كيف غيّر الذكاء الاصطناعي ملامح الهجمات السيبرانية على الهواتف الذكية؟

43 % زيادة بهجمات الهواتف في الشرق الأوسط

يؤكد الخبراء أن الأمن السيبراني الفعّال يبدأ من السلوك والوعي ويشمل اعتماد ممارسات استباقية مثل «الأمن من التصميم» وتحديث الأنظمة باستمرار (غيتي)
يؤكد الخبراء أن الأمن السيبراني الفعّال يبدأ من السلوك والوعي ويشمل اعتماد ممارسات استباقية مثل «الأمن من التصميم» وتحديث الأنظمة باستمرار (غيتي)
TT

كيف غيّر الذكاء الاصطناعي ملامح الهجمات السيبرانية على الهواتف الذكية؟

يؤكد الخبراء أن الأمن السيبراني الفعّال يبدأ من السلوك والوعي ويشمل اعتماد ممارسات استباقية مثل «الأمن من التصميم» وتحديث الأنظمة باستمرار (غيتي)
يؤكد الخبراء أن الأمن السيبراني الفعّال يبدأ من السلوك والوعي ويشمل اعتماد ممارسات استباقية مثل «الأمن من التصميم» وتحديث الأنظمة باستمرار (غيتي)

لم تعد الهواتف الذكية مجرد وسيلة اتصال. فهي اليوم بمثابة محافظ رقمية، ومكاتب متنقلة، ومراكز ترفيه، ومعرّفات إلكترونية. ومع توسّع وظائفها، ازدادت جاذبيتها لدى مجرمي الإنترنت. وفي الشرق الأوسط تحديداً، تشهد الساحة السيبرانية تحوّلاً سريعاً مدفوعاً بقوة الذكاء الاصطناعي.

يحذّر خبراء الأمن السيبراني من ازدياد استخدام البرمجيات الخبيثة التي تستهدف الهواتف المحمولة، ومن خطورة التقاء الذكاء الاصطناعي مع الجرائم الإلكترونية.

فحسب بيانات شركة «كاسبرسكي» الأخيرة، شهدت منطقة الشرق الأوسط ارتفاعاً بنسبة 43 في المائة في التهديدات التي تستهدف الهواتف المحمولة خلال الربع الأول من عام 2025، في حين انخفضت تلك الهجمات في كل من أفريقيا وتركيا.

تقول تاتيانا شيشكوفا، الباحثة الأمنية الأولى لدى «كاسبرسكي»، في حديث خاص إلى «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «Cyber Security Weekend 2025» الذي عُقد مؤخراً في جزيرة بوكيت التايلاندية، إن المهاجمين أصبحوا أكثر مهارة وانتقائية، ويستخدمون تقنيات متقدمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتضيف: «حتى أكثر المستخدمين وعياً قد يفشلون في كشف تهديدات مصمَّمة بشكل ذكي». هذا الارتفاع يُعد مؤشراً على أن المجرمين السيبرانيين يتبعون تحركات المستخدمين، لا سيما في المناطق التي تشهد نمواً متسارعاً في الخدمات المصرفية الرقمية والاستخدام المكثف للهواتف الذكية.

يستخدم المهاجمون الذكاء الاصطناعي لتوليد برمجيات خبيثة أكثر تعقيداً وإنشاء محتوى تصيّد مقنع وتنفيذ هجمات أكثر استهدافاً وذكاءً (غيتي)

الذكاء الاصطناعي: سلاح ذو حدّين

أصبح الذكاء الاصطناعي أداة قوية في سباق التسلح السيبراني يستخدمه كل من المهاجمين والمدافعين. يوضح ماهر يمّوت، الباحث الأمني الأول في «كاسبرسكي» خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، أن مجرمي الإنترنت لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي فقط لتسريع مهامهم، بل لتخطيط وتنفيذ حملات هجومية معقدة. يقول يمّوت إنه يشهد استخداماً متزايداً لنماذج اللغة الكبيرة (LLMs) في توليد برمجيات خبيثة، وإنشاء محتوى تصيّد مقنع، وحتى في إنتاج مقاطع فيديو مزيفة (deepfakes). ويضيف: «إنها ليست مجرد أتمتة، بل تفكير تكتيكي من المهاجمين». ويبيّن في أحد الأمثلة، كيف يمكن لمجرم إلكتروني أن يستخدم كاميرا مراقبة ضعيفة الحماية مع الذكاء الاصطناعي لتعلم حركات اليد والتنبؤ بما يتم كتابته على لوحة المفاتيح، دون الحاجة لتثبيت أي برمجية خبيثة.

