العرض الفني الأضخم لصيف لبنان... هبة طوجي وأسامة الرحباني في بعلبك

الفنانان اللبنانيان يتحدثان لـ«الشرق الأوسط» عن التحضيرات لحفل «حقبات»

للمرة الأولى يطل الثنائي هبة طوجي وأسامة الرحباني في مهرجانات بعلبك الدولية (إدارة أعمال الرحباني)
للمرة الأولى يطل الثنائي هبة طوجي وأسامة الرحباني في مهرجانات بعلبك الدولية (إدارة أعمال الرحباني)
TT

العرض الفني الأضخم لصيف لبنان... هبة طوجي وأسامة الرحباني في بعلبك

للمرة الأولى يطل الثنائي هبة طوجي وأسامة الرحباني في مهرجانات بعلبك الدولية (إدارة أعمال الرحباني)
للمرة الأولى يطل الثنائي هبة طوجي وأسامة الرحباني في مهرجانات بعلبك الدولية (إدارة أعمال الرحباني)

لا يمكن أن يكون المرور الرحبانيّ بين هياكل بعلبك مروراً عادياً. لا بدّ أن يحفر دهشةً فوق حجارتها، فهذا تقليدٌ أرساه الرحابنة الأوائل، وتبنّاه الجيل الثاني. لذلك فإنّ قرار المشاركة في مهرجانات بعلبك احتاج إلى 15 سنة حتى يختمر في رأس أسامة الرحباني. «أردنا أن نحمل إلى بعلبك ما يليق بحجارتها، وسحرها، وحضاراتها المتعاقبة ومهرجاناتها التي بلغت 70 عاماً»، يقول المنتج والمؤلف الموسيقي اللبناني لـ«الشرق الأوسط». يضيف: «لا يمكن أن نعدّ أقل مما يليق بالمكان، ليس من أجل إرث بعلبك فحسب، بل كذلك من أجل عاصي ومنصور وفيروز».

أما الآن وقد حانت اللحظة المناسبة، فتقف هبة طوجي مساء 8 أغسطس (آب) المقبل وسط أعمدة معبد «باخوس» لتقدّم عرضاً عنوانه «حقبات». تختزل بصوتها سنوات المجد التي عبرت، وكل لحظة أملٍ آتية. الفنانة اللبنانية التي جالت مسارح العالم، وفرضت فنّها رقماً صعباً على الساحة الفرنسية وليس العربية فحسب، تبوح في حديث مع «الشرق الأوسط» عشية وصولها من باريس إلى لبنان لبدء التمرينات: «لبعلبك رهبةٌ لا تشبه أي رهبة أخرى. شاركت في مهرجانات مهمة كثيرة في لبنان وخارجه، لكنها إطلالتي الأولى في بعلبك، والشعور مختلف فعلاً».

هبة طوجي وأسامة الرحباني نجما مهرجانات بعلبك لصيف 2025 (إدارة أعمال الرحباني)

يضرب أسامة الرحباني وتوأم مشروعه الفني هبة طوجي موعداً خاصاً جداً مع الجمهور. يختصر ما سيدور في القلعة خلال السهرة المنتظرة بالقول: «ما سيراه الناس لم تشهد مهرجانات بعلبك مثيلاً له من قبل. قررنا أن نقدّم عملاً ضخماً بكافة أبعاده».

في تجربة بصرية وسمعيّة استثنائية، لن يقتصر الحفل على زاويةٍ واحدة من زوايا القلعة، بل سيتنقّل في أرجائها. «سيتابع الجمهور عرضاً متكاملاً ومتنقلاً بين معابد بعلبك وأعمدتها وأدراجها وممراتها التي ستتحول كلها إلى منصات للعرض. سيغمرهم الجمال من كل صوب، وسينغمسون في أبرز المراحل التاريخية والمحطات الفنية التي تعاقبت على بعلبك»، يوضح الرحباني.

