محمد عيسى المؤدب: «سؤال الهوية» هاجس مركزي في رواياتي

الأديب التونسي تعلم بلاغة التدوين من أهازيج والدته

 محمد عيسى المؤدب
محمد عيسى المؤدب
TT

محمد عيسى المؤدب: «سؤال الهوية» هاجس مركزي في رواياتي

 محمد عيسى المؤدب
محمد عيسى المؤدب

لا تبرح الرواية الأحدث للكاتب التونسي محمد عيسى المؤدب «الجندي المجهول» ولعه بالغوص في مناطق مجهولة من التاريخ بحثاً عن معان تتعلق الوطن والتسامح الإنساني.

وعبر رواياته الخمس السابقة «في المعتقل»، «جهاد ناعم»، «حمّام الذهب»، «حذاء إسباني»، «بلاص دِيسكا»، ينشغل المؤدب بقضية الهوية بعدّها مسألة وجودية تخص حاضر ومستقبل الأوطان، و«ليست ترفاً آيديولوجيا يمارسه بعض المثقفين في أوقات فراغهم؟

هنا حوار معه:

> رغم تنوّع حكايات الشخصيات في روايتك الأخيرة «الجندي المجهول» لكنها تلتقي في سمة واحدة عنوانها العريض الألم والفقد والوحدة في مواجهة مناخات قاسية إنسانيّاً... ألم تتخوّف من زيادة جرعة الحسّ المأساوي في النص؟

- في الحقيقة أتجنّب في رواياتي ما أعدّه «نكداً»، واستدعائي ذوات مُختلفة أو مُتنوّعة نفسياً وثقافيّاً يندرجُ في إطار تنوّع طرق مقاومة الألم بأشكاله المُختلفة. وما تُعالجه الرّواية هو التّناسق أو ما اُسمّيه التّعايش بين مقاومة ذوات شعبيّة مهمّشة ومقاومة بلد، هو تونس. هذا البلد ظلّ يتصدّى للحركات الاستعماريّة منذ القرن السّادس عشر ميلاديّاً: الإسبان، العثمانيّين، الفرنسيّين، والمتطرّفين، فكيف لا تنتصرُ هذه الذّوات في نهاية الأمر؟

من سيقرأ الرّواية فسيعرفُ أنّ حضور الحسّ المأساوي موظّف في سياق البناء العام، أو ما تتطلّبه الحبكة الفنيّة، فالحريّة ليست معطى جاهزاً، وإنّما هي تُفتكّ من فم العبوديّة، وكذلك السّعادة، لا يُمكن أن نتلذّذ بالسّعادة إلّا بعد رحلة مُقاومة للألم.

> تحوّل قبر الجندي المجهول في العمل إلى بطل يُطلّ من شرفة التّاريخ عبر تجارب وأجيال ومشاعر... ما المعنى الذي أردت توصيله من خلال ذلك القبر الذي حار البعض في تأويل رمزيته؟

- تطرحُ الرّواية سؤالاً مركزيّاً: من الجنديّ المجهول الذي تتحدّث عنه الرّواية، الذي يقبعُ قبره في قلب أحد أنهج المدينة العتيقة، ويتبارك به التجّار والسكّان، كما رفضوا إزالته رغم جهلهم بمن يكون؟ شخصيّاً حيّرني هذا القبر عندما كنتُ أمرُّ بسوق «السكّاجين» بتونس العاصمة، لم أعثر على مُدوّنة تاريخيّة تُعرّف به، وتُزيل الغموض حوله. كلّ ما صادفني مجرّد حكايات شفويّة مُتنوّعة لا تُقدّم معلومة أو شخصاً محدّداً، هي أقرب للخرافة وللأسطورة، وفي الرّواية تحوّل إلى بطلٍ فعلاً يُحرّك الأحداث عبر تجارب أجيال على امتداد مئات السّنين.

شخصيّاً أعجبني ما قاله الإعلامي والرّوائي التونسي ماهر عبد الرّحمن عن الجندي المجهول بعد أن قرأ الرّواية: «إنّه الجنديّ الرّمز رغم اختلاف الرّوايات حوله. فمع مسارد السّرد، نكتشف كلّ مرّة شخصيّة جديدة. وفي الأخير، نفهم أنّ ذاك الجندي المجهول، وبغضّ النّظر عمّن يكون حقيقة، ليس سوى ذاك المواطن التّونسيّ الذي يظلّ مجهولاً، لكنّه هو الذي كان ينتقم دائماً للشّرف التّونسي، والتّراب التّونسي من المستعمرين».

