مصر: شراء العقارات الجديدة عملية سهلة لكن إعادة بيعها «صعبة»

كثيرون لجأوا إليها لحفظ قيمة مدخراتهم بعد تدهور الجنيه

مشروعات سكنية مصرية (وزارة الإسكان المصرية)
مشروعات سكنية مصرية (وزارة الإسكان المصرية)
TT

مصر: شراء العقارات الجديدة عملية سهلة لكن إعادة بيعها «صعبة»

مشروعات سكنية مصرية (وزارة الإسكان المصرية)
مشروعات سكنية مصرية (وزارة الإسكان المصرية)

تحاول نادية محمد (60 عاماً)، مقيمة بالجيزة (غرب القاهرة)، إعادة بيع وحدتها التي اشترتها مطلع العام الماضي داخل أحد التجمعات السكنية الجديدة بنطاق التوسعات الشمالية بالقرب من مدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة)، إلا أنها منذ شهور لم تجد مشترياً للوحدة المكونة من 3 غرف ويصل إجمالي ثمنها لأكثر من 10 ملايين جنيه (الدولار يساوي 49.75 في البنوك) تدفع بالتقسيط على 8 سنوات، سددت منها ما يناهز 1.6 مليون جنيه بالفعل، بينما يتبقى على التسلم أكثر من عامين.

الادخار في العقارات

تقول نادية لـ«الشرق الأوسط» إنها اشترت الوحدة قبل تعويم الجنيه الأخير في مارس (آذار) 2024، أملاً في الحفاظ على قيمة النقود وسط الشائعات الكثيرة حول سعر الصرف المرتقب مع وعود بسهولة إعادة البيع من «البروكر» الذي تعاملت معه، لافتة إلى أنها سددت 3 أقساط وتحاول البيع قبل موعد القسط الرابع في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل بنفس المبالغ التي دفعتها تقريباً، وقد تضطر لقبول سعر أقل بدلاً من خسارة إلغاء التعاقد مع الشركة، وتحمل خسارة 15 في المائة من ثمن الوحدة.

الحكومة المصرية تبني أبراجاً سكنية للإسكان الفاخر - - وزارة الإسكان المصرية

وكان البنك المركزي المصري قد قرر في مارس 2024 تحرير سعر الصرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، لتنخفض قيمة العملة المحلية ويعادل سعر الدولار الواحد 50 جنيهاً، بعدما كانت مستقرة لأشهر عند حدود 30.85 جنيه للدولار.

موقف نادية لا يختلف كثيراً عن موقف إيمان، السيدة الأربعينية التي تعمل بالقطاع الخاص واشترت شاليهاً قبل عامين في الساحل الشمالي من أجل حفظ قيمة أموالها، ورغم أن المشروع سيتم تسليمه نهاية العام الحالي فإنها تحاول بيع الوحدة اليوم بسعر أقل من سعر الشركة، ولكن لا تجد مشترياً يرد لها كامل ما دفعته مع السعر الذي تراه عادلاً من وجهة نظرها.

تقول إيمان لـ«الشرق الأوسط» إنها اشترت من الشركة مع مطلع أكتوبر 2022، ووقتها كان سعر صرف الدولار يزيد قليلاً على 19 جنيهاً، وسعر الوحدة في الشركة آنذاك على أقساط ممتدة حتى 2023 بلغ نحو 2.5 مليون جنيه، لكنها اليوم لا تجد مشترياً للوحدة بمبلغ 6 ملايين جنيه تريد أن تحصل عليها دفعة واحدة.

وينفذ عدد من الشركات الخاصة مشروعات سكنية عملاقة تضم آلاف الوحدات يفترض أن يتم تسليمها خلال السنوات الخمس المقبلة بالكامل، وهي مشروعات تصاحبها حملات إعلانية ضخمة في شوارع القاهرة.

ركود

الكاتب المتخصص في مجال العقارات محمود الجندي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن سوق العقارات تعاني من الركود في الوقت الحالي، فما حدث بين 2021 و2023 ظهرت آثاره راهناً مع بيع أعداد كبيرة من الوحدات رغبة في الربح السريع عبر شراء وحدات سكنية وبيعها على الفور بأسعار أعلى، من دون امتلاك حائز الوحدة على المبالغ اللازمة لاستكمال الأقساط، مشيراً إلى أن بعض الشركات بدأت تتنبه لهذا الأمر، ورهنت إعادة البيع باستكمال ثمن الوحدات بالكامل.

وأضاف أن المطور العقاري يحصل على 10 في المائة من قيمة الوحدة عند إعادتها للشركة، وهي نسبة لم يعد هناك مجال للتسامح فيها في ظل سداد المطور لإعلانات ترويجية وعمولات للبروكر وغيرها من التكاليف، مشيراً إلى أن هناك شركات تقدم كل عام تسهيلات أكبر من العام السابق بالسداد حتى وصلنا إلى فترة سداد تمتد لـ15 عاماً في بعضها مع عدم دفع أي مقدمات.

ملاك العقارات الجديدة يواجهون صعوبات في إعادة البيع- - وزارة الإسكان المصرية

وهنا يشير المطور العقاري أحمد صقر لـ«الشرق الأوسط» إلى وجود ما أسماه «زبون الخوف» الذي اشترى خلال أزمة عدم استقرار سعر الصرف وحدات لا يحتاج إليها ولا يملك ثمنها، أملاً في الحفاظ على قيمة أمواله، وبالتالي ليس لديه القدرة اليوم على إعادة بيعها أو استكمال أقساطها، لافتاً إلى أن الرغبة في بيع الوحدات لدى هؤلاء الزبائن تتزامن مع وجود أعداد أكبر من الوحدات ضمن المشاريع لم يتم بيعها ويرغب المسوق في بيعها.

استثمار عقاري

رأي يدعمه المطور العقاري أحمد الشناوي الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن السوق تمر بمرحلة تحمل وفرة في إعادة البيع بشكل كبير لأسباب عدة، في مقدمتها الراغبون في إعادة تسييل أموالهم مرة أخرى وانتهاء فترة المضاربة في العقارات والرهان عليها لفترات قصيرة، مشيراً إلى أن الاستثمار العقاري يحتاج لسنوات عدة وليس شهوراً كما حاول بعض المطورين إيهام قطاع من المواطنين اشتروا بالفعل واليوم يحاولوا إعادة البيع.

وأضاف أن الفئة الأكبر ليس لديها قدرة مالية على استكمال الأقساط، وبالتالي مضطرة للبيع حتى ولو بخسارة مالية، لافتاً إلى أن اليوم يمكنك شراء 100 عقار في مواقع مختلفة من دون مقدم وبتسهيلات في السداد، لكن في المقابل لن تتمكن من بيع عقار واحد بنفس سهولة الشراء.

وواجهت مصر على مدار سنوات مشكلة في توافر الوحدات السكنية، وهي مشكلة استمرت على مدار عقود، لكن من عام 2015 وحتى منتصف 2024 نفذت الحكومة أكثر من مليون وحدة سكنية، فيما نفذ القطاع الخاص أكثر من مليون وحدة، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

مشروعات سكنية مصرية - وزارة الإسكان المصرية

ومنذ أبريل (نيسان) الماضي، بدأت وزارة الإسكان في طرح 400 ألف وحدة سكنية متنوعة موزعة على أغلب محافظات الجمهورية على مدار عام، وهي وحدات تتنوع ما بين الإسكان الاجتماعي والمتوسط والفاخر، مع تباين فترات تسليم كل مشروع بحسب موقعه ومدى جاهزيته وإتاحة فرص السداد بنظام التمويل العقاري مع البنوك المختلفة.

وفرة المعروض

وبحسب رئيس لجنة «الإسكان» بمجلس النواب (البرلمان) محمد الفيومي، فإن السوق تخضع لقواعد العرض والطلب، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «السوق تعاني من اضطراب في الوقت الحالي مع وجود عدد كبير من الوحدات الجاهزة، وأخرى جرى الانتهاء من بنائها لكن لم تقطن بعد»، مشيراً إلى أن «وفرة المعروض من العقارات ستزيد مع اعتماد المجلس لتعديلات قانون (الإيجار القديم) التي ستتيح وحدات قائمة بالفعل للإيجار».

وهنا يشير صقر إلى أن بعض الصعوبات التي تواجه المطورين العقاريين مرتبطة بالتسهيلات المبالغ فيها، والتي زادت من قيمة الوحدات مع تحميلها لأسعار الفائدة المتوقعة، مشيراً إلى أن بعض المشروعات يتضاعف فيها سعر الوحدة بسبب الفائدة المركبة التي يضعها المطور بالسعر، الأمر الذي لعب دوراً في زيادة الأسعار.


مقالات ذات صلة

«داماك» تسجل مبيعات قياسية بـ9.8 مليار دولار في 2025

عالم الاعمال «داماك» تسجل مبيعات قياسية بـ9.8 مليار دولار في 2025

«داماك» تسجل مبيعات قياسية بـ9.8 مليار دولار في 2025

قالت شركة «داماك» العقارية إنها تدخل «حقبة جديدة» من مسيرتها، بعد عام استثنائي حققت خلاله مبيعات قياسية بلغت 36 مليار درهم (9.8 مليار دولار) في 2025.

«الشرق الأوسط» (دبي)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص توجيهات ولي العهد تخفض عقارات الرياض 3%

شهدت العاصمة السعودية انخفاضاً في أسعار العقارات بنسبة 3 في المائة خلال الربع الأخير من العام الماضي.

بندر مسلم (الرياض)
خاص رسم تخيلي لمشروع «دار غلوبال» مع منظمة ترمب في الدرعية بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط) play-circle 03:04

خاص رئيس «دار غلوبال»: السعودية سوق عقارية جاذبة ومن الأكبر في «العشرين»

قال الرئيس التنفيذي لشركة «دار غلوبال» العقارية، زياد الشعار، إن السوق السعودية تُعد اليوم من أكبر الأسواق العقارية في دول مجموعة العشرين

مساعد الزياني (الرياض)
عالم الاعمال «بريبكو» و«وزارة العدل» الجورجية توقّعان مذكرة تفاهم استراتيجية

«بريبكو» و«وزارة العدل» الجورجية توقّعان مذكرة تفاهم استراتيجية

أعلنت «بريبكو»، منصة التكنولوجيا العقارية وترميز العقارات، عن توقيع مذكرة تفاهم مع وزارة العدل في جورجيا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص عقارات سكنية وتجارية بالعاصمة الرياض (الشرق الأوسط)

خاص السوق العقارية السعودية تودِّع «المضاربات» في 2025 وتستقبل عصر «القيمة الحقيقية»

لم يكن عام 2025 مجرد محطة زمنية في مسيرة العقار السعودي؛ بل كان عاماً «تصحيحياً»؛ حيث نجح «المشرط» التنظيمي الحكومي في استئصال أورام المضاربة السعرية.

محمد المطيري (الرياض)

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.