طارق الخواجي: السينما السعودية في صحوة حقيقية

الناقد السعودي لـ«الشرق الأوسط»: ثيمة «الحب» الأصعب سينمائياً… و«مندوب الليل» الأفضل محلياً

طارق الخواجي (الشرق الأوسط)
طارق الخواجي (الشرق الأوسط)
TT

طارق الخواجي: السينما السعودية في صحوة حقيقية

طارق الخواجي (الشرق الأوسط)
طارق الخواجي (الشرق الأوسط)

ما الذي يجعلنا نحب فيلماً دون غيره؟ ونشعر وكأنه يلامس أعماقنا؟... أسئلة يجيب عنها الناقد والكاتب السعودي طارق الخواجي في كتابه الجديد «عيون محدقة باتساع»، والذي يغوص من خلاله في رحلة تأملية لا تكتفي بتفكيك السينما على مستوى الشكل أو النوع، بل تنقب في أعماقها بحثاً عن الثيمات التي تشكّل جوهر الفن السابع، فالكتاب الصادر مؤخراً عن دار «جسور» وجمعية السينما، لا يسرد ولا يحاكم، بل يفتح باباً للحوار مع الأفلام عبر عدسة الثيمة (السمة).

يستند الخواجي في كتابه على «الثيمات السينمائية» من خلال 12 ثيمة يعالجها، مع طرح نماذج سينمائية عالمية تتضمنها، ويكشف في حوار له مع «الشرق الأوسط» عن دوافع هذا المشروع السينمائي، وعن علاقته مع أفلام أندري تاركوفسكي، ورأيه في المشهد السينمائي السعودي، ولماذا يرى في فيلم «مندوب الليل» محطة ناضجة في التجربة المحلية... فإلى نص الحوار:

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

* ما الذي دفعك لاختيار الثيمة مدخلاً للكتابة عن السينما بدلاً من النوع أو الشكل؟

- لفترة طويلة جداً كانت السينما تُقرأ وتُقدم وتُصنّف بناءً على النوع: دراما، كوميديا، رعب، إثارة، حرب... وهي تصنيفات أجدها قاصرة، بل في كثير من الأحيان جائرة، ومنحازة، لأن الفيلم لا يتشكل وفق قالب سطحي يمكن تسميته بنوع محدد، بل غالباً ما تتداخل فيه مستويات متعددة من المعاني، وهذا التداخل يضيع تماماً إذا ما حصرنا الفيلم ضمن تصنيف واحد. بينما السينما المتعالية (كما يصفها) هي سينما لا تخضع لهذه القوالب. هي سينما ذات بنية داخلية مركبة، وتتناول موضوعات فلسفية وإنسانية معقدة تتجاوز ما يسمح به التصنيف النمطي. قد ترى فيلماً يصنف على أنه «درامي»، لكن جوهره الفعلي يدور حول ثيمة الفقد، أو الصراع الوجودي، أو العائلة بوصفها بنية مجتمعية تتآكل. وبعض القراء تفاجأوا من فكرة الكتاب، لأنهم اعتقدوا أن الثيمة مجرد أداة تحليلية، أو توجيه نقدي، بينما أنا أتعامل معها باعتبار أنها مدخل أساسي لفهم بنية الفيلم، وعلاقته بالزمن، وبالإنسان. الثيمة هي ليست ملصقاً على واجهة الفيلم، بل هي النبض الذي يتحرك داخله. إذا نظرنا إلى الثيمة على أنها «الموضوع الرئيس الذي يسيطر على العمل الفني»، فأظن أنني أصبت عندما اخترتها مفتاحاً للحديث عن السينما.

