لماذا توجد سوق سوداء للدولار بمصر؟

عقب إعلان «الداخلية» ضبط قضايا «اتجار غير مشروع في العملة»

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا توجد سوق سوداء للدولار بمصر؟

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أثار تكرار وقائع ضبط قضايا «اتجار غير مشروع في العملة» تساؤلات حول أسباب وجود سوق سوداء للدولار بمصر، ومن هم المتعاملون معها، على الرغم من توافر العملة في البنوك الرسمية.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية، الأربعاء، عن ضبط قضايا اتجار غير مشروع بالعملة خلال 24 ساعة، وصلت قيمتها المالية إلى أكثر من 10 ملايين جنيه (الدولار يساوي 49.5 جنيه بالبنوك المصرية).

وقالت «الداخلية» في بيان عبر صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، الأربعاء، إنه «استمراراً للضربات الأمنية لجرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، وما تؤدي إليه من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي للبلاد، فقد أسفرت جهود قطاع الأمن العام بالاشتراك مع الإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة ومديريات الأمن خلال 24 ساعة عن ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية ما يزيد على 10 ملايين جنيه، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية».

وتشهد سوق الصرف في مصر منذ عام 2016 تغيرات متسارعة، بدأت مع إعلان الحكومة تنفيذ برنامج للإصلاح الاقتصادي بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي، تم خلاله «تعويم الجنيه» أكثر من مرة، ليقفز سعر الدولار من 7.8 جنيه في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2016 إلى 18.7 جنيه، ثم استمر بالارتفاع عقب قرارات تعويم تالية، كان أبرزها الانتقال إلى سعر صرف مرن، في مارس (آذار) الماضي، ليصل سعره إلى أكثر من 50 جنيهاً، قبل أن ينخفض قليلاً، ليصل سعره في الوقت الراهن إلى 49.5 جنيه بالبنوك المصرية.

وتزامنت قرارات «تحرير سعر الصرف» حينها مع ظهور سوق موازية للدولار (السوق السوداء)، في ظل أزمة توفير النقد الأجنبي، ونجحت جهود الحكومة في توفير الاعتمادات الدولارية للمستثمرين والمستوردين خلال الشهور الأخيرة بهدف تحجيم اللجوء إلى «السوق السوداء»، لكن التساؤل عاد من جديد عن أسباب وجود «السوق الموازية» في البلاد.

الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور وائل النحاس، أشار إلى استمرار وجود «السوق السوداء» للدولار، رغم أن فارق السعر بين الرسمي وغير الرسمي يتراوح ما بين 30 إلى 50 قرشاً، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «بعض المواطنين يضطرون للتعامل مع السوق الموازية لعدم قدرتهم على التعامل مع البنوك، مثل صعوبة إثبات مصدر الدولارات، ومن بين هذه الفئات اللاجئون أو الضيوف الذين لديهم بعض المدخرات بالدولار، أو من يتلقون تحويلات دولارية من أقاربهم خارج مصر، ويفضلون تغيير دولاراتهم من السوق السوداء تجنباً للسؤال عن مصدرها».

وتقدِّر مصر أعداد اللاجئين والمهاجرين والأجانب المقيمين على أراضيها بأكثر من 9 ملايين، وفق ما أعلنه رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في أبريل (نيسان) العام الماضي، في حين يبلغ عدد المسجلين رسمياً لدى مفوضية اللاجئين بمصر نحو 800 ألف لاجئ من جنسيات مختلفة. وأقر البرلمان المصري في نوفمبر الماضي قانون «تنظيم لجوء الأجانب»، الذي يهدف في جانب منه إلى حصر دقيق لأعدادهم وأوضاعهم.

مبنى وزارة الداخلية المصرية (صفحة الوزارة على فيسبوك)

وفي رأي النحاس، فإن أحد أهم أسباب استمرار السوق السوداء للدولار بمصر هو وجود «تجارة غير شرعية وعمليات استيراد غير رسمية (تهريب) لبعض البضائع، لا يمكن لأصحابها الحصول على الدولار بشكل رسمي من البنوك».

وتعتمد مصر على مصادر رئيسة للدولار، أبرزها قناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج، والسياحة، بجانب التوسع في جذب استثمارات جديدة توفر دخلاً دولارياً مستداماً.

