كيف تُدار المواجهة الإيرانية ــ الإسرائيلية إعلامياً؟

تساؤلات حول استراتيجيات طهران وتل أبيب لـ«التحكم في سردية الصراع»

موقع سقوط صاروخ إيراني في حيفا الجمعة (أ.ف.ب.)
موقع سقوط صاروخ إيراني في حيفا الجمعة (أ.ف.ب.)
TT

كيف تُدار المواجهة الإيرانية ــ الإسرائيلية إعلامياً؟

موقع سقوط صاروخ إيراني في حيفا الجمعة (أ.ف.ب.)
موقع سقوط صاروخ إيراني في حيفا الجمعة (أ.ف.ب.)

إسرائيل عمدت إلى تعبئة قنوات رسمية وشعبية لتبرير ضرباتها... ونشرت مقاطع بمختلف اللغات «أنتم الآن تسمعون صوت المعتدي وهو يهاجم الحقيقة»، جملة قالتها المذيعة الإيرانية سحر إمامي، قبل أن تهرول خارج الاستوديو، إثر ضربة إسرائيلية استهدفت مبنى التلفزيون الإيراني، في مشهد تناقله رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وبررته تل أبيب بأنه «كان يستهدف مركز اتصالات تستخدمه إيران تحت ستار مدني».

المشهد الذي لم يزد على ثوانٍ معدودة، وتبريره أظهر جزءاً من «سردية إعلامية» بشأن الضربات المتبادلة بين طهران وتل أبيب سعى كل طرف إلى إثباتها وحشد التأييد لها طوال الأيام الماضية، معتمدَين على وسائل إعلام رسمية وشبه رسمية، وحسابات موثقة لمسؤولين تشي بالطريقة التي أدار بها الجانبان الإعلام في مواكبة الحرب.

طرحت إيران سرديةً مفادها أنها «تدافع عن نفسها بعد تعرضها لهجوم إسرائيلي، دون أي استفزاز»، بينما تحدَّثت إسرائيل عن «إجراءات استباقية تهدف أيضاً إلى الدفاع عن النفس في مواجهة الخطر الإيراني النووي»، مع إشارات من مسؤولين وخبراء إسرائيليين إلى «الرغبة في تغيير النظام الإيراني».

استخدام الدعاية في الحروب أمر معتاد وبالغ الأهمية، بحسب وقار ريزفي، الباحث المتخصص في شؤون أخلاقيات الإعلام (مقيم في كندا)، الذي أبدى اهتماماً بـ«مستوى الرقابة الصارمة التي فرضها الإسرائيليون على ما يمكن لوسائل إعلامهم ومواطنيهم نشره، وما لا يمكنهم نشره بشأن الهجمات الإيرانية».

تصاعد دخان كثيف من منشأة نفطية بعد احتمال تعرضها لضربة إسرائيلية في جنوب طهران الأسبوع الماضي (أ.ب.)

في هذا السياق، قال ريزفي لـ«الشرق الأوسط» إن «وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية كانت انتقائية أيضاً»، مشيراً إلى أنه «نظراً لانخفاض القيود على ما يمكن للإيرانيين مشاركته عبر الإنترنت بشأن الهجمات الإسرائيلية، كان من الصعب على الإعلام الرسمي إنكارها»، لافتاً إلى «مطالبة الإيرانيين بتقليل استخدام أدوات التواصل الاجتماعي مثل (واتساب) و(إنستغرام)؛ بسبب اتهامات بأن (ميتا) وشركات أخرى تستخدم بيانات مواقعهم لاستهداف الأشخاص».

وحثَّ التلفزيون الحكومي الإيراني، أخيراً، الجمهور في البلاد على إزالة تطبيق «واتساب» من هواتفهم الذكية، مدعياً أن التطبيق - دون تقديم دليل محدد - يجمع معلومات المستخدمين لإرسالها إلى إسرائيل.

وأكد ريزفي أن «كلا الجانبين كان متحفظاً وحذراً للغاية بشأن حجم اعترافاته بالأضرار التي لحقت بمواقع حساسة، مثل القواعد العسكرية والمنشآت النووية، والمكاتب الحكومية»، لكن «باستخدام صور الأقمار الاصطناعية، تمكَّن الخبراء ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي، إلى حد ما، من التحايل على ذلك والتحقق من الأضرار التي لحقت بتلك المواقع».

وقال: «إن طهران اعتمدت بشكل كبير على وسائل الإعلام الحكومية، والخبراء الذين يتحدثون إلى وسائل الإعلام الأجنبية لإيصال رسالتها، سواء عبر الإنترنت أو التلفزيون»، مشيراً إلى أن «محدودية الخبراء الناطقين بالإنجليزية ربما أثرت على فاعلية وانتشار الرسالة». وفي المقابل «تمتلك تل أبيب نظاماً إعلامياً أكثر تطوراً، وخبراء يجيدون التحدث باللغة الإنجليزية ولغات أخرى، داخل وخارج إسرائيل، وهذه ميزة كبيرة نسبياً من منظور إعلامي»، وفق ريزفي.

اصطفاف شعبي إيراني

على الصعيد الداخلي، ومن منظور إعلامي، فإن «الإيرانيين اصطفوا، رغم اختلافاتهم السياسية الواسعة، خلف حكومتهم خلال هذه المواجهات»، بحسب ريزفي، الذي لا يرجح تعالي الانتقادات للنظام حالياً.

على الجانب الآخر، قال الباحث إن «الإسرائيليين أصبحوا أكثر انفتاحاً على انتقاد حكومتهم، لا سيما مع تحطيم واجهة مناعة إسرائيل العسكرية». لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن «انتقاد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، جاء من وسائل إعلام دأبت على انتقاده في الماضي، لذا فالأمر ليس مفاجئاً تماماً». وبالفعل، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية عدة تقارير انتقدت فيها سياسة نتنياهو، وتحدَّثت عن ثغرات في الأمن القومي. في حين ركز الإعلام الإيراني على «رصد آثار العدوان، ومهاجمة إسرائيل».

من جهة ثانية، يرى الدكتور محمد محسن أبو النور، خبير الشؤون الإيرانية، رئيس «المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية»، أن «انتقادات الإعلام للنظام في إيران عادة ما كانت تتوقف عند حد المرشد، إلا أن المواجهات الأخيرة لم تشهد انتقادات للحكومة والنظام، وإن ظهر انقسام بين التيارَين المحافظ والإصلاحي تجاه التفاوض مع الولايات المتحدة، بين مَن يرى أنه كان لا بد من الإسراع فيه، وآخر يعدّه خداعاً استراتيجياً».

وبحسب أبو النور فإن «إسرائيل أدارت الإعلام إدارة حربية بحتة، حيث منعت وسائل الإعلام من نشر الخسائر والتحقيقات والتقارير الميدانية عن طبيعة المواجهات، مكتفية بما تنقله من بيانات عسكرية عن مجرياتها». وقال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن «إسرائيل دشَّنت صفحات بلغات مختلفة لنشر دعايتها بشأن المظلومية التاريخية، ودفاعها عن الأمن والسلم، وكيف أن إيران تستهدف المدنيين والمستشفيات». وأردف أن «إيران منذ سنوات، ومع مرورها بأزمات كبرى، دشَّنت منصات بلغات مختلفة لطرح سرديتها، وكانت أول مَن يعلن الخسائر والاغتيالات، رغبةً في التحكم في زمام رواية الحدث... والملاحظ أن إسرائيل تكتَّمت على الخسائر، في مقابل انفتاح إيراني على النشر، وتوثيق شهادات شهود العيان».

وتابع أبو النور: «إيران اعتمدت في ترويج سرديتها على القنوات الرسمية وشبه الرسمية وحسابات موثقة لمسؤولين، ونشطت على منصتَي (إكس) و(تلغرام)، وحرصت على تقديم رواية متطابقة بكل اللغات في وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، سواء التي تُدار من داخل إيران أو من خارجها». وأضاف: «المواجهات لم تغيِّر التعامل الإعلامي للطرفين، فكلاهما كان مستعداً بأسطول إعلامي ضخم».

وفي دراسة عن السياسات الإعلامية - الإيرانية تجاه قضايا العالم العربي، نشرتها الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2022، أشار أبو النور إلى أن إيران «دشَّنت عدداً كبيراً من وسائل الإعلام، التي تهتم بمعالجة الأوضاع في العالم العربي، وإبداء الرأي تجاه أغلب قضاياه، وتحليلها وشرحها في إطار توجهات الدولة ورؤية النخب المتماهية معها».

تعبئة إعلامية إسرائيلية

على صعيد متصل، قال الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، في لقاء مع «الشرق الأوسط»: «إن إسرائيل عمدت إلى تعبئة قنوات رسمية وشعبية لتبرير ضرباتها، ونشرت مقاطع بمختلف اللغات، ودرَّبت متطوعين على الإنترنت؛ للدفاع عن سياساتها على المستوى الدولي... ثم إنها ركزت على إبراز نجاح الضربات الدقيقة، واستغلال مصادر المعلومات المفتوحة ومنصات التواصل الاجتماعي لتضخيم الرواية الدفاعية، في حين استخدمت طهران حملات إعلامية موجهة للجمهورَين الإسرائيلي والغربي، وتعميق الخلافات الداخلية في إسرائيل، فارضة قيوداً شديدة على الاتصالات».

وأضاف عبد الله أنه «خلال الصراع، صاغت الدولتان استراتيجيات إعلامية دقيقة لإدارة ما يُعرَض على الجمهور وما يتم قمعه عمداً. وسعى كل طرف إلى تشكيل التصورات العامة داخلياً وخارجياً، عبر إبراز ما يحقق أهدافه، وقمع ما قد يضر صورته أو يعزز من موقف الطرف الآخر، معتمدَين على مزيج من المصادر الرسمية وشبه الرسمية والسرية للمعلومات».

أداة خفية

من جانبها، قالت سارة كيرة، مؤسس ومدير «المركز الأوروبي الشمال أفريقي للأبحاث»، لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معها: «إن استخدام البروباغندا الإعلامية في المواجهات أداة خفية في الصراع عادة، وحرب السرديات الإعلامية، هما بمثابة معركة موازية للصراع العسكري بين طهران وتل أبيب».

وأضافت أن «إسرائيل تعتمد دائماً خطاب (الحضارة ضد الهمجية) في حروبها لكسب الدعم الغربي، وتنتقل بين دورَي الضحية، والمتحضر حامل راية التقدم والديمقراطية في الشرق الأوسط، الذي يخوض الحرب نيابة عن الغرب». وذكرت أنها تعتقد أن «السردية الإسرائيلية لم تنجح هذه المرة، في ظل استمرار العدوان على آلاف المدنيين العزل في غزة... لا سيما أن فشل تل أبيب في حشد التعاطف الشعبي، روّج لسردية إيران التي تقدم نفسها بوصفها المنتقم للمستضعفين، والمقاوم لمحاولات الهيمنة العالمية».

وبينما لفتت كيرة إلى أن «الجانبين استخدما الروايات الدينية التاريخية في الترويج لسردياتهما»، تكلمت عن «حالة استياء شعبي» في وسائل الإعلام الإسرائيلية، رغم الرقابة التي تفرض قيوداً على نشر حجم الخسائر، في حين يظهر الإعلام الإيراني «دعماً شعبياً لمواجهة العدوان»، وإن «ظهر بعض الاستياء من قلة توفر وقود السيارات مثلاً أو حالة المواجهة عامة».

الرقابة العسكرية الإسرائيلية

بالفعل، فإن لدى إسرائيل رقابة على الإعلام من خلال «جهاز الرقابة العسكرية»، التابع لشعبة المخابرات العسكرية في الجيش الإسرائيلي (أمان)، ويفحص الرقيب العسكري عادة البث التلفزيوني والإذاعي، والإنترنت، والصحف، والكتب، ويقرر حذف معلومات بعينها أو يطلب حذفها من موظفي تلك المنظمات الإعلامية.

وفي رأي الباحث في التحولات الديمقراطية المعاصرة، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«المركز الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط في ألمانيا»، ستار جبار رحمن، فإن «الإعلام في كلا الجانبين شهد قدراً كبيراً من الارتباك، وهو ما عكس التوتر السياسي والعسكري المصاحب للمواجهات».

وتابع لـ«الشرق الأوسط» إن «إسرائيل ركزت على توجيه خطابها الإعلامي نحو الغرب، ساعية إلى حشد التأييد الدولي، في المقابل، وجهت إيران إعلامها بشكل أساسي إلى الشعوب العربية، محاولة كسب تأييد شعبي يتجاوز الغضب العربي الواسع من تدخلها في شؤون دول عربية عدة».

وأوضح أن «الجانب الإيراني تَميَّز بقدر أعلى من التكتم، وذلك بسبب طبيعته السياسية المغلقة. أما في إسرائيل، فرغم ممارسة ضغوط قوية على وسائل الإعلام، خصوصاً في زمن الحرب، فإن هامش الحرية الصحافية يبقى أوسع مقارنة بإيران»، مشيراً إلى أنه «كانت هناك تغطيات أكثر تنوعاً، وظهرت آراء ناقدة في الإعلام الإسرائيلي، وإن بقيت ضمن حدود معينة فرضها الظرف العسكري والأمني». وقال إن «طهران اعتمدت في نقل سرديتها على قنواتها الإعلامية الرسمية، إضافة إلى شبكاتها الإعلامية وشخصياتها الناطقة بالعربية والإنجليزية، أما تل أبيب فاعتمدت على إعلامها التقليدي والناطقين باسم الحكومة، بالإضافة إلى حملات إعلامية موجهة للغرب».


مقالات ذات صلة

«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

إعلام أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)

«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

تتصاعد «حرب الأرشيف» بين الإعلام وشركات التكنولوجيا، عقب اتجاه أصحاب عدد من الصحف إلى إغلاق أرشيفاتها على الإنترنت،

فتحية الدخاخني (القاهرة)
إعلام «ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

في خطوة تُصعّد المنافسة مع منصات التواصل الاجتماعي لجذب المستخدمين، طرحت شركة «ميتا» تطبيقاً جديداً أسمته «فوروم»، يهدف إلى تحويل كل المجموعات

إيمان مبروك (القاهرة)
إعلام ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر

راغدة بهنام (برلين)
إعلام الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

مع ازدياد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات، يتصاعد القلق داخل منصات إعلامية ومواقع إلكترونية، إزاء ما قد يسببه ذلك من تراجع في حجم الزيارات،

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق الملك البريطاني تشارلز (رويترز)

إذاعة بريطانية تعلن بالخطأ وفاة الملك تشارلز... وتعتذر عن «الإزعاج»

أعلنت إذاعة «كارولاين» المحلية في جنوب شرقي إنجلترا وفاة الملك تشارلز الثالث، قبل أن تعتذر الأربعاء عن «الإزعاج» جراء هذا الخطأ الذي عزته إلى عطل تقني في النظام

«الشرق الأوسط» (لندن)

«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
TT

«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)

تتصاعد «حرب الأرشيف» بين الإعلام وشركات التكنولوجيا، عقب اتجاه أصحاب عدد من الصحف إلى إغلاق أرشيفاتها على الإنترنت، مدفوعين بمخاوف من استغلاله مجاناً في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي. وأفاد خبراء بأن «الحظر مجرد إجراء مؤقت»، ودعوا إلى «وضع قواعد توازن بين حقوق الملكية الفكرية والحق في الوصول إلى المعلومات».

تحليل نشره موقع «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الصحافة، أخيراً، تطرّق إلى بدء أكثر من 340 موقعاً إخبارياً محلياً في الولايات المتحدة في حظر أو تقييد الوصول لأرشيفها على الإنترنت. وأشار إلى أن هذا التحرك بدأ في يناير (كانون الثاني) الماضي بحظر صحف مثل «نيويورك تايمز» و«يو إس إيه توداي» أرشيفاتها على الإنترنت، بعد تأكيدها أنه «يستخدم في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي».

مخاوف من استغلال عنصر المجانية

ووفق تحليل «نيمان لاب»، فإن «هذا التحرك ليس موجهاً ضد فكرة الأرشفة في حد ذاتها، بل جاء مدفوعاً بمخاوف متصاعدة من استغلال شركات التكنولوجيا للأرشيف المجاني في تدريب الذكاء الاصطناعي من دون دفع أي مقابل للمؤسسات الإعلامية التي أنتجت هذا المحتوى». ولفت التقرير إلى أن «حظر الأرشيف امتد لصحف أخرى في بريطانيا والبرازيل رغبة في حماية حقوق الملكية الفكرية».

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا، والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن قرار حظر الأرشيف «حل مؤقت قد يحمي بعض الحقوق القانونية قصيرة المدى، لكنه يضعف الشفافية، ويقوض الذاكرة الرقمية، ويعزز احتكار البيانات لدى المنصات الكبرى». وأردفت أن «أرشيف الإنترنت لا يعد المصدر الوحيد لتدريب النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي؛ بل هو جزء من منظومة مغذّيات الذكاء الاصطناعي التي تشمل أيضاً البيانات التجارية، والمنصّات الاجتماعية، والأرشيف المفتوح، والبيانات المرخصة، والتفاعل البشري، والبيانات الاصطناعية».

