خامنئي في مواجهة مصيرية بعد 30 عاماً من الحكم

المرشد الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
المرشد الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

خامنئي في مواجهة مصيرية بعد 30 عاماً من الحكم

المرشد الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
المرشد الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

في لحظة مصيرية تمر بها إيران، تتقاطع فيها الأزمات الداخلية مع تحديات خارجية غير مسبوقة، يبدو أن حكم المرشد الأعلى علي خامنئي يواجه أخطر اختبار له منذ توليه السلطة قبل أكثر من ثلاثة عقود.

فبينما تتصاعد الحرب المفتوحة مع إسرائيل، ويزداد الضغط الشعبي بفعل الأزمات الاقتصادية والقمع السياسي، تلوح في الأفق ملامح مرحلة قد تعيد رسم خريطة السلطة في طهران، وتضع مصير "محور المقاومة" على المحك وفقاً لتحليل نشرته وكالة «أسوشييتد برس».

فقد ضمنت إسرائيل، حرية التحليق في سماء إيران، وتعمل على تدمير القيادة العسكرية للبلاد وبرنامجها النووي بحملتها الجوية. بل إنها تهدد حياته؛ فقد صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، أن خامنئي «لا يستطيع الاستمرار في الوجود».

في ظل هذا الواقع، أن أمام المرشد البالغ من العمر 86 عاماً خيارين؛ إما أن يصعد رد إيران الصاروخي على إسرائيل، ويُخاطر بتكبد أضرار جسيمة جراء القصف الإسرائيلي، وإما أن يسعى إلى حل دبلوماسي يبقي الولايات المتحدة بعيدة عن الصراع، ويُخاطر بالتخلي عن البرنامج النووي الذي وضعه في صميم السياسة الإيرانية لسنوات.

وبدا خامنئي في خطاب متلفز، الأربعاء، متحدياً، جازماً بأن «الأمة الإيرانية لن تستسلم»، ومحذراً من أن تدخل الولايات المتحدة سيُلحق بها «ضرراً لا يمكن إصلاحه».

تولى خامنئي السلطة عام 1989، ورسخ على مر السنوات نظام حكم رجال الدين، مما ضمن له مكانة مرموقة في أعين المتشددين. وفي الوقت نفسه، حول «الحرس الثوري» إلى القوة المهيمنة في الجيش والسياسة الداخلية الإيرانية.

وشكل «فيلق القدس» الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري»، ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، من اليمن إلى لبنان، فضمن لإيران نفوذاً في المنطقة. كما منح خامنئي جهاز «الحرس الثوري» حرية التصرف لبناء شبكة من الشركات، مما مكّنه من الهيمنة على الاقتصاد الإيراني.

منشأة نطنز النووية التي تعرضت لقصف إسرائيلي (أ.ب)

التحديات الداخلية

وكان أول تهديد رئيسي لسلطة خامنئي الحركة الإصلاحية التي حصلت على الأغلبية البرلمانية ورئاسة الجمهورية بعد فترة وجيزة من توليه منصب المرشد. ودعا الإصلاحيون إلى منح المسؤولين المنتخبين صلاحيات أكبر، وهو أمر خشي أنصار خامنئي المتشددون أن يؤدي إلى تفكيك النظام.

وعرقل خامنئي جهود الإصلاحيين بحشد تأييد المؤسسة الدينية. وهكذا نجحت الهيئات غير المنتخبة في إيقاف الإصلاحات الكبرى ومنع المرشحين الإصلاحيين من خوض الانتخابات.

وقد سحق «الحرس الثوري» وأجهزة الأمن الأخرى، موجات الاحتجاجات التي أعقبت فشل الحركة الإصلاحية. واندلعت احتجاجات ضخمة على مستوى البلاد في عام 2009 بسبب مزاعم تزوير الانتخابات. وتحت وطأة العقوبات الغربية والضائقة المعيشية، اندلعت احتجاجات في عامي 2017 و2019. واندلع المزيد من الاحتجاجات على مستوى البلاد في عام 2022 بعد وفاة الشابة مهسا أميني التي احتجزتها الشرطة لعدم وضعها الحجاب الإلزامي بشكل صحيح. وقد قُتل المئات في حملات قمع هذه الاحتجاجات، واعتُقل مئات آخرون وسط تقارير عن تعذيب المعتقلين حتى الموت.

