ترمب يتأهّب للحرب مع إيران وهدفه الأول تدمير فوردو

مسؤولون أميركيون لـ«الشرق الأوسط»: «نافذة الدبلوماسية» شارفت على الإغلاق

جانب من الدمار في مقرّ التلفزيون الإيراني جرّاء ضربات جوية إسرائيلية يوم 19 يونيو (إ.ب.أ)
جانب من الدمار في مقرّ التلفزيون الإيراني جرّاء ضربات جوية إسرائيلية يوم 19 يونيو (إ.ب.أ)
TT

ترمب يتأهّب للحرب مع إيران وهدفه الأول تدمير فوردو

جانب من الدمار في مقرّ التلفزيون الإيراني جرّاء ضربات جوية إسرائيلية يوم 19 يونيو (إ.ب.أ)
جانب من الدمار في مقرّ التلفزيون الإيراني جرّاء ضربات جوية إسرائيلية يوم 19 يونيو (إ.ب.أ)

بينما لا يزال الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدرس خياراته للدخول على خط الحرب بين إيران وإسرائيل عبر توجيه ضربة قاصمة لما تبقى من البرنامج النووي الإيراني، رأى مسؤولون ومحللون أميركيون أن «نافذة الدبلوماسية» شارفت على الإغلاق، مرجحين أن يكون تدمير مفاعلات فوردو المُشيّدة في أعماق الأرض هدفاً أول للقوات الأميركية، ثم احتواء التداعيات التي تنجم عن ذلك بما في ذلك احتمال أن تقوم طهران باستهداف القواعد والمصالح الأميركية في أعالي البحار وأنحاء مختلفة من الشرق الأوسط.

إليوت أبرامز، المسؤول الذي عمل في مناصب رفيعة لدى 3 رؤساء أميركيين، هم رونالد ريغان وجورج بوش وترمب نفسه، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الولايات المتحدة «منخرطة» في الحرب الدائرة؛ إذ إنها «تساعد في الدفاع عن إسرائيل، وتزودها بالأسلحة»، عادَّاً أن «السؤال الحقيقي هو: هل ستضرب الولايات المتحدة موقع فوردو النووي؟». لكن الإجابة، وفق أبرامز، هي أن لا أحد يعرف ما سيقرره الرئيس ترمب، مضيفاً أن ترمب «مُحق، لكنني أعتقد في هذه المرحلة أن احتمال قيامه بذلك أكبر من نسبة 50 في المائة».

صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة فوردو النووية في إيران 14 يونيو (إ.ب.أ)

وهذا ما يوافق عليه الزميل الأول لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن براين كاتوليس، الذي عمل سابقاً لدى كل من مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع (البنتاغون). ورأى كاتوليس أن «الاحتمال وارد» في أن يدخل الرئيس ترمب الحرب، ولكن «لا أحد يعرف. حتى هو لا يعلم على رغم أنه حاول نسب الفضل لنفسه في الأضرار التي ألحقتها إسرائيل بإيران خلال الأيام الأولى من هذه الحرب». وأضاف أنه «إذا رأى (ترمب) فرصة لإحداث تأثير كبير من خلال العمل العسكري، فسيغتنمها». لكن «إذا قرّر الإيرانيون العودة إلى المحادثات وتغيير موقفهم بشأن أمور مثل التخصيب، فأعتقد أنه يمكنه بسهولة إرسال مفاوضيه للعودة إلى مسقط أو أي مكان آخر، والتوصل إلى اتفاق». وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن المسؤولين الأميركيين «قريبون للغاية من اتّخاذ قرار فعلي» في شأن انخراطهم المباشر المحتمل في الحرب، مرجّحاً حصول «ضربة عسكرية تُدمّر القدرات النووية في فوردو، ثم تُمهّد الطريق للحوار مع إيران، إما عبر عُمان أو روسيا».

خطران داهمان

وعبّر المحلل الأول لسياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة «هاريتاج فاوندايشن»، دانيال فليش، عن اعتقاده أن الرئيس ترمب «يُجهّز نفسه بالتأكيد» للتدخل في الحرب، ملاحظاً أنه «خلال الأيام القليلة الماضية، شهدنا نقل عدد كبير من الأصول العسكرية الجوية والبحرية نحو المنطقة». ولكنه في الوقت الراهن «لا يزال يدرس خياراته» و«يتوخى الحذر في اتخاذ قراراته». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «إذا اختار العمل بالتنسيق مع إسرائيل أو دعمها أو استباقها، فستكون لديه كل الموارد اللازمة لذلك».

جانب من الدمار في طهران جرّاء ضربات جوية إسرائيلية يوم 19 يونيو (أ.ف.ب)

ورأى أبرامز أن قيام الولايات المتحدة بخطوة عسكرية مباشرة ينطوي على «خطرين»، يتمثّل أولهما في أن «يحاول الإيرانيون مهاجمة سفننا أو قواعدنا الأميركية»، والآخر في أن يحاول الإيرانيون مهاجمة دول المنطقة «نوعاً من الانتقام». وعلى افتراض حصول ذلك، استبعد أبرامز أن يؤدي ذلك إلى «حرب واسعة النطاق في الشرق الأوسط».

ورأى كاتوليس، وهو خبير متمرس في شؤون الشرق الأوسط، أن «الخطر الأول» الذي قد ينجم عن التدخل المباشر للولايات المتحدة «يكمن في حال رأى النظام الإيراني أن هذه الخطوة لا تستهدف فقط القدرات النووية، بل تستهدف أيضاً قبضته على السلطة. فمن المرجح للغاية أن يردّوا بعنف أشد بكثير مما رأيناه بعد اغتيال (قائد «فيلق القدس» لدى «الحرس الثوري» الجنرال) قاسم سليماني عام 2020». وأضاف: «أعتقد أنهم لن يكبحوا أنفسهم كما فعلوا خلال المناوشات العام الماضي بين إسرائيل وإيران في أبريل (نيسان) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضيين»، متوقعاً أن يطلقوا صواريخ باليستية ضد الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، فضلاً عن احتمال استهداف السفارات الأميركية. ولفت إلى أن للولايات المتحدة مواطنين عاديين في كل أنحاء المنطقة، وبينهم 700 ألف في إسرائيل، وعشرات الآلاف في دول الخليج. لذا؛ قد تفعل إيران أشياء كثيرة من شأنها أن تُثير جدلاً أوسع في الولايات المتحدة حول جدوى خوض هذه الحرب، ولكنها قد تؤدي أيضاً إلى ردّ حاسم من ترمب». وحذّر من أنه «إذا استهدفت إيران القوات الأميركية، فقد يكون ذلك انتحارياً للنظام».

أهداف محتملة

صورة بالأقمار الاصطناعية لمفاعلات بوشهر في إيران 14 يونيو (إ.ب.أ)

ويُنبّه فليش إلى أن «الأمر الأكثر إلحاحاً هو أن الولايات المتحدة لديها نحو 40 ألف عسكري في كل أنحاء الشرق الأوسط، ناهيك عن موظفي السفارات والسياح»، فضلاً عن «الأصول البحرية الأميركية الموجودة في الخليج العربي وأماكن أخرى»، بالإضافة إلى «استهداف البنية التحتية النفطية في الخليج»، عادَّاً أن «هذا هو السبب، جزئياً، وراء قيام الولايات المتحدة بنقل حاملات طائرات إلى المنطقة لمحاولة إحباط أي رد فعل».

ولذلك؛ يؤيد أبرامز أن يوجّه ترمب «رسالة» مزدوجة إلى إيران مفادها: «انظروا، كل ما أفعله هو ضرب هذا الموقع النووي؛ لأنني أخبرتكم مراراً أنه لا يمكنكم امتلاك سلاح نووي. كان بإمكاننا فعل ذلك بالتفاوض. وأنتم ترفضون. انقضت الأيام الستون، وأنا أستهدف فوردو فقط. لا تفكروا في ضرب سفينة أميركية أو قاعدة أميركية وقتل أميركيين؛ لأن ذلك سيعني نهاية النظام».

وعبّر أبرامز عن اعتقاده أنه يجب توجيه رسالة مماثلة من مغبة استهداف دول المنطقة؛ لأنه «إذا توسعت هذه الحرب بضربات عبر الخليج، فسننخرط بشكل مباشر في تدمير جيشكم وإسقاط النظام». واستدرك أنه «يجب على ترمب أن يعرض التفاوض. يجب أن يقول: لقد أخبرتكم مليون مرة أنه لا يمكنكم امتلاك سلاح نووي؛ لذلك سأدمر فوردو حتى لا تتمكنوا من إعادة بناء برنامجكم النووي. الآن دعونا نتفاوض». ودعا إلى إجراء «مفاوضات جماعية، حيث يقدّم الإيرانيون كل هذه التعهدات، وترفع أميركا كل العقوبات، ويمكن لإيران أن تصبح دولة مزدهرة».

«فرصة» للدبلوماسية؟

وإذ ذكَّر فليش بأن الرئيس ترمب عرض على الإيرانيين 60 يوماً من الدبلوماسية، شكّك في «إمكانية التوصل إلى أي حلّ ودي، ناهيك عن المفاوضات»، لكنه رأى أنه «يمكن عدُّ العملية الإسرائيلية جزءاً من محاولة دفع الإيرانيين للعودة إلى طاولة المفاوضات». ولذلك، قال فليش: «أعتقد أن وقت الدبلوماسية قد انتهى على الأرجح».

جانب من الدمّار الذي حلّ بمستشفى سوروكا في بئر سبع جرّاء القصف الإيراني يوم 19 يونيو (رويترز)

وخلافاً لهذا الاعتقاد، رأى كاتوليس أن «هناك دائماً فرصة للحل الدبلوماسي»، علماً أن «الأمر يتعلق فقط بما إذا كان الطرفان الرئيسان سيختاران هذا المسار»، مُعبّراً عن اعتقاده أن «القرار في الغالب بيد إيران؛ لأن الرئيس ترمب كرّر أنه، على رغم تشككه في فرص الدبلوماسية، فإنه سيكون منفتحاً عليها». ولكنه نبّه إلى «عامل مفسد محتمل، وهو ما إذا كان الإسرائيليون سيقبلون نوعاً من التسوية التفاوضية في هذه المرحلة».

وأكد كاتوليس أن «الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا على تنسيق جيد من الناحية التكتيكية وعلى الصعيد العسكري»، موضحاً أنه رغم «عدم تورّط الولايات المتحدة بشكل مباشر»، فإن «إسرائيل ما كانت لتتمكّن من القيام بما تقوم به وما تواصل القيام به لولا التنسيق مع الولايات المتحدة».

وشدّد أبرامز على أن إيران «ليست في حاجة إلى التخصيب للحصول على طاقة نووية. كما تعلمون، تستورد الولايات المتحدة اليورانيوم المخصب من كندا، ومن روسيا، وهناك كثير من الدول التي لديها محطات طاقة نووية وتستورد اليورانيوم المخصب». وعبّر عن اعتقاده أن «الإيرانيين أساؤوا فهم ترمب والولايات المتحدة طوال هذا العام، وظنّوا أنهم يستطيعون خداعه وأنه سيقبل بصفقة سيئة كما فعل (الرئيس السابق باراك) أوباما»، آملاً في أن «يدركوا ذلك الآن ويعقدوا صفقة تُنهي برنامجهم النووي. وإلا، فسيكون هناك المزيد من الدمار».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض شهر أبريل الماضي (د.ب.أ)

ورأى كاتوليس أن «الحرب سياسة بوسائل أخرى، وللأسف، لم تُحدد إسرائيل خلال عام وثمانية أشهر بوضوح غاية نهائية مقبولة في كثير من المسارات التي شاركت فيها، ليس فقط في غزة، بل أيضاً في لبنان، والآن نرى ذلك مع إيران. ولهذا السبب؛ ينزلق الإسرائيليون نحو حروب لا نهاية لها»، علماً أن «أميركا منقسمة بشدة حول كثيرٍ من القضايا أكثر من أي وقت مضى. وأعتقد أن نظاماً مثل طهران، وكذلك خصومنا مثل الصين وروسيا، يدركون هذه الانقسامات ويسعون لاستغلالها لصالحهم».

أما فليش، فأكّد على رسالتين؛ الأولى أن «هذه ليست حرباً ضد الشعب الإيراني، بل هي حرب ضد النظام، الذي يحتجز الشعب الإيراني رهينة»، والأخرى هي أن «النظام الإيراني لا يُهدّد إسرائيل فحسب، بل يهدد المنطقة بأسرها، بما في ذلك أميركا».


مقالات ذات صلة

موسكو تكثف وساطتها بين إيران وإسرائيل لاحتواء التصعيد

شؤون إقليمية صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)

موسكو تكثف وساطتها بين إيران وإسرائيل لاحتواء التصعيد

كثف الكرملين، الجمعة، تحركاته الدبلوماسية لخفض التوتر بين إيران وإسرائيل، عبر سلسلة اتصالات أجراها الرئيس الروسي مع نظيره الإيراني ورئيس الوزراء الإسرائيلي

«الشرق الأوسط» (لندن-موسكو)
شؤون إقليمية سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)

احتجاجات إيران تخفت… وواشنطن تراقب دون حسم

في لهجة بدت أقل حدة أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أمله في استمرار تراجع إيران عن اللجوء إلى أحكام الإعدام بحق المحتجين

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية السفارة الأميركية في القدس (أرشيفية - رويترز)

أميركا تحذر رعاياها في إسرائيل وتحثهم على التأكد من صلاحية جوازات سفرهم

أصدرت السفارة الأميركية في إسرائيل، تحذيراَ أمنياَ لرعاياها في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب)

تركيا تكثف مساعيها لتهدئة التوتر في إيران وإبعاد خطر التدخل الخارجي

عبّرت تركيا عن قلقها إزاء الوضع في إيران وأكدت ضرورة إجراء حوار من أجل تخفيف التوترات في المنطقة وسط مخاوف من تدخلات خارجية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية متظاهرات يحملن صور الإيرانية مهدية أسفندياري في طهران أكتوبر الماضي للمطالبة بإطلاق سراحها من سجن فرنسي (أ.ف.ب)

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس الثلاثاء وسط تعقيدات

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس، الثلاثاء، وسط تعقيدات قانونية ودبلوماسية وطهران تسعى لـ«مقايضة» أسفندياري بالفرنسيين كوهلر وباريس المحتجزين في إيران.

ميشال أبونجم (باريس)

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
TT

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

أنعش تشكيل «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» لإدارة قطاع غزة وعقد أول اجتماعاتها في القاهرة، الجمعة، آمال تحريك الجمود القائم بشأن ملف «إعادة الإعمار» بعد عراقيل إسرائيلية تسببت في عدم انعقاد «مؤتمر إعادة الإعمار» الذي كان مقرراً أن تستضيفه مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حتى الآن، وسط رؤى مختلفة بشأن «الإعمار الجزئي» أو «الكلي» للقطاع.

وأكد رئيس اللجنة الفلسطينية علي شعث، في تصريحات إعلامية، الجمعة، أن أهم خطوة بالتزامن مع تشكيل اللجنة تمثلت في «إنشاء صندوق مالي خاص ضمن البنك الدولي، خُصص رسمياً لتمويل إعمار قطاع غزة وإغاثة سكانه».

وأوضح أن أولى الخطوات العملية الملموسة في خطة إعادة التأهيل والإعمار ستكون توريد وتركيب 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع (كرفانات) بشكل عاجل وغير آجل إلى القطاع، مشيراً إلى أن «الإسكان مهم جداً بعد دمار أكثر من 85 في المائة من المنازل» في غزة.

وما زال «إعمار قطاع غزة» يكتنفه الغموض مع مساعٍ إسرائيلية إلى «إعمار جزئي» في مناطق سيطرتها، وهو ما يتناغم مع موقف أميركي يتبنى هذا الخط، في حين قال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية تميم خلاف، في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، الشهر الماضي، إن مصر تهدف إلى «إطلاق مسار متكامل بشأن إعمار غزة».

وتسعى مصر لتفعيل أدوار اللجنة مع تمكينها من أداء عملها من داخل قطاع غزة. وتوقع وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن يتم الدفع بـ«لجنة إدارة غزة إلى داخل القطاع قريباً لإدارة الأمور الحياتية»، مشدداً، خلال مؤتمر صحافي أثناء استقباله نظيره البوسني إلمدين كوناكوفيتش، على «أهمية التزام إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة، ونشر القوة الدولية، والتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

في حين أكد علي شعث خلال لقائه وأعضاء لجنته برئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، السبت، أن «أولويات اللجنة ترتكز على تحسين الوضع الإنساني المعيشي لمواطني القطاع»، مشيراً إلى أن «اللقاء ناقش الخطوات اللازمة لتسلّم اللجنة كافة مهامها بالقطاع».

عضو المجلس الثوري لحركة «فتح»، أسامة القواسمي، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن تشكيل «لجنة إدارة غزة» خطوة إيجابية تمثل تطبيقاً عملياً للمرحلة الثانية، مشيراً إلى أن السلطة الفلسطينية كانت أولوياتها تتمثل في عدم استئناف الحرب مرة أخرى، وتثبيت المواطنين في القطاع، ثم الاتجاه لخطوات إعادة الإعمار.

وأوضح أن مهام اللجنة واضحة، وتتعلق بالترتيبات الداخلية، وتحقيق استتباب الأمن، وتجهيز البنية التحتية الملائمة لإعادة الإعمار، إلى جانب إغاثة الشعب الفلسطيني في غزة، مضيفاً: «هناك تفاؤل فلسطيني بأن تكون المرحلة الثانية أخف وطأة على أهالي القطاع من الفترات السابقة. والآمال منعقدة على ألا يكون هناك عوائق من جانب إسرائيل».

وأشار إلى أن سياسة «الصبر الاستراتيجي» التي اتبعتها السلطة الفلسطينية، إلى جانب الدول العربية والأطراف الإقليمية، نحو الضغط على الولايات المتحدة الأميركية لدفع إسرائيل إلى «المرحلة الثانية»، ستكون حاضرة أيضاً بشأن تنفيذ باقي الاستحقاقات، ومنها إعادة الإعمار، مع الانفتاح على المجتمع الدولي للمساهمة في عملية التعافي المبكر، واستمرار تثبيت وقف إطلاق النار.

رئيس جهاز المخابرات العامة المصري اللواء حسن رشاد يستقبل رئيس «لجنة إدارة غزة» علي شعث في القاهرة السبت (مواقع إخبارية رسمية)

وكان رئيس «هيئة الاستعلامات المصرية» ضياء رشوان، أكد في تصريحات إعلامية الخميس، أن «لجنة إدارة غزة» ستتولى ملفَّي الخدمات والإعمار خلال المرحلة المقبلة.

وبدأت «لجنة التكنوقراط» الفلسطينية لإدارة غزة اجتماعها الأول في العاصمة المصرية يوم الجمعة، ومن المقرر أن تدير اللجنة مؤقتاً قطاع غزة تحت إشراف «مجلس السلام».

وأكد المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في قطاع غزة، عماد عمر، أن الأيام المقبلة سوف تحدد مدى قدرة اللجنة على تنفيذ الاستحقاقات المتعلقة بتحسين الأوضاع على الأرض، في ظل استمرار إسرائيل في استهداف الفلسطينيين يومياً، مشيراً إلى أن بدء عمل اللجنة يعد «باكورة تفكيك أزمات الملف الإنساني مع تعنت إسرائيل في تطبيق البروتوكول الذي ينص عليه وقف إطلاق النار».

وينص «البروتوكول» الذي يعد ضمن متطلبات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، على «دخول 600 شاحنة يومياً من المساعدات الإغاثية والإنسانية، منها 50 شاحنة مخصصة للوقود، مع تخصيص 300 شاحنة من الإجمالي لمنطقة شمال غزة لضمان وصول الإغاثة لكافة الأنحاء».

وأضاف عمر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الانخراط في أي خطوات إجرائية تستهدف التمهيد لإعادة الإعمار، يبقى رهن الدور الأميركي لدفع إسرائيل نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وبدء عمل باقي الهيئات المنوط بها إدارة القطاع، بما فيها «مجلس السلام» و«قوة الاستقرار»، مشيراً إلى أن مهمة «لجنة التكنوقراط» تتمثل في تقديم الخدمات، وتفكيك الأزمة الإنسانية، وإعادة تشغيل الصحة والتعليم، وإصلاح البنية التحتية، وضبط الأمن، وتأمين وصول المساعدات.

وأشار إلى أن الاختراق الآني بشأن إعادة الإعمار يمكن أن يتمثل في الضغط على إسرائيل لسماحها بدخول المعدات الثقيلة لإزالة الركام واستخراج جثامين الفلسطينيين، إلى جانب تهيئة البنية التحتية في الشوارع، وإيجاد حلول لأزمات الصرف الصحي.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتوقع عمل «لجنة إدارة غزة» من داخل القطاع قريباً (الخارجية المصرية)

وحذّر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات دعم المشاريع، خورخي موريرا دا سيلفا، الخميس، من أن إعادة إعمار غزة لا تحتمل التأجيل، وذلك عقب عودته من مهمته الثالثة إلى القطاع الفلسطيني الذي دمرته سنتان من الحرب، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي قدّرت الاحتياجات بأكثر من 52 مليار دولار.

وكان المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، أعلن الأربعاء الماضي إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المكوّنة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة، وقال إنها «تنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وتأسيس حكم تكنوقراط، والشروع في إعادة الإعمار».


إيرانيون غادروا بلادهم يروون «كابوس» قمع الاحتجاجات الشعبية

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

إيرانيون غادروا بلادهم يروون «كابوس» قمع الاحتجاجات الشعبية

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

في العاشر من يناير (كانون الثاني) شاهد «كيارش» في طهران مسلحاً يرتدي رداء فضفاضاً، ثم رأى متظاهرين يسقطون بين الحشود، ويؤكد أنه لو التفت في الاتجاه الخاطئ لكان قد مات هو أيضاً. وقال الإيراني البالغ 44 عاماً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الهاتف من ألمانيا؛ حيث يعيش: «سمعت صوت طلقات... ورأيت بأم العين 3 أشخاص يسقطون أرضاً».

وأضاف الرجل بعدما شهد القمع العنيف لحركة الاحتجاج في بلده الأم، أن رجلاً بجانبه كان يصرخ ويده ملطخة بدماء رفيقته، غير مصدق أنها أصيبت. وأكد «كيارش» الذي لم يرغب في ذكر اسمه كاملاً، أن المشهد «صار كابوساً» يراوده كل ليلة، مؤكداً قناعته بأنه «لو كان مطلق النار أعسر لكنتُ ميتاً».

وشارك «كيارش» في الاحتجاجات بعد ساعات من مشاهدته عن قرب ألم العائلات في مقبرة «بهشت زهرا» (جنة الزهراء) الشاسعة في جنوب طهران؛ حيث تكدست أكياس الجثث مع توافد الآلاف لتسلم جثامين أحبائهم، ومنهم سيدة صرخت طالبة المساعدة في نقل جثمان ابنها.

وروى الموظف السابق في شركة لوجستية أن: «أكثر من 1500 جثة؛ بل ما قد يصل إلى ألفين، كانت في مستودع واحد». وتذكر أيضاً الهتافات التي تؤبِّن الموتى، وتُندِّد بالمرشد الإيراني علي خامنئي، صاحب الكلمة الفصل في السياسات العليا للبلاد.

لم تتدخل قوات الأمن في الدفن، ولكنها منعت توثيق المشاهد، وفق «كيارش». ولفت إلى نداءات التبرع بالدم لكثير من الجرحى الذين أصيب معظمهم في أقدامهم، في مدينة آمل شمال إيران؛ حيث تعيش عائلته.

«لم يتفرَّق الناس»

إيرانيون يسيرون في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

ومنذ الثامن من يناير، حجبت السلطات بشكل كامل الاتصال بالإنترنت، فباتت بعض مقاطع الفيديو التي تتسرب عبر منصات التواصل، أو شهادات من فرُّوا من إيران، الوسيلة الوحيدة لتبيان بعض مما يجري. وتحدثت منظمة «نتبلوكس»، يوم السبت، عن عودة «محدودة جداً» للإنترنت في إيران. أما الاتصالات الدولية فباتت ممكنة من يوم الثلاثاء، ولكن فقط للمكالمات الصادرة.

ومن خلال تعطيل انتشار صور الاحتجاجات، ومنع المتظاهرين من التنظيم، سمح التعتيم للسلطات بإخفاء مدى القمع الذي أودى بحياة آلاف، وفق ما أكدت منظمات غير حكومية وخبراء.

وقالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» التي تتخذ مقراً لها في النرويج، إنها تلقت: «روايات مروعة مباشرة عن قتل متظاهرين في أثناء محاولتهم الفرار، واستخدام أسلحة حربية، وإعدام متظاهرين جرحى في الشارع».

وروى «كاوه» (اسم مستعار) أن الأجواء في طهران كانت غير معتادة يوم الخميس الماضي. فمع حلول الظلام، خلت الشوارع المزدحمة عادة، وأُغلقت المحال، وسرعان ما قُطع الاتصال بالإنترنت. في ذلك المساء، وعلى غرار مدن إيرانية أخرى، نصب متظاهرون عوائق، وأضرموا النار في حاويات قمامة، حسبما قال الشاب البالغ 33 عاماً من بريطانيا، بعد مغادرته بلاده مؤخراً.

وتذكَّر أنه بعث رسالة نصية إلى زوجته يقول فيها: «لا يوجد إنترنت، أنا بخير، أحبك». ولكن الرسالة لم تصل. ولم يمنع الحجب تسريب مقاطع فيديو على وسائل التواصل، غالباً باستخدام إنترنت متصل بالأقمار الاصطناعية. وتظهر في بعضها سيارات شرطة ومساجد محترقة، ويُسمع في أخرى دوي انفجارات.

وأكد «كاوه» الذي شارك في مظاهرات طهران يوم التاسع من يناير، وقوع «إطلاق نار من بنادق هجومية ورشقات نارية»، وقال: «كنا نسمع سلسلة من الطلقات النارية كل 10 دقائق»، رغم أنه لم يشهد مباشرة إطلاق نار، ولكنه أضاف أن «الناس لم يتفرقوا. وعادة بعد إطلاق النار يتفرق الناس، ولكن هذه المرة بقوا في أماكنهم».

التعرف عليه من خلال وشومه»

إيرانيون يتظاهرون أمام السفارة الإيرانية في أثينا باليونان تضامناً مع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في بلادهم (أ.ب)

من جانبه، وصف فنان يبلغ 39 عاماً طلب عدم كشف هويته، طهران، في رسالة إلى صديق، بأنها «تبدو كمنطقة حرب». وبالمثل، روى مصور صحافي يُدعى محمد «خوفه من اندلاع حرب أهلية، نظراً للتحول العنيف للغاية الذي شهدته هذه المظاهرات السلمية في البداية».

وأكد صالح علوي زاده -وهو ممثل ومخرج إيراني يقيم في فرنسا- لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن شخصين من معارفه قُتلا خلال الاحتجاجات، قائلاً: «أُصيب ممثل مسرحي شاب برصاصة في رأسه. ولأن ملامح وجهه لم تعد قابلة للتمييز، اضطروا إلى التعرف عليه من خلال وشومه». وأضاف: «في البلاد، يعرف الجميع على الأقل شخصاً واحداً قُتل في هذه الاحتجاجات».

وتراجع زخم الاحتجاج في الأيام الماضية، ولم تقدم السلطات الإيرانية حصيلة رسمية للقتلى حتى الآن، وتُندد بـ«مخربين ومثيري شغب»، وتتهم إسرائيل والولايات المتحدة بدعمهم.

وتبثُّ وسائل الإعلام الرسمية باستمرار مشاهد مسيرات دعم للحكومة، ومراسم تشييع تكريماً لعناصر من قوات الأمن قُتلوا في الاحتجاجات. وتعرض لافتات في العاصمة صوراً لمركبات تعرضت للتخريب مع رسالة تقول: «هذه ليست احتجاجات»، و«يتضاءل أملنا».

ومنذ عودة الاتصالات الهاتفية، تمكَّن المغتربون الإيرانيون الذين عرفوا القلق لأيام من الحصول على أخبار من أقربائهم، عبر مكالمات قصيرة مكلفة مادياً، وقد تنطوي على مخاطر أمنية. ويكتفي الإيرانيون عموماً باستخدام كلمات بسيطة لطمأنة أحبائهم، خشية اعتراض السلطات الرسائل عبر خدمة «ستارلينك» أو الخطوط الأرضية، واستخدامها لاتهامهم بالتعامل مع دول أجنبية.

أعطى «كاوه» أصدقاءه المشتركين في خدمة «ستارلينك» قائمة بأرقام هواتف للاتصال بأصحابها، وقال لهم: «أخبروني إن كانت أمورهم على ما يرام أم لا فقط، من دون الخوض معهم في التفاصيل».

ورغم حملة القمع الشديدة، يرى إيرانيون أن اندلاع مزيد من الاحتجاجات مسألة وقت لا أكثر. ويؤكد «كاوه» أن الحراك الأخير «منح الأمل لكثيرين، ولكن مع كل فشل للاحتجاج يتضاءل أملنا أكثر فأكثر». ولكن «كيارش» يرى أمراً أكيداً ردده لنفسه في طريقه نحو المطار لمغادرة إيران، وهو: «لن يبقى شيء على ما كان عليه».


ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، إن الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران.

واتهم ترمب الزعيمَ الإيراني علي خامنئي بالمسؤولية عمّا وصفه بـ«التدمير الكامل لبلاده... وقتل شعبه واستخدام العنف بمستويات غير مسبوقة» في التعامل مع الاحتجاجات المستمرة في مناطق مختلفة من إيران منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وهاجم ترمب النظام الإيراني، وقال لموقع «بوليتيكو» الإخباري إن طهران «تعتمد على القمع والعنف» في الحكم، وإن إيران باتت أسوأ مكان للعيش في العالم؛ بسبب «سوء القيادة».

كان خامنئي وصف ترمب، في وقت سابق اليوم، بأنه «مجرم»؛ بسبب الخسائر والأضرار التي ألحقها بإيران، مؤكداً أن الولايات المتحدة دعمت ما وصفها بـ«الفتنة» في إيران بوصفها مقدمةً لعمل أكبر كانت تريد تنفيذه.

واندلعت الاحتجاجات في 28 ديسمبر على خلفية مصاعب اقتصادية، وتطورت إلى مظاهرات واسعة النطاق تطالب بإسقاط نظام الحُكم في إيران.

وهدَّد ترمب مراراً بالتدخل، وتوعَّد باتخاذ «إجراء قوي للغاية» إذا أعدمت إيران محتجين.

لكنه شكر قادة طهران، أمس (الجمعة)، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً إنهم تخلوا عن فكرة الإعدام الجماعي. وقالت إيران إنه لم تكن هناك «خطة لإعدام الناس شنقاً».

وقالت جماعات حقوقية إن حملة ​القمع العنيفة التي شنَّتها قوات الأمن الإيرانية ضد المحتجين أودت بحياة أكثر من 3 آلاف شخص.