وتابعت أن «هذا الصراع الظاهري يخفي جوانب أكثر أهمية، إذ إن جوهر الصراع يتركز حول ملكية البيانات والسيطرة على المعرفة الرقمية بهدف احتكار البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الحق القانوني المثير للجدل في الوصول إلى البيانات العامة». وأشارت الباحثة إلى أن «الحل يكمن في اعتماد المؤسسات على مبدأ الحوكمة المتوازنة للذاكرة الرقمية، التي تعنى بحماية المحتوى من دون تدمير البنية المعرفية للأرشفة والحق العام في الوصول للمعلومات». وأوضحت أن «هذا المبدأ ينبثق منه اتخاذ قرارات من أبرزها: الحذف الانتقائي بدل الحظر الشامل، والترخيص المنظم لاستخدام المحتوى، وإنشاء أرشيفات إعلامية مؤسسية مستقلة بدلاً من الاعتماد الكامل على الأرشفة الخارجية».

زيادة الاعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي (صورة أرشيفية)

وأضافت إلى ما سبق ذكره، ومن ثم «تطبيق نموذج الوصول المتعدد للأرشيف، والتفرقة بين الإتاحة للعامة، والوصول الأكاديمي والصحافي، والوصول المدفوع، وكذا تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي عبر عقد اتفاقيات تتضمن عقود ترخيص وقواعد بيانات معلنة وشفافية بيانات تدريب النماذج وإقرار تعويضات مالية، حسبما يتناسب مع طبيعة كل مؤسسة وإنتاجها الإعلامي».

من ناحية أخرى، لفتت إلى أن «الحظر يُشكل ضرراً على الأكاديميين، حيث يفقدهم المادة الخام للبحث العلمي الخاصة بأي ظاهرة علمية ونشأتها... وأن البحث الأكاديمي يحتاج إلى مراجعة المصادر الأصلية، والتحقق من البيانات السابقة، واستنساخ الدراسات، وبالتالي، فإن حظر الأرشيف الرقمي لا يعني فقط ضياع مواد إعلامية أو وثائق تاريخية، بل يؤدي عملياً إلى تعطيل القدرة العلمية على فهم الظواهر في سياقها الزمني والتطوري خصوصاً في العلوم الاجتماعية والإنسانية، التي لا تدرس الظواهر بوصفها أحداثاً ثابتة، بل بوصفها عمليات ديناميكية تتشكل عبر الزمن».

واستطردت فقالت إن «الحظر يمحو الذاكرة الرقمية للعصر الحديث التي يعتمد عليها المؤرخون، ما يؤدي إلى خلق فراغات تاريخية رقمية، ويسهم في ظهور انقطاعات للسجل التاريخي مما ينتج تشوها في فهم الأحداث التاريخية، فضلاً عن تعزيز احتكار التاريخ من قبل المنصات، وهو ما يؤدى إلى تهديد كتابة التاريخ الرقمي».

الذاكرة الرقمية

على صعيد ثانٍ، بينما تسعى الصحف إلى حماية ملكيتها الفكرية من الاستغلال التجاري، فإن هذا التحرك يثير تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية»، وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين الذين يعتمدون على هذا الأرشيف في عملهم وفي رصد التطورات حول العالم.

هنا، قال الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، إنه «في ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي، أصبح الجدل حول حماية المحتوى الصحافي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وبالأخص بعد تصاعد الدعوات لحظر بعض أدوات الأرشفة الرقمية مثل أرشيف الإنترنت من استخدام المحتوى الصحافي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي».

وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أنه «على الرغم من أهمية حماية حقوق الملكية الفكرية للمؤسسات الإعلامية، يبقى السؤال الجوهري: هل الحظر هو الحل الأمثل أم مجرد علاج مؤقت لمشكلة أكثر تعقيداً؟».

ومن ثم، أشار إلى أن «المؤسسات الصحافية تواجه تحدياً حقيقياً، فالذكاء الاصطناعي يعتمد على كميات هائلة من البيانات والمحتوى لتطوير نماذجه، والصحافة المهنية تُعد من أهم مصادر المعلومات الموثوقة». وشرح أن «استخدام هذا المحتوى من دون تنظيم أو تعويض عادل يهدد الاستدامة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، لا سيما في وقت تعاني فيه الصحافة التقليدية من تراجع الإيرادات وتغير أنماط الاستهلاك الرقمي. وبناءً عليه، فإن حظر الأرشيفات الرقمية بشكل كامل قد لا يكون حلاً جذرياً، بل قد يؤدي إلى إضعاف الوصول إلى المعرفة وتقييد البحث العلمي والتاريخي».

ولفت أيضاً إلى أن الفترة الأخيرة شهدت ازدياداً في النزاعات القانونية بين الصحف وشركات الذكاء الاصطناعي بشأن استخدام المحتوى في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، في حين وقّعت مؤسسات إعلامية اتفاقيات مع شركات التكنولوجيا تنظم استخدام البيانات والمحتوى. وقال إن «الحل الحقيقي يكمن في بناء إطار قانوني وأخلاقي متوازن يضمن حقوق المؤسسات الإعلامية دون الإضرار بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. وذلك عبر تطوير أنظمة ترخيص واضحة تسمح باستخدام المحتوى الصحافي مقابل تعويض عادل وشفاف، إضافة إلى فرض قواعد تُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بالإفصاح عن مصادر البيانات المستخدمة في تدريب نماذجها».

واستطراداً، اقترح الأكاديمي المصري «إنشاء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الإعلامية وشركات التكنولوجيا لتطوير نماذج تعاون تحقق المنفعة للطرفين بدلاً من الصراع المستمر... وذلك لأن فقدان ميزة الوصول إلى خدمات الأرشفة الرقمية قد يحمل آثاراً خطيرة على المدى الطويل، لا سيما أن تلك الأرشيفات الإلكترونية أصبحت بمثابة الذاكرة الرقمية للعالم الحديث، وأداة أساسية لتتبع الأحداث، والتحقق من التصريحات، وتحليل تطور القضايا السياسية والاجتماعية عبر الزمن».

ايضاً أوضح الدكتور عبد الله أن «الصحافي الاستقصائي يعتمد على الوصول إلى النسخ المؤرشفة للكشف عن التناقضات أو حذف المعلومات أو تغيير الروايات الرسمية، بينما يعتمد المؤرخون والباحثون على هذه المواد لبناء فهم دقيق للتاريخ المعاصر... وبالتالي، فإن تقييد الوصول إلى الأرشيف الرقمي قد يضعف الشفافية والمساءلة العامة، ويخلق فجوة معرفية خطيرة للأجيال المقبلة».

وفي خلاصته، إزاء الموضوع قال إن «التحدي الحقيقي ليس في منع التكنولوجيا، بل في تنظيمها بشكل يحمي الإبداع الصحافي، ويصون حق المجتمع في المعرفة في آن واحد... فالمستقبل لن يكون لمن ينجح في منع الذكاء الاصطناعي؛ بل في القدرة على تحقيق التوازن بين الابتكار وحقوق النشر وحرية الوصول للمعلومات».

تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية» وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين


«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين
TT

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

في خطوة تُصعّد المنافسة مع منصات التواصل الاجتماعي لجذب المستخدمين، طرحت شركة «ميتا» تطبيقاً جديداً أسمته «فوروم»، يهدف إلى تحويل كل المجموعات التي يشترك فيها المستخدم على «فيسبوك» إلى تجربة تفاعلية مستقلة.

وفقاً لما ذكرته «ميتا» في بيان لها بنهاية مايو (أيار) المنصرم، فإن «فوروم» يُعدّ ساحة للنقاش العميق في المواضيع التي تثير اهتمام المستخدم، ويعتمد في الأساس على خاصية «اسأل»، التي تدمج الردود من مختلف المجموعات لتقديم إجابات فورية.

وحسب الشركة، فإن «الإجابات التي يحصل عليها المستخدم يصار إلى جمعها وتدقيقها عبر الذكاء الاصطناعي، الذي يتولّى ترجيح أكثر الإجابات التي حصلت على تفاعل إيجابي».

مراقبون يرون أن ما تقدمه «ميتا» ليس ابتكاراً، بل هو ميزة يوفرها بالفعل تطبيق «ريديت». إذ يتيح إجابات بشرية حقيقية للأسئلة من مستخدمين يمتلكون خبرة ومعرفة في بعض المواضيع، وهو السبب ذاته الذي يجعله حالياً أحد أكثر المصادر التي تستشهد بها برمجيات وتطبيقات الدردشة الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي للحصول على الإجابات.