> تتّخذ بعض الشخصيّات من الحكي والتّدوين وسيلة لمواجهة الحزن... إلى أي حدّ ترى في الأمر استراتيجيّة ناجعة، وهل تفعل الأمر نفسه في حياتك مؤلّفاً؟

- في ذاكرتي صورة أمّي رحمها الله تُدير الرّحى التّقليديّة لطحن الحبوب وهي تُردّدُ بعض المواويل والأهازيج الشّعبيّة، كنتُ أُتابعها بشغفٍ وأحفظ الكثير ممّا كانت تُردّده، ثمّ عرفتُ أنّها كانت تتخفّفُ من تعبها وأحزانها بذاك الغناء الشّعبي الذي وظّفتُه في العديد من قصصي القصيرة. أنا نفسي وجدتُ مع الكتب، ثمّ مع الكتابة شرفةً، أو شرفاتٍ، لمواجهة الأحزان وتعكّرات الحياة.

لا أدري ماذا كنت سأفعل خارج عالم الكتب، أو خارج عوالم الخيال، أو الحيوات البديلة التي تُسعفنا بالكثير من الحلول. تُقدّم لنا الكثير من الشّخصيّات أيضاً جرعات سعادة حقيقيّة، وفعلاً أعيش هذا مع شخصيّاتٍ من داخل رواياتي، مع نساء، أو مع أبطال خاضوا تجارب ومغامرات، مثل شخصيّة الضّابط الإسباني مانويل قريقوري في روايتي «حذاء إسباني»، فقد هرب من ديكتاتوريّة فرانكو ومن أهوال الحرب الأهليّة الإسبانيّة عام 1939، واستطاع هذا البحّار أن ينتصر على الخوف والموت بالفنّ والكتب وقصائد غارسيا لوركا وكذلك بالحبّ.

> يبدو التاريخ التونسي حاضراً بقوّة في أعمالك ويلقي بظلاله، بشكلٍ أو بآخر، على الحاضر...

- فى رواياتي الستّ اشتغلتُ على مواضيع شائكة وخطيرة، تاريخيّاً وجغرافيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً. كتبتُ عن آفات عميقة مُتغوّلة تمزّق نسيج الهويّة التونسيّة لتُكرّس الجهل والتخلّف والعنف والكراهية. هناك كراهية غريبة لمفاهيم الدّولة والمواطنة والحريّة والمرأة وجنوح إلى تعميم التطرّف والعنف. نحن أمام خطر حقيقي، خطر تدمير الهُويّة والمصير، لذلك فإنّ التاريخ حاضر بقوة في أعمالي.

> إلى أيّ حدّ تأثّرت أدبيّاً بنشأتك في بلدة «صاحب الجبل» القريبة من «الهوارية» التي حظيت بأهميّة لافتة في عهد الإمبراطوريّة الرومانيّة، كما أنّها لا تبعد كثيراً عن جزيرة صقليّة الإيطاليّة وتتمتّع بخصوصيّة نادرة من حيث الطبيعة؟

- بالفعل تتمتع المنطقة بخصوصيّة نادرة، فبالإضافة إلى المغاور البونيقيّة وصخورها التي نُقلت عبر البحر لتشييد مدينة قرطاج، هناك البحر والجبل والغابة، هذا الثّلاثي يشكّل ملحمة طبيعيّة نادرة في شمال الوطن القبلي التّونسي. وكنت قد وثّقت الكثير من مواطن السّحر والجمال والأسرار تلك في روايتي «جهاد ناعم» التي صدرت عام 2017... والواقع أنّني تأثّرتُ أدبيّاً أكثر بمدينة «قليبية» القريبة من الهوارية، فهي مدينة ساحرة وعظيمة بتاريخها وثقافتها وطيبة أهلها المتنوّعين، ولعلّي خلّدتُ كلّ ذلك في رواية «حذاء إسباني» التي صدرت عام 2021.

