كيف تُدار المواجهة الإيرانية ــ الإسرائيلية إعلامياً؟

تساؤلات حول استراتيجيات طهران وتل أبيب لـ«التحكم في سردية الصراع»

موقع سقوط صاروخ إيراني في حيفا الجمعة (أ.ف.ب.)
موقع سقوط صاروخ إيراني في حيفا الجمعة (أ.ف.ب.)
TT

كيف تُدار المواجهة الإيرانية ــ الإسرائيلية إعلامياً؟

موقع سقوط صاروخ إيراني في حيفا الجمعة (أ.ف.ب.)
موقع سقوط صاروخ إيراني في حيفا الجمعة (أ.ف.ب.)

إسرائيل عمدت إلى تعبئة قنوات رسمية وشعبية لتبرير ضرباتها... ونشرت مقاطع بمختلف اللغات «أنتم الآن تسمعون صوت المعتدي وهو يهاجم الحقيقة»، جملة قالتها المذيعة الإيرانية سحر إمامي، قبل أن تهرول خارج الاستوديو، إثر ضربة إسرائيلية استهدفت مبنى التلفزيون الإيراني، في مشهد تناقله رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وبررته تل أبيب بأنه «كان يستهدف مركز اتصالات تستخدمه إيران تحت ستار مدني».

المشهد الذي لم يزد على ثوانٍ معدودة، وتبريره أظهر جزءاً من «سردية إعلامية» بشأن الضربات المتبادلة بين طهران وتل أبيب سعى كل طرف إلى إثباتها وحشد التأييد لها طوال الأيام الماضية، معتمدَين على وسائل إعلام رسمية وشبه رسمية، وحسابات موثقة لمسؤولين تشي بالطريقة التي أدار بها الجانبان الإعلام في مواكبة الحرب.

طرحت إيران سرديةً مفادها أنها «تدافع عن نفسها بعد تعرضها لهجوم إسرائيلي، دون أي استفزاز»، بينما تحدَّثت إسرائيل عن «إجراءات استباقية تهدف أيضاً إلى الدفاع عن النفس في مواجهة الخطر الإيراني النووي»، مع إشارات من مسؤولين وخبراء إسرائيليين إلى «الرغبة في تغيير النظام الإيراني».

استخدام الدعاية في الحروب أمر معتاد وبالغ الأهمية، بحسب وقار ريزفي، الباحث المتخصص في شؤون أخلاقيات الإعلام (مقيم في كندا)، الذي أبدى اهتماماً بـ«مستوى الرقابة الصارمة التي فرضها الإسرائيليون على ما يمكن لوسائل إعلامهم ومواطنيهم نشره، وما لا يمكنهم نشره بشأن الهجمات الإيرانية».

تصاعد دخان كثيف من منشأة نفطية بعد احتمال تعرضها لضربة إسرائيلية في جنوب طهران الأسبوع الماضي (أ.ب.)

في هذا السياق، قال ريزفي لـ«الشرق الأوسط» إن «وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية كانت انتقائية أيضاً»، مشيراً إلى أنه «نظراً لانخفاض القيود على ما يمكن للإيرانيين مشاركته عبر الإنترنت بشأن الهجمات الإسرائيلية، كان من الصعب على الإعلام الرسمي إنكارها»، لافتاً إلى «مطالبة الإيرانيين بتقليل استخدام أدوات التواصل الاجتماعي مثل (واتساب) و(إنستغرام)؛ بسبب اتهامات بأن (ميتا) وشركات أخرى تستخدم بيانات مواقعهم لاستهداف الأشخاص».

وحثَّ التلفزيون الحكومي الإيراني، أخيراً، الجمهور في البلاد على إزالة تطبيق «واتساب» من هواتفهم الذكية، مدعياً أن التطبيق - دون تقديم دليل محدد - يجمع معلومات المستخدمين لإرسالها إلى إسرائيل.

وأكد ريزفي أن «كلا الجانبين كان متحفظاً وحذراً للغاية بشأن حجم اعترافاته بالأضرار التي لحقت بمواقع حساسة، مثل القواعد العسكرية والمنشآت النووية، والمكاتب الحكومية»، لكن «باستخدام صور الأقمار الاصطناعية، تمكَّن الخبراء ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي، إلى حد ما، من التحايل على ذلك والتحقق من الأضرار التي لحقت بتلك المواقع».

