كيف يمكن للمديرين القيادة في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي؟

تحولات تشغيلية وثقافية ستعقب التحولات التكنولوجية

كيف يمكن للمديرين القيادة في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي؟
TT

كيف يمكن للمديرين القيادة في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي؟

كيف يمكن للمديرين القيادة في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي؟

قد نكون نحن الآن الجيل الأخير من الرؤساء التنفيذيين الذين يقودون قوى عاملة بشرية بالكامل. وليس هذا من قبيل التنبؤ المستقبلي؛ بل إنه واقع يتبلور بالفعل داخل الشركات اليوم، كما كتبت كاثرين كوستيريفا(*).

دخول وكلاء الذكاء الاصطناعي

إن أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي، الأدوات التي كان يُنظر إليها سابقاً على أنها احتمالات بعيدة، تخطو بثقة إلى مؤسساتنا. وهذه الأنظمة قادرة على التعامل بشكل مستقل مع المهام عبر أقسام المؤسسات، واتخاذ القرارات، والتعلم بمرور الوقت.

«بحلول عام 2028، ستتضمن 33 في المائة من تطبيقات البرامج الكمبيوترية المستخدمة داخل المؤسسات (الذكاء الاصطناعي الوكيل)، ما يتيح اتخاذ 15 في المائة من قرارات العمل اليومية بشكل مستقل»، وفقاً لشركة «غارتنر». وبالنظر إلى وتيرة التبني الحالية، قد يكون هذا التقدير متحفظاً.

تحول تشغيلي وثقافي

هذا التحول ليس تكنولوجياً فحسب، بل تشغيلي، وثقافي. إذ لا يتعلق الأمر باستبدال البشر؛ بل يتعلق الأمر بتعزيز عملهم. وها نحن ندخل نموذج تشغيل جديداً، حيث يعمل المستخدمون البشريون ووكلاء الذكاء الاصطناعي معاً جنباً إلى جنب لتحقيق النتائج بسرعة، وذكاء، ونطاق واسع. وفي هذا النموذج، يصبح وكلاء الذكاء الاصطناعي مشاركين نشطين في القوى العاملة، وليسوا أدوات سلبية.

توظيف «المواهب الرقمية»

بالفعل، تقوم المؤسسات ذات التفكير المستقبلي بتوظيف المواهب الرقمية. فهي تعيّن أنظمة وكلاء لسير العمل، وتدمجها في فرق، وتعتمد عليها لخلق قيمة إلى جانب نظرائها من البشر.

وستكون آثار ذلك على القيادة عميقة. إذ إن أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي ليست مجرد إضافات برمجية؛ إنها تُعيد تعريف كيفية تصميم عملياتنا التجارية، والتعاون في عملنا اليومي. إنها متعاونة بالمعنى الأوسع، ومثل أي أداة للتعاون، فإنها تستفيد من التكامل المدروس، والأطر الواضحة.

إعادة التفكير في القيادة في هذه البيئة الجديدة

مما لاحظناه، قد تستفيد المؤسسات من تغيير طريقة تفكيرها في القوى العاملة لديها. فالمواهب الرقمية، مثل المواهب البشرية، تحقق أفضل أداء عندما يكون لديها هيكل، ودعم، وهدف واضح. تدرس بعض الشركات بالفعل كيفية دمج أنظمة الوكلاء الرقمية، وتحديد أدوارها، وقياس أدائها، وإنشاء بيئات يتكامل فيها الذكاء البشري والاصطناعي.

نقاط القوة البارزة للمواهب الرقمية

* قابليتها التوسع. تتمثل إحدى نقاط القوة البارزة للمواهب الرقمية في قابليتها للتوسع. فبمجرد مواءمتها، يمكن نشر وكلاء الذكاء الاصطناعي بسرعة عبر المناطق الجغرافية، ووظائف الأعمال. فهي أدوات تعمل باستمرار، وتتكيف مع البيانات الفورية، وتحافظ على اتساق الأعمال عند التنفيذ.

