اتهامات «الفساد» تُلاحق القطاع الصحي بـ«الوحدة» الليبية

بعد أزمة طفلة هرَّبتها أسرتها عبر «المتوسط» للعلاج في أوروبا

أطباء في معهد الأورام بمصراتة (الهيئة الوطنية لمكافحة السرطان الليبية)
أطباء في معهد الأورام بمصراتة (الهيئة الوطنية لمكافحة السرطان الليبية)
TT

اتهامات «الفساد» تُلاحق القطاع الصحي بـ«الوحدة» الليبية

أطباء في معهد الأورام بمصراتة (الهيئة الوطنية لمكافحة السرطان الليبية)
أطباء في معهد الأورام بمصراتة (الهيئة الوطنية لمكافحة السرطان الليبية)

فتحت أزمة طفلة ليبية هرَّبتها أسرتها عبر البحر الأبيض المتوسط للعلاج في أوروبا ملف العلاج في ليبيا، وسط اتهامات بالفساد والمحسوبية تلاحق القطاع الصحي التابع لحكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

واضطرت طفلة ليبية مصابة بمرض نادر إلى مغادرة البلاد بصحبة أسرتها، على متن قارب هجرة غير نظامية إلى إيطاليا، بحثاً عن فرصة للعلاج بالخارج.

ويروي خال الطفلة سوهان أبو السعود، المصابة بمرض التليف الكيسي، جانباً من معاناتها مع النظام الصحي في ليبيا، واصفاً إياها بـ«الموت البطيء».

وقال نسيم نائل لـ«الشرق الأوسط» إن «الطفلة عانت من افتقار ليبيا إلى معامل جينية وأدوية لهذا المرض»، وأضاف أن «أسرة الطفلة سوف تصطحبها إلى ألمانيا بعد الحصول على اللجوء الإنساني في إيطاليا».

وحسب اعتقاد المدير العام السابق لـ«المركز الوطني لتطوير النظام الصحي» عادل الذيب، فإن مشكلة سوهان «قابلة للتكرار مع أصحاب أمراض مزمنة آخرين، في ظل الفساد المُتغوّل في أغلب القطاعات والهيئات التابعة لوزارة الصحة بحكومة (الوحدة)».

ويقول المسؤول الليبي السابق لـ«الشرق الأوسط» إنه وإزاء ما وصفه بـ«الفساد المستشري»، تقدم باستقالة مسببة قبل عامين من مهام عمله، وأرجعها «للظروف التي تمر بها البلاد عامة وقطاع الصحة خاصة».

اتهامات بالفساد

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبية عبد الله قادربوه خلال لقاء مع عدد من المسؤولين عن القطاع الصحي (الهيئة)

ويُواجه القطاع الصحي في ليبيا منذ سنوات اتهامات متكررة بالفساد، سواء في تعاقدات استيراد الأدوية أو ملف العلاج في الخارج. وقد عادت هذه الاتهامات إلى الواجهة مع صدور قرار قضائي في مايو (أيار) الماضي بحبس وزير الصحة، رمضان أبو جناح، وعدد من كبار المسؤولين، على خلفية تحقيقات تتعلق باستيراد أدوية الأورام من العراق.

ورغم قرار الدبيبة بالتكفل بعلاج الطفلة سوهان وتشكيل لجنة للتحقيق في أسباب تأخر الاستجابة لحالتها، فإن هذا الإجراء بدا غير كافٍ لامتصاص غضب الرأي العام. وأعقب قرار الدبيبة شكاوى متزايدة من «سوء حالة النظام الصحي بالبلاد»، حسب أصحاب أمراض مزمنة، يقولون إنهم يعانون الإهمال في ليبيا.

وتقدم أهالي مرضى «التليف الكيسي» بشكوى إلى النائب العام، الصديق الصور، يتحدثون عن «إهمال متعمد من جانب جهات صحية في رعاية المرضى»، مطالبين بفتح تحقيق «عاجل وشامل في التقاعس الحكومي» فيما وصفوها بـ«الكارثة الإنسانية».

ونقلت إحدى المريضات، وتُدعى سندس الصادق، معاناتها منذ الصغر مع «التليف الكيسي»، شاكية عبر حسابها بموقع «فيسبوك» من عدم وجود مركز متخصص في علاج المرض، وغلاء الأدوية، وعدم توفر الأطباء في هذا المجال.

كما فتحت تداعيات واقعة الطفلة سوهان الباب أمام مرضى «ضمور العضلات» التذكير بمعاناتهم، وقالوا في بيان لرابطة تُمثلهم: «هناك العشرات من أطفال الضمور ينتظرون العلاج، لماذا لم تتحرك الحكومة؟».