أما «حقبات»، فعنوان يعكس المحتوى الذي سيركّز عليه العرض؛ «سنسافر عبر الزمن ونحيي بعلبك بماضيها المجيد من خلال مؤثرات بصرية وتقنيات متطورة مثل الـ3D mapping»، تضيف طوجي. «حتى الأزياء التي يجري تجهيزها حالياً تتلاقى مع المكان والمَشاهد، وهي انعكاسٌ لعبور الحقبات»، تضيف الفنانة اللبنانية.

«سنسافر عبر الزمن ونحيي بعلبك بماضيها المجيد» هبة طوجي (صور الفنانة)

وكأنّ كل ما راكمه أسامة الرحباني من خبراتٍ فنية يحمله زاداً لينثره بين هياكل القلعة. يوظّف، وفريق العمل، السينما والمسرح والإضاءة والصوت والرقص والأدب والشعر، «في عمل ضخم لم يقدّم له مثيل في العالم العربي»، وفق تعبيره. لكنه يدرك أنه مهما أحضر من معدّات وتقنيات حديثة، فلا شيء ينافس سحر الصرح التاريخي البالغ 5 آلاف عام. لذلك، تبقى الموسيقى النبض الأساسي الذي سيبث الحياة في عروق الحجارة.

من دون أن تفصح عن اللائحة الكاملة من المفاجآت التي تنتظر الجمهور، وهي كثيرة، تخبر طوجي أنها ستقدّم مجموعة من أغانيها المعروفة، إضافة إلى أخرى جديدة، على رأسها عمل جرى تأليفه خصيصاً لبعلبك. برفقة أوركسترا ضخمة ومجموعة كبيرة من الراقصين، سيجري تقديم مشاهد ممسرحة، إضافةً إلى الأغاني. ولا بدّ كذلك من تحية لمنصور الرحباني بالتزامن مع حلول مئويته الأولى، من خلال أغانٍ كتبها.

سيتضمن الحفل أغنية جرى تأليفها خصيصاً لبعلبك (إدارة أعمال الرحباني)

تشمل المفاجآت كذلك انضمام عدد من ضيوف الشرف إلى هبة طوجي غناءً، هي التي وقفت إلى جانب أسماء كبيرة من عالم الموسيقى. وأحدث تلك التجارب التي برزت من خلال آخر إصداراتها، ألبوم «A l’Olympia» (في الأولمبيا)، حيث ضمّت صوتها إلى أصوات مثل لارا فابيان وفلوران بانيي وماتيو شديد، وغيرهم من أعمدة الأغنية الفرنسية، خلال حفلها في مسرح الأولمبيا في باريس العام الماضي.

تستعدّ طوجي إذن لمحطة مفصلية في مسيرتها الفنية. هي التي قصدت القلعة مراهقةً عام 2001 لتشاهد حفل المغنّي البريطاني ستينغ، لم تكن تتصوّر حينذاك أنها ستعود إليها نجمةً بعد 24 عاماً.

يُعدّها زوجها عازف البوق العالمي إبراهيم معلوف للشعور الذي سينتابها لحظة وقوفها وسط الهياكل، فهو الذي اختبر الأمر أكثر من مرة. «أخبرني إبراهيم أن تلك الوقفة هي بمثابة تكريم للفنان، لا سيما إذا كان لبنانياً مغترباً كما هو الحال معنا»، تقول طوجي.

لن يكون المرور في بعلبك عابراً بالنسبة إلى طوجي، نظراً لانتمائها الوطني الذي ينضح من خلال نبرة صوتها وتعابير وجهها كلما ذُكر لبنان أمامها. «حبي للبنان قديم ولطالما شعرت بالانتماء له ثقافياً وروحياً. هويتي ملتصقة به، وكلما حطت بي الطائرة في مطار بيروت تنفّست الصعداء وشعرت بأنني وطأت بيتي»، تخبر طوجي.

هذا لا يلغي حبها لفرنسا، البلد الذي انتقلت إليه قبل 5 سنوات، والذي قدّم لها الكثير وفق قولها. «لكن كلما عبر الزمن عليّ وأنا خارج لبنان، كبر تعلّقي به واشتياقي إليه. حتى ما يراه الناس بشعاً أراه جميلاً، وأدافع عن وطني كما تدافع أمٌ عن ولدها حتى وإن كان على خطأ». هكذا تختصر طوجي عشقها للبنان، الذي تنقله معها أينما حلّت، وسنةً تلو سنة تتّسع المسارح والمنابر أمامها.

تتعامل مع الفرص بصِدقٍ لأنها تريد أن تشبه نفسها وألّا تخيّب شغفها الفني. ليس هدفها العالمية، وفق ما تقول، بقَدر ما هو تحقيق ذاتها وطموحها من خلال الموسيقى. وها هي الآن تستعير من حجارة بعلبك لتضيف حجراً أساسياً إلى مسيرتها التي بدأت في 2007، وتبلغ هذا العام سنّ الرشد.


مقالات ذات صلة

«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

يوميات الشرق الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)

«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

تستضيف محافظة العلا، يومي 22 و23 يناير الحالي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية»، الذي تنظمه هيئة الموسيقى داخل التحفة المعمارية العالمية قاعة «مرايا».

«الشرق الأوسط» (العلا)
يوميات الشرق خوسيه ماريا غياردو ديل راي وهبة القواس وسفير إسبانيا خيسوس سانتوس أغوادو (الشرق الأوسط)

«مهرجان بيروت الدولي للغيتار» ينطلق ويُعلن جائزته

عدا الجائزة المالية، فإنّ الرابحين الثلاثة الأوائل ستكون لهم عقود تضمن جولات في المدن الكبرى، تُعزّز مكانتهم الموسيقية في العالم...

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق جيسي باكلي تتألق مع جائزة أفضل ممثلة في فيلم درامي عن دورها في فيلم «هامنت» خلال حفل توزيع جوائز «غولدن غلوب» السنوي الثالث والثمانين في بيفرلي هيلز (د.ب.)

القائمة الكاملة للفائزين بجوائز «غولدن غلوب» لعام 2026

حصد فيلم الكوميديا السوداء «معركة واحدة تلو الأخرى» وفيلم «هامنت» أكبر جائزتين في حفل «غولدن غلوب» في دورتها الثالثة والثمانين.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
رياضة سعودية استُلهم تصميم درع جوائز «جوي أواردز 2026» من رمزية الصقر (هيئة الترفيه)

«موسم الرياض»: عشاق الرياضة والفن يترقبون حفل «جوي أواردز» العالمي

يترقب عشاق الفن والموسيقى والرياضة انطلاق حفل جوائز «جوي أواردز 2026» في 17 يناير (كانون الثاني) على مسرح «الرياض أرينا» بتنظيم من الهيئة العامة للترفيه.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
يوميات الشرق الفنانة اللبنانية فيروز (الوكالة الوطنية للإعلام)

فيروز تشارك في جنازة ابنها هلي بعد 6 أشهر من رحيل زياد الرحباني

ظهرت الفنانة اللبنانية الشهيرة فيروز، اليوم (السبت)، وهي تشارك في جنازة ابنها هلي، بعد أشهر قليلة على وفاة نجلها الأكبر، الموسيقي زياد الرحباني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)

تستضيف محافظة العلا، يوميْ 22 و23 يناير (كانون الثاني) الحالي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية»، الذي تنظمه هيئة الموسيقى داخل التحفة المعمارية العالمية قاعة «مرايا»، تحت رعاية وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان. يأتي الحفل استمراراً للرحلة الإبداعية للأوركسترا والكورال الوطني السعودي في حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح المحلية والعالمية، وتمثل العُلا وجهة مهمة ومتقدمة على خريطة السياحة الثقافية الدولية. وحققت «الأوركسترا» سلسلة نجاحات في عدة عواصم ومدن عالمية، وسط إشادات واسعة وتفاعل جماهيري لافت، لتلتقي، اليوم، بجمهورها في واحدة من أهم مناطق البلاد ثقافياً.