* اخترت في كتابك 12 ثيمة رئيسة... أيها كان الأصعب في المعالجة؟ ولماذا؟

- قد يبدو الأمر غريباً، لكن أصعب ثيمة واجهتني خلال إعداد الكتاب كانت ثيمة الحب. وعلى الرغم من أنها من أكثر الموضوعات تناولاً في السينما، فإن التعامل معها يتطلب حذراً شديداً. فالحب من جهة هو موضوع مألوف، وسهل الالتقاط، ومن جهة أخرى هو من أكثر الثيمات عرضة للابتذال والتكرار. وما يجعل هذه الثيمة تحديداً معقدة هي أنها ليست واحدة، بل تتفرع إلى أشكال متعددة، ولكل شكل منطقه وسياقه. حاولت في الكتاب أن أتعامل مع الحب بوصفه فكرة مركبة، فقمت بتقسيمه إلى 4 محاور: الحب الرومانسي العاطفي، الحب الأفلاطوني، الحب الأمومي، والحب التدميري. وواجهت صعوبة خاصة في إيجاد نماذج سينمائية ناضجة تعبر عن الحب الأفلاطوني تحديداً. ورغم أن هذا الشكل من الحب حاضر بكثافة في المخزون الأدبي والفلسفي، فإن السينما كثيراً ما تفشل في التعبير عنه دون أن تنزلق نحو الغموض، أو التلميح غير المجدي. أما الحب الأمومي أو التدميري، فهما ثيمتان قويتان، وغنيتان، وقد وجدت لهما تمثيلات سينمائية مثيرة للاهتمام.

* افتتحت كتابك بمقولة للمخرج الروسي أندري تاركوفسكي، وظهر تأثيره في ثنايا الكتاب... ما الذي يمثله تاركوفسكي بالنسبة لك؟

- لو أردت أن أختصر إجابتي بكلمة لقلت: تاركوفسكي هو من جعلني أحب السينما، لا فقط الأفلام. فقبل أن أكتشف أفلامه، كنت أحب مشاهدة الأفلام كما يحبها الكثيرون: بوصف أنها ترفيه راقٍ، أو تجربة شعورية. لكن مع تاركوفسكي، شعرت بأنني أمام فن يتجاوز المتعة البصرية. سينماه عميقة، مجازية، تتغذى على الشعر، وعلى الفلسفة، وعلى الميتافيزيقا. أسلوبه جعلني أفهم أن السينما يمكن أن تكون فناً قائماً بذاته، لا تابعاً، وأنها تستطيع أن تطرح أسئلة وجودية. لقد أخذ السينما إلى منطقة تتجاوز السرد إلى القصيدة البصرية. ولهذا السبب، خصصت له إشارات كثيرة في الكتاب، وكنت أفكر في أن أُهدي له الكتاب بالكامل!

* معظم النماذج التي استعنت بها في كتابك تنتمي إلى أفلام ما قبل الألفية الثالثة... لماذا؟

- الأمر لا علاقة له بالحنين، أو بالزمن بقدر ما يرتبط بـ«نضج المعالجة». في نظري، السينما في القرن العشرين امتلكت قدرة كبيرة على تقديم أفكار معقدة بطريقة أولية، لم تكن مكررة بعد، ولم تكن محكومة بمعادلات السوق، أو إملاءات المنصات الرقمية. اليوم، لدينا زخم هائل من الإنتاج، ولكن المعالجة العميقة أصبحت نادرة. الكثير من الأفلام المعاصرة تلعب على الإبهار، أو على التماس مع قضايا الساعة، لكنها تخلو من العمق الثيمي الذي يميز الأفلام التي تُكتب وتُصور من الداخل، لا استجابة للترند.

* من بين كل النماذج، كان «مندوب الليل» الفيلم السعودي الوحيد الذي ورد في الكتاب... لماذا وقع اختيارك عليه تحديداً؟

- لأنني ببساطة أعتبره أفضل فيلم سعودي شاهدته حتى الآن. هو فيلم متماسك من حيث البناء والسرد، ويقدم موضوعاً معاصراً شديد الأهمية بطريقة رزينة وناضجة... قد يراه البعض بطيئاً، لكن هذا البطء في رأيي مقصود، وضروري، فهو يمنح القصة وقتها لتتشكل، وللمعاني أن تتسرب بهدوء. الفيلم يتحدث عن تحولات اجتماعية واقتصادية تمس الجيل الجديد بشكل مباشر، عن الشعور بالاغتراب في عالم رأسمالي، عن هشاشة العلاقات العاطفية في زمن السوق. ما يميز «مندوب الليل» أنه لا يحاول تقديم كل شيء دفعة واحدة. هو يعرف ما يريد قوله، ويقوله بهدوء وثقة، وهذا ما تفتقر إليه أفلام سعودية أخرى كثيرة، والتي تبدو أحياناً كأنها تريد قول كل شيء دفعة واحدة، فتتشتت، وتتوه.

* هل ترى أن بعض الثيمات فقدت بريقها في السينما الحديثة؟

- نعم، بالتأكيد. بعض الثيمات أصبحت تُستخدم فيما يمكن أن نسميه ثقافة النفايات. خذ مثلاً ثيمة الديستوبيا والتقنية التي أُفرط في استهلاكها في أفلام رديئة ومهلهلة لا تحمل أي عمق فكري. لكن في المقابل، هناك أعمال معاصرة استطاعت أن تعالج هذه الثيمات بذكاء، وابتكار.

الخواجي أثناء توقيع كتابه في الدورة الأخيرة من مهرجان أفلام السعودية (الشرق الأوسط)

* ما الثيمة الأقرب إليك شخصياً، وتشعر بأنها تُعبّر عنك؟

- لا توجد ثيمة واحدة أستطيع القول إنها تمثلني بالكامل، لكن إذا أردت اختيار واحدة، فهي ثيمة الحياة والموت، خصوصاً في ارتباطها بتقدم العمر، وبالاسترجاع، وبالسؤال عن جدوى الرحلة.السينما التي تطرح سؤال «كيف ننظر لحياتنا؟» هي السينما التي تشدني. أحب الأفلام التي تتفاعل مع هذه الثيمة من موقع التأمل لا الانفعال. أيضاً، تعجبني كثيراً الأفلام التي تسخر من الحرب، باعتبار أنها حلول مفرطة في حل الخلافات الإنسانية.

* لمن كتبت هذا الكتاب؟ ومن تتوقع أن يجد فيه نفسه؟

- أظن أن الكتاب يتوجه لثلاثة قراء في وقت واحد: المشاهد العادي، والقارئ المتخصص، والناقد السينمائي. فالمشاهد العادي سيجد فيه فرصة لتأمل أفلامه المفضلة من زاوية مختلفة، والمتخصص سيجد مادة ثرية للنقاش والتأمل، أما النقاد، فأعتقد أنهم سيجدون فيه مساحة جيدة للمراجعة، وربما أيضاً للنقد (يضحك)، لأننا باعتبار أننا ممارسون للنقد غالباً ما نُتّهم بأننا نبحث عن مناطق الخلل أكثر من الجمال.

* أخيراً... كيف ترى المشهد السينمائي السعودي اليوم؟

- أرى أن المشهد يعيش حالة صحو حقيقية من عدة زوايا، فالسعوديون متفاعلون مع السينما بشكل كبير، سواء من حيث الحضور في الصالات، أو المتابعة المكثفة للأفلام عبر المنصات. وهناك أفلام سعودية باتت تحقّق جماهيرية واسعة، وتجارب كسرت القوالب التقليدية مثل «سطار»، وكذلك «هوبال». وبالطبع هناك تحديات، أبرزها المرجعية الثقافية لصناع الأفلام، والتي أرى أنها بحاجة إلى جهد أكبر، ووعي أعمق، وعمل ذاتي طويل الأمد. أما على مستوى المؤسسات الرسمية، فأعتقد أن هناك اهتماماً حقيقياً... السينما السعودية تتحرك الآن بطاقة عالية، وتحاول أن ترسم ملامح هويتها الخاصة، وأنا واثق أنها ستنجح، لأن النضج لا يأتي دفعة واحدة، بل بالتراكم، والتجربة.