* دورها في إعادة توزيع القدرات البشرية. ومن التحولات الأخرى التي شهدناها إعادة توزيع القدرات البشرية. فمع نقل المهام اليدوية المتكررة إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي، يُتاح للموظفين التركيز على العمل ذي القيمة الأعلى: الاستراتيجية، والإبداع، وحل المشكلات المعقدة. وهذا لا يُطلق العنان للكفاءة فحسب، بل يُطلق العنان أيضاً للمشاركة. ففي عالم يُمثل فيه الابتكار عاملاً مميزاً، يُصبح تمكين الأفراد من القيام بما لا يستطيعه سوى الأفراد ميزة استراتيجية.

تصميم فرق للتعاون: البصيرة البشرية والنفوذ الرقمي

مع إعادة تصور قوى العمل لدينا، من المفيد إعادة النظر في كيفية هيكلة المؤسسات للفرق، ليس فقط من خلال القسم أو المسمى الوظيفي، ولكن أيضاً من خلال المسؤولية، ونموذج التعاون.

وتستكشف بعض فرق القيادة الآن كيفية تحديد المواضع التي تكون فيها الريادة للبصيرة البشرية، والأخرى التي يوفر فيها الذكاء الاصطناعي النفوذ. وتُعاد صياغة الأسئلة المتعلقة بحقوق اتخاذ القرار، والمساءلة، ومقاييس النجاح لتعكس الطبيعة المختلطة لفرق اليوم.

وبطبيعة الحال، مع القدرات الجديدة تأتي مسؤوليات جديدة. إذ لا يمكن اعتبار الأخلاقيات والشفافية والحوكمة مجرد أفكار ثانوية، بل هي جزء لا يتجزأ من البداية.

مسؤولية واعتبارات أخلاقية

وتستكشف العديد من المؤسسات كيفية تدريب الوكلاء الرقميين بمسؤولية، وتحديد التوقعات السلوكية، وضمان أن تعكس هذه الأنظمة قيمها.

إن تحديد النبرة هنا، من خلال سياسات واضحة وتصميم مدروس، يمكن أن يساعد في بناء الثقة التي نهدف إلى تعزيزها في أي فريق.

إعادة الابتكار تقضي على خطأ شائع هو «تسريع العمل»

مع ذلك، فاني أرى أن هناك خطأ شائعاً تقع فيه العديد من المؤسسات، إذ إنها تطبق وكلاء الذكاء الاصطناعي على عمليات قديمة، على أمل تسريعها. لكن الكفاءة لا تعني التحول... فإن أنت أتممت عملية معطلة، فلن تحصل إلا على نتائج معطلة، ولكنها أسرع.

الفرصة الحقيقية ليست في التسريع، بل في إعادة الابتكار. تتطلب هذه اللحظة عقلية تُركز على العملية أولاً. من المستحسن أن نتراجع قليلاً، ونسأل أنفسنا السؤال الجوهري: لو كنا نصمم سير العمل هذا اليوم، مع العلم أن لدينا وكلاء ذكاء اصطناعي في فريقنا منذ اليوم الأول، فكيف كنا سنبنيه؟

هذا النوع من التفكير يؤدي إلى نوع مختلف تماماً من المؤسسات.

مجالات المبيعات وخدمة العملاء والعمليات

* في مجال المبيعات، يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي الآن تحديد العملاء المحتملين في الوقت الفعلي، وتنظيم التواصل بناءً على الإشارات السلوكية، وتقديم رؤى شخصية لمندوبي المبيعات في اللحظة المناسبة تماماً. هذا يخلق إيقاعاً يركز فيه مندوبو المبيعات بشكل أقل على التسليمات، وأكثر على النتائج.

* في مجال خدمة العملاء، نشهد شركات تتجاوز الروبوتات إلى شبكات عملاء ذكية تحل المشكلات بشكل استباقي، وتفهم المشاعر، وتُصعّد المشكلات المعقدة في سياقها الكامل. التجربة أسرع، وأكثر تعاطفاً، وكفاءة.

*في العمليات، يتخذ عملاء الذكاء الاصطناعي قرارات استباقية من خلال إدارة متغيرات سلسلة التوريد، والتنبؤ بتحولات الطلب، وتحسين الموارد بطرق كانت تتطلب في السابق طبقات من التنسيق اليدوي. هذه ليست سيناريوهات افتراضية، بل حقيقية، وتُعيد تعريف كيفية تقديم الشركات للقيمة.

هنا ستحدث أكثر الاختراقات إثارة. ليس لأننا استخدمنا الذكاء الاصطناعي لإنجاز ما نقوم به بالفعل بشكل أسرع، ولكن لأننا منحنا أنفسنا الإذن لإعادة تصور كيفية إنجاز العمل بشكل أفضل.

الأمر يبدأ بـ«تهيئة العقلية»

*بناء مؤسسات ذكية بتصميمها. وبصفة أننا رؤساء تنفيذيون، لسنا مسؤولين عن النمو فحسب، بل نحن مسؤولون عن بناء مؤسسات ذكية بتصميمها. هذا يعني أن نكون متعمدين كيفية دمج المواهب الرقمية. وهذا يعني قيادة التحول من العمليات القديمة إلى أنظمة حديثة ومرنة تعكس كيفية عمل الأفراد والآلات معاً على أفضل وجه.

* تبني التحول الثقافي. وهذا يعني أيضاً تبني التحول الثقافي. أفضل النتائج ستأتي من فرق عمل لديها حب الاطلاع، وتجريبية، ومتمكنة. ينبغي على القادة تشجيع فرقهم على التشكيك في الافتراضات، وإعادة النظر في سير العمل، واستكشاف إمكانيات جديدة. والمؤسسات التي تُحسن القيام بذلك هي التي ستبقى في الصدارة.

* مستقبل القوى العاملة. القوى العاملة المختلطة موجودة بالفعل. وتُغير برامج الذكاء الاصطناعي كيفية إنجاز العمل. إنها تُعيد تشكيل الأدوار، وتتحدى التسلسلات الهرمية، وتدعونا لإعادة النظر في مفهوم القيادة.

وهذا التحول لا يبدأ بالتكنولوجيا؛ بل يبدأ بالعقلية. يبدأ برئيس تنفيذي يُدرك أن مستقبل القوى العاملة تعاوني، وذكي، وإنساني بعمق في طموحه.

لن يكون المستقبل إنسانياً بالكامل، لكنه سيكون أكثر تركيزاً على الإنسان. وسيُحدده أولئك المستعدون للقيادة بعزيمة، وشجاعة، والتزام ببناء شيء أفضل لكل من البشر والآلات.

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

أدوات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي تُقدّم نصائح طبية سيئة

تكنولوجيا دراسة تحذر من استخدام الذكاء الاصطناعي لتشخيص حالات صحية (رويترز)

أدوات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي تُقدّم نصائح طبية سيئة

أظهرت دراسة نُشرت الاثنين أن النصائح الطبية التي تسديها برامج الدردشة الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي للمستخدمين ليست جيدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد الجلسة الختامية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة حيث تظهر غورغييفا وهي تتحدث إلى الحضور (الشرق الأوسط)

غورغييفا: الأسواق الناشئة أصبحت لاعباً مهماً في الناتج المحلي

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إن الأسواق الناشئة أصبحت لاعباً مهماً في الناتج المحلي.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد حاويات مُكدّسة في ميناء كيلونغ بشمال تايوان (أرشيفية - رويترز)

صادرات تايوان في يناير تسجل أسرع نمو شهري منذ 16 عاماً

ارتفعت صادرات تايوان في يناير (كانون الثاني) بأكثر من المتوقع، مسجلة أسرع وتيرة نمو شهرية لها منذ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.