وقال: «إن طهران اعتمدت بشكل كبير على وسائل الإعلام الحكومية، والخبراء الذين يتحدثون إلى وسائل الإعلام الأجنبية لإيصال رسالتها، سواء عبر الإنترنت أو التلفزيون»، مشيراً إلى أن «محدودية الخبراء الناطقين بالإنجليزية ربما أثرت على فاعلية وانتشار الرسالة». وفي المقابل «تمتلك تل أبيب نظاماً إعلامياً أكثر تطوراً، وخبراء يجيدون التحدث باللغة الإنجليزية ولغات أخرى، داخل وخارج إسرائيل، وهذه ميزة كبيرة نسبياً من منظور إعلامي»، وفق ريزفي.

اصطفاف شعبي إيراني

على الصعيد الداخلي، ومن منظور إعلامي، فإن «الإيرانيين اصطفوا، رغم اختلافاتهم السياسية الواسعة، خلف حكومتهم خلال هذه المواجهات»، بحسب ريزفي، الذي لا يرجح تعالي الانتقادات للنظام حالياً.

على الجانب الآخر، قال الباحث إن «الإسرائيليين أصبحوا أكثر انفتاحاً على انتقاد حكومتهم، لا سيما مع تحطيم واجهة مناعة إسرائيل العسكرية». لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن «انتقاد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، جاء من وسائل إعلام دأبت على انتقاده في الماضي، لذا فالأمر ليس مفاجئاً تماماً». وبالفعل، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية عدة تقارير انتقدت فيها سياسة نتنياهو، وتحدَّثت عن ثغرات في الأمن القومي. في حين ركز الإعلام الإيراني على «رصد آثار العدوان، ومهاجمة إسرائيل».

من جهة ثانية، يرى الدكتور محمد محسن أبو النور، خبير الشؤون الإيرانية، رئيس «المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية»، أن «انتقادات الإعلام للنظام في إيران عادة ما كانت تتوقف عند حد المرشد، إلا أن المواجهات الأخيرة لم تشهد انتقادات للحكومة والنظام، وإن ظهر انقسام بين التيارَين المحافظ والإصلاحي تجاه التفاوض مع الولايات المتحدة، بين مَن يرى أنه كان لا بد من الإسراع فيه، وآخر يعدّه خداعاً استراتيجياً».

وبحسب أبو النور فإن «إسرائيل أدارت الإعلام إدارة حربية بحتة، حيث منعت وسائل الإعلام من نشر الخسائر والتحقيقات والتقارير الميدانية عن طبيعة المواجهات، مكتفية بما تنقله من بيانات عسكرية عن مجرياتها». وقال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن «إسرائيل دشَّنت صفحات بلغات مختلفة لنشر دعايتها بشأن المظلومية التاريخية، ودفاعها عن الأمن والسلم، وكيف أن إيران تستهدف المدنيين والمستشفيات». وأردف أن «إيران منذ سنوات، ومع مرورها بأزمات كبرى، دشَّنت منصات بلغات مختلفة لطرح سرديتها، وكانت أول مَن يعلن الخسائر والاغتيالات، رغبةً في التحكم في زمام رواية الحدث... والملاحظ أن إسرائيل تكتَّمت على الخسائر، في مقابل انفتاح إيراني على النشر، وتوثيق شهادات شهود العيان».

وتابع أبو النور: «إيران اعتمدت في ترويج سرديتها على القنوات الرسمية وشبه الرسمية وحسابات موثقة لمسؤولين، ونشطت على منصتَي (إكس) و(تلغرام)، وحرصت على تقديم رواية متطابقة بكل اللغات في وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، سواء التي تُدار من داخل إيران أو من خارجها». وأضاف: «المواجهات لم تغيِّر التعامل الإعلامي للطرفين، فكلاهما كان مستعداً بأسطول إعلامي ضخم».

وفي دراسة عن السياسات الإعلامية - الإيرانية تجاه قضايا العالم العربي، نشرتها الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2022، أشار أبو النور إلى أن إيران «دشَّنت عدداً كبيراً من وسائل الإعلام، التي تهتم بمعالجة الأوضاع في العالم العربي، وإبداء الرأي تجاه أغلب قضاياه، وتحليلها وشرحها في إطار توجهات الدولة ورؤية النخب المتماهية معها».