وقدرت مصر خسائرها من تراجع عائدات قناة السويس العام الماضي، بأكثر من 7 مليارات دولار، وسط تعويل على استعادة جزء من هذه الخسائر خلال العام الحالي، وسجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج «زيادة كبيرة» خلال الفترة من يوليو (تموز) 2024 إلى مارس 2025، حيث ارتفعت بنسبة 82.7 في المائة مقارنة بالعام السابق لتبلغ نحو 26.4 مليار دولار، بينما شهد الربع الأول من عام 2025 ارتفاعاً سنوياً بنسبة 86.6 في المائة، لتصل إلى 9.4 مليار دولار، ما عكس نمواً غير مسبوق في تدفق العملات الأجنبية من الخارج بحسب بيانات البنك المركزي المصري.

الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور رشاد عبده، يرى أن من بين أسباب استمرار السوق السوداء للدولار في مصر «وجود اعتقاد لدى بعض الناس بأن سعر الدولار سيرتفع بشكل كبير»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتقاد بسيناريو ارتفاع سعر الدولار، يدفع البعض إلى تخزينه أو المضاربة فيه، حيث يقومون بشرائه من السوق السوداء انتظاراً لارتفاع سعره مستقبلاً».

وبحسب عبده، فإن «بعض المستثمرين يشترون الدولار من السوق السوداء ويحتفظون به لتلبية احتياجاتهم المالية مستقبلاً، خوفاً من عدم توافره بالبنوك».


مقالات ذات صلة

مؤتمر مصري لدعم رئيس فنزويلا الموقوف يثير تباينات

شمال افريقيا جانب من مؤتمر حزب «الكرامة» المصري لرفض التدخلات الأميركية في فنزويلا (حزب الكرامة)

مؤتمر مصري لدعم رئيس فنزويلا الموقوف يثير تباينات

نظم حزب «الكرامة» المصري، الذي ينتمي للتيار الناصري، مؤتمراً، للتعبير عن رفض التدخلات الأميركية في فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية اتفاق مصري - أوروبي على الوحدة العضوية للأراضي الفلسطينية (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على رفض تقسيم اليمن وغزة والسودان والصومال

تناولت محادثات مصرية - أوروبية في القاهرة، الخميس، المستجدات في المنطقة. وشددت مصر على «رفض تقسيم اليمن وغزة والسودان والصومال».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا إحدى اللجان الانتخابية في أثناء إجراء اقتراع انتخابات مجلس النواب المصري (وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية)

ما حجم المعارضة في البرلمان المصري المقبل؟

تشهد مصر جدلاً متصاعداً بشأن حجم المعارضة في مجلس النواب القادم (الغرفة الأولى للبرلمان)، ومدى تأثيرها.

عصام فضل (القاهرة)
تحليل إخباري تظهر ملاجئ الفلسطينيين النازحين في حرم الجامعة الإسلامية المتضررة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري تشكيل مرتقب لـ«مجلس السلام»... تفاؤل حذر بتفكيك جمود «اتفاق غزة»

أعاد الحديث عن قرب تشكيل مجلس السلام الذي يشرف على إدارة قطاع غزة، تفاؤلاً حذراً بشأن إمكانية تفكيك جمود اتفاق وقف إطلاق النار الذي يراوح مكانه وسط قضايا عالقة.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية  الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس يستقبل وزير البترول المصري كريم بدوي أثناء زيارته إلى نيقوسيا الخميس (وزارة البترول المصرية)

«غاز قبرص» يدعم استراتيجية مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة

ركزت زيارة وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي إلى قبرص على ربط حقول الغاز القبرصي بالبنية التحتية المصرية.

أحمد جمال (القاهرة)

وفد لحفتر يزور غرب ليبيا لتقديم العزاء في الحداد ورفاقه

وفد القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي يقدم العزاء في الحداد وغريبيل (الأمين العام للقيادة العامة)
وفد القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي يقدم العزاء في الحداد وغريبيل (الأمين العام للقيادة العامة)
TT

وفد لحفتر يزور غرب ليبيا لتقديم العزاء في الحداد ورفاقه

وفد القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي يقدم العزاء في الحداد وغريبيل (الأمين العام للقيادة العامة)
وفد القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي يقدم العزاء في الحداد وغريبيل (الأمين العام للقيادة العامة)

زار وفد عسكري تابع للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي مدينتي مصراتة وطرابلس لتقديم واجب العزاء في ضحايا الطائرة، التي سقطت في تركيا الشهر الماضي، وكانت تقل الفريق محمد الحداد، رئيس أركان قوات غرب ليبيا، والفريق الفيتوري غريبيل، عضو اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، وثلاثة آخرين.

