راباسّا... حياةٌ مكرّسة للترجمة

صدور ترجمة لمذكراته «إذا كانت هذه خيانة» إلى العربية

غريغوري راباسا
غريغوري راباسا
TT

راباسّا... حياةٌ مكرّسة للترجمة

غريغوري راباسا
غريغوري راباسا

قد لا يعرف كثيرون اسمه ولم يسمعوا به من قبلُ؛ لكنّهم - على الأرجح - يمتلكون بعض أعماله في مكتباتهم. إنّه غريغوري راباسا Gregory Rabassa، المثابة الشاخصة في الترجمة الأدبية. ترجم لأكثر من 30 كاتباً ناطقاً بالإسبانية والبرتغالية من أميركا اللاتينية إلى الإنجليزية. فَتَحَتْ ترجمات راباسا أعين القراء الناطقين باللغة الإنجليزية على الموجة الغنية من الأدب الحديث لأميركا اللاتينية المستوحى من التراث الشعبي (Folktale)، التي أُنتِجَتْ خلال فترة «الازدهار The Boom» لمؤلفين مثل خوليو كورتاثار، وماريو فارغاس يوسا، وبالطبع غابرييل غارسيا ماركيز.

«إذا كانت هذه خيانة If This Be Treason» هي مذكرات راباسا القصيرة؛ لكنها برغم قصرها مثيرة للتفكير. فضلاً عن كونها غنية بالمتع اللغوية والحقائق التاريخية والإشارات الأدبية فإنّ المذكّرات تظهر بجلاء وكأنّها عملُ شاعر بارع، تبقيك متيقظاً كمن يلعب الشطرنج ويتوقّع كل حين نقلة غير متوقّعة تقلب مسار اللعبة. تحفل المذكّرات بالعديد من الحكايات الشخصية؛ إلا أن راباسا يحافظ على مسافة بين السطور طوال الوقت كما لو أنّه لا يريد التصريح بعائديتها له. ربما يعود ذلك إلى أنه - كمترجم - اعتاد على المكوث في منطقة الظلّ، مقتفياً أثر المؤلفين الذين يترجم لهم. هذه بالطبع بعضُ مكابدات المترجم أينما كان في العالم. مع ذلك فإن اتباع كلمات المؤلف والعمل في ظلال نصوصه لا يعني التنصل من عبء المسؤولية. الأمرُ على العكس تماماً. إن العبء الأكبر الذي يقع على عاتق المترجم هو التفكير في خيانته الضرورية لأداء عمله، وهذا تماماً ما يفعله راباسا في القسم الأول من مذكراته. هنا يقدّم راباسا مراجعة لفعل المثاقفة المنطوية على خيانة كما وصف المثل الإيطالي القديم الذي صار واحداً من أشهر الأمثلة الكلاسيكية. يتساءل راباسا في مدخل أطروحته الجميلة حول الخيانة الترجمية: هل يخون هو (أي راباسا)، أو أي مترجم سواه، اللغة، أو الثقافة، أو المؤلف، أو - وهذا هو الأشدّ إيلاماً - نفسه عند الترجمة؟ كما يعلم كل من مارس فعل الترجمة الحقيقية، فإن نوعاً من الخيانة (أو الخسارة الثقافية) أمرٌ يكاد يكون حتمياً؛ بل إن راباسا يذهب إلى حد القول إن الترجمة فعلُ تقليد نجتهدُ أن يكون بأفضل ما يمكن لأننا لا نستطيع أن نكرر تماماً في لغة ما نقوله في أخرى. ومع ذلك علينا أن نحاول ولا نكفّ عن المحاولة وتحسين الفعل. يقول راباسا في هذا الشأن: «قد تكون الترجمة مستحيلة؛ ولكن على الأقل يمكن تجربتها».

