كيف يمكن للمديرين القيادة في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي؟

تحولات تشغيلية وثقافية ستعقب التحولات التكنولوجية

كيف يمكن للمديرين القيادة في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي؟
TT

كيف يمكن للمديرين القيادة في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي؟

كيف يمكن للمديرين القيادة في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي؟

قد نكون نحن الآن الجيل الأخير من الرؤساء التنفيذيين الذين يقودون قوى عاملة بشرية بالكامل. وليس هذا من قبيل التنبؤ المستقبلي؛ بل إنه واقع يتبلور بالفعل داخل الشركات اليوم، كما كتبت كاثرين كوستيريفا(*).

دخول وكلاء الذكاء الاصطناعي

إن أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي، الأدوات التي كان يُنظر إليها سابقاً على أنها احتمالات بعيدة، تخطو بثقة إلى مؤسساتنا. وهذه الأنظمة قادرة على التعامل بشكل مستقل مع المهام عبر أقسام المؤسسات، واتخاذ القرارات، والتعلم بمرور الوقت.

«بحلول عام 2028، ستتضمن 33 في المائة من تطبيقات البرامج الكمبيوترية المستخدمة داخل المؤسسات (الذكاء الاصطناعي الوكيل)، ما يتيح اتخاذ 15 في المائة من قرارات العمل اليومية بشكل مستقل»، وفقاً لشركة «غارتنر». وبالنظر إلى وتيرة التبني الحالية، قد يكون هذا التقدير متحفظاً.

تحول تشغيلي وثقافي

هذا التحول ليس تكنولوجياً فحسب، بل تشغيلي، وثقافي. إذ لا يتعلق الأمر باستبدال البشر؛ بل يتعلق الأمر بتعزيز عملهم. وها نحن ندخل نموذج تشغيل جديداً، حيث يعمل المستخدمون البشريون ووكلاء الذكاء الاصطناعي معاً جنباً إلى جنب لتحقيق النتائج بسرعة، وذكاء، ونطاق واسع. وفي هذا النموذج، يصبح وكلاء الذكاء الاصطناعي مشاركين نشطين في القوى العاملة، وليسوا أدوات سلبية.

توظيف «المواهب الرقمية»

بالفعل، تقوم المؤسسات ذات التفكير المستقبلي بتوظيف المواهب الرقمية. فهي تعيّن أنظمة وكلاء لسير العمل، وتدمجها في فرق، وتعتمد عليها لخلق قيمة إلى جانب نظرائها من البشر.

وستكون آثار ذلك على القيادة عميقة. إذ إن أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي ليست مجرد إضافات برمجية؛ إنها تُعيد تعريف كيفية تصميم عملياتنا التجارية، والتعاون في عملنا اليومي. إنها متعاونة بالمعنى الأوسع، ومثل أي أداة للتعاون، فإنها تستفيد من التكامل المدروس، والأطر الواضحة.

إعادة التفكير في القيادة في هذه البيئة الجديدة

مما لاحظناه، قد تستفيد المؤسسات من تغيير طريقة تفكيرها في القوى العاملة لديها. فالمواهب الرقمية، مثل المواهب البشرية، تحقق أفضل أداء عندما يكون لديها هيكل، ودعم، وهدف واضح. تدرس بعض الشركات بالفعل كيفية دمج أنظمة الوكلاء الرقمية، وتحديد أدوارها، وقياس أدائها، وإنشاء بيئات يتكامل فيها الذكاء البشري والاصطناعي.

نقاط القوة البارزة للمواهب الرقمية

* قابليتها التوسع. تتمثل إحدى نقاط القوة البارزة للمواهب الرقمية في قابليتها للتوسع. فبمجرد مواءمتها، يمكن نشر وكلاء الذكاء الاصطناعي بسرعة عبر المناطق الجغرافية، ووظائف الأعمال. فهي أدوات تعمل باستمرار، وتتكيف مع البيانات الفورية، وتحافظ على اتساق الأعمال عند التنفيذ.