وبدأ الوفد، الذي ترأسه الأمين العام للقيادة العامة وعضو اللجنة العسكرية المشتركة، الفريق أول خيري التميمي، بزيارة مدينة مصراتة لتقديم واجب العزاء في الحداد، قبل أن ينتقل إلى منطقة قصر بن غشير في طرابلس لتقديم العزاء في غريبيل.

وفد القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي خلال وصوله إلى غرب ليبيا (الأمين العام للقيادة العامة)

ولاقت زيارة وفد القيادة العامة العسكرية استحساناً في أوساط الليبيين بغرب البلاد، فيما نقلت صحيفة «المرصد» الليبية، المقربة من القيادة العامة، تنقّل الوفد بين مصراتة ثم طرابلس.

وضم الوفد العسكري، إلى جانب التميمي، أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» عن شرق ليبيا، وهم الفريق مراجع العمامي، والفريق فرج الصوصاع، والفريق الهادي الفلاح، والفريق عطية الشريف.

ونقل التميمي جانباً من زيارة الوفد إلى أسرة غريبيل، تقديراً لما قدّمه من تضحيات وطنية في سبيل ليبيا والمؤسسة العسكرية وتعزيز مسار الاستقرار.

وقطعت قيادات عسكرية من شرق ليبيا وغربها خطوات باتجاه توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، من بينهم الحداد، والفريق عبد الرازق الناظوري، عندما كان رئيساً للأركان العامة التابعة لـ«الجيش الوطني»، قبل ترقيته مستشاراً للأمن القومي. وسبق أن التقى الحداد والناظوري في العاصمة طرابلس مرتين مؤخراً، كما شاركا في اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» في طرابلس وسرت، وكذلك في تونس والقاهرة.

وكان وزير النقل التركي، أورال أوغلو، قد أوضح أن «الصندوق الأسود» ومسجلات الصوت في الطائرة المنكوبة، التي سقطت نهاية الشهر الماضي، تضررت خلال الحادث، ولا توجد سوى أربع دول في العالم قادرة على حل هذه المشكلة. مبرزاً أن السلطات المختصة قررت، بناءً على ذلك، نقل الصندوق الأسود وجهاز تسجيل الصوت إلى بريطانيا، حيث ستُجرى عملية تحليل البيانات ضمن تحقيق دولي، وبالتعاون مع جهات فنية متخصصة، لضمان الوصول إلى نتائج دقيقة وشفافة حول أسباب الحادثة.

وفد القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي يقدم العزاء في الحداد وغريبيل (الأمين العام للقيادة العامة)

في شأن غير ذي صلة، قالت القيادة العامة للجيش إن نائب القائد العام، الفريق أول صدام حفتر، اطّلع رفقة الوفد المرافق له خلال زيارته إلى الأردن على سير التمرين التعبوي بالذخيرة الحية، والتدريبات الميدانية لعدد من الطلاب الليبيين في مركز الملك عبد الله الثاني لتدريب العمليات الخاصة. وأدرجت القيادة العامة هذا التدريب في إطار التنسيق والتعاون مع القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية.

وبناءً على دعوة رسمية، أجرى نائب القائد العام الفريق أول ركن صدام حفتر زيارة رسمية إلى المملكة الأردنية.

وأوضحت القيادة أن التدريب يأتي ضمن برامج القوات الخاصة في «مهارات الميدان»، وبحضور عدد من القيادات العسكرية بالقوات المسلحة الأردنية، مبرزة أن التمرين يُنفذ بالذخيرة الحية بمستوى عالٍ من الدقة والاحترافية، متضمناً سيناريوهات اقتحام مبانٍ مشيّدة تحت غطاء ناري مدروس ووفق قواعد الاشتباك.

ونقل مكتب القيادة العامة عن صدام إشادته بالمستوى المتميز الذي أظهره الطلبة والضباط المشاركون في التمرين، مثمناً التزامهم بالخطط التدريبية، ودقتهم في تنفيذ المهام والتعامل مع مختلف السيناريوهات.


برلين تعلن عن مؤتمر لدعم السودان في أبريل

اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم لـ«قوات الدعم السريع» بطائرات مسيرة على بورتسودان (رويترز)
اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم لـ«قوات الدعم السريع» بطائرات مسيرة على بورتسودان (رويترز)
TT

برلين تعلن عن مؤتمر لدعم السودان في أبريل

اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم لـ«قوات الدعم السريع» بطائرات مسيرة على بورتسودان (رويترز)
اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم لـ«قوات الدعم السريع» بطائرات مسيرة على بورتسودان (رويترز)

تخطط ألمانيا لاستضافة مؤتمر خلال الربيع يهدف لجمع مساعدات طارئة للسودان، بحسب ما أعلنت وزارة الخارجية، الجمعة.

ودمّرت المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» البلاد، في ظل تقارير عن فظاعات وعمليات قتل جماعي وتجويع.

وقالت ناطقة باسم وزارة الخارجية الألمانية: «يحيي اليوم العالم تاريخاً حزيناً: ألف يوم على الحرب في السودان... ما زال العديد من الناس يعانون ويموتون هناك، إنهم ضحايا الجوع والعطش والنزوح والاغتصاب».

وأضافت أن مؤتمراً سيعقد لمناسبة ذكرى اندلاع الحرب في 2023 في أبريل (نيسان)، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وعُقدت مؤتمرات لتقديم مساعدات للسودان في باريس عام 2024 وفي لندن عام 2025.

وأفادت المتحدثة بأن «أكبر أزمة إنسانية في العالم زجّت بالفعل بملايين المدنيين في الفقر، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف».

وأضافت أن «ألمانيا تبذل كل ما في وسعها، سياسياً وإنسانياً، لمساعدة الناس على الأرض ولوضع حد للقتال».

وفشلت الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار حتى الآن في وضع حد للقتال بين الحكومة السودانية الداعمة للجيش و«قوات الدعم السريع» التي تعود جذورها إلى ميليشيا الجنجويد المتهمة بارتكاب الإبادة في دارفور قبل عقدين.

واتُّهم الطرفان بارتكاب جرائم حرب خلال النزاع.


ليبيون يتساءلون: لماذا تتجاهل «الوحدة» تسليم معاقبين دولياً؟

الدبيبة خلال استقباله كشلاف (حكومة «الوحدة» الليبية)
الدبيبة خلال استقباله كشلاف (حكومة «الوحدة» الليبية)
TT

ليبيون يتساءلون: لماذا تتجاهل «الوحدة» تسليم معاقبين دولياً؟

الدبيبة خلال استقباله كشلاف (حكومة «الوحدة» الليبية)
الدبيبة خلال استقباله كشلاف (حكومة «الوحدة» الليبية)

أعاد استقبال رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، محمد كشلاف الملقب بـ«القصب»، والمدرج على قوائم العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، التساؤلات حول موقف الحكومة من تسليم قادة ميليشيات معاقبين دولياً.

وشهدت ليبيا حالةً من الجدل عكستها بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تداول صورة يظهر فيها الدبيبة خلال مصافحته كشلاف خلال لقاء مع وفد من مسؤولي بلدية الزاوية (غرب)؛ لمتابعة مشروعات البنية التحتية. وبدا هذا الموقف منتَقداً من طرف المحلل السياسي خالد الشارف، بوصفه «خطأ بروتوكولياً، ورسالةً خطيرةً، مفادها أن القانون الدولي قابِل للتجاوز حين تقتضي مصلحة السلطة»، بحسب ما قال لـ«الشرق الأوسط».

وكشلاف هو قائد ميليشيا «سرية الإسناد» المعروفة أيضاً باسم «سرية النصر»، الواقعة في مدينة الزاوية، وهو مدرج على قوائم العقوبات الدولية منذ يونيو (حزيران) 2018، مع 6 أشخاص متهمين بالانخراط في «شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر في ليبيا». وكان النائب العام الليبي، الصديق الصور، قد أصدر أمراً بحبسه قبل عامين بتهم تتعلق «بتهريب النفط».

