين الجيوش والإمبراطوريات. رحى تلك الصراعات كانت تدور داخل القلاع والقصور، كما في الأراضي المفتوحة، امتداداً لشواطئ البحر الأبيض المتوسط.

في عام 1953 باشر المخرج جوزيف مانكيفيتز تحقيق نسخة ويليام شكسبير من «يوليوس قيصر» (Julius Caesar). لم يكن مانكيفيتز السينمائي الأميركي الوحيد الذي كان يرغب في تقديم الرواية في فيلم تاريخي، بل سبقه في الهدف المخرج أورسن ويلز. دعم شركة «مترو غولدوين ماير» لفيلم مانكيفيتز وضع حداً لطموح ويلز، الذي انصرف لاحقاً صوب أعمال شكسبيرية أخرى.

في العام التالي فرك المخرج مايكل كورتيز (الشهير بفيلمه الأسبق «كازابلانكا») يديه فرحاً عندما اختارته «تونتييث سنتشري فوكس» لتحقيق «المصري»، الذي يستهل أحداثه بمشهد يذكّر بقصة النبي موسى. مارلون براندو وافق على بطولته، لكنه تراجع عن ذلك، وعزا الأمر إلى أنه كان بحاجة إلى معالجة طبية. ولاحقاً اعترف بأنه لم يكن راضياً عن بعض المشاركين في البطولة إلى جانبه. حل فيكتور ماتيور، بأسلوبه الأدائي المختلف 180 درجة عن أسلوب براندو، في البطولة.

كريستوفر بلامر يتوسط محاربيه في «سقوط الإمبراطورية الرومانية» (باراماونت)

حكاية بالغة التكلفة

لم ينجز هذا الفيلم سوى نجاح طفيف، لكن ذلك لم يوقف رغبة هوليوود في المزيد من الأفلام المشابهة. روبرت وايز حقَّق «هيلين الطروادية» (Helen of Troy) في عام 1956، الفيلم المقتبس عن «الإلياذة» لهوميروس. كانت «وورنر» قد اشترت الحقوق من المنتجين الإيطاليين كارلو بونتي ودينو دي لورينتيس، وأسندت البطولة إلى روزانا بوديستا وجاك سرناس والمسرحي سيدريك هاردويك. بريجيت باردو حققت ظهورها الأول على الشاشة.

هذا فيلم يحشد عناصر درامية لافتة، مع مشاهد جيدة التحضير والتنفيذ للمعارك والحشود الكبيرة. لكنه أضعف على صعيد الإلقاء، بسبب مشكلة تلقين ممثلين لا يجيدون الإنجليزية، مما يرفع من شأن أداء هاردويك ويميّزه منفرداً.

تلاه فيلم «كليوباترا»، الذي كاد أن يُطيح بشركة «فوكس» بسبب ارتفاع تكاليفه، إلى جانب مشكلات كبيرة أخرى.

هذا الفيلم «كليوباترا» الذي بدأ تحقيقه روبرت ماموليان وأكمله جوزيف مانكيفيتز، مع إليزابيث تايلور، وريتشارد بيرتون، وركس هاريسون في البطولة. ترنّحت الشركة تحت وطأة ميزانية الفيلم التي بلغت آنذاك 44 مليون دولار، ما يوازي 411 مليون دولار حالياً. لكن إلى جانب ذلك، تأخر تصوير الفيلم 3 سنوات (بدأ في 1960 وانتهى في 1963)، ونشبت خلافات، وانتهى الفيلم بإخفاق تجاري كبير.

يستوقفنا كذلك «الإسكندر العظيم» لروبرت روزن، مع ريتشارد بورتون، وكلير بلوم، الذي سبق نسخة أوليفر ستون «ألكسندر» بـ48 سنة. الحكاية هنا معروفة من أفلام سابقة ولاحقة، وتدور حول القائد الإغريقي الذي طمح إلى غزو العالم شرق وجنوب بلاده. صُوِّر في إسبانيا مع نحو 6 آلاف كومبارس.

هنا وظّف روزن نظام «سينما سكوب» بدراية، واستخدم العدد الكبير من المجاميع جيداً في مشاهد المعارك، لكن الدراما جاءت، كما في كثير من المحاولات الأخرى في هذا النوع من الأفلام، أقل تميزاً.

الأفلام الملحمية التاريخية التي بلغت ذروتها في خمسينات القرن الماضي وستيناته تعود إلى الواجهة

عودة نوعية

لم يمنع فشل «كليوباترا» من إنتاج ملاحم أخرى في الستينات، من بينها «فيدرا» لجول داسن (1960)، و«سبارتاكوس» لستانلي كوبريك (1960)، و«سقوط الإمبراطورية الرومانية» لأنطوني مان، وكل ذلك قبل أن تعود هوليوود إلى إنتاج هذا النوع من الأفلام، إنما بوتيرة متباعدة.

هذان الفيلمان الأخيران في هذا الاستعراض هما من بين أفضل ما حُقِّق من أعمال في هذا النوع من السينما. «سبارتاكوس» حشد لموضوع العبيد في ميادين القتال الرومانية والصرخة لإطلاقهم، مع أداء لافت من كيرك دوغلاس، والثاني سبر غور حياة البلاط الروماني في الفترة التي سبقت اندحاره.

كان أنطوني مان قد قرأ كتاب إدوارد غيبون، واتفق مع المنتج سامويل برونستون (عملا معاً في فيلم ملحمي سابق هو El Cid) على تحقيقه. دراما شاملة تتسم بجدية الطرح، كحال «سبارتاكوس».

هذا المنوال من الأفلام عاد إلى الحياة في عام 2000 عندما حقَّق ريدلي سكوت فيلم «غلادياتور»، ثم أتبعه بأفلام تاريخية عدَّة، من بينها «مملكة السماء»، و«نابليون»، و«غلادياتور 2». كلها تشهد بحب المخرج للتاريخ وللشاشة العريضة التي تستوعبه.