تعبئة إعلامية إسرائيلية

على صعيد متصل، قال الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، في لقاء مع «الشرق الأوسط»: «إن إسرائيل عمدت إلى تعبئة قنوات رسمية وشعبية لتبرير ضرباتها، ونشرت مقاطع بمختلف اللغات، ودرَّبت متطوعين على الإنترنت؛ للدفاع عن سياساتها على المستوى الدولي... ثم إنها ركزت على إبراز نجاح الضربات الدقيقة، واستغلال مصادر المعلومات المفتوحة ومنصات التواصل الاجتماعي لتضخيم الرواية الدفاعية، في حين استخدمت طهران حملات إعلامية موجهة للجمهورَين الإسرائيلي والغربي، وتعميق الخلافات الداخلية في إسرائيل، فارضة قيوداً شديدة على الاتصالات».

وأضاف عبد الله أنه «خلال الصراع، صاغت الدولتان استراتيجيات إعلامية دقيقة لإدارة ما يُعرَض على الجمهور وما يتم قمعه عمداً. وسعى كل طرف إلى تشكيل التصورات العامة داخلياً وخارجياً، عبر إبراز ما يحقق أهدافه، وقمع ما قد يضر صورته أو يعزز من موقف الطرف الآخر، معتمدَين على مزيج من المصادر الرسمية وشبه الرسمية والسرية للمعلومات».

أداة خفية

من جانبها، قالت سارة كيرة، مؤسس ومدير «المركز الأوروبي الشمال أفريقي للأبحاث»، لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معها: «إن استخدام البروباغندا الإعلامية في المواجهات أداة خفية في الصراع عادة، وحرب السرديات الإعلامية، هما بمثابة معركة موازية للصراع العسكري بين طهران وتل أبيب».

وأضافت أن «إسرائيل تعتمد دائماً خطاب (الحضارة ضد الهمجية) في حروبها لكسب الدعم الغربي، وتنتقل بين دورَي الضحية، والمتحضر حامل راية التقدم والديمقراطية في الشرق الأوسط، الذي يخوض الحرب نيابة عن الغرب». وذكرت أنها تعتقد أن «السردية الإسرائيلية لم تنجح هذه المرة، في ظل استمرار العدوان على آلاف المدنيين العزل في غزة... لا سيما أن فشل تل أبيب في حشد التعاطف الشعبي، روّج لسردية إيران التي تقدم نفسها بوصفها المنتقم للمستضعفين، والمقاوم لمحاولات الهيمنة العالمية».

وبينما لفتت كيرة إلى أن «الجانبين استخدما الروايات الدينية التاريخية في الترويج لسردياتهما»، تكلمت عن «حالة استياء شعبي» في وسائل الإعلام الإسرائيلية، رغم الرقابة التي تفرض قيوداً على نشر حجم الخسائر، في حين يظهر الإعلام الإيراني «دعماً شعبياً لمواجهة العدوان»، وإن «ظهر بعض الاستياء من قلة توفر وقود السيارات مثلاً أو حالة المواجهة عامة».

الرقابة العسكرية الإسرائيلية

بالفعل، فإن لدى إسرائيل رقابة على الإعلام من خلال «جهاز الرقابة العسكرية»، التابع لشعبة المخابرات العسكرية في الجيش الإسرائيلي (أمان)، ويفحص الرقيب العسكري عادة البث التلفزيوني والإذاعي، والإنترنت، والصحف، والكتب، ويقرر حذف معلومات بعينها أو يطلب حذفها من موظفي تلك المنظمات الإعلامية.

وفي رأي الباحث في التحولات الديمقراطية المعاصرة، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«المركز الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط في ألمانيا»، ستار جبار رحمن، فإن «الإعلام في كلا الجانبين شهد قدراً كبيراً من الارتباك، وهو ما عكس التوتر السياسي والعسكري المصاحب للمواجهات».

وتابع لـ«الشرق الأوسط» إن «إسرائيل ركزت على توجيه خطابها الإعلامي نحو الغرب، ساعية إلى حشد التأييد الدولي، في المقابل، وجهت إيران إعلامها بشكل أساسي إلى الشعوب العربية، محاولة كسب تأييد شعبي يتجاوز الغضب العربي الواسع من تدخلها في شؤون دول عربية عدة».

وأوضح أن «الجانب الإيراني تَميَّز بقدر أعلى من التكتم، وذلك بسبب طبيعته السياسية المغلقة. أما في إسرائيل، فرغم ممارسة ضغوط قوية على وسائل الإعلام، خصوصاً في زمن الحرب، فإن هامش الحرية الصحافية يبقى أوسع مقارنة بإيران»، مشيراً إلى أنه «كانت هناك تغطيات أكثر تنوعاً، وظهرت آراء ناقدة في الإعلام الإسرائيلي، وإن بقيت ضمن حدود معينة فرضها الظرف العسكري والأمني». وقال إن «طهران اعتمدت في نقل سرديتها على قنواتها الإعلامية الرسمية، إضافة إلى شبكاتها الإعلامية وشخصياتها الناطقة بالعربية والإنجليزية، أما تل أبيب فاعتمدت على إعلامها التقليدي والناطقين باسم الحكومة، بالإضافة إلى حملات إعلامية موجهة للغرب».


مقالات ذات صلة

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

إعلام وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب…

فيفيان حداد ( بيروت)
إعلام الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)

هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

أثار تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على استنساخ وانتحال صفة الصحافي، مخاوف من عرقلة التواصل بين الإعلاميين ومصادر المعلومات؛ بسبب «التشكك في وجودهم

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق وفد «هيئة الصحفيين السعوديين» المشارك في فعاليات كونغرس الصحافة الدولي بالعاصمة الفرنسية باريس (الشرق الأوسط)

السعودية تفوز بعضوية المكتب التنفيذي لـ«الاتحاد الدولي للصحفيين»

حققت السعودية إنجازاً جديداً بفوزها بعضوية اللجنة التنفيذية لـ«الاتحاد الدولي للصحفيين» التي ستقود أعمال الاتحاد للسنوات الأربع المقبلة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق ارتفع إجمالي الجوائز الدولية لـ«عرب نيوز» منذ إعادة إطلاقها عام 2018 إلى 171 جائزة (SRMG)

«عرب نيوز» تفوز بـ8 جوائز تميّز إبداعية عالمية

فازت «عرب نيوز» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» بثماني جوائز تميز في المسابقة الإبداعية السنوية السابعة والأربعين لجمعية تصميم الأخبار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تشرف جامعة كولومبيا على جوائز «بوليتزر» (أ.ب)

جوائز «بوليتزر» للصحافة تكرّم تغطيات تدين إدارة ترمب وسياساتها

هيمنت التغطيات المتعلقة بإدارة ترمب على جوائز «بوليتزر» المرموقة للصحافة، حيث شنت لجنة الجائزة هجوماً لاذعاً على محاولات الرئيس الأميركي تقييد حرية الصحافة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
TT

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حيث كان شغفه الأول الثقافة، إلا أن عالم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحد أبرز المحاورين التلفزيونيين في لبنان. وعبود راهناً يشغل منصب رئيس تحرير نشرات الأخبار في قناة «إم تي في» المحلية، ويقدّم 3 برامج حوارية هي: «أبيض وأسود» على منصة «هلا أرابيا»، و«الحكي يوصل» على منصة «صوت كل لبنان»، و«مع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان».

بالنسبة لمسيرته، فإنه استقى خبراته الأولى من عمله في «دار الصياد» عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويومذاك تولّى مهام التحرير في نشرة دورية كانت تُرسل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بعدها تنقّل بين عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «المسيرة» و«الحياة» و«نداء الوطن» و«النهار»، حيث كتب مقالات ثقافية.

وفي «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، شارك في إعداد برامج ثقافية مثل «كبارنا». أما تجاربه السياسية الأولى فانطلقت عبر برنامج «ع صوت عالي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم.

ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تلفزيونية جديدة من خلال إعداد برنامج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بعدها برنامج «رئاسيات». ويعلقّ وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام».

في انتقاله إلى «إم تي في» عام 1989، بدأ إعداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها حتى عام 2001، حين استدعته «إل بي سي آي» للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخبار، وهي مرحلة أكسبته خبرة واسعة. ثم عاد مجدداً إلى «إم تي في» لتولّي رئاسة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج «بموضوعية» حتى عام 2018. ويؤكد أن مجمل هذه المحطات صقل تجربته المهنية، التي تجاوزت اليوم 46 عاماً من العمل الإعلامي.

«تلفزيون لبنان» وعوْدٌ على بدء

على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود في صروح إعلامية عدّة، فإنه لفت متابعيه أخيراً بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عودة إلى واحدة من أقدم تجاربه الإعلامية في عام 1994، حيث يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال عن هذه الخطوة: «لا شك أن هذه المحطة تسمها العراقة والتاريخ المضيء، وقد تربّينا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول من الإعلاميين أمثال عادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزاً وفخراً كبيرين لي». وأضاف مستعيداً لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممرّ طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلى جانب صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وهو يضع حجر الأساس لتلفزيون لبنان. هناك اجتاحتني مشاعر الحنين إلى زمن الإعلام اللبناني الذهبي والرائد، حين كان لبنان بين أوائل الدول العربية التي تخطو هذه الخطوة الكبرى في المنطقة. وكذلك استعدت ذكرياتي مع هذه الشاشة المرتبطة بوجداني».

من ناحية ثانية، خيار العودة إلى «تلفزيون لبنان» لم يكن مجرد محطة عابرة في مسيرة عبود، بل جاء نتيجة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم برنامج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المرحلة.

ومن خلال هذا المنبر، قدّم برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود»، الذي يُعرض مساء كل أربعاء، ويستضيف شخصيات سياسية بارزة. وقد استهلها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وأشار إلى أنها كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل في مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارته الجديدة، بدأ يخطو باتجاه رؤية مستقبلية أكثر تنظيماً ووضوحاً، ما انعكس إيجاباً على موقع البرنامج داخل المشهد الإعلامي.

إعلامي متميز... وخبرات متراكمة (إم تي في)

الذاكرة الإعلامية

قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعادت إليَّ شيئاً من الذاكرة الإعلامية الأولى، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لي مساحة عمل مختلفة، تجمع بين الخبرة المتراكمة والفرصة المتجددة لإعادة تقديم نفسي ضمن سياق وطني جامع».

وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قناة «إم تي في»، استعاد عبود محطات من إدارة نشرات الأخبار، معتبراً أن العلاقة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساساً على الانسجام في الرؤية والخط التحريري. وأردف: «نحن مَن نشبه المحطة وليس العكس»، موضحاً أن نجاح التجربة الإعلامية «يرتبط بمدى التقاطع بين قناعة الإعلامي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية».

وعلى الصعيد الشخصي، قال إن «الحروب الإعلامية» ليست من طبعه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويرى أن بيئة التفاهم داخل أي مؤسسة إعلامية تُسهّل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف.

النقد ضرورة من أجل التطور

أما في ما يتعلق بالنقد، فيشدّد وليد عبود على أنه «عنصر أساسي في المهنة وليس تهديداً لها، بل لعله أداة تطوير حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم، سواء من سياسيين أو جمهور أو زملاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون واضحة خلال عمل يومي يستمر 18 ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من برنامجه يطلب آراء المشاهدين بصدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير.

ويشرح من ثم أن مسيرته الإعلامية الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخطاء وتحاشي تكرارها. ومن ثم، يرى أن المعيار ليس في غياب الخطأ، بل في القدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى.

الإعلامي يبقى في الذاكرة

واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعلام مهنة متعبة»، ولا يعرف كيف انخرط فيها بهذا الشغف الكبير، ثم إنه كان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعلام جذبه بشكل غير متوقع. وتابع أنه يؤمن بأن «الإعلامي الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بقدر وفائه لها». ويعود ليصف الإعلام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية».


هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
TT

هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)

أثار تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على استنساخ وانتحال صفة الصحافي، مخاوف من عرقلة التواصل بين الإعلاميين ومصادر المعلومات؛ بسبب «التشكك في وجودهم وإنسانيتهم»، وفي حين رأى خبراء أنَّ الذكاء الاصطناعي يُسهم في تسهيل العمل الإعلامي، فإنَّهم شدَّدوا على «ضرورة التواصل الإنساني المباشر لتقليل التأثيرات السلبية للتكنولوجيا».

تقرير نشره معهد «نيمان لاب» المتخصِّص في دراسات الصحافة، نهاية الشهر الماضي، أفاد بإحجام المصادر عن الرد على رسائل الصحافيين عبر البريد الإلكتروني؛ اعتقاداً منهم أنَّها مرسلة من روبوتات الذكاء الاصطناعي.

واستند التقرير إلى تجربة الصحافي الأميركي، غابي بولارد، الذي ذكر أنَّ بعض مصادر المعلومات باتت تتخوَّف من ورود رسائل احتيال عبر البريد الإلكتروني، ما يدفعهم لتجاهل الردِّ على استفسارات الصحافيين.

أيضاً لفت التقرير إلى أن «المخاوف المتعلقة بتراجع الثقة في الإعلام، وانتشار المعلومات المضللة، أضيفت إليها مخاوف جديدة تتعلق بإمكانية أن تعرقل التكنولوجيا عنصراً أساسياً من العمل الصحافي، وهو التواصل مع المصادر لجمع المعلومات، بحجة التشكك في وجود الصحافي من الأساس». وأشار إلى ما تُسمى «نظرية الإنترنت الميت» التي تفترض أنَّ معظم الموجودين على الإنترنت ليسوا حقيقيين.

الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط»: «إن الذكاء الاصطناعي يؤثر في عمل الصحافي سلباً وإيجاباً... ومع تطور النماذج اللغوية الضخمة بات من الصعب التفريق بين ما تنتجه وما ينتجه الإنسان، لا سيما مع قدرة التكنولوجيا على استنساخ وانتحال صفات أشخاص حقيقيين».

وأضافت حمود أن «ما يحدث قد يعرقل قدرة الصحافي على التواصل مع مصادر المعلومات». ولذا فهي تقترح أن «يحرص الصحافي على التواصل الإنساني في محاولة لإثبات وجوده، والحد من مخاوف المصادر، جنباً إلى جنب مع العمل على الترويج الذاتي، ورسم صورة ذهنية لحضوره على منصات التواصل المختلفة».

وتؤكد على «ضرورة إعادة النظر في كيفية التعاطي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وطريقة العمل والتواصل الصحافي في ضوئها، مع وضع سياسات شاملة لذلك».

في الواقع، تطرَّق تقرير «نيمان لاب» إلى حلول عدة للحدِّ من تأثير الذكاء الاصطناعي على التواصل مع مصادر المعلومات، من بينها «التواصل من بريد إلكتروني مرتبط بالمؤسسة الإعلامية، والحرص على إيجاد فرص للتواصل الإنساني المباشر للحدِّ من تشكك المصادر في وجود الصحافي». بيد أنَّه في الوقت ذاته لفت إلى ما يكتنف ذلك من تحديات ترتبط ببطء عملية التواصل في عصر رقمي لا يمنح رفاهية الوقت.

هنا يرد الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، بالقول: «إن الذكاء الاصطناعي لا يعرقل عمل الصحافي بشكل مباشر، لكنه يفرض تحديات جديدة تُغيِّر طريقة الوصول إلى المعلومات».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المعلومات أصبحت متاحة جداً وبوفرة؛ لكن يتعذَّر التحقق منها بسهولة، ما أدّى إلى تضخم هائل في المحتوى؛ ما يجعل التحقُّق من دقته أكثر صعوبة، خصوصاً مع انتشار تقنيات التزييف العميق، التي تتيح إنتاج مواد مزيفة يصعب تمييزها».

من ناحية ثانية، يشير فتحي إلى أن «الذكاء الاصطناعي يوفِّر في المقابل أدوات قوية تساعد الصحافي على البحث السريع، وتحليل البيانات، والوصول إلى معلومات من مصادر متعددة خلال وقت قياسي.

وبالتالي، فإنَّ التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومات؛ بل في التحقُّق منها وفهم سياقها الحقيقي... وبالتالي، بات من الضروري تعزيز المهارات المهنية، وعلى رأسها التحقُّق من الأخبار باستخدام أدوات متعددة، وبناء شبكة مصادر موثوقة جداً، وتقديم محتوى إخباري تحليلي وإنساني لا تستطيع الآلة إنتاجه بالعمق البشري نفسه».

ويضيف فتحي: «إن تطوير المهارات الرقمية، والتعامل الذكي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، يمنحان الصحافي ميزةً تنافسيةً عن أقرانه؛ لكنهما لا يلغيان وظيفته أو عمله، بل سيظلُّ الصحافي القادر على الجمع بين الدقة والمصداقية والرؤية الإنسانية، هو الأكثر قدرةً على البقاء في المنافسة».


«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
TT

«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)

في الصين، لا تبدو المعركة في سوق البث التدفّقي مجرد سباق على الاشتراكات أو ساعات المشاهدة، بل هي صراع على شكل الصناعة الثقافية نفسها.

وفي قلب هذا الصراع تقف منصة «آي كيوي آي» (iQIYI)، التي توصف غالباً بـ«نتفليكس الصين»، كونها واحدةً من أكبر منصات الترفيه الرقمي في البلاد، بقاعدة مستخدمين نشطة تجاوزت خمسمائة مليون شخص شهرياً، ونحو مائة مليون مشترك مدفوع. غير أن المنصة باتت الآن في مواجهة مفتوحة مع مشاهديها، إثر إعلانها عن مشروع لبناء قاعدة بيانات فنية مدارة بالذكاء الاصطناعي، ما فجّر جدلاً واسعاً لم تهدأ أصداؤه بعد.

سوق ضخمة ومنصة تبحث عن البقاء

لفهم ما يجري، لا بد من وضع الأرقام في سياقها؛ إذ إن «آي كيوي آي»، التي يرعاها عملاق التكنولوجيا «بايدو»، سجّلت خلال عام 2025 إيرادات سنوية بلغت نحو 27.29 مليار يوان (ما يعادل نحو أربعة مليارات دولار)، وسط تراجع نسبته سبعة في المائة مقارنةً بالعام السابق، وخسائر صافية ناهزت 206 ملايين يوان، وهذا بعدما كانت قد حقّقت ربحاً صافياً بلغ 764 مليون يوان في عام 2024.

للعلم، تعتمد المنصة نموذجاً مختلطاً يجمع بين الاشتراكات المدفوعة والإعلانات وتوزيع المحتوى، ما يجعلها هشّةً في مواجهة أي تراجع في الإنفاق الإعلاني. وفي هذا السياق، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من مجرّد أداة تقنية، أي يغدو محاولة لتقليص الكلفة وتسريع الإنتاج. ولقد أقرّ الرئيس التنفيذي غونغ يو، صراحةً، بقلقه من استدامة النموذج التقليدي العالي الكلفة، مشيداً بإمكانات الذكاء الاصطناعي في فتح آفاق إبداعية جديدة.

قاعدة المواهب الفنية

يوم 20 أبريل (نيسان) 2026، وبمناسبة مؤتمر «آي كيوي آي» المنعقد في العاصمة الصينية بكين، كشف الرئيس التنفيذي غونغ يو النقاب عن مشروع سماه «قاعدة المواهب الفنية بالذكاء الاصطناعي». وذكر أن 117 فناناً صينياً وقّعوا اتفاقيات تُجيز للمنصة استخدام ملامحهم وأصواتهم وبياناتهم الحيوية لبناء شخصيات رقمية، يمكن توظيفها في أعمال درامية وسينمائية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، دون أن يطأ الممثل الأصلي أرض التصوير. وكذلك أعلن عن أول فيلم روائي طويل مُولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي تعتزم المنصة إطلاقه قريباً. وفي تصريح، سرعان ما أثار موجة غضب عارمة، ذهب غونغ يو إلى أن التصوير قد يصبح عن قريب تراثاً ثقافياً ينتمي إلى الماضي.

"آي كيوي آي"... ترفع مستوى المنافسة (آي كيو آي)

اشتعال الجدل

لحظات بعد هذا الإعلان، اشتعلت منصة «ويبو» الصينية بهاشتاغ «آي كيوي آي جنّت» حتى أصبحت القضية في قائمة المواضيع الأكثر تداولاً. وتساءل مستخدمون باستنكار: «لماذا سأدفع اشتراكاً لمشاهدة أشخاص مزيّفين؟»... وكتب آخرون: «إذا تحوّل الممثلون كلهم إلى ذكاء اصطناعي، فما هي القيمة التي ستحملها هذه الأعمال؟».