* دورها في إعادة توزيع القدرات البشرية. ومن التحولات الأخرى التي شهدناها إعادة توزيع القدرات البشرية. فمع نقل المهام اليدوية المتكررة إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي، يُتاح للموظفين التركيز على العمل ذي القيمة الأعلى: الاستراتيجية، والإبداع، وحل المشكلات المعقدة. وهذا لا يُطلق العنان للكفاءة فحسب، بل يُطلق العنان أيضاً للمشاركة. ففي عالم يُمثل فيه الابتكار عاملاً مميزاً، يُصبح تمكين الأفراد من القيام بما لا يستطيعه سوى الأفراد ميزة استراتيجية.

تصميم فرق للتعاون: البصيرة البشرية والنفوذ الرقمي

مع إعادة تصور قوى العمل لدينا، من المفيد إعادة النظر في كيفية هيكلة المؤسسات للفرق، ليس فقط من خلال القسم أو المسمى الوظيفي، ولكن أيضاً من خلال المسؤولية، ونموذج التعاون.

وتستكشف بعض فرق القيادة الآن كيفية تحديد المواضع التي تكون فيها الريادة للبصيرة البشرية، والأخرى التي يوفر فيها الذكاء الاصطناعي النفوذ. وتُعاد صياغة الأسئلة المتعلقة بحقوق اتخاذ القرار، والمساءلة، ومقاييس النجاح لتعكس الطبيعة المختلطة لفرق اليوم.

وبطبيعة الحال، مع القدرات الجديدة تأتي مسؤوليات جديدة. إذ لا يمكن اعتبار الأخلاقيات والشفافية والحوكمة مجرد أفكار ثانوية، بل هي جزء لا يتجزأ من البداية.

مسؤولية واعتبارات أخلاقية

وتستكشف العديد من المؤسسات كيفية تدريب الوكلاء الرقميين بمسؤولية، وتحديد التوقعات السلوكية، وضمان أن تعكس هذه الأنظمة قيمها.

إن تحديد النبرة هنا، من خلال سياسات واضحة وتصميم مدروس، يمكن أن يساعد في بناء الثقة التي نهدف إلى تعزيزها في أي فريق.

إعادة الابتكار تقضي على خطأ شائع هو «تسريع العمل»

مع ذلك، فاني أرى أن هناك خطأ شائعاً تقع فيه العديد من المؤسسات، إذ إنها تطبق وكلاء الذكاء الاصطناعي على عمليات قديمة، على أمل تسريعها. لكن الكفاءة لا تعني التحول... فإن أنت أتممت عملية معطلة، فلن تحصل إلا على نتائج معطلة، ولكنها أسرع.

الفرصة الحقيقية ليست في التسريع، بل في إعادة الابتكار. تتطلب هذه اللحظة عقلية تُركز على العملية أولاً. من المستحسن أن نتراجع قليلاً، ونسأل أنفسنا السؤال الجوهري: لو كنا نصمم سير العمل هذا اليوم، مع العلم أن لدينا وكلاء ذكاء اصطناعي في فريقنا منذ اليوم الأول، فكيف كنا سنبنيه؟

هذا النوع من التفكير يؤدي إلى نوع مختلف تماماً من المؤسسات.

مجالات المبيعات وخدمة العملاء والعمليات

* في مجال المبيعات، يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي الآن تحديد العملاء المحتملين في الوقت الفعلي، وتنظيم التواصل بناءً على الإشارات السلوكية، وتقديم رؤى شخصية لمندوبي المبيعات في اللحظة المناسبة تماماً. هذا يخلق إيقاعاً يركز فيه مندوبو المبيعات بشكل أقل على التسليمات، وأكثر على النتائج.

* في مجال خدمة العملاء، نشهد شركات تتجاوز الروبوتات إلى شبكات عملاء ذكية تحل المشكلات بشكل استباقي، وتفهم المشاعر، وتُصعّد المشكلات المعقدة في سياقها الكامل. التجربة أسرع، وأكثر تعاطفاً، وكفاءة.

*في العمليات، يتخذ عملاء الذكاء الاصطناعي قرارات استباقية من خلال إدارة متغيرات سلسلة التوريد، والتنبؤ بتحولات الطلب، وتحسين الموارد بطرق كانت تتطلب في السابق طبقات من التنسيق اليدوي. هذه ليست سيناريوهات افتراضية، بل حقيقية، وتُعيد تعريف كيفية تقديم الشركات للقيمة.

هنا ستحدث أكثر الاختراقات إثارة. ليس لأننا استخدمنا الذكاء الاصطناعي لإنجاز ما نقوم به بالفعل بشكل أسرع، ولكن لأننا منحنا أنفسنا الإذن لإعادة تصور كيفية إنجاز العمل بشكل أفضل.

الأمر يبدأ بـ«تهيئة العقلية»

*بناء مؤسسات ذكية بتصميمها. وبصفة أننا رؤساء تنفيذيون، لسنا مسؤولين عن النمو فحسب، بل نحن مسؤولون عن بناء مؤسسات ذكية بتصميمها. هذا يعني أن نكون متعمدين كيفية دمج المواهب الرقمية. وهذا يعني قيادة التحول من العمليات القديمة إلى أنظمة حديثة ومرنة تعكس كيفية عمل الأفراد والآلات معاً على أفضل وجه.

* تبني التحول الثقافي. وهذا يعني أيضاً تبني التحول الثقافي. أفضل النتائج ستأتي من فرق عمل لديها حب الاطلاع، وتجريبية، ومتمكنة. ينبغي على القادة تشجيع فرقهم على التشكيك في الافتراضات، وإعادة النظر في سير العمل، واستكشاف إمكانيات جديدة. والمؤسسات التي تُحسن القيام بذلك هي التي ستبقى في الصدارة.

* مستقبل القوى العاملة. القوى العاملة المختلطة موجودة بالفعل. وتُغير برامج الذكاء الاصطناعي كيفية إنجاز العمل. إنها تُعيد تشكيل الأدوار، وتتحدى التسلسلات الهرمية، وتدعونا لإعادة النظر في مفهوم القيادة.

وهذا التحول لا يبدأ بالتكنولوجيا؛ بل يبدأ بالعقلية. يبدأ برئيس تنفيذي يُدرك أن مستقبل القوى العاملة تعاوني، وذكي، وإنساني بعمق في طموحه.

لن يكون المستقبل إنسانياً بالكامل، لكنه سيكون أكثر تركيزاً على الإنسان. وسيُحدده أولئك المستعدون للقيادة بعزيمة، وشجاعة، والتزام ببناء شيء أفضل لكل من البشر والآلات.

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

كيف يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على البطالة والتوظيف في 2026؟

تكنولوجيا يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يهدد ملايين الوظائف التقليدية (رويترز)

كيف يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على البطالة والتوظيف في 2026؟

مع التسارع غير المسبوق في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد التساؤلات حول تأثير هذه الثورة التكنولوجية على سوق العمل العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

لا يكتفي التحليل بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد قفز الذكاء الاصطناعي من المركز العاشر إلى المركز الثاني بعد الجرائم الإلكترونية خلال العام الحالي بحسب المقياس السنوي للشركات (رويترز)

الذكاء الاصطناعي ثاني أكبر تهديد للشركات في العالم

ذكرت شركة التأمين الألمانية العملاقة «آليانز»، أن الذكاء الاصطناعي أصبح أكبر التهديدات التي تواجهها الشركات في العالم.

«الشرق الأوسط» (برلين)
تكنولوجيا وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (أ.ب)

وسط الانتقادات بسبب الصور الجنسية... أميركا تعلن دمج «غروك» في شبكات البنتاغون

أعلن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أن الجيش سيبدأ دمج أداة الذكاء الاصطناعي «غروك»، التابعة لإيلون ماسك، في شبكات البنتاغون، خلال وقت لاحق من هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» «الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار «إنفيديا» على شريحة ذكية من إنتاج الشركة وفي الخلفية علم الصين (رويترز)

الصين تمنع دخول رقائق «إنفيديا» وسط تساؤلات واسعة

أفادت 3 مصادر مطلعة لـ«رويترز» بأن السلطات الجمركية الصينية أبلغت مسؤوليها هذا الأسبوع أن رقائق «إتش 200» من شركة «إنفيديا» ممنوعة من دخول الصين.

«الشرق الأوسط» (بكين)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».