تاتيانا شيشكوفا الباحثة الأمنية الأولى لدى «كاسبرسكي» متحدثةً إلى «الشرق الأوسط»... (كاسبرسكي)

برمجيات خبيثة أكثر ذكاءً وخفاءً

تُعد الهواتف المحمولة أهدافاً مثالية للمهاجمين نظراً لكمية البيانات الشخصية المخزنة عليها، وارتباطها الدائم بالإنترنت. يكشف يمّوت عن أن الهواتف الذكية تحمل بيانات حساسة أكثر من الحواسيب. ويقول: «تطبيقات البنوك والدفع الإلكتروني والتسوق كلها موجودة على الهاتف ما يجعله هدفاً ثميناً».

وحسب «كاسبرسكي» من أبرز التهديدات الحالية هو التصيّد عبر الرسائل القصيرة (Smishing)، والتصيّد عبر تطبيقات المراسلة مثل «واتساب» و«تلغرام». أيضاً التطبيقات المزيفة أو الملوّثة (Trojanized apps) التي تتظاهر بكونها أدوات مفيدة مثل تطبيقات المصباح اليدوي. ويذكر يمّوت برمجيات مثل «سبارك كات» ( SparkCat) التي تم تحميلها أكثر من 240 ألف مرة، وتستخدم الذكاء الاصطناعي لسرقة بيانات العملات الرقمية والمعلومات الشخصية بـ9 لغات مختلفة.

التهديدات المالية وتطور التروجانات المصرفية

أصبحت غالبية التهديدات الموجهة إلى الهواتف المحمولة ذات طابع مالي. وتشير شيشكوفا إلى تصاعد «التروجانات» المصرفية التي تمنح المهاجمين تحكماً كاملاً بالجهاز. وترى أن بعض هذه «التروجانات» تسمح للمهاجمين بمشاهدة شاشة الجهاز في الوقت الفعلي، وتنفيذ أوامر عن بعد، والتقاط أنماط قفل الشاشة، بل حتى محاكاة النقرات للوصول إلى بيانات حساسة مثل كلمات المرور ومعلومات البطاقات البنكية.

والأخطر برأيها أن الكثير منها يستخدم آلية العدوى متعددة المراحل، تبدأ بتطبيق عادي على متجر رسمي، ثم يتحوّل تدريجياً إلى برمجية خبيثة بعد فترة من التثبيت.

ماهر يمّوت الباحث الأمني الأول في «كاسبرسكي» متحدثاً إلى «الشرق الأوسط»... (كاسبرسكي)

«أندرويد» أم «iOS»... مَا الأخطر؟

هل «أندرويد» أكثر ضعفاً من «iOS»؟ لا توجد إجابة بسيطة، حسب الخبراء. ترى شيشكوفا أن «أندرويد» يعطي مرونة أكبر للمهاجمين بسبب طبيعته المفتوحة، لكن في المقابل، لدى «iOS» قيوداً تجعل اكتشاف الهجمات أصعب. ويضيف يمّوت أنه بالنسبة إلى المستخدم العادي، يعد هاتف «آيفون» أكثر أماناً بشكل افتراضي، لكن مستخدم «أندرويد» الخبير يمكنه تخصيص جهازه ليكون أكثر أماناً من أي جهاز «iOS».

من التعلم إلى الهجوم

أصبح بإمكان المهاجمين تدريب نماذج ذكاء اصطناعي على آلاف من رسائل التصيّد، لابتكار محتوى جديد يتجاوز أدوات الكشف التقليدية. وذكر يمّوت قيام «كاسبرسكي» بتجربة في المختبر دربت فيها نموذجاً على الفرق بين البريد الإلكتروني السليم والتصيّدي. وبموجب ذلك أصبح بإمكان النموذج لاحقاً التنبؤ بنسبة عالية من الدقة بما إذا كانت الرسالة خبيثة، وهي نفس التقنية المستخدمة في التعرف على الوجوه أو الصور.

إذن كيف نحمي أنفسنا؟ تقول شيشكوفا إن الحماية تبدأ من السلوك. وتتابع: «لا يمكننا انتظار وقوع الهجوم كي نتصرف. الأمن السيبراني يجب أن يكون استباقياً وليس تفاعلياً. الحماية مسؤولية مشتركة بين المستخدمين ومزودي التكنولوجيا والحكومات».

الهواتف الذكية أصبحت أهدافاً رئيسية لمجرمي الإنترنت بسبب تخزينها معلومات شخصية حساسة واستخدامها المتزايد في الخدمات المالية (غيتي)

نصائح للحماية

يشدد الخبراء على أهمية تبني نهج «الأمن من التصميم» الذي يقوم على تضمين الحماية السيبرانية منذ المراحل الأولى لتطوير واستخدام الهواتف الذكية، بدلاً من الاعتماد على حلول لاحقة بعد وقوع الاختراق. ويبدأ هذا النهج من أبسط السلوكيات اليومية التي يجب أن يعتمدها المستخدم، مثل تثبيت التطبيقات فقط من المتاجر الرسمية التي توفر قدراً من المراقبة والفحص الأمني للتطبيقات قبل نشرها.

كما يُنصح بمراجعة تقييمات التطبيقات وقراءة تعليقات المستخدمين للكشف عن أي سلوك مشبوه أو مشكلات متكررة. وعلى أجهزة «أندرويد» ينبغي تعطيل خيار تحميل التطبيقات من مصادر غير موثوقة، لأنه يُعد أحد أبرز الأبواب التي يتسلل منها المهاجمون. وينطبق الأمر ذاته على رسائل «واتساب» و«تلغرام» حيث يجب تجنّب تحميل ملفات «APK» المرسلة عبر هذه المنصات مهما بدت مألوفة.

ولا تقل أهمية استخدام برامج الحماية المتخصصة للأجهزة المحمولة، والتي تساعد في رصد البرمجيات الخبيثة قبل أن تبدأ في العمل، إلى جانب الحرص على تحديث نظام التشغيل والتطبيقات فور توفّر الإصدارات الجديدة، لما تتضمنه من إصلاحات أمنية. وأخيراً، يُوصى بإعادة تشغيل الهاتف بانتظام، إذ يمكن أن تسهم هذه الخطوة البسيطة في تعطيل بعض الهجمات الخفية التي تستمر في الخلفية دون أن يشعر بها المستخدم.

لماذا الشرق الأوسط الآن؟

يشهد الشرق الأوسط نمواً متسارعاً في الخدمات الرقمية، خصوصاً المصرفية. تؤكد شيشكوفا أن المهاجمين يتبعون المال. وترى أنه «مع توسّع البنوك في تقديم الخدمات الرقمية، تصبح المنطقة هدفاً أكثر جاذبية». وفي السياق نفسه، يردف يمّوت أن الهجمات في الشرق الأوسط غالباً ما ترتبط بأحداث كبرى، مثل المناسبات الدينية أو السياسية، والتي يستغلها المهاجمون نقاطاً للدخول عبر رسائل تصيّد موجهة.

الذكاء وحده لا يكفي

نعيش اليوم في مشهد تهديدات متطوّر، حيث لم تعد البرمجيات الخبيثة مجرد «أكواد» ضارة، بل أدوات ذكية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، ما زالت كل من الهجمات والدفاعات بحاجة إلى العنصر البشري. ويعترف يمّوت بأن «البرمجية الخبيثة، حتى وإن أنشأها ذكاء اصطناعي، تظل بحاجة إلى عقل بشري لتفعيلها وتحسينها».

وتوافقه شيشكوفا قائلةً إن «الأمن السيبراني لا يعتمد فقط على الأدوات. بل على السلوك والوعي وتحمّل المسؤولية من الجميع».

ففي عصر أصبحت فيه الهواتف محركاً رئيسياً للحياة الرقمية، قد يكون الوعي هو خط الدفاع الأقوى.


مقالات ذات صلة

هولندا تستدعي سفير موسكو عقب هجمات إلكترونية روسية

أوروبا مقر للسفارة الروسية في لاهاي بهولندا (أرشيفية - أ.ف.ب)

هولندا تستدعي سفير موسكو عقب هجمات إلكترونية روسية

قال وزير الخارجية الهولندي، الاثنين، لـ«وكالة الأنباء الهولندية (إيه إن بي)» إن الوزارة استدعت السفير الروسي في أمستردام عقب هجمات إلكترونية روسية...

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
أوروبا عناصر من الشرطة الألمانية في شوارع برلين (د.ب.أ)

برلين تستدعي السفير الروسي على خلفية «حملة سيبرانية» منسوبة لموسكو

أعلنت وزارة الخارجية الألمانية، الاثنين، أنها استدعت السفير الروسي للاحتجاج على هجمات إلكترونية منسوبة لموسكو استهدفت «الاتحاد الأوروبي»...

«الشرق الأوسط» (برلين)
خاص تحتاج المؤسسات إلى خطط تعافٍ عابرة للحدود وسحابة متعددة وهجينة لتقليل الاعتماد على موقع أو مزود واحد (الشرق الأوسط)

خاص «ديلويت» لـ«الشرق الأوسط»: المنطقة تدخل عصر «الأزمات التقنية المركبة»

ترى «ديلويت» أن سيادة البيانات وحدها لا تكفي للمرونة التقنية مع تصاعد «الأزمات المركبة» والحاجة إلى تعافٍ عابر للحدود.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تعتمد الحماية على عدم وجود دليل عام للأسماء ومعرفة الاسم بدقة وإمكانية استخدام مفتاح إضافي لبدء التواصل

أسماء المستخدمين في «واتساب» تفتح جدلاً بين الخصوصية ومخاطر الاحتيال

تمنح أسماء المستخدمين في «واتساب» خصوصية أكبر، لكنها تثير مخاوف من انتحال الهوية والاحتيال؛ خصوصاً عبر الأسماء المشابهة والمضللة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تطور «أبل» إطاراً يقيّم احتمال تعرض المستخدم للتوجيه الاحتيالي قبل تنفيذ عمليات حساسة (رويترز)

نظام جديد من «أبل» يرصد مؤشرات الاحتيال قبل المعاملات الحساسة

تطور «أبل» نظاماً يقيّم مؤشرات الخداع قبل الإجراءات الحساسة ويمنح التطبيقات إشارات تساعدها على تحذير المستخدم أو تأخير العملية.

نسيم رمضان (لندن)

29 دولة توقّع اتفاقاً لإنشاء منظمة عالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يصافح أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة قبيل التقاط صورة جماعية للموقّعين على اتفاق إنشاء «المنظمة ​العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي» (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي يصافح أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة قبيل التقاط صورة جماعية للموقّعين على اتفاق إنشاء «المنظمة ​العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي» (إ.ب.أ)
TT

29 دولة توقّع اتفاقاً لإنشاء منظمة عالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يصافح أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة قبيل التقاط صورة جماعية للموقّعين على اتفاق إنشاء «المنظمة ​العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي» (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي يصافح أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة قبيل التقاط صورة جماعية للموقّعين على اتفاق إنشاء «المنظمة ​العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي» (إ.ب.أ)

وقعت 29 دولة، اليوم (الخميس)، اتفاقاً لإنشاء «المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي»، وهي هيئة حكومية دولية تقول الصين إنها تهدف إلى تعزيز التعاون الدولي والحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

ووقَّع ‌ممثلو 29 ‌دولة، ​منها: ‌روسيا وبيلاروسيا وصربيا وكوبا والبرازيل وفنزويلا، بالإضافة إلى 10 دول أفريقية و12 دولة آسيوية، على الاتفاق بصفتهم أعضاء مؤسسين.

وذكرت «وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا)» أن مقر ‌المنظمة سيكون ‌في مدينة شنغهاي، وفقاً لوكالة «رويترز».

و​جرت ‌مراسم التوقيع في شنغهاي، ‌عشية انطلاق المؤتمر العالمي السنوي للذكاء الاصطناعي؛ حيث من المتوقَّع أن يعرض الرئيس الصيني ‌شي جينبينغ رؤية بكين لدورها في صياغة قواعد الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

وطرحت الصين فكرة إنشاء «المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي»، خلال نسخة العام الماضي من المؤتمر، لكن لم تعلن أي دولة رسمياً عن انضمامها إلى المنظمة حتى الآن.


هل يهدد الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي قدرات البشر؟

تطبيقات الذكاء الاصطناعي على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)
تطبيقات الذكاء الاصطناعي على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)
TT

هل يهدد الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي قدرات البشر؟

تطبيقات الذكاء الاصطناعي على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)
تطبيقات الذكاء الاصطناعي على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)

بات الذكاء الاصطناعي يضطلع يوماً بعد آخر بدور متزايد في إنجاز مجموعة واسعة من المهام، بدءاً من كتابة الرسائل الإلكترونية والبرمجة وصولاً إلى الترجمة وتنظيم الرحلات، ما يثير تساؤلات بشأن احتمال تراجع القدرات المعرفية لدى البشر على المدى البعيد.

أحدث ظهور روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل «تشات جي بي تي»، والقادرة على إنشاء شتى أنواع المحتويات استجابة لطلبات بسيطة بلغة يومية، تحوّلاً في أنماط الاستخدام داخل المدارس وأماكن العمل وكذلك في الحياة اليومية.

وأظهرت أبحاث علمية حديثة شملت أعداداً محدودة أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتولي بعض المهام قد تكون له تداعيات سلبية على الذاكرة، والقدرة على اتخاذ قرارات، والتفكير النقدي.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

في أبريل (نيسان)، توصّلت دراسة أميركية بريطانية لا تزال تخضع لمراجعة إلى أنّ استخدام هذه الأدوات لحل مسائل حسابية أو إنجاز تمارين مرتبطة بفهم النصوص المقروءة حسّن أداء المشاركين على المدى القصير، لكنه أثّر سلباً على أدائهم على المدى البعيد وقدرتهم على المثابرة عند وقف الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.

وكتب معدّو الدراسة التي أُجريت على 1222 شخصاً إنّ «هذه النتائج تثير قلقاً كبيراً، لأن المثابرة عنصر أساسي في اكتساب المهارات وأحد أفضل المؤشرات إلى التعلم على المدى البعيد».

في حديث إلى «وكالة الصحافة الفرنسية»، أوضحت المعدّة الرئيسية للدراسة غريس ليو أنّ الذكاء الاصطناعي الذي يُشاد به لسرعته في العمليات الحسابية، يُعوّد الناس على توقع إجابة فورية، وهو ما «يسلبهم فرصاً للتعلّم».

وأضافت: «المقلق هو أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على أداء مهمة بعينها، بل يمكن توظيفه في مختلف الأنشطة الفكرية التي تعتمد على التحليل والاستنتاج»، على عكس الآلة الحاسبة التي تُساعد في حل المعادلات الحسابية، لكنها تترك عملية التفكير للمستخدم.

«توفير الجهد»

أظهرت دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2025 أن التلاميذ الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لكتابة موضوعات إنشائية هم أقلّ قدرة على التفكير النقدي.

وتدعم دراسات أخرى هذه النتيجة، مُسلطة الضوء على ظاهرة تُعرف باسم «التفويض المعرفي»، أو حتى «تراجع الانخراط الذهني».

وقال يوهان شوفالير، الباحث في مختبر علم النفس الاجتماعي والمعرفي التابع للمركز الفرنسي للبحوث العلمية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنّ «البشر يميلون بشدة إلى توفير الجهد».

وأضاف: «في حياتنا اليومية، غالباً ما نستخدم استراتيجيات تُوصلنا إلى الهدف بسرعة أكبر، من دون الخوض بالضرورة في المعلومات المُراد معالجتها، وهو أمر يتطلب جهداً معرفياً كبيراً»، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُعزز هذا الميل.

وتابع: «إذا كانت هناك أنشطة لا يمارسها الشخص مطلقاً، فإن دماغه الذي يعمل على أساس توفير الطاقة، لن يُكلّف نفسه عناء الحفاظ على روابط عصبية لا تُستخدم».

تطبيقات للذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

تحفيز التفكير

ولتقليل هذه الآثار والحد من الانتقادات، ابتكرت الشركات المتخصصة في نماذج الذكاء الاصطناعي أدوات تعليمية تقوم على النهج السقراطي، وتستهدف خصوصاً التلاميذ.

لا تُولّد روبوتات المحادثة إجابات تلقائية، بل تُقدّم تلميحات وتطرح أسئلة لتحفيز التفكير، مثل خاصية «دراسة» في «تشات جي بي تي» أو خاصية «التعلم الموجّه» في «جيميناي».

وأفادت شركة «مايكروسوفت» بأنها أضافت تنبيهات بشأن احتمال وقوع أخطاء، وتذكيرات بالتحقق من المعلومات، وتدابير متنوعة لتشجيع المستخدمين على المشاركة الفعّالة والنقدية في الإجابات التي تولدها الأداة.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» (أ.ف.ب)

وأشارت «مايكروسوفت» إلى أنّ «خطر الاعتماد المفرط على التفويض المعرفي قائم، خصوصاً عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي لأتمتة المهام التي تساعد بدورها في تطوير المهارات»، مشددة على أهمية تدريب المستخدمين على التعامل مع هذه الأدوات.

لا تزال ثمة حاجة إلى دراسات واسعة النطاق وطويلة الأمد لمعرفة التأثير الفعلي لهذه التكنولوجيا الجديدة على أدمغة البشر، على ما أكد باحثون.

وقال شوفالير: «يقع على عاتقنا استخدام الذكاء الاصطناعي بذكاء»، حتى وإن تطلب ذلك جهداً، مضيفاً: «سنتكيّف مع هذه الثورة التكنولوجية كما تكيّفنا مع الثورات السابقة».


دُور نشر تقاضي «غوغل» بتهمة استخدام كتب لتدريب الذكاء الاصطناعي

شعار شركة غوغل (رويترز)
شعار شركة غوغل (رويترز)
TT

دُور نشر تقاضي «غوغل» بتهمة استخدام كتب لتدريب الذكاء الاصطناعي

شعار شركة غوغل (رويترز)
شعار شركة غوغل (رويترز)

أقامت مجموعة من دُور نشر ومؤلفين دعاوى قضائية على شركة غوغل، الثلاثاء، يتهمونها فيها بانتهاك حقوق النشر عبر استخدام محتوى محميّ لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها، ثم إنتاج محتوى ينافس مباشرةً أعمال المؤلفين الأصليين.

جاء في الدعوى أن «حجم وسرعة قدرة نموذج (جيميناي) على إنتاج الكتب ومنافسة الكُتّاب البشر أمر غير مسبوق».

وأقيمت الدعوى أمام محكمة في نيويورك بصيغة دعوى جماعية من جانب دُور النشر «هاشيت بوك غروب» و«سنغيج ليرنينغ» و«إلسيفير»، إضافة إلى الكاتب سكوت تورو وشركته S.C.R.I.B.E للنشر، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتهم المدّعون «غوغل» بأنها «نسخت سراً ملايين الأعمال» التي كانت حصلت عليها عبر خدمة «غوغل بوكس» وخدمات أخرى لأغراض محددة، ثم استخدمت تلك المواد لتدريب نموذج الذكاء الاصطناعي «جيميناي».

كما يؤكدون أن المحتوى الذي يولّده «جيميناي» ينافس، بصورة مباشرة، الأعمال الأصلية التي ألّفها أصحاب الحقوق.

وأضافت الدعوى: «يقوم (جيميناي) حتى بتخصيص مُخرجاته لمحاكاة العناصر التعبيرية والخيارات الإبداعية لمؤلفين محددين».

وتُعد هذه أحدث قضية تتعلق بحقوق النشر تقام على شركات مطوّرة للذكاء الاصطناعي.

وكانت مجموعة من دُور النشر؛ من بينها «هاشيت» و«سنغيج» و«إلسيفير»، بالإضافة إلى سكوت تورو، قد أقامت، في مايو (أيار) الماضي، دعوى مماثلة على شركة «ميتا» أمام محكمة في نيويورك.

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، وافق قاض أميركي على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار بين شركة «أنثروبيك» وعدد من المؤلفين الذين اتهموها بنَسخ أعمالهم بصورة غير قانونية لتدريب نموذجها للذكاء الاصطناعي «كلود».

وشكَّل القرار انتصاراً جزئياً لـ«أنثروبيك»، إذ رأى القاضي أن استخدام الكتب لتدريب النموذج يمكن عدُّه «استخداماً عادلاً»، بموجب القانون الأميركي، في حين عدَّ أن استخدامات أخرى لمواد مُقرصنة غير قانونية.