مقالات ذات صلة

ولي العهد السعودي يزور المسجد النبوي ويصلي في الروضة الشريفة

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى أدائه الصلاة في الروضة الشريفة (واس) p-circle 00:28

ولي العهد السعودي يزور المسجد النبوي ويصلي في الروضة الشريفة

زار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، المسجد النبوي، وأدى الصلاة في الروضة الشريفة، كما تشرف بالسلام على رسول الله وصاحبيه.

«الشرق الأوسط» (المدينة المنورة)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى استقباله المهنئين بشهر رمضان في قصر اليمامة (واس)

ولي العهد السعودي يستقبل المهنئين بشهر رمضان في الرياض

استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في الرياض، المفتي والأمراء، والعلماء والوزراء وجمعاً من المواطنين، الذين قدموا للسلام عليه والتهنئة بحلول رمضان.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد السعودية تسعى لتعزيز المنفعة من المواد الخام ونقلها إلى مراحل متقدمة من الإنتاج (واس)

وزارة الطاقة السعودية: مزاولة عمليات المواد البترولية والبتروكيماوية تتطلب تراخيص

أكّدت وزارة الطاقة السعودية أن مزاولة جميع العمليات المتعلقة بالمواد البترولية والبتروكيماوية تتطلب الحصول على التراخيص اللازمة منها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد «PIL» تدير 29 دولة من مقرها الإقليمي في الرياض (موانئ)

السعودية تواصل جذب الخطوط الملاحية العالمية

أصدرت هيئة المواني السعودية، ترخيصاً موحداً للخط الملاحي العالمي (PIL) بصفته مستثمراً أجنبياً معتمداً لمزاولة نشاط الوكالات البحرية في مواني البلاد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير خالد بن سلمان لدى تقليده الفريق الأول المتقاعد مايكل كوريلا وسام الملك عبد العزيز (وزارة الدفاع السعودية)

خالد بن سلمان يُقلد كوريلا «وسام المؤسس»

قلّد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان الفريق الأول المتقاعد مايكل كوريلا قائد القيادة المركزية الأميركية السابق وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الممتازة

«الشرق الأوسط» (الرياض)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


وفاة الممثل روبرت دوفال نجم فيلم «العراب» عن 95 عاماً

الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال (أ.ب)
الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال (أ.ب)
TT

وفاة الممثل روبرت دوفال نجم فيلم «العراب» عن 95 عاماً

الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال (أ.ب)
الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال (أ.ب)

​قالت مجلة «فارايتي» الأميركية، اليوم (الاثنين)، ‌إن ‌الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال ​الذي اشتهر ⁠بأدواره في أفلام مثل (⁠جاد ‌فاذر) ‌أو «​العراب» ‌و(أبوكاليبس ‌ناو) أو «القيامة الآن» ‌توفي عن عمر ⁠ناهز 95 عاماً.

ووفقاً لبيان صادر عن عائلته، فقد رحل الممثل الشهير بسلام في منزله بمدينة ميدلبيرغ بولاية فرجينيا، محاطاً بعائلته.

لم يرغب دوفال في إقامة مراسم تأبين رسمية؛ لذا شجعت عائلته محبيه على تكريم ذكراه من خلال «مشاهدة فيلم رائع، أو سرد قصة شيقة مع الأصدقاء، أو القيام بنزهة في الريف للاستمتاع بجمال الطبيعة».

في مسيرة فنية حافلة في هوليوود امتدت لما يقارب ستة عقود، تنقل دوفال ببراعة بين الأدوار الرئيسية والثانوية، مقدماً أداءً يجمع بين الغضب المكبوت والوقار الهادئ.

تقمص كل شخصية ببراعة.

رُشِّح لسبع جوائز أوسكار وسبع جوائز غولدن غلوب. وفاز بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل عام 1984 عن دوره في فيلم «Tender Mercies» للمخرج بروس بيريسفورد، حيث جسّد شخصية مغني الريف مدمن الكحول ماك سليدج.