وبحكم مهمته السابقة في إدارة المركز الوطني لتطوير النظام الصحي، يُشير الذيب إلى «وجود مظاهر فساد دفعت نحو هذا الوضع المتردي»، ومن بينها «تفكيك القطاع إلى هيئات لا تتبع وزارة الصحة، مثل الهيئة الوطنية لمكافحة السرطان، وجهاز دعم الخدمات العلاجية المسؤول عن إيفاد المرضى للعلاج بالخارج» عاداً الأخير «أحد أسباب انهيار القطاع الصحي».

استبعاد الخبرات والكفاءات

الطفلة الليبية سوهان مسعود على متن مركب هجرة غير نظامية (الحساب الرسمي لخالها نسيم نائل بـ«فيسبوك»)

وعدّد المسؤول الليبي السابق تحديات أخرى، منها «استبعاد الخبرات والكفاءات من المناصب القيادية بوزارة الصحة»، و«سيطرة مافيا الأدوية على صناعة القرار»، و«تفتيت منظومة الشراء الموحد للأدوية والمعدات الطبية»، وفق تعبيره.

وتكشف تقارير الأجهزة الرقابية في ليبيا تجاوزات مالية في القطاع الصحي، كان آخرها تقرير ديوان المحاسبة الصادر العام الماضي، الذي أشار إلى عدد من المخالفات من بينها افتقار معاملات مالية إلى المستندات المؤيدة لعملية الصرف، وعدم الشفافية في التعاقدات مع شركات الخدمات الطبية.

وتراكم الحديث عن فساد القطاع الصحي دفع رئيس الرقابة الإدارية، عبد الله قادربوه إلى توجيه رسالة تحذير شديدة اللهجة إلى مسؤولي القطاع الصحي بضرورة «توفير نظام لائق بالمواطنين».

وتوعّد رئيس الرقابة الإدارية بعدم تهاون الهيئة في اتخاذ كل إجراءات عقابية، من بينها «الإيقاف عن العمل والعزل الوظيفي، والإحالة إلى التحقيق والمحاكمة».

ورغم أن سهام الانتقادات تستهدف حكومة الدبيبة فإن النائبة الليبية ربيعة بوراص لم تعفِ البرلمان أيضاً من المسؤولية عن القصور في تصحيح مسار قطاع الصحة، قائلة إنه لم «يؤدِّ دوره التشريعي والرقابي بالشكل الكافي في ملف العلاج».

وعزت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» غياب السلطة التشريعية عن دورها إلى «تضارب المصالح بين الشرعية الدولية للحكومات المتعاقبة والشرعية المحلية التي تُسبب عائقاً حقيقياً أمام خضوع القطاعات الصحية والاقتصادية للمساءلة والرقابة والمتابعة».

وفي خطوة عملية لحل مشكلة مرضى «التليف الكيسي»، طالب أهالي المرضي في شكاواهم إلى النائب العام بضرورة «إلزام وزارة الصحة بإنشاء وحدة متخصصة لمرض التليف الكيسي، وتوفير الأدوية الحيوية، أو اتخاذ الترتيبات الضرورية لإيفاد الحالات الحرجة للعلاج بالخارج».

وعلى نحو أكثر شمولاً، كانت دعوة الدكتورة روعة أبو ختالة، طبية الأطفال الليبية الحاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا إلى إنشاء «منصة إلكترونية مخصصة للأمراض المستعصية»، وهو ما أيده المندوب الليبي السابق لدى الأمم المتحدة إبراهيم الدباشي. وبالنسبة للبعض، فإن الحل هو «إلغاء الأجهزة الموازية، مثل جهاز مكافحة السرطان وتوطين العلاج وغيرهما»، وهي وجهة نظر الناشط السياسي محمد فؤاد.


مقالات ذات صلة

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

شمال افريقيا اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

أعلن أسامة حمَّاد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان حالة الطوارئ في جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة للجهات الحكومية مع استثناء المرافق الصحية والأمنية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

تحدث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة غرب ليبيا، عن توقيع شراكة مع شركات قطرية وإيطالية وسويسرية تستهدف تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

تحليل إخباري هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إنها مستمرة في إجراء تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية بهدف ثنيها عن استخدام القوة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)

هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

كرّس خلاف مجلسَي «النواب» و«الدولة» في ليبيا بشأن مجلس مفوضية الانتخابات لمزيد من الانقسام السياسي، ووضع «خريطة الطريق» الأممية على المحك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».