أظهرت الاحتجاجات المتتالية توترات النظام، وكشفت عن استياء واسع من الحكم والفساد والمشاكل الاقتصادية. وفي محاولة لتهدئة الغضب، خففت السلطات في كثير من الأحيان تطبيق بعض القيود الاجتماعية.

أضرار جسيمة تعرض لها مبنى التلفزيون والإذاعة في طهران (أ.ب)

القوة... والتحوّل

ويشير التقرير إلى تنامي الأنشطة الإقليمية الإيرانية منذ تولَّى خامنئي السلطة، علماً بأن إيران كانت قد خرجت لتوها من حربها الطويلة مع العراق التي تركت البلاد منهكة ومعزولة.

على مدى العقود الثلاثة التالية، دعم خامنئي مباشرة توسيع الأنشطة الإيرانية في عدة في الشرق الأوسط. وكان من أهم العوامل التي عززت نفوذها إطاحة الولايات المتحدة بصدام حسين عام 2003، ووصول سياسيين وميليشيات متحالفة مع إيران إلى السلطة في العراق الذي شكّل ركيزة أساسية في المحور الإيراني، ليضمّ سوريا بقيادة بشار الأسد، و«حزب الله» اللبناني، وحركة «حماس» الفلسطينية، وجماعة الحوثيين في اليمن. وبحلول عام 2015، بلغ هذا التحالف ذروته، واضعاً إيران على «أبواب» إسرائيل.

لكن بعد هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على غلاف غزة، حصل تحول في السياسة الإسرائيلية. فبعد سنوات من محاولة صد حلفاء إيران وإضعافهم، جعلت إسرائيل سحقهم هدفها. فتمكنت من شل «حماس»، وهمّشت «حزب الله» بعد أسابيع من القصف في لبنان، العام الماضي، إلى جانب هجوم بأجهزة نداء (بيجر) مفخخة وأجهزة اتصال لاسلكي، واغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله وأركان قيادته العسكرية. وكانت الضربة الأشد وطأة لـ«حزب الله» سقوط الأسد في ديسمبر (كانون الأول)، عندما زحفت فصائل معارضة على دمشق وأطاحت به من السلطة.

في النهاية، يخلص التقرير التحليلي إلى أن المحور الإيراني بات في أضعف مستوياته على الإطلاق.


مقالات ذات صلة

ستة أشهر من الصمت... استمرار غياب مجتبى يثير تساؤلات

شؤون إقليمية مجتبى خامنئي خلال اجتماع في تسجيل أرشيفي غير مؤرخ يعود إلى ما قبل توليه منصب المرشد الإيراني ونشرته وسائل إعلام إيرانية 24 أغسطس 2026 (رويترز) p-circle

ستة أشهر من الصمت... استمرار غياب مجتبى يثير تساؤلات

بعد ستة أشهر من الغارات الجوية التي أشعلت فتيل الحرب ودفعت بمجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الإيراني، لا يزال مجتبى غائباً تماماً عن الأنظار.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي خلال حوار ويبدو خلفه ملصق لأجهزة الطرد المركزي (دفاع برس)

وسائل إعلام فارسية بالخارج على بنك الأهداف الإيرانية

أعلنت القوات المسلحة الإيرانية، الأربعاء، إدراج وسائل إعلام ناطقة بالفارسية تعمل من خارج البلاد، بينها «بي بي سي فارسي» و«إيران إنترناشيونال» وإذاعة «فردا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)

باكستان ترى «زخماً» لإعادة فتح «هرمز»

قالت باكستان، الخميس، إنها ترى «زخماً» بالجهود الدبلوماسية لإعادة فتح مضيق «هرمز»، لكنها شددت على أن القرار النهائي بشأن استئناف الملاحة يعود إلى طهران وواشنطن.

«الشرق الأوسط» (لندن - إسلام آباد)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في طهران بعد غارة جوية

6 تداعيات لـ6 أشهر من حرب إيران

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران تحولت الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها «نزهة صغيرة» إلى مأزق يلقى رفضاً واسعاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في بغداد يوم 19 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)

خاص الحكومة العراقية لـ«الشرق الأوسط»: الزيدي لن يستقيل... وحصر السلاح مسار قانوني

قال المتحدث باسم الحكومة العراقية إن رئيس الوزراء علي الزيدي «لا ولن يفكر في الاستقالة» بسبب ضغوط سياسية، مؤكداً أن حصر السلاح يعالج عبر قنوات قانونية.