وُلِدَ روبرت سيلدون دوفال في 5 يناير (كانون الثاني) 1931 في سان دييغو، لأمّه ميلدريد هارت، ووالده ويليام دوفال، وهو أميرال في البحرية الأميركية. نشأ في قواعد بحرية متفرقة في أنحاء البلاد، بما في ذلك الأكاديمية البحرية الأميركية في أنابوليس، ميريلاند، وتخرج من كلية برينسيبيا في إلسا، إلينوي، عام 1953.

خدم عامين في الجيش الأميركي خلال الحرب الكورية. بعد عودته إلى الولايات المتحدة، درس دوفال التمثيل على يد الأستاذ المرموق سانفورد مايسنر في مسرح نيبرهود بلاي هاوس في نيويورك، حيث كان من بين زملائه داستن هوفمان، وجين هاكمان، وجيمس كان.

في تلك السنوات، كسب دوفال رزقه من خلال العمل في وظائف متفرقة في نيويورك، وكان يسكن مع هوفمان وهاكمان. شارك في العديد من مسرحيات برودواي وخارجها، بما في ذلك مسرحيتا آرثر ميلر «البوتقة» و«نظرة من الجسر»، كما ظهر ضيف شرف في برامج تلفزيونية شهيرة مثل «منطقة الشفق».

لم يظهر لأول مرة في السينما إلا في سن الحادية والثلاثين، حيث لعب دوراً صغيراً لكنه محوري في فيلم «أن تقتل طائراً بريئاً» (1962) المقتبس عن رواية هاربر لي. وواصل بناء سمعته طوال الستينيات، مقدماً أداءً لا يُنسى في فيلم جون واين «الشجاعة الحقيقية» (1969) وفي فيلم فرانسيس فورد كوبولا «أهل المطر» (1969).

في السبعينيات، برز دوفال بوصفه إحدى الشخصيات الرئيسية في حركة «هوليوود الجديدة». تعاون بشكل متكرر مع مخرجين ذوي رؤية ثاقبة، وساهم في إعادة تشكيل ملامح النجومية في السينما الأميركية إلى جانب نجوم آخرين غير تقليديين، من بينهم آل باتشينو وروبرت دي نيرو وزميليه السابقين في السكن هوفمان وهاكمان.

كان عضواً بارزاً في طاقم الممثلين الضخم للمخرج روبرت ألتمان في فيلم «ماش» (1970)، وهو فيلم ساخر مناهض للحرب، حيث جسّد شخصية الرائد فرانك بيرنز، المتغطرس بشكلٍ كوميدي. كما لعب دور البطولة في فيلم «تي إتش إكس 1138» (1971)، وهو أول فيلم روائي طويل للمخرج جورج لوكاس، وهو فيلم خيال علمي وإثارة تدور أحداثه في عالم بائس، صدر قبل ست سنوات من فيلم «حرب النجوم» الأصلي.

بلغ دوفال ذروة شهرته بأدائه المميز لشخصية توم هاجن، محامي عائلة كورليوني الهادئ والحسابي، في فيلم «العراب» (1972) للمخرج كوبولا، الذي رشّحه لأول مرة لجائزة الأوسكار، وفي الجزء الثاني من الفيلم (1974)، الذي شهد توسيع دوره.

«دائماً ما يعود الأمر إلى فيلم (العراب). فالجزآن الأولان من أفضل الأفلام التي صُنعت على الإطلاق. وعندما قطعنا ربع الطريق تقريباً، أدركنا أننا أمام عمل مميز»، هكذا صرّح دوفال لصحيفة «سان فرانسيسكو كرونيكل» عام 2010.

لم يظهر في الجزء الثالث من سلسلة «العراب»، الذي صدر عام 1990 وحظي بتقييمات متباينة، ويُقال إن السبب هو عدم التوصل إلى اتفاق مع شركة «باراماونت بيكتشرز» بشأن أجره.

