هل تتحول سجون الميليشيات «قنبلةً موقوتة» في العاصمة الليبية؟

شهود عيان تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» عن تجاربهم المريرة مع معتقل معيتيقة

نزلاء في سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة من قِبل أهلهم وذويهم (الصفحة الرسمية للسجن)
نزلاء في سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة من قِبل أهلهم وذويهم (الصفحة الرسمية للسجن)
TT

هل تتحول سجون الميليشيات «قنبلةً موقوتة» في العاصمة الليبية؟

نزلاء في سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة من قِبل أهلهم وذويهم (الصفحة الرسمية للسجن)
نزلاء في سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة من قِبل أهلهم وذويهم (الصفحة الرسمية للسجن)

باتت السجون الخاضعة لسلطة الميليشيات في العاصمة طرابلس تشكّل هاجساً لقطاع واسع من الليبيين، في حين وصفها برلمانيون وحقوقيون بأنها «قنبلة موقوتة»، بعدما أدت اشتباكات بين فصائل مسلحة في شهر مايو (آذار) الماضي، إلى هروب بعض السجناء، ومقتل آخرين في سجنين.

سجن معيتيقة في طرابلس (المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان)

وتزامن ذلك مع تحذيرات من تكرار سيناريو هروب المسجونين، حال تجدد الاشتباكات في العاصمة، وتحديداً في سجن ثالث يضم نزلاء من عناصر من تنظيم «داعش»، وجماعات متطرفة وأرباب سوابق جنائية.

وضمن تقرير برلماني عن اشتباكات طرابلس في مايو الماضي، جاء الحديث عن واقعة إطلاق عشوائي وفرار لمحتجزين في سجني ميليشيا «دعم الاستقرار»، وكذلك «الجديدة» التابع للشرطة القضائية، الذي كان يخضع لإمرة الميليشياوي أسامة نجيم، وهو ما عدّته لجنة الدفاع والأمن القومي في تقريرها أنه «يزيد الأوضاع الأمنية سوءاً في العاصمة».

مركز احتجاز لكل فصيل مسلح

لا تتوفر أرقام رسمية موثوقة عن عدد السجون الخاضعة لسلطة الميليشيات، على اعتبار أن كل فصيل مسلح يتخذ مركز احتجاز خاصاً به، بمنأى عن سلطة القانون، وفق حقوقيين.

وبحسب الناشط الحقوقي الليبي، ناصر الهواري، توجد مراكز احتجاز وقواطع عدة داخل سجن معيتيقة، الخاضع لإمرة ميليشيا «قوة الردع الخاصة» بقيادة عبد الرؤوف كارة. في حين كانت تخضع مراكز احتجاز لسلطة لميليشيا «دعم الاستقرار»، بقيادة عبد الغني الكيكلي (غنيوة)، قبل مقتله وتفكك فصيله إثر الاشتباكات الأخيرة.

وهناك عدد من السجون الأخرى، منها مراكز احتجاز تابعة لميليشيا «55 مشاة»، بقيادة معمر الضاوي في ورشفانة (جنوب غربي طرابلس)، وآخر تابع لميليشيا «رحبة الدروع» التابعة لبشير خلف الله المعروف بـ«البقرة» في تاجوراء (شرق طرابلس).

داخل سجن معيتيقة المركزي خلال زيارة لسجناء (الصفحة الرسمية للسجن)

ويصف عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، طارق الجروشي، هذه السجون بأنها «أماكن احتجاز غير رسمية، وقنبلة موقوتة في خاصرة العاصمة المختطفة من قِبل الميليشيات»، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

ووفق مصدر أمني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن «الخطر الأكبر» يكمن في سجون الميليشيات، التي تضم «شريحة من مساجين ينتمون إلى تنظيمات متطرفة في سجن معيتيقة المركزي، الخاضع لإمرة الميليشياوي كارة، لكنهم لم يهربوا خلال الاشتباكات الأخيرة».

وخلال زيارة أجراها مؤخراً وفد من مجلس الأعلى للدولة وحقوقيين لسجن معيتيقة الأسبوع الماضي، عاين الوفد أوضاع سجناء ينتمون إلى تنظيمات متطرفة من الجنسيات الليبية والأجنبية، وفق المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، التي أشارت إلى وفاة سجين، وإصابة اثنين في اشتباكات 14 مايو الماضي، إثر سُقوط القذائف العشوائية على السجن.

وروى محتجز سابق في سجن معيتيقة لـ«الشرق الأوسط» جانباً من تجربته في زنزانة جمعت «محتجزين بتهم جنائية، وآخرين ينتمون إلى جماعات متطرفة رافقوه في الحجز، دون تحقيقات رسمية أو أوراق ثبوتية».

واكتفى المحتجز السابق بتعريف نفسه باسم «محمد»؛ خشية الملاحقة من جانب «قوة الردع»، كاشفاً عن أن أحد «المحتجزين هو أحد العناصر المنتمين لتنظيم (داعش)».

ولا يخفي المحتجز السابق بسجن معيتيقة مخاوفه «من سيناريو فوضى مصاحبة لأي اشتباكات جديدة، وهروب سجناء من عينة الداعشي، وغيره من المتهمين جنائياً، وهم محتجزون دون أي إجراءات قانونية أو عرض على النيابة». ويذهب السجين السابق إلى الاعتقاد بأن «الظروف غير الإنسانية التي عاشها هؤلاء المحتجزون، ودورات التعذيب التي تعرضوا لها، ولَّدت لديهم نقمة على المجتمع، وهو ما كشفت عنه الحوارات الجانبية معهم، بل وصلت ببعضهم إلى الإقدام على الانتحار».

«غوانتانامو ليبيا»

يُعرف سجن معيتيقة المركزي على نطاق واسع بأنه «غوانتانامو ليبيا»، ويضم هذا السجن قائمة لأخطر قادة تنظيم «داعش» المحتجزين، وفي مقدمتهم هاشم أبو سدرة خبيب، والي «داعش» في ليبيا، بحسب الصحافي الليبي محمود المصراتي.

ولا تتوقف المخاوف عند المتطرفين فحسب، حيث تكشف شهادات متطابقة عن أن سجن معيتيقة بات مفرزة لعناصر الميليشيات، وفق (سليم)، الذي احتُجز سابقاً في هذا السجن لمدة 8 سنوات، والذي روى لـ«الشرق الأوسط» «وقائع تجنيد نزلاء من أرباب السوابق الجنائية ضمن صفوف ميليشيا (قوة الردع) وحليفتها الشرطة القضائية، بقيادة أسامة نجيم».

عناصر جهاز الرَّدع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في طرابلس (الجهاز)

وفي رواية مشابهة، تداولت صفحات ليبية مقطعاً مصوراً لسجين سابق في سجن «الرويمي»، الخاضع للشرطة القضائية، روى فيه كيفية تجنيده في صفوفها رفقة نحو 25 آخرين.

وبحسب التسجيل المصور، يقول رياض معمر (32 سنة) إنه قضى عامين من مدة محكوميته، البالغة 4 سنوات، في قضية سطو مسلح، موضحاً أن «نجيم اختار 25 شخصاً، ودرَّبهم على السلاح في سجن الرويمي، وتم تعيينهم براتب شهري 950 ديناراً».

وإثر اشتباكات طرابلس في 13 مايو (الماضي) أعقبت مقتل الكيكلي، جرى إطلاق عشوائي لمسجونين في مركز تابع له. كما هرب سجناء من ذوي الأحكام المشددة من سجن «الجديدة» الخاضع لـ«الشرطة القضائية».

وقوبلت أنباء عن مصرع محتجزين بقرار من النائب العام الليبي، الصديق الصور، بفتح تحقيق رسمي حول وقائع وفيات، وإصابات مسجونين في معتقل الجديدة بالعاصمة طرابلس، في حين وثق عدد من الحقوقيين شهادات، تتهم القائمين على هذا السجن بارتكاب وقائع «قتل متعمد».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

من زاوية أخرى، تتزايد مخاوف سياسيين من احتمال «توظيف العناصر الإجرامية في مراكز الاحتجاز ورقة ضغط، وتوطيد نفوذ لهذه المجموعات المسلحة»، هي وجهة نظر يتبناها أيضاً رئيس «حزب التكتل المدني الديمقراطي»، الدكتور محمد سعد مبارك.

وبحسب تقدير مبارك في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، فإن «صدام الحاضنات الميليشياوية يستدعي مشروع الفوضى، عبر إطلاق أذرع الإجرام، وفي مقدمتها السجناء لأسباب جنائية».

وطالبت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في أحدث تقاريرها، السلطات الليبية بضرورة «ضمان معرفة مصير الهاربين، وإجراء مراجعات قضائية فورية لتحديد وضعهم وضرورة استمرار احتجازهم».

من جانبه، يحذر الناشط الحقوقي والمستشار القانوني، هشام الحاراتي، من خطورة «الإطلاق غير المنظم أو خارج الإطار القضائي، أو تمكينهم من الفرار بشكل عشوائي»، عادَّاً إياه «تهديداً للأمن العام، وتقويضاً لسيادة القانون وحقوق الإنسان». كما أشار الحاراتي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «ضرورة إعادة النظر في وجود سجون تحت سيطرة الميليشيات؛ لأنها تمثل خرقاً لسيادة الدولة وتهدد حقوق المحتجزين».


مقالات ذات صلة

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

شمال افريقيا المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

نقلت القيادة العامة أن المشير خليفة حفتر أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية للأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جميلة اللواطي خلال تأدية اليمين عميدة لبلدية سلوق في شرق ليبيا الأحد (وزارة المرأة في غرب ليبيا)

ثاني رئيسة بلدية في ليبيا... تمكين للمرأة واختبار جديد للتحديات

ينظر سياسيون ومراقبون ليبيون إلى فوز امرأة بمنصب رئيسة بلدية بوصفه «خطوة مهمة» في مسار تمكين المرأة و«اختباراً جديداً لقدرتها على مواجهة التحديات».

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا ​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

قال متحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، إن 53 مهاجراً بينهم رضيعان لقوا حتفهم أو فُقدوا إثر انقلاب قارب مطاطي كان يقل 55 شخصاً قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي مهاجرون على متن قارب مطاطي يتلقون سترات نجاة في حين يقوم أفراد طاقم سفينة بعملية إنقاذ قبالة المياه الدولية لليبيا 16 يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

53 مهاجراً في عداد القتلى أو المفقودين إثر غرق قارب قبالة ليبيا

أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، أن 53 شخصاً لقوا حتفهم أو فُقد أثرهم إثر غرق قارب في المتوسط قبالة السواحل الليبية، في حين لم ينجُ سوى شخصين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا بدء فرز نتائج الانتخابات البلدية (مفوضية الانتخابات)

ليبيا: «مجلس الحكماء والأعيان» يدخل على خط «أزمة القضاء»

أيد «المجلس الأعلى لحكماء وأعيان ليبيا» أحكام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا «بعدم دستورية بعض القوانين والقرارات الصادرة عن مجلس النواب»

خالد محمود (القاهرة)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».