حققت «الأوركسترا» سلسلة نجاحات في عدة عواصم ومدن عالمية (واس)

وتُعد العلا إحدى أبرز الوجهات الثقافية والسياحية عالمياً، بما تحمله من تاريخ ضارب في عمق الحضارة الإنسانية، وإرث ثقافي ممتد لقرون طويلة جعل منها مقصداً للسائح الدولي، وملتقى حضارياً يعكس ثراء الهوية الثقافية للسعودية. ويُشكِّل اختيار قاعة «مرايا» لاستضافة هذه التجربة الموسيقية حدثاً مميزاً، حيث تُمثِّل نموذجاً فريداً في العمارة المعاصرة، ومسرحاً يعكس التلاقي بين الفن والطبيعة، ويمنح العروض بُعداً بصرياً استثنائياً. وتسعى الهيئة، عبر هذه المحطة، إلى تعزيز حضور الموسيقى السعودية، وإبراز التنوع الثقافي والفني الذي تزخر به المملكة، ومنح الجمهور المحلي والدولي الموجود في العلا فرصة الاستمتاع بتجربة موسيقية تُجسد الهوية الوطنية، وتُسهم في إثراء المشهد الثقافي للبلاد.


فيلم «يونان»... ثقل الغربة وقسوة المنفى في شريط مؤثّر

جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
TT

فيلم «يونان»... ثقل الغربة وقسوة المنفى في شريط مؤثّر

جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)

يُسلّمك المخرج السوري أمير فخر الدين مفاتيح مشواره مع الغربة وقسوة المنفى خارج وطنه منذ اللقطة الأولى لفيلم «يونان». فيلمٌ كُتب بقلم مجروح، وأُخرج بعين دامعة، فتحوّل ولادةً جديدةً أشبه بعملية قيصرية شاقّة. أخرج فخر الدين أوجاعه وآلام انسلاخه عن أرضه في نصّ مكثّف وحوارات قصيرة ومختزلة، فطغى الصمت على حبكته السينمائية بوصفه لغة أساسية.

إنما هذا الصمت كسره أداء جورج خباز بقدراته التمثيلية الفذّة، فحمل شخصية «منير» المركّبة الآتية من الشتات وضياع الهوية، عبر تعابير وجهه ولغة جسده، وترجم مآسي المهاجر بهدوء مكثّف، مشحون بمشاعر مكبوتة لا تحتاج إلى كلمات.

من ناحية ثانية، تلاقيه الممثلة الألمانية هانا شيغولا بشخصية «فاليسكا» بأداء ناضج ومتّزن. فيما تنثر نضال الأشقر بحضورها المُتقن نفحات من نسمة الوطن الأم. وهكذا تكتمل دائرة شريط سينمائي إنساني، يرسّخ مكانة الشاشة الذهبية بوصفها مساحة للتأمل والوجع والصدق الفنّي بامتياز.

حصد فيلم «يونان» عدداً من الجوائز العربية والعالمية في فئات «أفضل ممثل» و«أفضل مخرج» و«أفضل ممثلة» ضمن مهرجانات سينمائية مرموقة، كان أحدثها «مهرجان هونغ كونغ السينمائي الدولي» و«مهرجان البحر الأحمر السينمائي». واليوم يحطّ في بيروت ليُعرض في صالاتها؛ بينها سينما «متروبوليس».

يحكي مخرج الفيلم أمير فخر الدين وجعه مع الغربة من خلال «يونان» (سينما متروبوليس)

استغرق تصوير الفيلم نحو 3 سنوات، اعتمد خلاله أمير فخر الدين على كاميرا إنسانية هادئة، بعيدة عن الصخب السردي، تحرّض المُشاهد على الغوص في أعماقه والدخول في حالة شاعرية وتأمّلية طويلة. قدَّم الغربة بإيقاع بطيء، تفترسها الوحدة والعزلة الداخلية، ويترجم ثقلهما بالصمت أكثر مما تفعل الكلمات.

يروي الفيلم قصة كاتب عربي يُدعى «منير»، هاجر إلى ألمانيا، منفصلاً عن أرضه وأمه وأخته. ومع تراكم خساراته وانكساراته، يفكّر في الانتحار، فيقصد جزيرة نائية لتنفيذ قراره. هناك، يتعرَّف إلى امرأة مسنّة تدير بيت ضيافة تُدعى «فاليسكا»، تعيش مع ابنها «كارل» (توم والشيها)، فتشكّل هذه العلاقة الإنسانية الهشّة مدخلاً لإعادة إشعال شغفه بالحياة تدريجياً.

وعلى امتداد نحو ساعتين، يعيش المتفرّج في حضن الطبيعة: طقس عاصف، وفيضانات، ورياح قوية، وأمواج بحر عالية، وسهول خضراء شاسعة، فتعكس حالات داخلية تعيشها الشخصيات. ويدور معظم المَشاهد في أجواء صامتة، يتّكئ عليها المخرج لترجمة ثقل الوحدة والغربة على صاحبهما، فيتحوَّل الصمت لغةً قائمة بذاتها. كما يستخدم شعر المتنبي في بداية الفيلم مُعبّراً عن مشاعره العميقة، فتحضر عبارة من إحدى قصائده:

أغالب فيك الشوق والشوق أغلبُ

وأعجبُ من ذا الوصلِ والهجرِ أعجبُ

أما السؤال الرئيسي الذي يطرحه فخر الدين بشأن معاني الهجرة، فيختصره بعبارة: «ماذا لو في هذا البُعد نسيَتك أمّك؟»، مشيراً إلى انسلاخه المرّ عن أمّه البيولوجية، وتلك التي تتمثّل في الأرض والوطن.

يطوي جورج خباز من خلال هذا الدور صفحة طويلة من الأدوار الدرامية والكوميدية التي برع فيها، لينقل المُشاهد إلى ضفّة تمثيلية مغايرة تماماً؛ ضفّة عنوانها العريض «الانسلاخ الإنساني» بكلّ معانيه. يرتقي خباز بأدائه إلى تخوم الصوفية؛ تنقطع أنفاسه فيتنفّس المُشاهد الصعداء بدلاً منه. تنهمر دموعه بهدوء طفل يبحث عن حضن أمّه. يرتشف كوب العصير مثل مَن يروي عطشاً امتدّ عقوداً، وتضيئه ابتسامة اشتاق إليها منذ دهور. حتى مشهد عراكه مع ابن صاحبة بيت الضيافة، الذي انتهى بخسارة تثير ضحكاته، يترجم علاقته الملتبسة بالفقد، كأنه يتلذّذ بإضافة خسارة جديدة إلى أرشيف أوجاعه المتراكمة.

يُجسّد جورج خباز شخصية كاتب عربي (فيسبوك)

يختصر الفيلم، بمَشاهده وأحداثه، معاناة الغربة، وبين الخيال والواقع، يحمل سرداً لذاكرة صامتة. فالجراح غير الملتئمة، والعزلة المفروضة، وأنين الشوق إلى الوطن، يُعبّر عنها المخرج بالسكوت، ممّا يفرز حالة إنسانية دائمة تحلّق في فضاء الفيلم لتبني المواجهة مع الزمن.

استخدم فخر الدين موهبة خباز على أنها مرآة صادقة لذاته، فمزجها بأوجاعه وأحلامه الكئيبة، ليُعبّر عن حالة البحث عن الهوية التي يخوضها، فجاء الفيلم انعكاساً لواقعه بوصفه شاباً سورياً من الجولان المحتلّ يعيش في برلين، بعيداً عن أرضه ووطنه وأمه، خائفاً من الترحال الدائم والرحيل المتكرر. وتبقى علامة استفهام كبرى يردّدها خباز بصوته في القسم الأخير من الفيلم: «ستُنسى... كأنك لم تكن حلماً جميلاً... كأن وجودك لم يكن إلا وهماً. ستُنسى... كأنك لم تكن».

في مَشاهد تجمع جورج خباز وهانا شيغولا، نلمس بوضوح توق المهاجر إلى دفء العائلة. وفي مواجهة وهمية مع والدته، التي تؤدّيها نضال الأشقر، تتكسّر مشاعر الوحدة ويتحوّل الكاتب «منير» إلى طفل يستعيد الأمل في الحياة. ويأتي أداء الأشقر مثل طوفان من المشاعر، يغمره بحنان الأم ودفئها، ليمنح الفيلم إحدى أعمق لحظاته الإنسانية صفاءً وتأثيراً.

في استعادة رمزية لأسطورة يونان (النبي يونس)، يناجي المخرج الله طلباً للرحمة والخلاص. فنرى الكاتب العربي، بطل الحكاية، واقفاً أمام حوت ضخم لفظته أمواج المحيط، في صورة بصرية كثيفة الدلالة، تدفعه إلى إعادة التأمُّل في شريط حياته بعيداً عن فكرة الموت والانتحار. هنا يتحوّل الحوت من رمز للهلاك إلى علامة خلاص وفرصة ولادة جديدة.

وإلى جانب الحالات الإنسانية العميقة التي يتناولها الفيلم، يُعرّج المخرج على أبعاد اجتماعية وسياسية، فيمرّر رسائل مبطّنة عن المجتمع الأوروبي ونظرته إلى النازح العربي؛ بين الشفقة والريبة، والاحتواء المشروط والعزلة المقنّعة.

وفي أحد أهم مَشاهد الفيلم، حيث تختلط مشاعر الهجرة بالحنين إلى الوطن، نُتابع جورج خبّاز يرقص مذبوحاً من الألم على إيقاع أغنية «حوّل يا غنّام» للراحلة نجاح سلام. مشهد يُذكّرنا برقصة أنطوني كوين في فيلم «زوربا»، فيتفوّق على نفسه، مُعبّراً عن وجع مكبوت يتحوّل تدريجياً إلى فعل تحرُّر. وينقلنا خباز بخطواته التعبيرية إلى مساحة من الفرج والرجاء، راسماً إحدى أجمل اللوحات الفنّية التي يتضمّنها الفيلم.

هي رحلة إنسانية عميقة؛ بسيطة في شكلها، غنية بفلسفة حياة قاسية، يُقدّمها فيلم «يونان»، ليغدو مرجعاً سينمائياً يُوثّق الغربة بحسّ مرهف ومقاربة روحية عالية، بعيداً عن السردية التقليدية، ومُحمَّلاً بأسئلة الوجود والهوية ومعنى الخلاص.


«التخريب الذاتي»... 4 علامات تمنعك من تحقيق النجاح

يُعدّ الخوف من النجاح أحد محركات التخريب الذاتي (جيسيكا سيور - جامعة إنديانا)
يُعدّ الخوف من النجاح أحد محركات التخريب الذاتي (جيسيكا سيور - جامعة إنديانا)
TT

«التخريب الذاتي»... 4 علامات تمنعك من تحقيق النجاح

يُعدّ الخوف من النجاح أحد محركات التخريب الذاتي (جيسيكا سيور - جامعة إنديانا)
يُعدّ الخوف من النجاح أحد محركات التخريب الذاتي (جيسيكا سيور - جامعة إنديانا)

قد يقف البعض منا، في مرحلة ما من حياته هو نفسه، عائقاً في طريق نموه الشخصي، ما قد يحول بينه وبين تحقيق النجاح في أحد التحديات التي تواجهه في الحياة.

فحين نحرز تقدماً في مشروع، أو نبدأ الشعور بالأمل في علاقة، ثم نفعل شيئاً يقوّض كل ذلك، نقع في دوامة التسويف، أو حين نفتعل شجاراً، أو ببساطة نستسلم؛ أو نثني أنفسنا عن شيء قد يجلب لنا النجاح. يطلق على هذا النوع من السلوك «التخريب الذاتي». يبدو الأمر كأنه عرقلة للذات، لكن وراء هذا السلوك الظاهر توجد ديناميكيات نفسية ومعرفية عميقة.

يستعرض الدكتور مارك ترافرز، باحث أميركي في العلوم النفسية، وخريج جامعة كورنيل وجامعة كولورادو بولدر الأميركتيين، في مقاله المنشور على موقع «سيكولوجي توداي»، استناداً إلى أبحاث علم النفس، 4 أسباب لتخريب الأشخاص الأشياء الجيدة.

تجنب لوم الذات

أحد أكثر أنماط التخريب الذاتي التي دُرست باستمرار هو ما يسميه علماء النفس «الإعاقة الذاتية»، وهو سلوك يخلق فيه الأشخاص أنفسهم عقبات أمام نجاحهم، حتى إذا فشلوا، يُلقون باللوم على عوامل خارجية، بدلاً من لوم أنفسهم. ومنها، على سبيل المثال، مماطلة الطلاب في الاستعداد لاختبار مهم، حيث يَعزُون الرسوب لأسباب خارجية لا إلى نقص التنظيم أو الانضباط.

إنّ التخريب الذاتي ليس مجرد كسل أو نزوة، بل هو استراتيجية يستخدمها البعض لحماية تقديرهم لذاتهم في المواقف التي قد يكون أداؤهم فيها «ضعيفاً»، أو عندما يُنظَر إليهم على أنهم غير أكْفاء.

الخوف من الفشل أو النجاح

غالباً ما يعتقد الناس أن الخوف من الفشل هو الدافع الرئيسي وراء التخريب الذاتي. لكن الأبحاث تشير إلى أن الخوف من النجاح يُعدّ محركاً لا يقل أهمية، وإن كان أقل شيوعاً.

فالخوف من الفشل يحفز التجنب، وهؤلاء الأشخاص يخشون أن يؤكد الفشل معتقداتهم السلبية عن أنفسهم، ما يجعلهم أكثر عرضة لتبنّي أساليب دفاعية لتحاشي ذلك؛ منها التسويف أو الاستسلام المبكر.

والخوف من النجاح يعمل بطريقة مماثلة، فما يحفز هذا الخوف هو القلق المصاحب لعواقب النجاح، والتي قد تتمثل في ارتفاع سقف التوقعات الذاتية أو من الآخرين، أو زيادة الظهور الإعلامي مثلاً. لذا، قد يكون تخريب النجاح الذاتي وسيلةً للبقاء في منطقة الراحة حيث التوقعات مألوفة.

المعتقدات السلبية عن الذات

يرتبط تخريب الذات ارتباطاً وثيقاً بنظرة الشخص لنفسه. فعندما يشكّك المرء في قيمته، أو قدراته، أو حقه في السعادة، قد يتصرف لا شعورياً بطرق تُؤكد تلك النظرة السلبية عن الذات. تقترح نظرية التناقض الذاتي أن الناس يشعرون بعدم ارتياح عاطفي عندما لا تتطابق ذواتهم الحقيقية مع ذواتهم المثالية. وقد يؤدي هذا التناقض إلى مشاعر سلبية مثل الشعور بالخجل، أو القلق، أو الاكتئاب.

التعامل الخاطئ مع التوتر والقلق

غالباً ما يظهر التخريب الذاتي في لحظات التوتر الشديد أو التهديد العاطفي. عندما يشعر الناس بالإرهاق أو القلق أو الضغط النفسي، وحينها يتحول جهازهم العصبي إلى وضع دفاعي. وبدلاً من التقدم، يتراجعون أو ينسحبون دفاعياً، وقد يلجأ الناس إلى سلوكيات تُشعرهم بالأمان، حتى لو كانت على حساب أهدافهم طويلة المدى.