علي السراي (لندن)

حزب كردي يُطالب بالسماح لـ عبدي وإلهام أحمد بزيارة تركيا

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقاء مع مظلوم عبدي وإلهام أحمد بقصر الشعب في دمشق في 28 أغسطس الحالي (أ.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقاء مع مظلوم عبدي وإلهام أحمد بقصر الشعب في دمشق في 28 أغسطس الحالي (أ.ب)
TT

حزب كردي يُطالب بالسماح لـ عبدي وإلهام أحمد بزيارة تركيا

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقاء مع مظلوم عبدي وإلهام أحمد بقصر الشعب في دمشق في 28 أغسطس الحالي (أ.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقاء مع مظلوم عبدي وإلهام أحمد بقصر الشعب في دمشق في 28 أغسطس الحالي (أ.ب)

طالب حزب مؤيد للأكراد في تركيا بالسماح لكل من القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، مظلوم عبدي، والرئيسة المشاركة السابقة لدائرة العلاقات الخارجية فيما كان يُعرف بـ«الإدارة الذاتية لشمال وشمال شرقي سوريا»، إلهام أحمد، بزيارة أنقرة.

وقالت المتحدثة باسم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، عائشة غل دوغان: «لقد تم تجاوز عتبة بالغة الأهمية على طريق دمج الأكراد السوريين في بقية سوريا، وقد أعلن ذلك شخصياً قائد قوات (قسد) مظلوم عبدي، وبصفتنا حزباً، نهنئ جميع من أسهموا في تمكين سوريا من إظهار الشجاعة اللازمة لاتخاذ هذه الخطوات الكبيرة، ونرى أن بذل الجهود والمساعي لحل هذه القضايا من خلال الحوار أمر بالغ الأهمية».

دعوة لزيارة تركيا

ولفتت إلى أهمية التكامل بين «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، التي تسميها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب»، والمستندة إلى حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته، وعملية دمج «قسد» التي تمت في سوريا.

المتحدثة باسم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» خلال مؤتمر صحافي بمقر الحزب في أنقرة (حساب الحزب في «إكس»)

وقالت عائشة غل دوغان، في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة المركزية للحزب في أنقرة، الجمعة، إن حزبها يتابع، من كثب، التطورات في سوريا، وأنه من الضروري تقييم التطورات الجارية في ضوء بعضها، «فإذا استطاعت تركيا إرساء سلامها وجعله دائماً، فإن كل هذه التطورات يمكن أن تصبح نموذجاً يُحتذى به في الشرق الأوسط أيضاً».

ووجّهت عائشة غل دوغان نداءً إلى رئيس البرلمان التركي، نعمان كورتولموش، طالبته فيه بدعوة مظلوم عبدي، الذي عُيّن، الجمعة، مستشاراً للرئيس السوري أحمد الشرع، وإلهام أحمد، التي من المقرر أن يصدر الشرع قراراً بتعيينها عضواً في مجلس الشعب السوري، إلى زيارة تركيا.

وقالت: «بصفتنا (حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب)، نوجه هذه الدعوة... بالطبع، يجب أن يأتيا، يجب دعوتهما إلى هنا، لماذا لا تتم دعوة مظلوم عبدي الذي أصبح مستشاراً للرئيس السوري، وإلهام أحمد، التي قد نراها قريباً عضوةً في البرلمان السوري، إلى تركيا من قبل رئيس البرلمان؟ لماذا لا يأتيان؟ لماذا لا يجري تطوير علاقات ودية؟».

عبدي أعلن الثلاثاء اكتمال عملية دمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية (أ.ب)

وأضافت: «إن إبداء مظلوم عبدي، الذي أمضى معظم حياته في جبهات القتال ومناطق النزاع، إرادةً لحل قضية روج آفا (الاسم الكردي للمناطق ذات الغالبية الكردية في شمال شرقي سوريا) على أسس قانونية وسياسية، يمثل نموذجاً لعزيمة لا يُستهان بها. وأودّ أن أؤكد هذه النقطة بشكل خاص».