يستخدم راباسا القسم الأول أيضاً للإطلالة السريعة على وقائع موجزة من خلفيته العائلية والثقافية والمهنية. يبدو الأمر وكأنّ راباسا كان مهيّئاً على نحو جيد منذ البدء ليكرّس حياته للترجمة. كان ابناً لأبوين عاشقين للكلمات، وجَدّين من أربعة بلدان مختلفة، حظي بتعليم لغوي مكثف ومتنوّع وممتاز، وشرع في مسيرة عسكرية قصيرة أوصلته إلى أوروبا وأفريقيا البعيدتين كخبير تشفير (Cryptographer) للمراسلات العسكرية. ثم يُواصل راباسا عرضَ موقفه في قضايا شائكة مثل نظرية الترجمة (وهو ليس من مُعجبيها ولا معجبي منظّريها الأكاديميين الذين يراهم ديناصورات متغطرسة!)، ودور النشر الكبيرة التي يمقتها أيضاً، ووظيفة المترجم التي يراها ببساطة أن يتبع المترجم كلمات المؤلّف مع كلّ حمولتها الثقافية والسياقية. من جانب آخر يُبدي راباسا استخفافاً بتدريس الترجمة، ويكتب في هذا الشأن: «لقد حاولتُ تعليم ما لا يُمكن تعليمه. كما ذكرتُ سابقاً، يُمكنك شرح كيفية الترجمة؛ ولكن كيف يُمكنك أن تُملي على الطالب ما يقوله دون أن تُعبّر عنه أنت بنفسك؟ يُمكنك أن تُملي عليه أي كتاب يقرأه؛ ولكنك لا تستطيع قراءته نيابةً عنه». من المثير معرفةُ أنّ راباسا - وهو ما صرّح به في الكتاب - نادراً ما يقرأ الكتب التي يترجمها قبل البدء بالعمل عليها، مسوّغاً ذلك بالقول: «عندما أترجم كتاباً فأنا - ببساطة - لا أفعل شيئاً سوى قراءته باللغة الإنجليزية. الترجمة قراءة لو شئنا الدقّة». إلى جانب هذا يرى راباسا الترجمة فناً لا حرفة: «يمكنك تعليم بيكاسو كيفية خلط ألوانه؛ لكن لا يمكنك تعليمه كيفية رسم لوحاته».

القسم الثاني هو الجزء الأكثر ثراءً في مذكّرات راباسا. يناقش راباسا فيه ما يربو على ثلاثين مؤلفاً سبق له أن ترجم لهم. يتناولهم بترتيب زمني (كرونولوجي) مقصود لأن كل عمل ترك بصمته على الذي يليه بطريقة ما. يؤكّدُ راباسا في بداية هذا القسم أنّ تجربته الشخصية مع الترجمة أبعدُ ما تكون عن التعقيد أو الإزعاج. هو يتبع النص، يتركه ليقوده إلى حيث يتبيّنُ موطن التميّز والاختلاف فيه وربما حتى الابتكار الذي يميّز كل مؤلف عن سواه. يضيف راباسا في هذا الشأن: «يدعم هذا نظريتي بأنّ الترجمة الجيدة هي في الأساس قراءة جيّدة: إنْ عرفنا كيف نقرأ وفق ما ينبغي للنص فسنتمكّنُ من صياغة ما نقرأه في لغة أخرى بطريقتنا الخاصة. قد أتمادى وأقول نصوغه بكلماتنا الخاصة...».

يتذكّرُ راباسا بعض المؤلفين بمودّة كبيرة بعد أن التقى بالعديد منهم، وأصبح صديقاً حميماً لهم، أو حتى دَرَسَ أعمالهم عندما كان طالباً بعدُ. يُغدق راباسا بالثناء والتشبيهات على بعض هؤلاء الكتّاب: خوان بينيت مثلاً هو بروست إسبانيا، وغابرييل غارسيا ماركيز هو الوريث المباشر لثيربانتس، وكلاريس ليسبكتور كانت تُشبه مارلين ديتريش وتكتب كفيرجينيا وولف؛ لكنّ الحياة لم تحسن معاملتها كما تستحق. يميل راباسا إلى التقشّف والاختصار والمباشرة في كل شيء، وربما هذه بعض خصال المترجم الحاذق.

لن يكون أمراً غريباً أن يُكرّس راباسا صفحاتٍ أكثر لغابرييل غارسيا ماركيز من أي كاتبٍ آخر؛ فقد ترجم له ستاً من رواياته. يُقالُ إنّ غارسيا ماركيز كان يُفضّل ترجمة راباسا الإنجليزية على روايته الأصلية. وكما هو مُعتاد، يُقدّم راباسا هذا الإطراء بأسلوبٍ متواضعٍ مُميّز: «شعوري الغامض هو أن غابو (غابريل غارسيا ماركيز) كانت لديه بالفعل كلماتٌ إنجليزيةٌ مُختبئةٌ خلف الإسبانية، وكل ما كان عليّ فعله هو استخلاصها». برغم هذه الجودة الترجمية والمبيعات الهائلة لماركيز يصرّحُ راباسا في ملاحظة صغيرة أنّه لم يحصل على أيّ عائد مالي من ترجمة رواية «مائة عام من العزلة» التي كانت أوّل عمل ترجمه لماركيز.

تظهر المذكّرات وكأنّها عملُ شاعر بارع. إنها تبقيك متيقظاً كمن يلعب الشطرنج ويتوقّع كل حين نقلة غير متوقّعة

السياسة موضوع لا مفر منه مع أن راباسا لا يُكثِرُ من التطرق إليه. الواقعية السحرية (Magical Realism) ذلك المصطلح الذي يُثير جدلاً واسعاً كانت في ذهن راباسا دعوةً شعبيةً للحرية والعدالة. في موضع آخر، يذكر بإيجاز أن الواقعية السحرية كانت المقاربة الروائية التي دفعت كُتّاب أميركا اللاتينية إلى استكشاف الجوانب المظلمة في تاريخ القارة المنكوبة بالاستغلال والقهر الاجتماعي.

في القسم الثالث «القصير جداً. لا يتجاوز نصف الصفحة إلا بقليل»، يُدين راباسا خيانته المفترضة! هو يُعاني من المعاناة ذاتها التي يُعاني منها العديد من المترجمين: إنّه ببساطة لا يرضى أبداً عن عمله عندما يُراجعه. لا يُمكن للمرء أن يكون واثقاً من عمله أبداً.

انتقد البعض هذا الكتاب لكونه مغالياً في الاختصار؛ لكنني أظن أنً راباسا تقصّد هذا الاختصار. أما نجوم المذكّرات الحقيقية فهي الأعمال نفسها، سواء نصوص المؤلفين الأصلية الإسبانية أو البرتغالية أو ترجمات راباسا الإنجليزية لها. ومع أخذ ذلك في الاعتبار أشعر أنّ هذا الكتاب، على الرغم من روعته، يجب أن يأتي مع تحذير. لا يخدعنّك الاختصار أو التقشّف. إذا كنتَ ممّن يرى في الترجمة فعل مثاقفة رفيعة لا يحسنُها سوى العقل المسكون بالشغف والفضول المعرفي فقد لا يكون هذا الكتاب الصغير سهل القراءة أبداً.

«إذا كانت الترجمة خيانة»: مذكّرات غريغوري راباسّا (دار المدى 192 صفحة 2025)


مقالات ذات صلة

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

كتب اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

كتب تولستوي في «اعتراف» أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون الأمير متربّعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق منزل أحمد رامي (فيسبوك)

منزل رفيق رحلة كوكب الشرق أحمد رامي تحت رحمة معاول الهدم

يبدو أن منزل الشاعر المصري الكبير أحمد رامي المُلقب بـ«شاعر الشباب» سيكون على موعد قريب للهدم.

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)

«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

تحفة أورهان باموق الأدبية «متحف البراءة» إلى الشاشة، والكاتب التركي أشرفَ على المسلسل، ومثّل فيه.

كريستين حبيب (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً