توافق تركي - بريطاني بشأن جملة من القضايا الدولية والإقليمية

أنقرة تعول على دعم لندن للحصول على مقاتلات «يوروفايتر»

وزيرا الخارجية التركي هاكان فيدان والبريطاني ديفيد لامي خلال إفادة صحافية مشتركة عقب لقائهما في أنقرة (الخارجية التركية)
وزيرا الخارجية التركي هاكان فيدان والبريطاني ديفيد لامي خلال إفادة صحافية مشتركة عقب لقائهما في أنقرة (الخارجية التركية)
TT

توافق تركي - بريطاني بشأن جملة من القضايا الدولية والإقليمية

وزيرا الخارجية التركي هاكان فيدان والبريطاني ديفيد لامي خلال إفادة صحافية مشتركة عقب لقائهما في أنقرة (الخارجية التركية)
وزيرا الخارجية التركي هاكان فيدان والبريطاني ديفيد لامي خلال إفادة صحافية مشتركة عقب لقائهما في أنقرة (الخارجية التركية)

أبدت تركيا وبريطانيا توافقاً في الآراء بشأن كثير من القضايا الدولية والإقليمية، واتفقتا على المضي في تعزيز العلاقات بمختلف المجالات، وفي مقدمتها الاستثمار والتجارة والتعاون الدفاعي.

وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إن وجهات نظر البلدين تكاد تكون متطابقة في مجال السياسة الخارجية، وبخاصة فيما يتعلق بقضايا غزة وسوريا والعراق والصراع الإيراني - الإسرائيلي والحرب الروسية - الأوكرانية، لافتاً إلى أن وقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا يحظى بدعم بلاده وبريطانيا.

وأضاف فيدان، في تصريحات مشتركة مع نظيره البريطاني ديفيد لامي، عقب محادثاتهما في أنقرة الاثنين، أن التعاون المكثف بين البلدين في مجالات عديدة، كالاقتصاد والدفاع والتعاون التكنولوجي يسير على نحو ممتاز.

تعاون اقتصادي ودفاعي

ولفت فيدان إلى أن حجم التجارة بين تركيا وبريطانيا يقترب حالياً من هدف 30 مليار دولار، وهو الهدف الذي يسعى إليه البلدان، ويصران عليه بشكل كبير في السنوات الأخيرة.

فيدان ولامي خلال تصريحات عقب محادثاتهما في أنقرة (الخارجية التركية)

وذكر أن البلدين بذلا جهوداً حثيثة في هذا الشأن خلال السنوات الأخيرة، وأن هناك فرصاً أكبر بكثير في مجال التجارة والاستثمار، وينبغي تحديث اتفاقية التجارة الحرة لدفع هذا التعاون قدماً.

وتابع: «نحن دولتان عضوان في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولسنا من دول الاتحاد الأوروبي، لكن تربطنا علاقات قوية بأوروبا».

وعن التعاون الدفاعي بين تركيا وبريطانيا، قال فيدان إن هناك دراسات أُجريت حول هذا الموضوع، مضيفاً: «تعاوننا في قطاع الصناعات الدفاعية يسير على نحو ممتاز، بدءاً من ملف شراء طائرات (يوروفايتر - تايفون) الذي قطعنا فيه شوطاً جيداً، وصولاً إلى عملنا المشترك في مجالات أخرى، تعمل شركاتنا ومؤسساتنا المعنية بشكل جيد».

ملفات دولية وإقليمية

وذكر فيدان أنه تناول مع نظيره البريطاني القضايا الدولية والإقليمية المختلفة، لافتاً إلى أن «استمرار الاتفاق المبرم بين إيران وإسرائيل، وعدم انتهاك وقف إطلاق النار، والعودة إلى سلام دائم، من أهم الأهداف الاستراتيجية في الوقت الراهن».

وأضاف: «من ناحية أخرى، من المهم لنا إنهاء المأساة في غزة في أقرب وقت ممكن، وتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، وحل هذه المشكلة على أساس حل الدولتين».

وعبّر فيدان عن شكره لنظيره البريطاني على رفع العقوبات المفروضة على سوريا، مشيراً إلى أنه ستكون هناك زيارة قريبة من الجانب البريطاني لسوريا، لافتاً إلى أن هذا مجال تعاون مهم لتركيا وبريطانيا، وأن الاستقرار والأمن في سوريا قضية ستفيد المنطقة والعالم أجمع، وأنهما سيواصلان العمل معاً في هذا الشأن».

إردوغان استقبل لامي عقب محادثاته مع فيدان (الرئاسة التركية)

بدوره، قال لامي إن تركيا وبريطانيا شريكان استراتيجيان يتشاركان كثيراً من الأهداف الاستراتيجية، وإن كثرة الاجتماعات بين الجانبين دليل على التعاون الوثيق والروابط الثقافية المتينة بين البلدين.

وأضاف أنه «من المتوقع أن يزور 5 ملايين من مواطنينا تركيا هذا العام»، وأن العديد من الأتراك زاروا بلاده، لافتاً إلى أن هناك شراكات استراتيجية قوية جداً تُشكل أساس العلاقات بين بلاده وتركيا، وأنه بفضل هذا، تمكنا من بناء هذا التعاون القائم بينهما اليوم.

وأشار إلى أن البلدين يعملان معاً لتعزيز تعاونهما، وأن اتفاقية التجارة الحرة ستعزز هذا التعاون أكثر، وننتظر المفاوضات التي ستُجرى بشأن اتفاقية التجارة الحرة في الأسابيع والأشهر المقبلة.

وعبر لامي عن تقدير بلاده للجهود التي تبذلها تركيا لإحلال السلام، لا سيما في الحرب الروسية - الأوكرانية، ووقف الهجمات الروسية على أوكرانيا، وتحقيق السلام في منطقة البحر الأسود، وإعلان وقف إطلاق النار الذي انتظرناه طويلاً.

وأضاف أنه بالنسبة لغزة، نعمل مع تركيا على تخفيف الأزمة الإنسانية هناك، وتحقيق حل الدولتين للشعب الفلسطيني.

وأشار لامي إلى أن التطورات في سوريا كانت أيضاً على جدول أعمال اجتماعه مع نظيره التركي، وأن هناك تعاوناً وثيقاً للغاية في هذا الشأن.

إردوغان استقبل لامي

واستقبل الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وزير الخارجية البريطاني عقب مباحثاته مع فيدان.

وجاء اللقاء بعد أيام قليلة من لقاء إردوغان رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، على هامش قمة قادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في لاهاي الأسبوع الماضي، حيث بحث معه ملف شراء تركيا مقاتلات من طراز «يوروفايتر - تايفون» التي تشارك بريطانيا في إنتاجها مع ألمانيا وفرنسا وإسبانيا، والتي تحتاج إليها تركيا لتعزيز قدراتها في الدفاع الجوي، في ظل عقوبات أميركية أخرجتها من برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف 35» الأميركية، بسبب حصولها على منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس 400» صيف عام 2017.

السفير الأميركي في أنقرة توم براك (أ.ف.ب)

في السياق ذاته، قال السفير الأميركي لدى تركيا، توم برّاك، في مقابلة مع وكالة «الأناضول» الحكومية إنه يتوقع أن يتمكن الرئيسان الأميركي دونالد ترمب، والتركي رجب طيب إردوغان، من تسوية مسألة العقوبات ذات الصلة بالدفاع المفروضة على تركيا منذ سنوات بحلول نهاية العام.

في السياق ذاته، قال السفير الأميركي بأنقرة، توم براك، إن الرئيسين الأميركي دونالد ترمب، والتركي رجب طيب إردوغان، يمكن أن يعطيا توجيهات لتسوية مسألة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة عام 2020 على خلفية شراء تركيا للمنظومة الروسية، بحلول نهاية العام الحالي. وقال براك، في تصريحات الأحد: «نعتقد جميعاً أن هناك فرصة هائلة هنا، إذ إن لدينا زعيمين يثقان بعضهما في بعض».

وناقش إردوغان الملف مع ترمب على هامش قمة «الناتو» وسط تفاؤل بأن يسهم التقارب بينهما في إنهاء العقوبات الأميركية على تركيا.


مقالات ذات صلة

إيران: لا فرق لدينا بشأن الفائز في الانتخابات الإسرائيلية

شؤون إقليمية المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (أرشيفية - إرنا)

إيران: لا فرق لدينا بشأن الفائز في الانتخابات الإسرائيلية

قالت وزارة الخارجية الإيرانية، الاثنين، إنّه «لا فرق» بالنسبة إلى طهران بشأن من سيفوز في الانتخابات الإسرائيلية...

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية ترمب يستقبل نتنياهو لدى وصوله إلى الجناح الغربي في البيت الأبيض بواشنطن سبتمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

هل تُستأنف الحرب على إيران بعد الانتخابات الأميركية؟

أعد الجيشان الأميركي والإسرائيلي خططاً محددة لشن ضربات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر المقبل

جوليان بارنز (واشنطن) إريك شميت (واشنطن) رونين بيرغمان (واشنطن) ناتان أودنهايمر (واشنطن) فرناز فصيح (واشنطن)
شؤون إقليمية نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس يحضران حفل تخرج ضباط جدد في الجيش الإسرائيلي في قاعدة بالقرب من ميتسبي رامون الأربعاء (رويترز)

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني الحل الوحيد لإنهاء التهديد

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، إن «إسقاط النظام» في إيران هو الحل الوحيد للقضاء على التهديد الإيراني، مضيفاً أنه أعطى توجيهات بهذا الشأن

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية نتنياهو يتحدث بمقر وزارة الخارجية الإسرائيلية في 14 أكتوبر (إ.ب.أ)

نتنياهو يلوّح بضربة «استباقية» لإيران دون واشنطن

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استعداد بلاده لتنفيذ ضربة استباقية ضد إيران دون مساعدة أميركية، واضعاً إسقاط النظام في طهران ضمن أهدافه.

«الشرق الأوسط» (لندن-تل أبيب-طهران)
شؤون إقليمية بحرية «الحرس الثوري» تهدد السفن الأميركية (فارس)

إيران تعتمد تكتيكات جديدة في مهاجمة سفن هرمز

تتواصل التطورات العسكرية المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز، مع تقارير عن اعتماد إيران أساليب جديدة لاستهداف السفن.

«الشرق الأوسط» (طهران)

العثور على جثة فرد من الأسرة الحاكمة في موناكو

سيارة شرطة تقف بالقرب من طوق أمني في موناكو يوم 30 يونيو 2026 (رويترز)
سيارة شرطة تقف بالقرب من طوق أمني في موناكو يوم 30 يونيو 2026 (رويترز)
TT

العثور على جثة فرد من الأسرة الحاكمة في موناكو

سيارة شرطة تقف بالقرب من طوق أمني في موناكو يوم 30 يونيو 2026 (رويترز)
سيارة شرطة تقف بالقرب من طوق أمني في موناكو يوم 30 يونيو 2026 (رويترز)

أعلنت النيابة العامة في موناكو، الاثنين، توقيف رجل على خلفية وفاة أنطوان دو ماسي، أحد أفراد الأسرة الحاكمة، الذي عُثر على جثته الأحد في حديقة عامة في الإمارة.

وأوضحت النيابة لوكالة الصحافة الفرنسية أن التحقيق الذي فُتح لتحديد أسباب الوفاة جرى توسيعه لتوقيف شخص يظهر في تسجيلات فيديو برفقة دو ماسي.

وشدّدت على أن الموقوف ليس في هذه المرحلة سوى مشتبه به أو شاهد على وقائع لم يُحدَّد توصيفها القانوني بعد، مؤكدة أن فرضية الحادث العرضي لا تزال قائمة.

وكان دو ماسي، البالغ 29 عاماً، حفيد الأميرة أنطوانيت الشقيقة الكبرى للأمير رينيه الثالث، والد الأمير ألبير الثاني. وعُثر على جثته بعدما أبلغت عائلته السلطات بقلقها لعدم تلقيها أي أخبار عنه ظهر الأحد.


فرنسا من «السبت الأسود» إلى «الخريف الساخن»

ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)
ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)
TT

فرنسا من «السبت الأسود» إلى «الخريف الساخن»

ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)
ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)

نجح الانتشار الأمني المكثف الذي عممته السلطات الفرنسية على باريس والمدن الرئيسية، مقروناً بقرارات منع التظاهر ومنع التجول في وسط العديد من المدن، في احتواء المظاهرات وتجنب تكرار مشاهد العنف والاشتباكات والحرائق وأعمال الشغب واللصوصية والنهب، التي عرفتها فرنسا في 17 من الشهر الحالي.

لكن في المقابل، فإن نزول 410 آلاف شخص في المظاهرات، وفق أرقام وزارة الداخلية (800 ألف وفق نقابة كونفيدرالية العمل)، يبين أن التعبئة الطلابية والنقابية وتعبئة «السترات الصفراء» ما زالت على أشدها، وأن رهان السلطات (السابق) على عامل الزمن وترك الحراك «يهترئ» من الداخل لا يبدو نافعاً.

التعبئة متواصلة

ورغم أن عدد الأفراد الذين أُلقي القبض عليهم في عموم الأراضي الفرنسية السبت الماضي قد تراجع (1435 شخصاً)، كما تراجعت أعداد الجرحى من المتظاهرين (150 شخصاً)، ورجال الأمن (267 عنصراً)، وتناقصت أعداد المحلات التجارية التي انتُهكت وسُرقت... فإن ذلك لا يعني أبداً أن فصل الحراك قد أُغلق. فـ«تنسيقية السترات الصفراء» دعت إلى «التعبئة» يوم السبت المقبل، تسبقه، يوم الجمعة، تجمعات «تمهيدية» أمام البرلمان في باريس، وأمام مقرات البلديات ومكاتب النواب، في حين يُتوقع قيام مظاهرات واسعة السبت.

ممثلون عن طلاب التعليم الثانوي لدى وصولهم إلى مقر رئاسة الحكومة للاجتماع برئيسها سيباستيان لوكورنو (أ.ف.ب)

وتهدد «التنسيقية» بالنزول إلى الشوارع أسبوعاً وراء أسبوع ما دامت السلطات تصم أذنَيها عن مطالبها. وجاء في بيان لـ«التنسيقية» أن ثمة «غضباً في البلاد، لكن لا أحد يعيره الانتباه»، في إشارة إلى السلطات. وحذّرت من نهج الحكومة، وكتبت في بيانها: «لقد قرر إيمانويل ماكرون وحكومته اتخاذ خطوة إضافية نحو الانحراف السلطوي. إنهم يمنعون مظاهراتنا، ويفرضون حظر التجول، ويغلقون مراكز المدن أمام المتظاهرين». لكن الاستحقاق الاجتماعي الأكبر سيحل في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؛ إذ دعت خمس نقابات إلى يوم تعبئة «شاملة» وإضرابات تطول القطاعين العام والخاص.

وللمرة الأولى، انضمت التنظيمات النقابية للتعليم الخاص، الذي يتولى تعليم ما لا يقل عن مليونَي تلميذ، إلى الدعوة للإضراب. كذلك فعلت نقابات موظفي الدولة والبريد والاتصالات. وجاء في البيان المشترك أنه «حان الوقت للوصول إلى درجة أعلى من التعبئة؛ إذ ستنطلق الإضرابات بدءاً من تاريخ الخامس» من الشهر المقبل.

وتندد النقابات بغلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية، وتطالب بـ«فتح محادثات مباشرة مع الحكومة من أجل زيادة الرواتب، والمساواة بين الرجال والنساء، وزيادة المعاشات التقاعدية، والارتقاء بالحد الأدنى للرواتب، والارتقاء بالخدمات الاجتماعية، وتعزيز الخدمات العامة، وإقرار تدابير للعدالة الضريبية من خلال فرض ضرائب أعلى على الشركات والثروات الكبرى وتناقل الميراث».

وجاء في البيان أيضاً أن «الغضب واسع والوضع هش؛ ولذا تتعين الاستجابة من غير تأخير لهذه المطالب الاجتماعية الطارئة». ولم يُعرف ما إذا كان الإضراب مفتوحاً. يضاف إلى ما سبق وجود غضب من طريقة تعامل السلطات مع الحركات المطلبية مع التنديد بالعنف وأعمال الشغب. ويتهم كثيرون الحكومة باللجوء إلى هذه الطريقة للتغطية على المطالب «المحقة» المرفوعة من جانب الطلاب والنقابات و«السترات الصفراء».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط الصورة) خلال زيارته لمدينة مرسيليا محاطاً بوزير الداخلية لوران نونيز ووزيرة الدولة للتعليم صابرينا روباش وضباط من الشرطة (أ.ف.ب)

تداخل الأزمات

ما سبق يعكس جانباً من الاحتقان الذي تعيشه فرنسا في هذه المرحلة؛ إذ إنها تعاني من تداخل ثلاث أزمات: سياسية واقتصادية - مالية واجتماعية. وما يفاقم من مخاطره أنه يحل في زمن الأيام العجاف؛ إذ تجهد الحكومة لإقرار ميزانية تقشفية تمنعها من الاستجابة للمطالب التي تحتاج كلها إلى تمويل إضافي، في حين تسعى لخفض الإنفاق في ميزانية عام 2027 بما قيمته 54 مليار يورو.

وعلى سبيل المثال، فإن طلاب التعليم الثانوي يريدون تخصيص 10 مليارات يورو للتعليم للعام المقبل، في حين أن الميزانية رصدت 1.2 مليار. وما يثير الاندهاش أن الحكومة تقترح زيادة 15 يورو على الحد الأدنى للأجور، في حين أن الغلاء يسجل ارتفاعاً حاداً في الأشهر الأخيرة؛ إذ إن الزيادة المقترحة لا تكفي لشراء نصف كيلوغرام من اللحوم. وفي المقابل، فإن مشروع الميزانية ينص على المس بالمعاشات التقاعدية، ويزيد تكلفة الطبابة والرعاية الاجتماعية، وفرض ضرائب جديدة، ما يعني أن المقاربة الحكومية تسير بعكس التيار الاجتماعي.

ووجّه جان لوك ميلونشون، السبت، لدى مشاركته في مسيرة باريس، رسالة تحذيرية للرئيس الفرنسي بقوله: «ما زال الوقت متاحاً لإيمانويل ماكرون للتراجع والاستجابة للمطالب. وبعد ذلك لن يبقى أمامه سوى باب الرحيل». وكما في كل مناسبة تطلق فيها دعوات للإضراب وتعطيل المؤسسات العامة والخاصة، وخصوصاً إذا كانت مفتوحة، فإن الحكومة ستراقب عن كثب نسبة الاستجابة لها ومدى تأثيرها على المواطنين وعلى الدورة الاقتصادية، في حين تضع مؤسسات التصنيف الدولية فرنسا تحت المجهر.

واستمرار الحراك الاجتماعي والعجز عن إقرار الميزانية وخفض المديونية... عوامل تزيد هشاشة البلاد وتضعها في موقف ضعيف في الأسواق المالية الدولية؛ إذ زادت فائدة الديون الفرنسية على نسبة 5 في المائة، في حين أن المديونية التراكمية تزيد على 3600 مليار يورو، وخدمتها السنوية تجاوز 80 مليار يورو.

مارّة يسيرون في شارع بمارسيليا تغطيه الأنقاض غداة احتجاجات عمّت فرنسا ضد «ارتفاع تكاليف المعيشة» يوم 18 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

تفكيك المطالب

تتداخل هذه الأزمة الاقتصادية - المالية والاجتماعية مع أعتى أزمة سياسية، عنوانها انتهاء ولاية الرئيس ماكرون الثانية، وغياب أكثرية تدعم الحكومة في البرلمان، والتشظي السياسي بسبب اقتراب الانتخابات الرئاسية. ويُجمع المراقبون على أن الرئيس الفرنسي، الذي تنتهي ولايته الثانية قبل 200 يوم، ضعيف سياسياً ولم يعد متحكماً بالتطورات، وبعضهم يستعين بتوصيف للرئيس الأميركي في نهايات عهده؛ إذ يوصف بـ«البطة العرجاء».

وعاد ماكرون، بعد أن أُخذ عليه غيابه عن المشهد الداخلي في الأسابيع السابقة وترك الحكومة تتعامل وحدها مع إضرابات طلاب التعليم الثانوي التي انطلقت قبل أكثر من شهر، إلى واجهة المشهد السياسي.

وتجلى ذلك في تتابع الاجتماعات الأمنية والسياسية التي ترأسها في قصر الإليزيه، وفي استعجاله الانتقال إلى مدينة «تراب» حيث أقدم رجل فرنسي، نهاية الأسبوع الماضي، على ارتكاب جريمة «عنصرية إرهابية» استهدفت أشخاصاً بسبب لون جلدتهم، وأسفرت عن مقتل شاب عمره 26 عاماً وجرح خمسة أشخاص، بينهم طفلة في سن 12 عاماً، ما أثار عاصفة من التنديد في كافة فرنسا. واعتُبرت الجريمة نتيجة للشحن الآيديولوجي الذي يقوم به اليمين المتطرف وبعض اليمين التقليدي إزاء المهاجرين، وبشكل عام إزاء السود والمغاربيين.

ولأن الحراك بدأ مع طلاب التعليم الثانوي، فقد عمد ماكرون إلى استقبال مجموعة منهم في قصر الإليزيه، وطلب من رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو أن يفعل الشيء نفسه، وهو ما تم الاثنين. ولم يتردد ماكرون في اعتبار أن مطالبهم «مشروعة»، وأن لوكورنو «سيعلن عن استجابات ملموسة». ونبّه ماكرون، بمناسبة زيارة لم يعلن عنها مسبقاً لمدينة مرسيليا التي شهدت يوم 17 من الشهر الحالي أعمال شغب واشتباكات وسرقات، إلى ما قد يحصل في الاستحقاقين الاجتماعيين المقبلين. وقال: «سنكون حاضرين وجاهزين» للتعامل مع ما قد يجري، مجدداً رفضه السماح بقيام المظاهرات في وسط المدن، ومؤكداً حماية المحال التجارية. ونوّه بعمل القوى الأمنية، مشيراً إلى أن المحافظة على النظام العام السبت الماضي تمت «من غير اللجوء إلى فرض حالة الطوارئ»، إلا أنه استطرد بقوله إن فرضها «ليس ممنوعاً ولا محرماً».

يبدو هدف ماكرون واضحاً للعيان: تفكيك الأزمة من خلال الاستجابة «الجزئية» للطلاب لعزلهم عن الحراك وإعادتهم إلى الصفوف المدرسية. ولا شك أن مطلب المليارات العشرة لن يتم التجاوب معه، في حين أن مطلب إعادة النظر بآلية توجيه الطلاب إلى الاختصاصات الجامعية (المسمى في فرنسا باركورسوب) سيلقى تجاوباً باعتباره لا يكلف الخزينة أي مبالغ. وبالفعل فقد توافرت معلومات تفيد بأن الحكومة استجابت للطلب الأخير، وسيقوم البرلمان، يوم الأربعاء، بمناقشة مستقبل هذه الآلية «التي يعتبرها الطلاب غامضة وغير عادلة».

وكان منتظراً أن يعقد وزيرا التربية والتعليم العالي إدورا جيفراي وفيليب باتيست مؤتمراً صحافياً لتفصيل «التدابير العملية» التي أقرتها الحكومة، علماً أن الطلاب يريدون كذلك تمويلاً واسعاً لتحسين الأوضاع المادية للمدارس، وإيجاد مدرسين بدلاء للحلول محل الأساتذة المتغيبين، وتوفير قدرات جامعية أوسع لاستيعاب المنتقلين إلى التعليم الجامعي، وخفض عدد التلاميذ إلى 28 تلميذاً لتحاشي الاكتظاظ.


من الشارع إلى البرلمان... كيف أنهى طلاب صربيا هيمنة فوتشيتش؟

حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)
حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

من الشارع إلى البرلمان... كيف أنهى طلاب صربيا هيمنة فوتشيتش؟

حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)
حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)

أنهت حركة يقودها طلاب نحو 14 عاماً من الهيمنة السياسية لألكسندر فوتشيتش في صربيا، بعدما فازت قائمتها بالانتخابات البرلمانية، رغم عدم ترشّح أي طالب ضمن صفوفها.

وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أظهرت التقديرات النهائية لمجموعتي «سيسيد» و«إبسوس» حصول قائمة «قائمة الطلاب - الطلاب ينتصرون» على 141 مقعداً من أصل 250، وسط احتفالات في بلغراد ونوفي ساد ونيش.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش في بكين يوم 2 سبتمبر 2025 (رويترز)

مأساة أشعلت الاحتجاجات

بدأت الحركة عقب انهيار مظلة خرسانية بمحطة قطارات نوفي ساد في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ما أسفر عن مقتل 16 شخصاً. وأصبحت الكارثة رمزاً للفساد والإهمال، بعدما ربط منتقدون أعمال تجديد المحطة المعيبة بالسلطة التي تبنّت المشروع.

وتحوّلت احتجاجات الطلاب المطالبة بالعدالة إلى حركة وطنية انضم إليها مزارعون وممثلون وقضاة. وفي يناير (كانون الثاني) 2025، استقال رئيس الوزراء لتهدئة التوتر، قبل أن تشهد بلغراد في مارس (آذار) أكبر احتجاج مناهض للحكومة في تاريخ البلاد.

ومن دون قيادة بارزة، نظّم الطلاب تحرّكهم عبر جمعيات طلابية، واستعدوا للانتخابات المبكرة بتدريب مراقبين لحماية نزاهة الاقتراع.

أنصار الحركة الطلابية يرقصون احتفالاً بفوزها بالانتخابات في حديقة قبالة البرلمان الصربي ببلغراد يوم 26 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

شخصيات عامة وبرنامج إصلاحي

اختارت الحركة مرشحين من خارج صفوف الطلاب، بينهم أساتذة جامعات وفنانون ورياضيون، وتصدّر قائمتها أستاذ أمراض القلب إيليا سردانوفيتش. ولم تتضح بعد هوية رئيس الوزراء المقبل، مع تداول اسم محافظ البنك المركزي السابق ديان شوشكيتش.

ويتضمن برنامجها المؤلف من 11 بنداً مكافحة الفساد، ومحاسبة مسؤولين عن تجاوزات بحق المتظاهرين، وإصلاح الإعلام وتحرير هيئة البث العامة من السيطرة السياسية، ووقف تعيين الموالين للأحزاب على رأس المؤسسات العامة.

وينفي فوتشيتش وحزبه التقدمي الصربي اتهامات الفساد والتأثير في الإعلام. وبعد إقراره بالهزيمة، توقّع فشل الحركة، واتهمها، دون أدلة، بتلقي دعم أوروبي وأميركي.

ورغم بقائهم خارج البرلمان، يواجه الطلاب مسؤولية متابعة تنفيذ وعودهم عبر النواب الذين اختاروهم لنقل مطالب الشارع إلى المؤسسات.

Your Premium trial has ended