واصل دوفال، الذي وصفته مجلة «بيبول» ذات مرة بأنه «نجم هوليوود الأول والثاني»، تألقه في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات. ونال استحساناً كبيراً عن دوره في شخصية المقدم بول ميتشوم القاسية في فيلم «سانتيني العظيم» (1979)، المقتبس عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب بات كونروي. في العام نفسه، جسّد دوفال شخصية المقدم كيلغور، المتحمس للرياضات المائية، في فيلم كوبولا الملحمي «القيامة الآن» الذي يتناول حرب فيتنام، حيث ألقى عبارة شهيرة من تحت حافة قبعة ستيتسون سوداء: «أحب رائحة النابالم في الصباح».

وقال دوفال لصحيفة «ديلي تلغراف» عام 2003: «لا أعرف كم من الناس اقتربوا مني على مر السنين ورددوا لي، كما لو كانوا يهمسون سراً، (أحب رائحة النابالم في الصباح). يتصرفون وكأننا وحدنا من نعرف هذه العبارة».

وأضاف: «لكن المضحك أنهم غالباً ما يحرفونها، فيستبدلون كلمة (بنزين) بكلمة (نابالم)، أو أي كلمة أخرى تخطر ببالهم... عقولهم».

بعد أربع سنوات من فيلم «نهاية العالم»، لعب دوفال دور البطولة في فيلم «رحمة رقيقة»، وهي قصة مؤثرة عن الإيمان والخلاص. غنى دوفال بنفسه في الفيلم، وحصل عن هذا الدور على أول جائزة أوسكار له.

ومن بين أدواره البارزة الأخرى في ثمانينيات القرن الماضي، دور كاتب رياضي في فيلم «الموهوب» (1984) للمخرج روبرت ريدفورد، وهو فيلم درامي عن البيسبول، ودور شرطي مخضرم في شرطة لوس أنجليس في فيلم «ألوان» (1988)، الذي شارك في بطولته شون بن. كما نال بعضاً من أروع الإشادات في مسيرته الفنية عن دوره كحارس سابق في شرطة تكساس في المسلسل القصير «لونسم دوف» (1989) المكون من أربعة أجزاء.

واصل دوفال العمل بثبات طوال التسعينيات، فظهر في مشاريع تجارية بارزة مثل «أيام الرعد» (1990)، و«الورقة» (1993)، و«السقوط» (1994)، و«الظاهرة» (1995)، و«التأثير العميق» (1998). وحصل على ترشيحه السادس لجائزة الأوسكار عن دوره كمحامٍ في فيلم «دعوى مدنية» (1998) من بطولة جون ترافولتا.

وفي العقد نفسه، حقق دوفال أحد مشاريعه الشغوفة: «الرسول»، وهو فيلم درامي متعدد الطبقات أخرجه وكتبه وموّله بخمسة ملايين دولار من ماله الخاص. وقد لعب فيه دور واعظ متحمس يسعى للخلاص الروحي في مستنقعات لويزيانا.

وقال دوفال لوكالة «أسوشييتد برس» عام 1997، واصفاً دوريه المزدوجين في موقع التصوير: «ظننت أنني سأضطر إلى وضع مرآة بطول كامل لأصرخ في وجه المخرج، لكنني لم أضطر إلى ذلك. لقد انتهينا من التصوير قبل الموعد المحدد بيوم. إنه فيلم أفتخر به».

في السنوات الأخيرة، حصد دوفال المزيد من الأدوار، وجسّد شخصيات رجال شرطة أفظاظ، ومرشدين حكماء، وشخصيات آباء رصينين.

أخرج دوفال أربعة أفلام روائية طويلة: «أنجيلو حبيبي» (1983)، و«الرسول»، و«تانغو الاغتيال» (2002)، و«الخيول الجامحة» (2015).

تُوفي دوفال تاركاً وراءه زوجته، الممثلة والمخرجة الأرجنتينية لوسيانا دوفال. وكان متزوجاً سابقاً من باربرا بنجامين ماركوس، وجيل يونغز، وشارون بروفي.