«حزب الله» بين تلازم حصرية السلاح وضمانات التخلي عنه

إسرائيل تواصل ضغطها بالنار استباقاً لزيارة المبعوث الأميركي للبنان

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت محيط مدينة النبطية الجمعة (د.ب.أ)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت محيط مدينة النبطية الجمعة (د.ب.أ)
TT

«حزب الله» بين تلازم حصرية السلاح وضمانات التخلي عنه

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت محيط مدينة النبطية الجمعة (د.ب.أ)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت محيط مدينة النبطية الجمعة (د.ب.أ)

تأتي الغارات التي شنتها إسرائيل على مواقع لـ«حزب الله» في مرتفعات علي الطاهر المطلة على جنوب نهر الليطاني وشماله، في سياق الضغط عليه بالنار، لإلزامه بتسليم سلاحه، باعتباره الممر الإلزامي لحصريته بيد الدولة، استباقاً للقاءات التي سيعقدها السفير الأميركي لدى تركيا المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى سوريا، توماس برّاك، مع رؤساء الجمهورية العماد جوزيف عون، والمجلس النيابي نبيه بري، والحكومة نواف سلام، في زيارته الثانية لبيروت في النصف الأول من تموز (يوليو) المقبل، والمخصصة للإجابة بموقف لبناني موحد على الأفكار التي كان طرحها في زيارته الأولى لمساعدة لبنان لوضع آلية لتطبيق اتفاق وقف النار.

فإسرائيل لن توقف غاراتها على مواقع «حزب الله» لإحراجه أمام بيئته بعد امتناعه عن الرد عليها، رغم أن قيادته تدرس حالياً أكثر من خيار، وإن كانت تتجنب، حتى إشعار آخر، الرد انطلاقاً من تقديرها بأن لا جدوى منه، لأن الرد الإسرائيلي سيكون أكثر تكلفة ترفع من منسوب إحراجه أمام المزاج الشيعي العام الذي يُنشد الاستقرار، ولا يتحمل التبعات المترتبة على ازدياد موجات النزوح، في ظل تعذّر إيجاد المأوى لإيواء عشرات الألوف من النازحين.

الخيار الدبلوماسي

ومع أن «حزب الله» بامتناعه عن الرد على الخروق والاعتداءات الإسرائيلية التي تحظى بغطاء أميركي، لا يزال يراهن على الخيار الدبلوماسي للحكومة لإلزام إسرائيل بالانسحاب، فإنه في المقابل لا يستطيع أن يدير ظهره للأفكار التي طرحها برّاك، لمساعدة لبنان لوضع آلية لتطبيق اتفاق وقف النار بكل مندرجاته، وهذا ما تصدّر الاجتماع الذي عُقد بين الرئيسين سلام وبري، والذي يعوّل عليه المجتمع الدولي لإقناع حليفه الاستراتيجي بالتجاوب مع الموقف اللبناني الجامع، أكان رسمياً أو سياسياً، حيال الإعداد لمقاربة موحدة تتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة.

ورغم أن أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم لا يترك مناسبة إلا ويؤكد فيها أن المقاومة مستمرة، وأن لا قدرة لإسرائيل على توسيع حربها على لبنان، فإنه يدرك جيداً أن ما يقوله، كما تقول مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط»، يتعارض والمزاج الشيعي العام، ويبقى تحت سقف إصراره على تسجيل موقف مع اشتداد الضغوط الدولية والعربية والمحلية عليه، لملاقاته الرؤساء الثلاثة في منتصف الطريق لحصرهم السلاح بيد الدولة، في مقابل حصولهم على ضمانات أميركية يأخذها على عاتقه برّاك لوضعها موضع التنفيذ.

قيادة «حزب الله» محرجة

وتتفهم المصادر السياسية الإحراج الذي يلاحق قيادة «حزب الله»، وهي تدرك أن لبنان يستعد للدخول في مرحلة سياسية جديدة، ولم يعُد أمامها من خيار سوى الانخراط في الجهود المحلية الرامية لحصر السلاح بيد الدولة بعد أن افتقد الحزب، بإسناده لغزة، توازن الرعب وقواعد الاشتباك التي تتحكم بها إسرائيل، من دون أن تلقى أي رد من الحزب الذي ينصرف حالياً لإعادة ترميم صفوفه.

وتسأل: كيف يوفق قاسم بين استمرارية المقاومة، وانصراف حزبه لإعادة ترتيب بيته الداخلي، وتقويم ما أصابه من خروق أتاحت لإسرائيل اغتيال أبرز قياداته السياسية والعسكرية، وعلى رأسهم أميناه العامان السابقان حسن نصر الله وهاشم صفي الدين؟ وتقول إن الحزب بحاجة إلى تطمينات هي بمثابة ضمانات تتيح له الحصول على ثمن سياسي لتبرير استدارته أمام جمهوره نحو موافقته على حصرية السلاح بيد الدولة، خصوصاً أنه وافق على البيان الوزاري الذي تبنّى ما أورده الرئيس عون في خطاب القسم باحتكار الدولة للسلاح، وتمثل في الحكومة بوزيرين.

مفاوضات تبادل أسرى

وتؤكد المصادر أن الضمانات التي يطلبها الحزب، في مقابل تسليمه سلاحه، يتبناها الرؤساء الثلاثة وتتعلق بالتلازم بين حصرية السلاح بيد الدولة وانسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها، وتخليها عن النقاط الخمس التي تحتلها، وإطلاقها الأسرى اللبنانيين. وتكشف أن عملية التبادل للإفراج عنهم في مقابل الإفراج عن الباحثة الإسرائيلية الروسية إليزابيت تسوركوف، المحتجزة لدى كتائب «حزب الله» في العراق، كانت قطعت شوطاً، لكنها سرعان ما توقفت.

وتضيف أن لبنان الرسمي كان تواصل مع جهة عراقية على صلة بمسؤولين أميركيين يتولون الاتصال بتل أبيب. وتقول إن الاتصالات توقفت بعد أن ربطت إيران الإفراج عن تسوركوف بإطلاق سراح إيراني يحمل الجنسية العراقية ومتزوج من سيدة عراقية لا يزال مسجوناً في بغداد بتهمة اغتيال أميركي. وتؤكد أن الفرصة ما زالت متاحة أمام تحريك المفاوضات بمبادرة من برّاك، في حال أنه توصل إلى اتفاق مع لبنان حول آلية تطبيق وقف النار على قاعدة حصرية السلاح بيد الدولة، علماً بأن عملية التبادل كانت أُدرجت على جدول أعمال المفاوضات الإيرانية - الأميركية قبل أن تتوقف باستهداف واشنطن للمنشآت النووية في إيران.

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال محادثاته مع الموفد الأميركي توماس براك (أ.ف.ب)

البحث عن إنجاز

وتلفت إلى أن الحزب بحاجة لتحقيق إنجاز يستقوي به أمام جمهوره لتبرير تسليمه لسلاحه. وتقول إنه يتعاون مع الجيش في شمال الليطاني، وكان أخلى عدداً من مواقعه، تحديداً في بلدات أرنون ويحمر وأطراف كفرتبنيت كونها تطل على جنوبه. وتوضح المصادر لـ«الشرق الأوسط»، نقلاً عن مسؤول أمني بارز، أن الجيش لم يصادر منصتين جاهزتين لإطلاق الصواريخ عَثَر عليهما في الضاحية الجنوبية لبيروت، وإنما وضع يده على بعض بقاياها وجدها تحت الركام لدى معاينته عدداً من المباني التي قصفها الطيران الإسرائيلي، فيما تستغرب ما يشيع له أحد الأطراف في محور الممانعة حول تدفق السلاح إلى طرابلس لصالح مجموعات متطرفة ومتشددة، مؤكدة عدم صحتها، وأن من يروّج لها يهدف إلى توفير الذرائع للحزب لتبرير احتفاظه بسلاحه بحجة التصدي لها ومنعها من تنفيذ مخططاتها لإقامة ما يسمى «إمارات» إسلامية.

لذلك تبقى الآمال معقودة على دور بري لإقناع «حزب الله» بتسهيل تبنّي مجلس الوزراء لحصرية السلاح، مع أن الحكومة ليست في حاجة لانعقاده، لأنها تنفذ قراراً نص عليه بيانها الوزاري، وكان تبنّاه عون في خطاب القسم، وأكد عليه الدستور اللبناني ببسط سلطة الدولة بقواها الذاتية على كل أراضيها، على أن تنصرف لإعداد مشروع متكامل لإعادة إعمار القرى المدمرة فور توفر المساعدات المالية، وهذا ما يتفهمه «حزب الله» ويأخذه بعين الاعتبار.


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».