ترمب وماسك نحو الهدنة وسط حرب كلامية مع حاكم كاليفورنيا

الرئيس يؤيد اعتقال نيوسوم على وقع احتجاجات لوس أنجليس

ألعاب نارية تنفجر خلال الاحتجاجات على مداهمات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد المهاجرين في لوس أنجليس (أ.ب)
ألعاب نارية تنفجر خلال الاحتجاجات على مداهمات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد المهاجرين في لوس أنجليس (أ.ب)
TT

ترمب وماسك نحو الهدنة وسط حرب كلامية مع حاكم كاليفورنيا

ألعاب نارية تنفجر خلال الاحتجاجات على مداهمات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد المهاجرين في لوس أنجليس (أ.ب)
ألعاب نارية تنفجر خلال الاحتجاجات على مداهمات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد المهاجرين في لوس أنجليس (أ.ب)

أشاد الملياردير إيلون ماسك بطريقة تعامل الرئيس دونالد ترمب مع الاحتجاجات في لوس أنجليس ومدن أخرى، في مؤشر إلى هدنة محتملة بينهما مع ارتفاع حدة الحرب الكلامية بين الحكومة الفيدرالية في واشنطن والمسؤولين في كاليفورنيا، إلى حد دفع ترمب إلى المطالبة بسجن حاكم الولاية غافين نيوسوم الذي «أدى عمله بشكل سيئ للغاية».

وكان ماسك دعا إلى عزل الرئيس ترمب، بعد انفجار الخلافات بينهما خلال الأسبوع الماضي على قضايا عدّة أبرزها الميزانية التي أعدتها الإدارة لتنفيذ الأجندة الرئاسية. ولكن ماسك خفف حدة لهجته ضد ترمب على أثر صدمة الاحتجاجات في لوس أنجليس رداً على إجراءات ضباط إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك ومداهمات الهجرة.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، حذف ماسك بعض أكثر منشوراته إثارة للجدل على منصته «إكس» للتواصل الاجتماعي، بما في ذلك دعوته إلى عزل ترمب، وادعاؤه من دون أدلة، أن اسم ترمب وارد في وثائق تتعلق بجرائم جيفري إبستين، المدان باعتداءات باستغلال النساء والقاصرات. وبدا ماسك داعماً بقوة موقف إدارة ترمب من الوضع في لوس أنجليس؛ إذ أضاف أعلاماً أميركية إلى منشور لنائب الرئيس جي دي فانس حول «رفض الرئيس التسامح مع أعمال الشغب والعنف»، علماً أنه كان على الدوام داعماً لإغلاق الحدود ووقف الهجرة غير الشرعية وترحيل المهاجرين، في توافق تام مع إدارة ترمب. وكذلك، نشر لقطة لمنشور ترمب على منصة «تروث سوشال» طالب فيه حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم ورئيسة بلدية لوس أنجليس كارين باس «يجب أن يعتذرا لسكان لوس أنجليس»، في ظل الاشتباكات وإضرام النار في السيارات وتصاعد حدة التظاهرات. كما كتب كلمة «رائع» على مقطع فيديو لفانس وهو يتحدث في مقابلة، قائلاً إنه يعتقد أنه «إذا هدأ إيلون قليلاً، فسيكون كل شيء على ما يرام».

الرئيس دونالد ترمب يرد على أسئلة الصحافيين في واشنطن (إ.ب.أ)

وعاد الرئيس التنفيذي لشركتي «تيسلا» و«إكس» لمتابعة نائب كبيرة موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، الذي يُعدّ أحد أبرز مسؤولي الإدارة في سياسة الهجرة، بعدما كان ألغى متابعته الخميس الماضي في خضم الخلاف بين ترمب وماسك. وكانت هذه الخطوة ملحوظة بشكل خاص؛ نظراً إلى أن زوجة ستيفن ميلر، كاتي، غادرت البيت الأبيض أخيراً للعمل مع ماسك بدوام كامل، وكان الزوجان يتواصلان بانتظام مع ماسك خارج العمل. وأدى ذلك إلى ثرثرة بين مساعدي البيت الأبيض وجولات من التكهنات حول كيفية تأثير تداعيات هذه القضية على الحظوظ السياسية لأحد أقوى الأزواج في واشنطن في عهد ترمب.

انفراج هش

رئيس مجلس إدارة شركتي «تيسلا» و«سبايس إكس» إيلون ماسك خلال مناسبة في واشنطن العاصمة (أ.ب)

وفي مرحلة ما، تحقق ماسك من صحة روبوت الدردشة الذكي الخاص به «غروك»، والذي بدا أنه أكد صحة صورة انتشرت على نطاق واسع تُظهر ماسك وهو يكتب منشوراً بدا وكأنه يقول «كما لو أني أخذت زوجتك» رداً على ميلر. لكن ماسك رد على «غروك» بعبارة: «لا، إنها مزيفة يا إلهي. لم أنشر هذا قط».

ولكن كل هذا لا يعني أن الأمور عادت إلى الإيجابية الكاملة من ماسك، الذي واصل انتقاده - وإن بليونة - لمشروع قانون السياسة الداخلية لترمب الذي أقرَّه مجلس النواب ويجري النظر فيه الآن في مجلس الشيوخ. وكان ماسك انتقد بشدة ما يصفه ترمب بأنه «مشروع قانون واحد، كبير، جميل» الأسبوع الماضي، مجادلاً بأنه سيقوض الكثير مما قام به فريق دائرة الكفاءة الحكومية، «دوج» اختصاراً، لخفض الإنفاق الفيدرالي والعجز. ولكن الإدارة نفت أن مشروع القانون سيزيد العجز، على رغم أن العديد من المنظمات غير الحزبية قالت إنه سيضيف تريليونات الدولارات إلى الدين العام في الولايات المتحدة.

ويأمل المحللون في «وول ستريت» في صمود هذا الانفراج الهش في العلاقات بين ترمب وماسك. وكتب المحلل في مؤسسة «ويدبوش» المالية دان آيفز: «بينما لا نتوقع عودة ترمب وماسك إلى أيامهما الأولى في منتجع مارالاغو، لن يكون مفاجئاً أن نرى ترمب وماسك يُصلحان الأمور تدريجاً (بمساعدة وسطاء خلف الأبواب المغلقة) خلال الأشهر المقبلة».

وارتفع سهم «تسلا» الاثنين، لكنه لا يزال أقل بكثير من مستواه الذي بدأه الخميس قبل الانفصال العلني بينهما.

سيارة «تيسلا» حمراء أمام البيت الأبيض (أ.ب)

وبعد ظهر الاثنين، بدا ترمب أكثر هدوءاً تجاه ماسك. وقال للصحافيين في البيت الأبيض: «كانت بيننا علاقة جيدة، وأتمنى له كل التوفيق، كل التوفيق». غير أنه لم يوضح ما إذا كان سيرد على المكالمة إذا اتصل ماسك. وقال: «لم أفكر في الأمر حقاً. أتخيل أنه يريد التحدث معي، أعتقد ذلك».

خطوة نحو الاستبداد؟

في غضون ذلك، احتدمت الحرب الكلامية بين ترمب ونيوسوم على خلفية الصدامات في لوس أنجليس، بعد الاحتجاجات على المداهمات الفيدرالية ضد المهاجرين وقرار الرئيس ترمب بنشر قوات الحرس الوطني ومشاة البحرية «المارينز» من دون دعم من الحاكم نيوسوم.

ويوجه ترمب انتقادات لنيوسوم منذ أشهر، بما في ذلك تعامله مع حرائق لوس أنجليس وسياسة كاليفورنيا تجاه الرياضيين المتحولين جنسياً. وكان نيوسوم يردّ بحذر في معظم الأحيان، مع استمراره في إظهار الاحترام للرئيس. لكن هذا انتهى الأسبوع الماضي. وبحلول الاثنين، كان الحاكم يردّ بوابل من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ورسائل البريد الإلكتروني والمقابلات الإخبارية، بنبرة راوحت بين السخرية والجدية.

حاكم ولاية كاليفورنيا غافين نيوسوم في إحدى المناسبات (رويترز)

وبدأت المناوشة الأخيرة عندما صرّح مسؤول الحدود في إدارة ترمب، توم هومان لشبكة «إن بي سي»، السبت، بأنه سيعتقل أي شخص، بما في ذلك نيوسوم، إذا تدخل في إنفاذ قوانين الهجرة. وردّ نيوسوم متحدياً هومان. وقال له عبر «إم إس إن بي سي»: «إلحق بي. اعتقلني أيها الرجل القوي. لننهِ الأمر».

وعندما سأله الصحافيون عما إذا كان يعتقد أن هومان يجب أن يعتقل نيوسوم، أجاب ترمب: «لو كنت مكان توم، لفعلت ذلك. انظروا، أنا معجب بغافين نيوسوم، إنه رجل لطيف. لكنه غير كفء على الإطلاق».

وردّ نيوسوم بمشاركة مقطع فيديو لتعليقات ترمب على «إكس»، وثبته في أعلى صفحته الرئيسة لإضفاء المزيد من الأهمية عليه. وكتب: «دعا رئيس الولايات المتحدة للتو إلى اعتقال حاكم ولاية. هذا يوم تمنيتُ ألا أراه في أميركا»، واصفاً ذلك بأنه «خطوة لا لبس فيها نحو الاستبداد».

ومرة أخرى، سأل أحد المراسلين ترمب عن الجريمة التي يجب أن تُوجّه لنيوسوم، فأجاب إن «جريمته الأساسية هي الترشح لمنصب الحاكم؛ لأنه أساء التصرف. ما فعله بتلك الولاية يُشبه ما فعله بايدن بهذا البلد».

ونشر نيوسوم هذا الفيديو أيضاً. وأضاف منشورات استفزت مؤيدي ترمب الجمهوريين، وبينهم فانس والسناتور تومي توبرفيل والنائب جيم جوردان.


مقالات ذات صلة

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

الولايات المتحدة​ عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب) play-circle

الرئيس الإيراني: استهداف خامنئي إعلان «حرب شاملة ضد الشعب»

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، من أنّ أي هجوم على المرشد علي خامنئي سيكون بمثابة إعلان حرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
تحليل إخباري الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر السلام حول غزة الذي عُقد في شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري تحسن متواصل في العلاقات المصرية - الأميركية... و«تقدير متبادل» بين السيسي وترمب

أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مناسبة تقديراً ملحوظاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان أحدثها إشادته به في خطاب رسمي.

هشام المياني (القاهرة)
شؤون إقليمية صورة جماعية للمشاركين في قمة شرم الشيخ للإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

مسؤولون أميركيون لنتنياهو: لا مجال للاعتراض على هيئات ومجالس غزة

أعربت مصادر سياسية أميركية عن استغرابها من موقف الحكومة الإسرائيلية من تشكيلة «مجلس السلام» بقيادة ترمب، موضحة أن «واشنطن أبلغت نتنياهو بأنه لا مجال للاعتراض».

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران الخميس الماضي (أ.ب) play-circle

طهران تنفي رواية واشنطن بشأن «800 إعدام»

نفت إيران تنفيذ أو التحضير لنحو 800 حكم إعدام بحق محتجين، فيما قالت مصادر أميركية إن وزير الخارجية الإيراني نقل المعلومة لمبعوث ترمب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
TT

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا، حيث تقوم السلطات الاتحادية بعملية كبيرة لإنفاذ قوانين الهجرة، حسبما قالت مصادر مسؤولة في وزارة الدفاع، الأحد.

وذكرت المصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها أن كتيبتين مشاة من الفرقة 11 المحمولة جواً بالجيش تلقتا أوامر بالاستعداد للانتشار. ويقع مقر الوحدة في ألاسكا، وتتخصص في العمل في ظروف القطب الشمالي، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال أحد مسؤولي الدفاع إن القوات مستعدة للانتشار في مينيسوتا في حالة تفعيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفعيل قانون التمرد، وهو قانون نادر الاستخدام يعود إلى القرن التاسع عشر، ويسمح له بتوظيف قوات الجيش في إنفاذ القانون.

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط من تهديد ترمب بإرسال قوات الجيش إلى مينيسوتا لقمع الاحتجاجات ضد الحملة التي تقوم بها إدارته ضد الهجرة.


القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟


وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
TT

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اليوم الأحد، إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

وأضاف بيسنت، لموقع «إن بي سي»، «غرينلاند ضرورية للأمن القومي الأميركي، ويجب أن نسيطر عليها».

وأشار وزير الخزانة الأميركي إلى أن الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي لم يدخل حيز التنفيذ، مضيفاً: «وترمب لديه صلاحيات (طارئة) لفرض رسوم جمركية».

وتعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.