ومن جهة ثانية، سارعت شخصيات وردت أسماؤها في المشروع، كالممثل الكبير تشانغ روييون، إلى نفي أي صلة لهم بالمشروع. وفي الساعات التالية للعاصفة، سارعت «آي كيوي آي» إلى إصدار توضيحات متتالية. وفي تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال نائب الرئيس التنفيذي الأول ليو وِنفِنغ إن المنصة لا تُرخّص صور الممثلين ومظاهرهم، بل تعمل على تمكين صنّاع الأفلام والممثلين من إنشاء تواصل أسرع عبر منصة «ناداو برو». وأردف أن كل لقطة تحتاج إلى تأكيد من الفنانين أنفسهم، وأن «ثمة سوء فهم تاماً» وراء ما حصل. وفي بيانين متتاليين، أكدت المنصة أن الانضمام إلى القاعدة لا يعني سوى إعلان الفنان استعداده للنقاش في مشاريع محتملة، وليس ترخيصاً مُسبقاً لأي عمل بعينه.

إشكاليات قانونية وتقنية جديدة

وبالتوازي، حذّر لي تشِنوو، المحامي في مكتب «شانغهاي ستار لو فيرم»، من أنه بمجرد استخدام بيانات لصورة فنان في تدريب نماذج المنصة، تنشأ مخاطر تقنية جسيمة، من بينها تسريب البيانات والتدريب الثانوي غير المصرّح به، وهي مخاطر يصعب التخلص منها. وتكمن هشاشة الوضع القانوني في أن التشريعات الصينية لم تُحسم بعد فيما يخص ملكية الصورة الرقمية واستنساخها عبر الذكاء الاصطناعي، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية قد تمتد لسنوات.

بكين تشدّد قبضتها على الذكاء الاصطناعي

في الحقيقة، لا يمكن قراءة هذا الجدل معزولاً عن السياق التنظيمي المتسارع في الصين. فيوم 3 أبريل 2026، نشرت «الإدارة الصينية للفضاء الإلكتروني» مسوّدة قواعد تشمل اشتراطات صارمة للموافقة المسبقة عند استخدام السمات الحيوية، وحظر التحايل على أنظمة المصادقة البيومترية. وأطلقت السلطات حملتها السنوية لمكافحة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، التي استهدفت الانتحال الرقمي للأشخاص واستحضار المتوفين رقمياً من دون موافقة ذويهم. ومن ثم، قد دخل معيار وضع علامات إلزامية على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي حيّز التنفيذ يوم 1 سبتمبر (أيلول) 2025.

لماذا يهزّ الجدل الصناعة الترفيهية كلها؟

جدير بالذكر أن «آي كيوي آي» ليست منصةً بعيدة عن السياق؛ فهي جزء من البنية الكبرى التي تشكّل الذائقة الرقمية في الصين، جنباً إلى جنب مع «تنسنت فيديو» و«يوكو» و«بيليبيلي» و«مانغو تي في».

وفي مثل هذه السوق، لا يقتصر أثر قرار واحد على مسار منصة بعينها، بل يمتد إلى المعايير نفسها: هل النجاح يكمن في تقليص الكلفة، أم في الحفاظ على العلاقة الإنسانية بين العمل الفني وجمهوره؟ والمفارقة تبرز هنا بجلاء؛ إذ كلّما ازدادت المنصة اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، ازدادت قدرتها على السيطرة على الإنتاج والتخصيص، لكنها في المقابل تخاطر بتقليص المساحة التي يمرّ فيها الفن عبر التجربة البشرية الفعلية.

آفاق المستقبل

ما جرى في بكين ليس شأناً صينياً بحتاً، إذ إن البنية التحتية التي تسعى «آي كيوي آي» إلى بنائها انعكاس لمنطق يجتاح صناعة الترفيه العالمية.

ففي الولايات المتحدة، مثلاً، تتسارع استثمارات كبريات المنصات في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. إذ تعتزم «نتفليكس» إنفاق نحو 20 مليار دولار على المحتوى في 2026 مستعينة بالذكاء الاصطناعي في الإنتاج والإعلانات، في حين تعمل «أمازون» على توظيفه في الرسوم المتحركة والدبلجة.

ومع ذلك، تسير المنصات الغربية بخطى أكثر حذراً، إذ يمثّل استنساخ الممثلين بالكامل «خطاً أحمر» في ظل عقود نقابة «ساغ-آفترا» المهنية.

وفي المقابل، يبدو النموذج الصيني أكثر جرأةً وأقل تقييداً، ما يجعل «آي كيوي آي» في موقع الرائد الاضطراري لمسار قد تسلكه منصّات عالمية أخرى في غضون سنوات قليلة.