وتابعت: «بالمثل، فإن إلهام أحمد، التي تُعدّ من أهمّ الفاعلين في هذه العملية، قامت بإنجاز عظيم، وهو أن تبرز المرأة الكردية، ونساء الشرق الأوسط عموماً، بذكائهن الحاد وروحهن القتالية ومهاراتهن الدبلوماسية».

وأعلن عبدي من قصر الشعب في دمشق، الثلاثاء، عن اكتمال عملية اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية.

«قائمة الإرهاب»

وعبدي، الذي يُعرف في تركيا باسم «فرحات عبدي شاهين» مُدرج على قائمة «المطلوبين للإرهاب»، بموجب نشرة حمراء مودعة لدى الإنتربول، كما جرى رصد مكافأة مالية لمن يلقي القبض عليه، ولا يمكنه دخول تركيا قبل رفع اسمه من القائمة.

وجاءت تصريحات عائشة دوغان بعد ساعات قليلة من صدور مرسوم رئاسي بتوقيع الشرع بتعيين «مصطفى خليل عبدي» (مظلوم عبدي) مستشاراً رئاسياً، تزامن معه صدور مرسوم رئاسي، نشر بالجريدة الرسمية، يقضي بإعفاء حاملي جوازات السفر الدبلوماسية السورية من تأشيرة دخول تركيا.

وأثار هذان التطوران المتتاليان تساؤلات حول ما إذا كان ذلك يُمهد الطريق لزيارة محتملة لعبدي إلى تركيا بعد رفع اسمه من قائمة الإرهاب.

مسلحون سابقون في «قسد» خلال دورية في الحسكة بعد اندماجهم في الجيش السوري (أ.ب)

وسبق أن رفعت وزارة الداخلية التركية، من «قائمة الإرهاب» في منتصف أغسطس (آب) الحالي، اسم قائد «وحدات حماية الشعب الكردية» التي كانت تقود «قسد»، سمير آصو، المعروف بـ«سيبان حمو»، الذي عُيّن في مارس (آذار) الماضي معاوناً لوزير الدفاع السوري، في إطار دمج «قسد» في مؤسسات الدولة.

وبات رفع اسم مظلوم عبدي من القائمة محور نقاش في تركيا عقب إعلان انتهاء دمج «قسد»، وسط توقعات بأن يزور تركيا، رفقة كل من إلهام أحمد وسيبان حمو، للقاء زعيم حزب «العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، في سجن «إيمرالي» لمناقشة التطورات المتعلقة باندماج «قسد»، والعملية الجارية في تركيا لحل حزب «العمال الكردستاني»، ودمج عناصره في المجتمع التركي بعد التأكد من نزع أسلحته بشكل كامل.


طهران تصف الضغوط الأميركية بـ«إرهاب دولة»

إيرانيون يمرون قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران - 15 يوليو 2026 (رويترز)
إيرانيون يمرون قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران - 15 يوليو 2026 (رويترز)
TT

طهران تصف الضغوط الأميركية بـ«إرهاب دولة»

إيرانيون يمرون قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران - 15 يوليو 2026 (رويترز)
إيرانيون يمرون قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران - 15 يوليو 2026 (رويترز)

صعّدت إيران، الجمعة، لهجتها ضد حملة الضغط الاقتصادي الأميركية، ووصفت الإجراءات الجديدة بأنها «إرهاب دولة» و«جريمة ضد الإنسانية»، ودعت الدول إلى عدم تنفيذها، فيما قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن استئناف المسار الدبلوماسي يظل ممكناً إذا غيرت واشنطن نهجها ونفذت التزاماتها.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، إن الإجراءات الاقتصادية الأميركية الجديدة ضد طهران «غير قانونية ومستهجنة»، وترقى إلى مستوى «إرهاب الدولة»، معتبرة أنها تعرّض صحة ملايين المدنيين وسبل عيشهم «لخطر جسيم».

ووصفت الوزارة الحملة الأميركية بأنها «أداة قاسية» صُممت لإلحاق «الألم والمعاناة» بالإيرانيين وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، وقالت إن الإجراءات تصل، وفق موقف طهران، إلى مستوى «جريمة دولية وجريمة ضد الإنسانية».

وكانت الولايات المتحدة قد كشفت الاثنين الماضي، عن مرحلة جديدة من حملة الضغط الاقتصادي تحت عنوان «عملية المنبوذ الاقتصادي»، مهددة بتوسيع نطاق العقوبات ليشمل الدول والمؤسسات التي تواصل التعامل مع إيران.

وقالت «الخارجية» الإيرانية إن العقوبات الأميركية، «بغض النظر عن أسمائها وعناوينها»، تخالف القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، واتهمت واشنطن باستخدام الدولار أداة للضغط على الدول الأخرى وإرغامها على اتباع سياستها تجاه طهران.

وأضافت أن هذه السياسة تنتهك سيادة الدول وحقها في تقرير علاقاتها الاقتصادية والتجارية، إلى جانب مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية والمساواة في السيادة بين الدول الأعضاء بالأمم المتحدة.

ودعت «الخارجية» جميع الدول إلى الامتناع عن تطبيق العقوبات الأميركية وعدم الاعتراف بالآثار الناجمة عنها، معتبرة أن المشاركة فيها تصل إلى حد «التواطؤ في فرض الإرادة غير القانونية لدولة على دول مستقلة».

وحضت المجتمع الدولي، بما في ذلك هيئات الأمم المتحدة، على اتخاذ إجراءات للدفاع عن سيادة القانون ومبادئ ميثاق المنظمة الدولية.

«حرب اقتصادية»

عدّ البيان إطلاق حملة «المنبوذ الاقتصادي» بمثابة «إعلان حرب اقتصادية» على إيران، وربطها بالعمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد البلاد.

وقالت الوزارة إن السياسة الأميركية الجديدة تأتي ضمن ما سمتها «الحرب المركبة الأميركية - الإسرائيلية»، وأعلنت أن إيران عازمة على استخدام «كل قدراتها» للدفاع عن البلاد في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية.

واتهمت واشنطن وتل أبيب بتنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران «بذرائع واهية»، وقالت إن استمرار هذه الإجراءات يعرض السلام والأمن الإقليميين والدوليين للخطر.

وانتقد البيان الأمم المتحدة والدول الأعضاء بسبب ما عدّه غياب إجراءات كافية لمواجهة التحركات الأميركية والإسرائيلية، محذراً من تكريس نمط من انتهاك القانون الدولي.

واستندت «الخارجية» الإيرانية إلى أمر أصدرته محكمة العدل الدولية في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، وقالت إن المحكمة طالبت واشنطن حينها بإزالة القيود التي تعوق تجارة الغذاء والمنتجات الزراعية والأدوية والمعدات الطبية ومستلزمات سلامة الطيران المدني والمدفوعات المرتبطة بها.

وقالت إن العقوبات الجديدة تستدعي تحركاً من المجتمع الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة، خصوصاً مع ما تقول طهران إنه تأثير مباشر على الغذاء والدواء والرعاية الصحية وسبل عيش المدنيين.

عراقجي: الضغط لا يجدي

بالتزامن مع بيان «الخارجية»، دعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الولايات المتحدة، إلى العودة لتنفيذ الالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين، بعد 6 أشهر على اندلاع الحرب.

وكتب عراقجي على منصة «إكس»: «إعادة المسار الدبلوماسي إلى سكته ليست بالأمر المستحيل، لكن ذلك يعتمد على إدراك الولايات المتحدة حقيقة بسيطة واحدة: الضغط لا يجدي نفعاً».

وأضاف: «على الولايات المتحدة أن تعيد بناء الثقة، وأن تتحدث باحترام، وأن تعترف بحقوقنا، وأن تفي بالتزاماتها».

وجاءت تصريحات عراقجي بعد يوم من لقائه رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في طهران، ضمن تحركات قطرية لإحياء المسار الدبلوماسي.

وبحث الجانبان، الخميس، خفض التصعيد وتهيئة الظروف للحوار، إلى جانب ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، ومقترح إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك وتنفيذ مشروع لتطهيره من الألغام.

وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، قد قال إن «أميركا لن تحقق أي شيء بالضغوط الاقتصادية في هذه المرحلة، تماماً كما لم تتمكن من تحقيق أي شيء في الحرب»، مضيفاً أن إيران «تقف بحزم» في مواجهة الضغوط الاقتصادية.

التمسك بتفاهم يونيو

اندلعت الحرب بهجوم أميركي - إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، وردّت طهران بإغلاق مضيق هرمز، قبل أن تفرض واشنطن حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية.

كما أطلقت إيران صواريخ وطائرات مسيّرة على إسرائيل ودول عربية حليفة لواشنطن، وقالت إنها استهدفت منشآت عسكرية تستخدمها القوات الأميركية في الحرب.

وأفضت جهود دبلوماسية إلى وقف لإطلاق النار في أبريل (نيسان)، أعقبه في منتصف يونيو (حزيران) توقيع مذكرة تفاهم تمهد لمحادثات بشأن اتفاق نهائي، قبل أن تنهار التفاهمات مع استئناف الأعمال الحربية لفترة وجيزة مطلع يوليو (تموز).

وتتمسك طهران بالعودة إلى مذكرة التفاهم أساساً لأي مسار جديد، وتقول إن واشنطن مطالبة بتنفيذ التزامات تشمل رفع الحصار الأميركي والعقوبات الاقتصادية قبل اتخاذ إيران خطوات مقابلة.

وتجري إيران منذ أسابيع محادثات مع سلطنة عُمان بشأن ترتيبات جديدة للملاحة في مضيق هرمز، في حين يؤكد مسؤولون إيرانيون أن إعادة فتح المضيق بصورة كاملة مرتبطة بتنفيذ الولايات المتحدة الالتزامات التي تقول طهران إنها وردت في تفاهم يونيو.


ستة أشهر من الصمت... استمرار غياب مجتبى يثير تساؤلات

مجتبى خامنئي خلال اجتماع في تسجيل أرشيفي غير مؤرخ يعود إلى ما قبل توليه منصب المرشد الإيراني ونشرته وسائل إعلام إيرانية 24 أغسطس 2026 (رويترز)
مجتبى خامنئي خلال اجتماع في تسجيل أرشيفي غير مؤرخ يعود إلى ما قبل توليه منصب المرشد الإيراني ونشرته وسائل إعلام إيرانية 24 أغسطس 2026 (رويترز)
TT

ستة أشهر من الصمت... استمرار غياب مجتبى يثير تساؤلات

مجتبى خامنئي خلال اجتماع في تسجيل أرشيفي غير مؤرخ يعود إلى ما قبل توليه منصب المرشد الإيراني ونشرته وسائل إعلام إيرانية 24 أغسطس 2026 (رويترز)
مجتبى خامنئي خلال اجتماع في تسجيل أرشيفي غير مؤرخ يعود إلى ما قبل توليه منصب المرشد الإيراني ونشرته وسائل إعلام إيرانية 24 أغسطس 2026 (رويترز)

بعد ستة أشهر من الغارات الجوية التي أشعلت الحرب، وأفضت إلى تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الإيراني، لا يزال خامنئي الابن، الذي أصيب بجروح بالغة، غائباً تماماً عن الأنظار، ما يترك فراغاً في قلب قيادة البلاد.

وتتصاعد التساؤلات بشأن وضعه الصحي ودوره، بينما تواجه إيران قرارات مصيرية مرتبطة بحرب أشعلت النار في الشرق الأوسط وألحقت مزيداً من الأضرار باقتصاد البلاد الهش أصلاً.

ويقول مسؤولون إيرانيون ومصادر رفيعة المستوى داخل البلاد إن خامنئي لا يزال ممسكاً بزمام الأمور ويدير شؤون الدولة من خلف الكواليس لأسباب أمنية، بينما يتعافى من جروح بالغة شوهت مظهره. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من رواية «رويترز» بشأن وضع خامنئي الصحي ودوره في عملية صنع القرار.

وحسب المصادر، فوض خامنئي صلاحيات واسعة في الإدارة اليومية إلى مجموعة من كبار المسؤولين. لكن عدم نشر أي صورة أو تسجيل مصور أو حتى رسالة صوتية له منذ اختياره بعد أسبوع من اندلاع الحرب يزيد الشكوك بين الإيرانيين بشأن موقعه داخل الجمهورية الإسلامية، حيث يفترض أن تكون للمرشد الكلمة الأخيرة في شؤون الدولة.

وزادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا الأسبوع من الجدل بشأن مصير خامنئي. وقال إنه لا يعتقد أن المرشد الإيراني توفي، لكنه أضاف أنه أُصيب «بجروح خطيرة جداً» شملت الجانب الأيسر من جسده وذراعه وساقه.

وأضاف ترمب أنه إذا كان خامنئي قد مات، فإن السلطات الإيرانية «تقدم عرضاً مقنعاً جداً»، في إشارة إلى استمرار المسؤولين في الحديث عن الرجوع إليه للحصول على الموافقة النهائية على القرارات.

وقال أليكس فاتانكا، من معهد الشرق الأوسط في واشنطن: «لم يعد السؤال ما إذا كان مجتبى على قيد الحياة، بل ما إذا كانت إيران لا يزال لديها مرشد يؤدي مهامه فعلياً».

واقتصرت رسائل خامنئي إلى الإيرانيين على عدد محدود من البيانات المكتوبة التي تلاها مذيعون في نشرات الأخبار، كما غاب حتى عن أسبوع مراسم تشييع والده الشهر الماضي.

غياب بلا صورة أو صوت

ولم يظهر خامنئي علناً منذ اختياره مرشداً في 8 مارس (آذار)، كما لم تنشر السلطات الإيرانية منذ ذلك الحين صورة حديثة أو تسجيلاً صوتياً أو مصوراً يمكن التحقق من توقيته.

ونفت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، هذا الأسبوع، أن يكون تسجيل متداول يظهر خامنئي إلى جانب رجال دين قد صُوِّر بعد توليه المنصب، وقالت إن المقطع يعود إلى فترة سابقة.

ويعزو مسؤولون كبار ومطلعون آخرون غيابه إلى مخاوف من تعرضه للاغتيال، ويقولون إنه يعقد اجتماعات متكررة مع كبار المسؤولين، ويتلقى جميع التقارير الرئيسية، ويتخذ القرار النهائي في القضايا المهمة.

وقال الرئيس مسعود بزشكيان في 10 أغسطس إنه عقد اجتماعاً استمر سبع ساعات مع خامنئي. لكن الشكوك بدأت تتسلل حتى إلى بعض أشد أنصار الجمهورية الإسلامية تأييداً لها. وكان مكتب خامنئي قد أعلن في اليوم نفسه لقاءه بزشكيان وبحث تطورات الحرب والأوضاع الاقتصادية والمعيشية ومستقبل البلاد، لكنه لم ينشر صورة أو تسجيلاً للاجتماع.

وقال بزشكيان قبل ذلك بأيام إن التواصل مع خامنئي «صعب جداً في الوقت الراهن»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنه عقد معه اجتماعات «مثمرة».

وقال أحد أفراد قوات «الباسيج» في مدينة قم، معقل رجل الدين والتيار المحافظ في إيران: «نحتاج إلى سماع صوت قائدنا، أو رؤية أي إشارة تدل على أنه يقود البلاد ويمسك بزمام الأمور، حتى يمنحنا ذلك مزيداً من الثقة».

صورة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي معروضة في متجر بسوق محلية ببندر عباس الثلاثاء (رويترز)

وقال عضو «الباسيج»، الذي طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع، إنه يعتقد أن خامنئي لا يزال يتخذ القرارات الرئيسية، لكنه رأى أن غياب حتى صورة واحدة له يضعف الروح المعنوية ولا يصب في مصلحة إيران.

أما بين الإيرانيين المعارضين للنظام الحاكم أو المطالبين بإصلاحات شاملة، فالشكوك أكثر وضوحاً. وقال شاهرخ، وهو رجل أعمال مؤيد للإصلاحات في طهران، طلب أيضاً عدم الكشف عن هويته: «كيف لنا أن نعرف أن مجتبى لم يُقتل؟».

وأضاف: «ليس من المنطقي ألا تكون هناك ولو إشارة واحدة تثبت أنه لا يزال على قيد الحياة، ناهيك عن دليل على مشاركته في صنع القرار».

«الحرس الثوري» أساس هيكل السلطة

صمدت إيران ستة أشهر في الحرب مع أقوى خصومها، وخرجت منها منهكة لكنها لا تزال واقفة على قدميها. وحافظ نظامها السياسي على تماسكه، بينما لا يزال جيشها يمتلك القدرة على تعطيل إمدادات الطاقة العالمية.

وأظهرت المؤسسة الثيوقراطية الحاكمة قدرتها على استيعاب غياب المرشد وقادة عسكريين كبار من دون أن تنهار، مع الحفاظ على تسلسل قيادي سياسي وعسكري موالٍ لآيديولوجيتها.

لكن الاقتصاد الإيراني يرزح تحت تكلفة الحرب والحصار المفروض منذ أشهر على صادرات النفط، ما أدى إلى انهيار الريال وأعاد المخاوف من احتجاجات جماهيرية كتلك التي قمعتها السلطات في يناير (كانون الثاني) بقتل آلاف المتظاهرين.

وفي الوقت نفسه، أعادت المؤسسة الحاكمة تنظيم صفوفها حول أولوية واضحة تتمثل في الحفاظ على الدولة، واستعادة قوة الردع، ومنع التداعيات الاقتصادية من زعزعة استقرار البلاد.

وقالت المصادر إن «الحرس الثوري»، الذي لطالما تمتع بنفوذ واسع، زاد نفوذه منذ بداية الحرب، ولا يزال يحتل موقعاً محورياً في التفكير الاستراتيجي داخل نظام حكم أعيد تشكيله حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

وتضم هذه النخبة العليا كبار قادة «الحرس الثوري»، إلى جانب شخصيات سياسية بارزة، بينها الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف.

وقال عدد من المصادر رفيعة المستوى التي تواصلت معها «رويترز» داخل إيران إن خامنئي يعقد بالفعل اجتماعات مع هذه الشخصيات، ويشارك بصورة كاملة في المداولات، وله القول الفصل في جميع القضايا الرئيسية.

وقال مسؤول إيراني كبير إن عدداً محدوداً فقط من المسؤولين لا يزالون على اتصال مباشر وشخصي بخامنئي، وإن حجب التفاصيل المتعلقة به يهدف إلى منع تسرب معلومات قد تتيح للولايات المتحدة استهدافه.

إيراني يمر أمام صورة للمرشد مجتبى خامنئي في طهران غداة توقيع اتفاق إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي قد قال في يوليو (تموز) إنه لم يلتقِ خامنئي وجهاً لوجه منذ توليه المنصب، بينما كان بزشكيان ورئيس الأركان علي عبد اللهي بين عدد محدود من المسؤولين الذين أُعلن عن لقائهم به، من دون نشر صور أو تسجيلات توثق تلك الاجتماعات.

وقال شخص مقرب من الدائرة الضيقة المحيطة بخامنئي إن حالته الصحية تشهد تحسناً ملحوظاً، مؤكداً أنه يتمتع بسرعة البديهة ويشارك في صنع القرار.

وقال مسؤول ثان: «على الرغم من كل الضغوط، لم تتوقف الخدمات المقدمة للشعب. ونسق سياستنا الخارجية موحد وقراراتنا متسقة. وكل ذلك يظهر أن المرشد يمسك بزمام الأمور».

وحتى قبل الحرب، كان خامنئي يفضل العمل من خلف الكواليس بصفته أحد أبرز مساعدي والده، مبتعداً عن الأضواء.

ووفقاً لمصادر رفيعة المستوى، تسببت الإصابات التي تعرض لها في الساعات الأولى من 28 فبراير، عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات جوية قتلت والده، في تشوه ملامح وجهه.

لكن بعد توليه منصباً يمنح شاغله مكانة كبيرة في النظام الثيوقراطي، وفي ظل أخطر أزمة تواجهها البلاد منذ ثورة 1979، تبدو مثل هذه الاعتبارات غير مقنعة لكثيرين.

وقال فاتانكا: «أي اتفاق حقيقي مع واشنطن يتطلب موافقة واضحة لا لبس فيها من مجتبى، وكذلك أي قرار بمواصلة صراع طويل ومكلف مع الولايات المتحدة».

وأضاف: «غيابه الطويل خلق وضعاً خطيراً يمكن فيه لجميع الفصائل المتنافسة أن تدعي أنها تعرف ما الذي يريده المرشد حقاً».