> جاءت بدايتك الواعدة في التّسعينات عبر مجموعتين قصصيّتين هما «عرس النّار» و«أية امرأة أكون؟»، لكنّك توقّفت فجأة عن النّشر لمدة 14سنة... ما السبب؟

- أنا مدين للرّوسيّيْن مكسيم غوركي وأنطوان تشيخوف، فقد قادتني الصّدفة إلى أعمالهما العظيمة بمكتبة كتب قديمة بـ«نهج زرقون» بتونس العاصمة، وانطلاقاً من ذلك شغفتُ بالقصّة القصيرة، وزاد هذا الشّغف أيّام دراستي عند أستاذي الجليل توفيق بكّار بكليّة الآداب، فقد كان يدرّسنا قصص علي الدّوعاجي الذي أعدّه أبا القصّة القصيرة في تونس. وبالفعلِ نشرتُ مجموعتين قصصيّتين، وكانت رغبتي في أن أُواصل الكتابة في هذا الفنّ، لكنّ مُحاولة «تدجين» مجموعتي القصصيّة الثّالثة وعنوانها «هِيلينا» نفّرني من الكتابة والنّشر، وكان من المفروض أن تُنشر عام 2000، لكنّها لم تُنشر. فكيف أكتبُ وأنشرُ في ظروف نفسيّة وسياسيّة خانقة؟

> هل دفعك كل هذا إلى اللّجوء للرّواية فيما بعد؟

- في الواقع لم تكن القصّة القصيرة في تجربتي مجرّد محطّة عبور، الأمر مُرتبطٌ أساساً بتغيّر القناعاتِ وتطوّرها في ظلّ مُتغيّرات العالم، ومُرتبطٌ بمشروع الكتابةِ أيضاً، أعتقدُ أنّ القضايا المُتفجّرة بعد ثورة 14 يناير(كانون الثاني) 2011 في تونس، وبعد ذلك في الكثير من البلدان العربيّة، لا يُمكن أن تستوعبها القصّة القصيرة، لذلك كانت الرّواية ملاذي.

> بعد توالي أعمالك الروائيّة تباعاً وسط احتفاء نقديّ وإعلاميّ... برأيك، ما الهاجس الذي كان المحرّك الأوّل لديك في إنتاج كلّ تلك الأعمال؟

- لعلّ الهاجس الأكبر هو المشروع في حدّ ذاته، وأعني مشروع الكتابة الرّوائيّة الذي طرحتُ من خلاله سؤال الهوية التّالي: من أنا ومن نحن بعد الثّورات العربيّة؟ لقد سعى «المشروع الإخواني» في تونس ومصر وغيرهما من البلدان العربيّة إلى طمس معالم الهويّة وتكريس ثقافة بديلة تقوم على العنف والتطرّف ومحو الشّخصيّة. صدمني الواقع التّونسي والعربي بعد تلك الثّورات وكان لا بدّ من تفجير الأسئلة الحارقة في الكتابة الرّوائيّة.

> تمارس أيضاً النّقد الأدبي إلى جوار الكتابة الرّوائية... ألا تخشى من أن تؤثّر تلك الممارسة سلباً على إبداعك الأدبي؟

- انشغلتُ بالنّقد الأدبي طوال سنوات، وكانت قناعتي ألّا أُطيل في تعايشي معه، لذلك اكتفيتُ بإصدار كتابٍ واحدٍ عنوانه «نصوص منسيّة في الأدب التّونسي الحديث». وبالفعل، علينا أن نختار، بين مُطاردة تطوّر الأطروحات النّقديّة، والكتابة الرّوائيّة، واخترتُ الكتابة بتعميق أسئلتها داخل مشروع روائي يقوم أساساً على فكرة الهوية.

> كيف ترى تجلّيات فن الرّواية على السّاحة التّونسية حاليّاً، بما له وما عليه، وهل نال برأيك الأدب التّونسي المعاصر ما يستحقّه من تقدير واحتفاء... أو أنّه «ضحيّة» ابتعاده الجغرافي عمّا يُسمّى «مراكز الثّقافة المشرقيّة التّقليدية» مثل القاهرة وبيروت؟

- الرّواية التّونسيّة شهدتْ انفجاراً كبيراً بعد ثورة 14 يناير 2011، لم تُسقط الثّورة نظاماً سياسيّاً فقط وإنّما أسقطتْ كذلك «تابوهات» كثيرة ظلّت جدراناً سميكة أمّام الإبداع والفنّ بشكل عام. في الحقيقة، لا أُومن بمفهومِ «الضحيّة» في الأدب، الأدب الجيّد والمُكتمل والرّاقي يصل إلى الجميع. طُرحتْ هذه المسألة في القديم، مع بداية القرن العشرين، لكنّنا اليوم إزاء ثورة اتصالات تُلغي كلّ الحدود والمسافات، والرّواية التّونسيّة خرجت من ضيقها، وصارت تُنشر بدور نشر معروفة، بالقاهرة وبيروت.


مقالات ذات صلة

اقرأ كي تعيش

ثقافة وفنون اقرأ كي تعيش

اقرأ كي تعيش

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء...

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون كانط

الحرب بين كانط وهيغل

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران

شرف الدين ماجدولين

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.