تقرير: مهاجمة أميركا لإيران ستظهر محدودية قوة الصين

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

تقرير: مهاجمة أميركا لإيران ستظهر محدودية قوة الصين

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

تعتمد الصين على إيران في الحصول على النفط ومواجهة النفوذ الأميركي، وستخسر بكين كثيراً من أي حرب واسعة النطاق بين إيران وإسرائيل تشارك بها الولايات المتحدة، لكن ليس لديها كثير لتفعله حيال ذلك.

وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية إنه بينما يُفكّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نشر قوات أميركية للانضمام إلى إسرائيل في مهاجمة إيران، تتضح حدود نفوذ الصين في المنطقة، حيث ستخسر كثيراً من أي صراع واسع النطاق، فنصف وارداتها من النفط ينتقل عبر ناقلات النفط من خلال مضيق هرمز على الساحل الجنوبي لإيران ولطالما اعتمدت بكين على طهران، أقرب شركائها في المنطقة، في التصدي للنفوذ الأميركي.

لكن على الرغم من هذه المصالح الاستراتيجية، فإنه من غير المرجح أن تتدخل الصين، التي لا تتمتع بنفوذ يُذكر على إدارة ترمب، للدفاع عن إيران عسكرياً، خصوصاً إذا تدخلت الولايات المتحدة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان يوم 29 يونيو 2019 (رويترز)

وقال زاك كوبر، الزميل البارز في معهد «أميركان إنتربرايز» في واشنطن: «في الواقع، ليست لديهم القدرة على نشر قوات صينية للدفاع عن المنشآت الإيرانية، وما يفضلون فعله هو تقديم بعض الدعم المادي، وبعض الدعم المعنوي، وربما بعض المساعدات الإنسانية، بهدوء تام».

وعلى الرغم من أن الصين تُفضِّل الاستقرار في الشرق الأوسط، فإنها قد تستفيد أيضاً إذا تورطت الولايات المتحدة في حرب طويلة هناك، مما قد يُحوِّل القوات والسفن والموارد العسكرية الأميركية الأخرى بعيداً عن آسيا.

وقرار ترمب بضرب إيران سيُقدم لبكين دروساً قد تُشكل استراتيجيتها الجيوسياسية، حيث ستحاول الصين فهم نهج ترمب في السياسة الخارجية واستعداده لاستخدام القوة.

وقد تؤثر هذه النتيجة على تقييم بكين لما إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان - الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي والتي تدّعي بكين ملكيتها - في حال قررت الصين غزوها.

وعلى الرغم من علاقة الصين الوثيقة بإيران، فإن خطابها حول الصراع الحالي كان مدروساً بشكل لافت للنظر على أعلى المستويات.

فبعد أن دعا زعيمها شي جينبينغ، إلى وقف إطلاق النار خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الخميس، لم يتضمن البيان عن المكالمة الذي أصدرته الحكومة الصينية انتقاداً صريحاً لإسرائيل لانتهاكها سيادة إيران.

وامتنع شي جينبينغ أيضاً عن حثّ الولايات المتحدة بشكل مباشر على عدم مهاجمة إيران، مكتفياً بالقول: «على المجتمع الدولي، خصوصاً القوى الكبرى ذات النفوذ الخاص على طرفَي النزاع، بذل جهود لتهدئة الوضع، لا العكس».

ولم ينتقد الزعيم الصيني إسرائيل صراحةً لانتهاكها سيادة إيران، وعندما اتصل وزير الخارجية الصيني وانغ يي، بنظيره الإسرائيلي، أعرب عن معارضة بكين الهجمات الإسرائيلية، وفقاً للبيان الصيني للمكالمة.

لكنه لم يصل إلى حدّ القول إن الصين «تدينها»، كما فعل في مكالمته مع إيران.

وفي مكالمة أخرى، مع وزير خارجية سلطنة عُمان، قال وانغ: «لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي ونشاهد الوضع الإقليمي ينزلق نحو هاوية مجهولة»، وفقاً لبيان حكومي صيني.

لكن من غير الواضح ما إذا كانت الصين قد بذلت أي جهود محددة لإيجاد حل دبلوماسي.

وعلى أي حال، من المرجح أن تشكك إسرائيل في حياد الصين بوصفها وسيطاً؛ بسبب انحيازها لإيران وتواصلها مع حركة «حماس».

وركزت جهود الصين، علناً على الأقل، على إجلاء أكثر من 1000 من مواطنيها من إسرائيل وإيران.

وقال جوليان جيويرتز، المسؤول البارز في ملف شؤون الصين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن: «تسعى بكين جاهدةً لمواكبة وتيرة الأحداث المتسارعة، وتعطي الأولوية لرعاياها ومصالحها في المنطقة، بدلاً من أي نوع من المبادرات الدبلوماسية الأوسع».

وركزت مناقشات الصراع في المنتديات الإلكترونية الصينية الخاضعة لرقابة مشددة، بشكل كبير، على ضعف أداء الأجهزة العسكرية والأمنية الإيرانية، مع أن بعض المشاركين أشاروا إلى محدودية دعم الصين لإيران.

وذكر تشو تشاويي، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بجامعة الأعمال والاقتصاد الدولية في بكين، في منشور له، أن الصين لا تستطيع توفير «حماية غير مشروطة» لإيران، ومواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل عسكرياً.

وأضاف أن بكين لا تستطيع ممارسة الضغط إلا من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والصين عضو دائم فيه.

وقال تشو: «إن الاضطرابات في الشرق الأوسط تُمثل تحدياً واختباراً للصين».

ويشبه رد فعل الصين الهادئ رد فعل شريكتها التي تُشاركها الرأي، روسيا، التي لم تُقدم سوى بيانات دعم لإيران، على الرغم من تلقيها مساعدات عسكرية كانت طهران في أمسّ الحاجة إليها في حربها في أوكرانيا، كما عدّت كل من بكين وموسكو متفرجتين العام الماضي، عندما أُطيح بشريكهما المشترك، نظام بشار الأسد، في سوريا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ يحضران عرضاً عسكرياً في يوم النصر إحياءً للذكرى الثمانين للانتصار على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية في الساحة الحمراء وسط موسكو... 9 مايو 2025 (رويترز)

ويثير غيابهم النسبي تساؤلات حول تماسك ما أسماه البعض في واشنطن «محور الاضطرابات»: الرباعي المكون من الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، الذي تَوحَّد دبلوماسياً وعسكرياً حول معارضة مشتركة للنظام العالمي، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

ومن بين الدول الأربع، الصين وحدها هي المنخرطة بعمق في الاقتصاد العالمي، مما يعني أنها ستخسر كثيراً من جراء الاضطرابات في الشرق الأوسط، فهي تشتري تقريباً كل النفط الإيراني المُصدَّر، بأسعار مخفضة، مستخدمةً أساطيل ناقلات سرية للتهرب من العقوبات الأميركية، وتعتمد سفنها على المرور الآمن عبر مضيق هرمز لنقل مزيد من النفط من دول الخليج.

وسيُشكّل ارتفاع أسعار الطاقة مشكلةً كبيرةً أخرى لبكين، التي تحاول تحسين اقتصادها الراكد.

وإلى جانب الطاقة، تُوفر إيران للصين موطئ قدم أساسياً في الشرق الأوسط لتعزيز مصالحها ومواجهة الولايات المتحدة، التي تنشر عشرات الآلاف من قواتها في جميع أنحاء المنطقة، وعززت بكين علاقاتها مع دول الخليج للأسباب نفسها.

وكثيراً ما يذكر المحللون الصينيون أن بكين وسيط جذاب في الشرق الأوسط لأنها لن تُلقي محاضرات على الدول الأخرى حول قضايا مثل حقوق الإنسان.

الرئيس الصيني شي جينبينغ في 8 مايو 2025 بروسيا (د.ب.أ)

ويقول وين جينغ، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بجامعة تسينغهوا في بكين: «إنها القوة الكبرى الوحيدة التي تثق بها الأطراف المتنافسة في المنطقة، والقادرة على تحقيق اختراقات تعجز عنها الولايات المتحدة».

وشعرت واشنطن بالإحباط من إحجام بكين عن الضغط على إيران لمنع الحوثيين من مهاجمة السفن قبالة سواحل اليمن، باستثناء الحالات التي تتعلق بالسفن الصينية.

وقالت باربرا ليف، مساعدة وزير الخارجية السابقة لشؤون الشرق الأدنى، إن هذا الإحجام عن الضغط على شركائها يُضعف مكانة الصين في الشرق الأوسط.


مقالات ذات صلة

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني «في المتناول»

شؤون إقليمية نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني «في المتناول»

جدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، تحذيره لإيران لليوم الثاني على التوالي، وقال إن الضغوط الاقتصادية الأميركية قد تدفع طهران إلى «خطوات تصعيدية».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يونيو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

كاتس يهدد بالرد بـ«قوة كبيرة» على أي هجوم إيراني  

توعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إيران الأربعاء بأن الدولة العبرية مستعدة للرد «بقوة كبيرة» على أي هجوم قد تشنّه عليها

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحضر جلسة لـ«الكنيست» في القدس الشهر الماضي (أ.ف.ب)

شكوك إسرائيلية في محاولة إيران اغتيال نجل نتنياهو

على الرغم من أن نجل نتنياهو أُجلي سريعاً من أميركا إلى إسرائيل بسبب «تهديد كبير» باغتياله، شككت جهات أمنية إسرائيلية في هذه الرواية وأثارت تساؤلات بشأنها.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في طهران بعد غارة جوية

6 تداعيات لـ6 أشهر من حرب إيران

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران تحولت الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها «نزهة صغيرة» إلى مأزق يلقى رفضاً واسعاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

واشنطن تدرس تقليص وجودها العسكري في الشرق الأوسط

جنود من البحرية الأميركية خلال تدريبات إطلاق نار على سطح السفينة «يو إس إس تريبولي» يوم 2 أبريل 2026 (سنتكوم)
جنود من البحرية الأميركية خلال تدريبات إطلاق نار على سطح السفينة «يو إس إس تريبولي» يوم 2 أبريل 2026 (سنتكوم)
TT

واشنطن تدرس تقليص وجودها العسكري في الشرق الأوسط

جنود من البحرية الأميركية خلال تدريبات إطلاق نار على سطح السفينة «يو إس إس تريبولي» يوم 2 أبريل 2026 (سنتكوم)
جنود من البحرية الأميركية خلال تدريبات إطلاق نار على سطح السفينة «يو إس إس تريبولي» يوم 2 أبريل 2026 (سنتكوم)

يدرس مسؤولون في المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات الأميركية خفض عدد الجنود والمنشآت المنتشرة في الشرق الأوسط إذا انتهى الصراع مع إيران، في تحول محتمل يعيد طرح مسألة حجم الوجود الأميركي في المنطقة بعد أكثر من عقدين على هجمات 11 سبتمبر.

ونقلت شبكة «سي إن إن» عن ستة مصادر أن المناقشات لا تزال غير رسمية، لكنها تشمل تصوراً لتقليص القوات والمنشآت، مع الإبقاء على بعض القواعد الكبرى والمواقع الاستراتيجية.

وتأتي هذه المناقشات في ظل غياب استراتيجية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب، وبعد محاولات أميركية متكررة خلال العقدين الماضيين لتقليص الانخراط في الشرق الأوسط قبل أن تعيد الأزمات المتلاحقة واشنطن إلى المنطقة.

ولا يزال نحو 50 ألف جندي أميركي منتشرين في الشرق الأوسط، إلى جانب حاملتي طائرات وأكثر من 12 مدمرة مزودة بصواريخ موجهة.

وقالت المصادر إن القتال مع إيران كشف هشاشة عدد من المنشآت الأميركية أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة، بعدما تعرضت قواعد لهجمات خلال الحرب.

جانب من انتشار أكثر من 2600 بحار وعنصر من مشاة البحرية الأميركية على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في الشرق الأوسط (سنتكوم)

ويبحث الجيش أيضاً تعزيز حماية المواقع التي ستبقى، بما في ذلك نقل بعض المنشآت إلى تحت الأرض. وكانت الفكرة مطروحة منذ سنوات، لكنها اكتسبت إلحاحاً أكبر بعد تعرض القواعد الأميركية لهجمات متكررة.

وأعد الجيش عدة خيارات لتعديل هيكل انتشاره في المنطقة ابتداء من العام المقبل، لكن المسؤولين لا يرون أن التخلي عن مواقع استراتيجية لإطلاق الطائرات أمر عملي ما دام الصراع مستمراً، وفق «سي إن إن».

وتبحث المؤسسة العسكرية ووكالة الاستخبارات المركزية أيضاً إمكان تنفيذ بعض المهمات الحساسة من دون قواعد دائمة، عبر إبقاء الأفراد والمعدات في الولايات المتحدة وإرسالهم إلى المنطقة لتنفيذ مهمات محددة ثم إعادتهم.

ولم تبدأ حتى الآن مراجعة رسمية لوضع انتشار القوات، كما لم تصدر أوامر مباشرة بخفضها. ويرتبط أي تقليص واسع، بانتهاء الحرب مع إيران، مع توقع الإبقاء على عدد من القواعد الرئيسية في المنطقة.

وأشار التقرير إلى أن أي تقليص واسع سيعتمد على انتهاء الحرب مع إيران، فيما لا يظهر حتى الآن مسار واضح نحو تسوية تنهي الصراع.


محكمة إسرائيلية ترفض التماساً لوقف مشروع استيطاني رئيسي بالضفة

عناصر من القوات الإسرائيلية بأحد شوارع بلدة عناتا بالضفة الغربية خلال غارة عسكرية (أ.ب)
عناصر من القوات الإسرائيلية بأحد شوارع بلدة عناتا بالضفة الغربية خلال غارة عسكرية (أ.ب)
TT

محكمة إسرائيلية ترفض التماساً لوقف مشروع استيطاني رئيسي بالضفة

عناصر من القوات الإسرائيلية بأحد شوارع بلدة عناتا بالضفة الغربية خلال غارة عسكرية (أ.ب)
عناصر من القوات الإسرائيلية بأحد شوارع بلدة عناتا بالضفة الغربية خلال غارة عسكرية (أ.ب)

رفضت محكمة إسرائيلية، الثلاثاء، التماساً لوقف مشروع «إي وان» الاستيطاني الرئيسي، الذي سيفصل شمال الضفة الغربية المحتلة عن جنوبها، والذي أثار انتقادات دول ومنظمات غير حكومية، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت المحكمة، في قرارها: «رفضت المحكمة المركزية في القدس طلباً عاجلاً قدّمه الملتمسون للحصول على أمر قضائي مؤقت» يهدف إلى تعليق مناقصة لمشروع «إي وان» الاستيطاني قرب القدس.

كانت وزارة الإسكان الإسرائيلية قد طرحت، الشهر الماضي، مناقصة لبناء أكثر من 1200 وحدة سكنية استيطانية، في إطار المشروع الذي دفع منظمات غير حكومية للجوء إلى القضاء والطعن في المناقصة ومحاولة إلغائها، في حين دعت دول أوروبية إسرائيل إلى التخلي عن المشروع.


بندر عباس… واجهة إيران على «هرمز» تدفع كلفة الحصار



طيور نورس تتجمع قرب جرارات وأشخاص على شاطئ مضيق هرمز في بندر عباس، مع أفق المدينة في الخلفية، إيران، الأثنين (أ.ب)
طيور نورس تتجمع قرب جرارات وأشخاص على شاطئ مضيق هرمز في بندر عباس، مع أفق المدينة في الخلفية، إيران، الأثنين (أ.ب)
TT

بندر عباس… واجهة إيران على «هرمز» تدفع كلفة الحصار



طيور نورس تتجمع قرب جرارات وأشخاص على شاطئ مضيق هرمز في بندر عباس، مع أفق المدينة في الخلفية، إيران، الأثنين (أ.ب)
طيور نورس تتجمع قرب جرارات وأشخاص على شاطئ مضيق هرمز في بندر عباس، مع أفق المدينة في الخلفية، إيران، الأثنين (أ.ب)

بعد ستة أشهر من الحرب، تتضح آثار تشديد الحصار الأميركي على إيران في بندر عباس، المدينة المطلة على مضيق هرمز، حيث انكمشت حركة الميناء والتجارة وتراجعت دخول السكان مع استمرار القيود على الموانئ الإيرانية.

وخفتت الحركة على الواجهة البحرية التي كانت تعج بالقوارب والشاحنات والعمال، بينما امتدت التداعيات من الأرصفة وشركات التخليص الجمركي إلى متاجر التجزئة والعاملين في النقل البحري.

وهزت المدينة خلال الأسبوع الماضي غارات جوية أميركية جديدة استهدفت مناطق ساحلية، وسط غضب محلي وقلق متزايد بشأن القدرة على تدبير متطلبات الحياة اليومية، في ظل استمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وفق «أسوشييتد برس».

وقال حميد حاجي زاده، وهو سائق سيارة أجرة، إنه لا يفهم الأميركيين. وأضاف: «إنهم أبطال في الأفلام، لكنهم هنا قتلوا أشخاصاً في المدارس وحفلات الزفاف وأماكن أخرى. وقصفوا الطرق والجسور».

وفي هذه المدينة التي يزيد عدد سكانها على 700 ألف نسمة، يعيش السكان عن قرب تطورات مضيق هرمز التي استحوذت على اهتمام العالم، ويقولون إن موقع مدينتهم لم يجلب لهم خلال الأشهر الستة الماضية سوى الخطر والمشقة.

رجل يعمل على متن قارب بينما يغادر زورق بمحرك ميناء بندر عباس، إيران، 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)

«الأعمال الآن سيئة للغاية»

يعمل محمد ترابيان في الرصيف البحري، حيث يقدم خدمات للركاب. وقال إنه قبل الحرب كانت تصل يومياً ما يصل إلى 50 شاحنة محملة بالأغذية واللحوم لتفريغ حمولاتها هناك.

أما الآن، فأصبح جزء كبير من الرصيف خالياً في ظل الحصار الأميركي الهادف إلى منع إيران من تصدير نفطها.

وقال ترابيان: «الأعمال الآن سيئة للغاية». وقدّر أن نحو 500 شخص كانوا يكسبون رزقهم في محيط الرصيف، مضيفاً: «لا يوجد عمل هنا».

ولطالما ارتبط اقتصاد بندر عباس بالبحر وبميناء رجائي القريب، أحد أكبر الموانئ التجارية في إيران. وتبلغ الطاقة الاستيعابية للميناء 100 مليون طن متري من البضائع سنوياً، وفق تقرير نشرته وكالة «إرنا» الرسمية في يوليو (تموز).

وانتقد مسؤولون إيرانيون بشدة الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة في أبريل (نيسان)، ثم أعادت فرضه بعد انهيار المفاوضات مع طهران بشأن مسار لإنهاء الحرب.

بائع يجلس أمام متجر للمنسوجات بينما تمر نساء في سوق تقليدية بمدينة بندر عباس، إيران، 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)

وتعهدت واشنطن منذ ذلك الحين بمزيد من الضغط الاقتصادي المرتبط بالمضيق، الذي يشكل ممراً حيوياً للشحن العالمي للنفط والغاز الطبيعي والمنتجات المرتبطة بهما.

وحذر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين في المحادثات المنهارة مع الولايات المتحدة، في وقت سابق من الشهر الحالي من أن تصعيد الحصار سيقابل برد عسكري.

وفي بندر عباس، امتدت التداعيات إلى مختلف حلقات الاقتصاد تقريباً، من السفن وعمال الأرصفة إلى شركات التخليص الجمركي وأصحاب المتاجر.

وقالت مهسا شجاعي، وهي محاسبة في شركة للتخليص الجمركي، إن جزءاً كبيراً من أعمال شركتها قبل الحرب كان مرتبطاً باستيراد الأرز والشاي والقهوة من الهند وباكستان.

وقدّرت شجاعي أن ما بين 80 و90 في المائة من حجم أعمال الشركة اختفى. وقالت إن الشركة التي كانت تتولى نحو 100 معاملة تخليص جمركي خلال فترة معينة، لا تعالج الآن سوى نحو 10 معاملات.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكلفة إدخال الشحنات عبر الجمارك.

«ببساطة لا يوجد زبائن»

امتدت الأضرار الاقتصادية إلى ما وراء الواجهة البحرية، خصوصاً مع هبوط العملة الإيرانية إلى مستويات قياسية. وفي أسواق التجزئة، يقول التجار إن أعداد الزبائن تتراجع مع تدهور القدرة الشرائية.

ويبيع مهرداد جهانغيري ملابس الأطفال في متجر يوفر دخلاً لأسرته وأسرة والده. وقال إن مبيعاته انخفضت بنحو النصف مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وقال جهانغيري: «ببساطة لا يوجد زبائن. السوق أصبحت هادئة جداً».

وكان توقيت اندلاع الحرب شديد الضرر بالنسبة إلى التجار، إذ بدأت قبل فترة وجيزة من رأس السنة الإيرانية «نوروز»، التي تعد تقليدياً واحدة من أكثر مواسم التسوق نشاطاً.

ويعتمد التجار خلال تلك الفترة على إنفاق الأسر بمعدلات تفوق الأشهر العادية، لكن الحرب بددت جانباً كبيراً من المبيعات التي كانوا يتوقعونها.

عامل يجز عشب حديقة فندق مطل على مضيق هرمز، بينما تظهر منصة تجريف عائمة وسفن تجارية وسط الضباب قبالة بندر عباس، الأثنين (أ.ب)

ويكاد موسم تسوق مهم آخر أن يضيع الآن. ففي الأسابيع التي تسبق إعادة فتح المدارس في وقت لاحق من سبتمبر (أيلول)، اعتادت الأسر شراء ملابس جديدة لأطفالها.

وقال جهانغيري إن الحشود المعتادة بالكاد ظهرت هذا العام.

وبلغ الركود حداً جعل المتجر يتأخر أحياناً في دفع الإيجار وتتراكم عليه ديون في السوق، وهو أمر قال جهانغيري إنه لم يحدث من قبل.

وأضاف: «جيوب الناس فارغة، والدخول تراجعت».

وعندما سُئل عما إذا كانت أسرته اضطرت إلى تقليص نفقاتها اليومية، أجاب فوراً: «بالتأكيد. تغير الأمر كثيراً».

وحاول تجار آخرون التكيف مع الظروف عبر تقديم تخفيضات أو السماح للزبائن الدائمين الذين يثقون بهم بدفع ثمن مشترياتهم على أقساط.

«البحر غير آمن»

أما الذين يكسبون رزقهم مباشرة من البحر، فلا تقتصر مشكلتهم على تراجع الأعمال، إذ يتعين عليهم أيضاً حساب المسافة التي يمكنهم الابتعاد بها عن الساحل من دون تعريض أنفسهم للخطر.

وقال عباس غلزنائي، وهو يقود قارباً بمحرك لنقل الركاب إلى السفن والموانئ القريبة، إنه كان يقطع قبل الحرب مسافة تصل إلى 30 ميلاً (48 كيلومتراً) للعمل.

وقال غلزنائي: «قبل الحرب، كانت الأعمال جيدة. الآن لا أستطيع تجاوز سبعة أو ثمانية أميال. البحر غير آمن».

غروب الشمس خلف سفن تجارية راسية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس، مع أفق المدينة في الخلفية، إيران، 6 سبتمبر 2026(أ.ب)

وأدى ذلك إلى انخفاض عدد ركابه ودخله. وأضاف أن الحصول على بعض الاحتياجات أصبح صعباً أيضاً، قائلاً: «يصعب العثور على الأشياء. نواجه صعوبة في الحصول على البنزين».

وفي عرض البحر، ارتسمت سفن الشحن كظلال أمام الشمس الغاربة، عالقة في حالة من عدم اليقين، مثل بندر عباس نفسها، تنتظر معرفة متى يمكنها التحرك مجدداً.