النائب العام الليبي الصديق الصور خلال لقائه قيادات أمنية في طرابلس (مكتب الصور)

وتطرقت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا إلى هذه الواقعة، متحدثة عمّا وصفته بأنه «صمت وغض طرف عن المطلوبين للآليات الدولية، وضمان تسليمهم إلى السلطة القضائية». وهنا يشير الشارف إلى «استمرار عدم تسليم حكومة (الوحدة) لشخصيات أخرى، مثل أسامة نجيم مدير إدارة العمليات والأمن القضائي السابق، وصلاح بادي قائد ما يُعرف بـ(لواء الصمود)، رغم المطالبات الدولية»، مشيرًا إلى أن ذلك يضع الحكومة أمام خيارين صعبين: «إما العجز عن فرض القانون، أو حماية الإفلات من العقاب»، مستنتجاً أن «الجهاز الحكومي يخسر شرعيته في جهود بناء الدولة في كلتا الحالتين».

ونجيم هو الآخر مطلوب دولياً بموجب مذكرة من المحكمة الجنائية الدولية، بتهم «ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية»، وسبق أن طالب المدعي العام للمحكمة، كريم خان، بضرورة تسليمه، رغم قرار النائب العام اعتقال نجيم في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. أما بادي، فقد أُدرج اسمه رسمياً على قوائم العقوبات الدولية التابعة لمجلس الأمن في نوفمبر 2018؛ بسبب دوره في النزاع والاشتباكات المسلحة، وقد أثار جدلاً خلال ظهوره في مظاهرات بمدينة مصراتة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

في هذا السياق يشير عضو المجلس العلمي بمركز البحوث الجنائية بمكتب النائب العام، الدكتور شعبان عكاش، إلى أن التعامل مع هذه الحالات يجب أن يكون فردياً؛ نظراً لتعقيدات الوضع في ليبيا، عادّاً أن حكومة الدبيبة «ليست لديها القدرة على مواجهة بعض هؤلاء القادة المسلحين».

المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان (أ.ف.ب)

ويضيف عكاش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تسليم المطلوبين دولياً «هو قرار قانوني يتم عبر جهات الاختصاص وفق القوانين الليبية والاتفاقات الدولية». وذكّر في هذا السياق بأن ليبيا ليست طرفاً في اتفاقية روما، عادّاً أن «اختصاص المحكمة الجنائية الدولية تكميلي، بينما يبقى القضاء الوطني هو الاختصاص الأصلي».

ومع استمرار الانقسام السياسي والأمني بين شرق ليبيا وغربها، تبدو قضية تسليم المطلوبين دولياً معقدة للغاية، خصوصاً في ضوء هيمنة مجموعات ميليشياوية متباينة القوة والولاءات على المشهد العسكري في غرب البلاد.

وينظر المحلل السياسي الليبي، حسام فنيش، إلى هذه الإشكالية على أنها «تبرز في بيئة تتشابك فيها العدالة مع الأمن، وتتصادم الالتزامات الدولية مع حسابات البقاء السياسي»، معتقداً أن «المحكمة الجنائية الدولية تعتمد على أولويات مدروسة وخيارات انتقائية، ما يجعل تحريك الملفات في ليبيا مرتبطاً بالواقعَين الأمني والسياسي المحليَّين، أكثر من كونه مجرد إجراء قضائي».

يقول فنيش: «الحكومة تستخدم أحياناً قنوات غير رسمية لإدارة المخاطر وتهدئة التوترات، دون انتهاك الالتزامات الدولية بشكل مباشر»، مضيفاً أن ملفات المطلوبين للعدالة «تتحوَّل في بعض الأحيان إلى أوراق ضغط سياسية وأمنية، وأي تعديل وزاري مرتقب يزيد من تعقيد إدارة هذه الملفات، وهو ما يجعل العدالة في ليبيا مرتبطة بتوازنات القوة ومقتضيات المرحلة، وليس فقط بالمعايير القانونية».

كما أوضح الشارف أن الدولة «لا تُبنى بالمساومات أو إدارة التوازنات مع السلاح، بل بسيادة القانون، وأي سلطة تشرعن الإفلات من العقاب لا تؤسِّس دولةً، بل تمهِّد لفوضى جديدة مهما رفعت شعارات الاستقرار».

وكانت السلطات الإيطالية قد اعتقلت نجيم في يناير (كانون الثاني) 2015، بناءً على مذكرة «الجنائية الدولية»، التي تتهمه بـ«القتل والتعذيب والاغتصاب بحق معتقلين في ليبيا». لكنها أطلقت سراحه لاحقاً، وأعادته إلى طرابلس على متن طائرة حكومية ليبية، ما أثار وقتها انتقادات واسعة، وفتح تحقيقاً دولياً حول مدى التزام إيطاليا بالتعاون القضائي مع المحكمة.