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصّص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، يرى أن «ميتا» تراهن على نقل المستخدم من شبكة علاقات شخصية إلى «مجتمعات اهتمام»، مستفيدة من قوتها العددية عبر دمج مجموعات «فيسبوك» الجاهزة داخل «فوروم».

ويوضح علي سعد لـ«الشرق الأوسط» ان «هذا الدمج يقلل تكلفة انتقال المستخدم ويجعل دخوله فورياً، بينما تخلق ميزة (اسأل) إحساساً بالاكتفاء داخل المنصة من دون الحاجة إلى المغادرة إلى محركات البحث التقليدية، لكن هذا الرهان يصطدم بعائق الخصوصية».

ويتابع أنه «بينما توفر منصة (ريديت) مساحة مجهولة لطرح الأسئلة الحساسة، تظل بيئة (ميتا) مرتبطة بالهوية الحقيقية؛ ما قد يحد من عمق التفاعل». ثم يضيف: «النتيجة المتوقعة هي نجاح في جذب المستخدم اليومي، مقابل صعوبة في استقطاب المجتمعات المتخصصة التي تفضل السرية».

من ناحية أخرى، فإن «ميتا» بطرحها تطبيق «فوروم» تدخل وفق الدكتور علي سعد «منطقة حساسة أخلاقياً وقانونياً مع سعيها لتغذية الذكاء الاصطناعي ببيانات المستخدمين... والتحدي الأبرز هو الموافقة المستنيرة، حيث قد لا يدرك المستخدم أن مشاركاته الشخصية تُستخدم في تدريب النماذج، مع صعوبة حذف أثرها لاحقاً».

ثم يستطرد موضحاً: «إلى جانب ذلك، تلوح في الأفق مخاطر جودة البيانات، فالاعتماد على إجابات الجمهور يفتح الباب أمام التحيزات، والمعلومات المضللة، بل واحتمالات فساد المحتوى عمداً لتوجيه إجابات الذكاء الاصطناعي وجهات محددة». كذلك تزداد هذه المخاطر مع «احتمال تسرّب البيانات الحساسة رغم محاولات إخفاء الهوية؛ ما يضع (ميتا) تحت طائلة قيود تنظيمية صارمة، لا سيما في الاتحاد الأوروبي».

للعلم، يقوم مستخدمو «فوروم» بتسجيل الدخول عبر استخدام بيانات اعتماد حساباتهم على «فيسبوك». وبناءً على ذلك يجري استيراد مجموعاتهم تلقائياً داخل التطبيق. وسيكون بإمكان المستخدمين بعد ذلك المشاركة في مناقشات المجموعات، أو العثور على مجموعات ذات صلة بناءً على المواضيع التي يثير اهتمامهم بالفعل.

في سياق متصل، صرّح خالد عبد الراضي، خبير إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» في المملكة العربية السعودية ومصر، في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن شركة «ميتا» تعتمد «الاستنساخ الرقمي» استراتيجيةً راسخةً وممنهجة. ويلفت إلى انعكاس هذه الاستراتيجية بدءاً من اقتباس ميزة «القصص» من «سنابشات»، مروراً بـ«الريلز» لمواجهة صعود «تيك توك»، ووصولاً إلى إطلاق «ثريدز» بديلاً مباشراً لمنصة «إكس»، والآن «فوروم».

وأردف عبد الراضي: «تعود أسباب هذه الاستراتيجية بالأساس إلى طبيعة سوق المنافسة الشرسة بين منصات التكنولوجيا، فمع ظهور أي منتج جديد يلقى قبولاً جماهيرياً واسعاً، تلجأ الشركات الكبرى عادة إلى خيارين، إما الاستحواذ الكامل على هذا الوافد الناجح، أو إصدار نسخة مستنسخة ومطوّرة منه؛ وذلك لجذب مستخدمين».

وفي رأيه: «تتجاوز أهداف (ميتا) من استراتيجية الاستنساخ مجرد الهيمنة، بل هي تمتد إلى أن الاستنساخ أيضاً يعدّ خياراً اقتصادياً ذكياً يوفر تكاليف ابتكار الأفكار وتطويرها».


«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
TT

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر ما زالت المجموعة الألمانية العملاقة لم تنهِ بعدُ إجراءات شراء الدار، بل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتبدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، فمع أن «أكسل شبرينغر» سعت لسنوات بلا كلل لشراء «التلغراف» ودارها، جاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهي يمينية أيضاً - كانت تقدّمت بعرض مُغرٍ وصل إلى 500 مليون جنيه إسترليني لشرائها، وكانت تنتظر قراراً من الحكومة البريطانية حول ما إذا كان الاستحواذ على «التلغراف» من قبل شركة تمتلك صحفاً بريطانية أخرى، قد يؤثر سلباً على صحة المنافسة في السوق. ويبدو أن المجموعة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، لتقدّم عرضاً أكبر وصل إلى 575 مليون جنيه إسترليني، وتفوز بالصفقة.

ماتياس دوبفنر(أكسل شبرينغر)

سنوات مرتبكة

استحواذ «أكسل شبرينغر» أنهى 3 سنوات مرتبكة داخل «التلغراف» بدأت عام 2023 عندما قرر بنك «لويد سكوتلاند» أن يضع يده على الدار بهدف استرداد أموال استدانها المالكان، وهما الأخوان التوأمان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي عام 2021). وكان الأخوان قد استدانا من المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عن سداد ديونهما، ما دفع بالمصرف إلى السيطرة على أسهمهما، وطرحها في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود.

على الأثر، وفور طرح «التلغراف» للبيع في المزاد العلني، تقدّم «تحالف» أميركي - إماراتي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعتراض الحكومة البريطانية على بيعها للتحالف لأسباب تتعلق بمخاوف من نفوذ دولة أجنبية (الإمارات بالذات) على صحيفة بريطانية مؤثّرة سياسياً. وكانت الحكومة المحافظة - آنذاك - قد سنّت تعديلات على قوانين الإعلام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية.

من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لدار «الميل» بعرض لشرائها. ولكن الشركة المالكة للصحيفة الشعبية اليمينية - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبدت قلقاً من أن استحواذ الشركة على الصحيفة الوقورة قد يؤثر على التعدّدية الإعلامية في البلاد، وأرادت النظر في أثر الصفقة على المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا، جاء عرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة.

مع هذا، ففور إعلان «أكسل شبرينغر» عن «تحقيقها حلمها» بالاستحواذ أخيراً على الصحيفة البريطانية، بدأت التساؤلات حول ما إذا كانت المجموعة الألمانية قد تسرّعت بشراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكسل شبرينغر» لم تُجرِ إجراءات التدقيق اللازمة قبل الاستحواذ على «التلغراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية.

«الغارديان» نقلت عن عدة مصادر القول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شبرينغر»، ماتياس دوبفنر، قرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الذي كان عرض الشراء بـ500 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي - الإماراتي لشرائها عام 2023، لكنه أُجبر على بيعها من جديد.

شكوك حول جدوى الصفقة

وفق «الغارديان»، لا يتعدى تقييم الخبراء في السوق لقيمة «التلغراف» 450 مليون جنيه إسترليني. وهذا يعود إلى استمرار انخفاض نسبة المشتركين في الصحيفة الورقية. والواقع أن الاشتراكات في النسخة الورقية للصحيفة لا تزال تشكل المصدر الأول للدخل بنسبة 61 في المائة، وبقيمة تزيد على 255 مليون يورو، بحسب أرقام سنة 2024. غير أن هذه الأرقام تنخفض منذ سنوات، بحسب تحقيق «الغارديان». فقط عام 2024 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة في نسبة الاشتراكات، 78 في المائة منها كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الاشتراكات كان عروضاً مجانية أو بأسعار بخسة.

في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فإن استحواذ المجموعة الألمانية على الدار الصحافية البريطانية يتماشى مع توسع المجموعة دولياً خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت على مجلة «بوليتيكو» عام 2021، ما أعطاها قدماً في العالم الناطق بالإنجليزية، بالإضافة إلى «بيزنس إنسايدر». وراهناً تسعى المجموعة الألمانية إلى الاعتماد على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي عِوضاً عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـ«التلغراف» ما زالت قليلة الوضوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية.

وفي المحصّلة، ترى «أكسل شبرينغر» - التي تنتمي عناوينها إلى اليمين ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقتصادية البريطانية تزيدها تأثيراً، ولا تختلف كثيراً عن توجهاتها السياسية.

رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصاً على التعدّدية الإعلامية في البلاد

هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي