العيادات الذكية... هل ستُحدد مستقبل الطب؟

تجربة سعودية رائدة تفتح أبواب الغد

العيادات الذكية... هل ستُحدد مستقبل الطب؟
TT

العيادات الذكية... هل ستُحدد مستقبل الطب؟

العيادات الذكية... هل ستُحدد مستقبل الطب؟

في عالم يُسابق الزمن نحو التحول الرقمي، لم تعد التكنولوجيا ترفاً أو خياراً بل أصبحت الركيزة الجوهرية في إعادة تشكيل مشهد الرعاية الصحية عالمياً، ومع زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية، تتجه أنظار العالم إلى التجارب الجريئة التي تُعيد تعريف العلاقة بين المريض والمنظومة الطبية.

أول عيادة ذكية كاملة في السعودية

وفي خطوة رائدة تعكس طموحات «رؤية السعودية 2030»، أُعلن أخيراً عن إطلاق أول عيادة ذكية بالكامل في المملكة، تستخدم الذكاء الاصطناعي ليس فقط بصفتها مساعداً طبياً، بل مكوّن أساسي في عمليات التشخيص، واتخاذ القرار العلاجي، والمتابعة الدقيقة لحالة المريض.

هذه العيادة لا تُمثل مجرد تحديث للبنية التحتية، بل تُقدم نموذجاً جديداً لطب المستقبل؛ حيث تندمج الكفاءة الطبية مع قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات واستشراف المخاطر في وقت قياسي، وبأقل هامش للخطأ.

فهل نحن أمام بداية ثورة طبية عربية بطابع سعودي؟ وهل تصبح العيادات الذكية، بكل ما تحمله من ابتكارات، الخيار المفضل لعلاج أكثر دقة وسرعة وإنصافاً؟ لكن... ما الذي يجعل هذه العيادة «ذكية» فعلاً؟ وهل يمكن أن تصبح نموذجاً للرعاية الصحية في المستقبل القريب؟

الرياض: بداية التجربة

في خطوة تُعد الأولى من نوعها على مستوى الشرق الأوسط، شهدت العاصمة الرياض تدشين أول عيادة ذكية متكاملة، ضمن مشروع تجريبي طموح أطلقته وزارة الصحة السعودية بالتعاون مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA)، في إطار توجه وطني نحو رقمنة الخدمات الصحية ورفع كفاءة الرعاية الأولية.

وقد جرى ربط العيادة الذكية بمنصة وطنية موحدة للسجلات الصحية الإلكترونية، تتيح الوصول الفوري إلى بيانات المريض الطبية المحدثة، وتحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، ما يُسهم في تسريع عملية التشخيص، واقتراح خطط علاجية دقيقة ومخصصة لكل حالة.

ويهدف هذا المشروع التجريبي إلى تقييم فاعلية النظم الذكية في بيئة العيادات الواقعية، من حيث جودة الأداء، وسرعة تقديم الخدمة، ومستوى رضا المرضى، تمهيداً لتوسيع نطاق التجربة وتعميمها على عدد من المدن والمراكز الصحية في المراحل اللاحقة.

من الورقة والقلم... إلى الخوارزمية

في النموذج التقليدي للرعاية الصحية، يمر المريض برحلة طويلة تبدأ بالفحص السريري، ثم التحاليل، ثم الانتظار للحصول على النتائج، وصولاً إلى مرحلة التشخيص ووضع الخطة العلاجية... رحلة قد تمتد لساعات أو أيام، وتعتمد بدرجة كبيرة على توافر الطبيب وخبرته.

أما في العيادة الذكية، فقد أعادت التكنولوجيا رسم هذه الرحلة بالكامل، مختزلة إياها إلى دقائق معدودة.

تفاعل المريض والطبيب عبر النظم الذكية

يبدأ كل شيء عندما يُدخل المريض أعراضه عبر واجهة ذكية تفاعلية، سواء من جهاز لوحي داخل العيادة أو عبر تطبيق متصل، فيقوم النظام، المدعوم بتقنيات التعلّم العميق (Deep Learning)، بتحليل هذه الأعراض لحظياً، ويُقارنها بملايين الحالات والسجلات السريرية المخزّنة في قاعدة بيانات ضخمة، ليُولّد قائمة بالتشخيصات المحتملة، مرتّبة حسب درجة الاحتمال.

ثم يُعرض على الطبيب ملخّص دقيق يشمل:

- ترشيحات تشخيصية مدعومة بالبيانات

- اقتراحات لفحوصات تكميلية إذا لزم الأمر

- خطة علاجية مستندة إلى أدلة علمية وتجارب سريرية لحالات مماثلة

لكن الدور لا يتوقف عند هذا الحد، فالنظام يتابع مسار تحسّن المريض بعد بدء العلاج، من خلال جمع البيانات الحيوية أو التغذية الراجعة من المريض، ويُطلق تنبيهات فورية للطبيب في حال رصد أي مؤشرات لتدهور الحالة أو ظهور آثار جانبية، دون الحاجة إلى تكرار زيارة العيادة.

بهذا تتحوّل الرعاية الصحية من نموذج تفاعلي تقليدي إلى نظام استباقي ذكي، يحاكي المنطق الطبي البشري... لكن بسرعة غير مسبوقة، وبدقة تتغذّى على كل حالة سابقة

أرقام تتحدث: ماذا تُقدم العيادة الذكية؟

لا تكتفي العيادات الذكية برسم صورة مستقبلية للرعاية الصحية، بل بدأت بالفعل تقديم نتائج ملموسة على أرض الواقع. وتشير البيانات الأولية الصادرة عن تجربة التشغيل الأولى في مدينة الرياض إلى مؤشرات واعدة تؤكد الفاعلية العالية لهذا النموذج الجديد:

- تسريع عملية التشخيص بنسبة تصل إلى 50 في المائة مقارنة بالعيادات التقليدية؛ حيث أسهمت أتمتة الخطوات الأولية وتحليل البيانات اللحظي في تقليص زمن الانتظار، وتحديد التشخيص بشكل فوري.

- تحسّن دقة التوصيات العلاجية بنسبة 35 في المائة، نتيجة قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على ربط المعطيات الدقيقة المتناثرة في السجل الطبي للمريض، وتحليلها ضمن سياق شامل لا يُمكن للطبيب وحده أن يغطيه في وقت قصير.

- تعزيز تجربة المريض بشكل تفاعلي ومستمر، خاصة لدى المصابين بالأمراض المزمنة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم؛ حيث بات بإمكان المرضى تلقي إشعارات وتنبيهات دورية عبر تطبيقات ذكية مرتبطة بسجلهم الصحي، تتضمن نصائح، وتذكيرات بالأدوية، وتنبيهات عند حدوث تغيّرات غير طبيعية في الحالة.

رصد استباقي ودعم متواصل

ولا تُشير هذه الأرقام فقط إلى تحسين الأداء، بل تعكس تحولاً نوعياً في فلسفة الرعاية الصحية، من نموذج يعتمد على ردّ الفعل، إلى نظام قائم على الرصد الاستباقي والدعم المستمر للمريض

كما أن هذه الخطوة تُسهم في تخفيف الضغط على المستشفيات الكبرى، عبر تقديم بديل ذكي للرعاية الأولية، مدعوم بالتحليل الفوري، وسجلات المرضى الإلكترونية، وربما قريباً... الذكاء الاصطناعي التوليدي.

لماذا السعودية؟ ولماذا الآن؟

لم تأتِ تجربة العيادات الذكية في المملكة بمحض المصادفة، بل هي جزء من رؤية شمولية ومحددة الأهداف، وضعتها القيادة السعودية ضمن إطار «رؤية السعودية 2030»، التي تسعى إلى تحويل المملكة إلى مركز إقليمي رائد في مجالات التقنية والابتكار، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في القطاع الصحي.

ويأتي إطلاق هذه المبادرة في وقت حاسم، تتزايد فيه الضغوط على الأنظمة الصحية حول العالم، خصوصاً مع النقص العالمي في الكوادر الطبية المؤهلة، وارتفاع الطلب على خدمات الرعاية الصحية في المناطق البعيدة والنائية. وهنا، تلعب العيادات الذكية دوراً محورياً في:

- تعويض النقص البشري عبر أنظمة ذكية تعمل على مدار الساعة دون كلل.

- إتاحة رعاية صحية متقدمة للمواطنين في جميع مناطق المملكة، دون الحاجة إلى التنقل أو انتظار مواعيد طويلة.

-تقليل التكاليف التشغيلية على المدى البعيد من خلال تقنيات دقيقة تُقلل من التشخيصات الخاطئة والعلاجات غير الفعالة.

في هذا السياق، لا تبدو السعودية فقط مستهلكة للتقنية، بل صانعة لمستقبلها الصحي الرقمي، وخريطة الطريق أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

بين الذكاء الاصطناعي والقرار الطبي

وعلى الرغم من الإمكانات الهائلة التي تمتلكها الأنظمة الذكية في تحليل البيانات وتقديم التوصيات، يظل الطبيب البشري هو صاحب القرار النهائي والمرجعية الأخلاقية والسريرية في كل ما يتعلق بصحة المريض، فالعيادة الذكية لا تهدف إلى استبدال الطبيب، بل إلى تعزيز كفاءته، وتوسيع قدراته التشخيصية.

من خلال توفير أدوات تحليل متقدمة، ومؤشرات تنبؤية دقيقة، تُساعد هذه الأنظمة الطبيب على تجاوز التخمينات والقرارات المعتمدة على الحدس أو الوقت الضيق، ما يُقلّل من الأخطاء، ويُسرّع التشخيص، ويُخصص العلاج بما يتناسب مع الحالة الفريدة لكل مريض.

إنها شراكة متكاملة بين الإنسان والآلة؛ حيث يُمارس الطبيب دوره الإنساني، والإكلينيكي، والتواصلي، في حين يعمل الذكاء الاصطناعي مساعداً لا يكلّ، يقرأ الأرقام والمعطيات بلغة الإحصاء والمنطق، ويقدّمها للطبيب على هيئة خيارات مدروسة تدعمه لا تُقيّده.

وفي الختام: ليست العيادات الذكية مجرد واجهة برَّاقة للتطور التكنولوجي في الطب، بل تُمثل استجابة استراتيجية لأسئلة كبرى حول مستقبل الرعاية الصحية المستدامة، في زمن تتكاثر فيه التحديات: من نمو سكاني متسارع، إلى ضغط متزايد على البنية التحتية الصحية، وصولاً إلى الحاجة لتوفير خدمات عالية الجودة بتكلفة أقل وفي وقت أقصر.

في هذا السياق، تبرز العيادات الذكية بصفتها أحد الحلول الجذرية لا التحسينية؛ فهي تُعيد تعريف علاقة الإنسان بالطب، وتقدّم نموذجاً يعتمد على الوقاية المبكرة، والمتابعة المستمرة، واتخاذ القرار بناءً على تحليل دقيق للبيانات، وليس فقط على الأعراض الظاهرة.

نحن أمام بداية مرحلة جديدة من الطب: مرحلة يصبح فيها المرض أقل غموضاً، والتشخيص أكثر دقة، والمريض شريكاً نشطاً في رحلة علاجه، بدعم من عقل إلكتروني لا يكلّ، ولا ينسى، ولا يتوقف عن التعلم.

إنها ليست ثورة في الأدوات فحسب، بل في الفلسفة الطبية ذاتها.

* المراجع العلمية:

- Saudi AI Health Initiative: https://www.saudiaimedical.org- Journal of Smart Healthcare: https://www.jsmarthealth.com- Nature Digital Medicine: https://www.nature.com/npjdigitalmed


مقالات ذات صلة

ألمانيا تدعو إلى حلول طويلة الأجل لمواجهة استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة

الاقتصاد التوسع السريع في مراكز البيانات الكبيرة في إطار طفرة الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة كبيرة في الطلب على الكهرباء (إكس)

ألمانيا تدعو إلى حلول طويلة الأجل لمواجهة استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة

أعرب وزير الرقمنة الألماني عن اعتقاده أن الطلب المتزايد على الكهرباء المدفوع بالذكاء الاصطناعي يمكن تلبيته في السنوات المقبلة عبر إمدادات الطاقة القائمة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)

نداء عالمي لذكاء اصطناعي «آمن وموثوق وقوي»

أسدل الستار على «قمة الهند لتأثير الذكاء الاصطناعي» بصدور وثيقة تاريخية حظيت بدعم 86 دولة ومنظمتين دوليتين.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)

واشنطن تستنهض إرث كينيدي لمحاصرة التمدد الرقمي الصيني

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إطلاق مبادرة «فيلق التكنولوجيا» (Tech Corps)، وهي نسخة مطورة من «فيلق السلام» التاريخي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)

لماذا أثار تطبيق صيني للذكاء الاصطناعي ذعراً في هوليوود؟

أحدث نموذج جديد للذكاء الاصطناعي، طوّرته «بايت دانس» الشركة الصينية المطورة لتطبيق «تيك توك»، ضجةً في هوليوود هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رئيس الوزراء الهندي ناريدرا مودي والرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا يتوسطان رؤساء الحكومات والوزراء والمسؤولين في صورة على هامش «قمة نيودلهي» للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)

لجنة خبراء أممية لضمان تحكم البشر في الذكاء الاصطناعي

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، الجمعة، أن لجنة الخبراء التي تُشرف عليها الأمم المتحدة والمعنية بالذكاء الاصطناعي ستعمل على تحقيق «حوكمة قائمة على العلم».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

«ناسا» تحدد 6 مارس أقرب موعد لإرسال رواد فضاء في رحلة حول القمر

صاروخ «أرتميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود في مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود في مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تحدد 6 مارس أقرب موعد لإرسال رواد فضاء في رحلة حول القمر

صاروخ «أرتميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود في مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود في مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعربت الوكالة الأميركية للطيران والفضاء (ناسا) عن تفاؤل جديد، الجمعة، بعد أن كشف اختبار أرضي ثانٍ لمهمتها المتمثلة في إرسال طاقم حول القمر في أقرب وقت ممكن الشهر المقبل، تقدماً كبيراً بعد مشاكل تقنية سابقة.

وقال جاريد تايلور إسحاقمان مدير «ناسا» في منشور على منصة «إكس» إن البروفة الثانية لما تسمى الاختبار الرطب - وهي محاكاة كاملة للعد التنازلي للإطلاق دون الإقلاع - مثلت «خطوة كبيرة نحو عودة أميركا إلى البيئة القمرية».

وقالت لوري جليز، المديرة في «ناسا»، إن إصلاح المشكلات التي تمت مواجهتها في أثناء الاختبارات السابقة أثبتت فاعليتها.

وأضافت أن جميع الإجراءات اكتملت تقريباً كما هو مخطط وفي الإطار الزمني المتوقع، رغم أن بعض المشكلات لا تزال بحاجة إلى المعالجة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأشارت «ناسا» إلى أن أقرب موعد إطلاق ممكن الآن هو 6 مارس (آذار) المقبل.

ومن المتوقع أن يخضع الطاقم للحجر الصحي، اليوم الجمعة.

ومن المقرر أن ترسل مهمة «أرتميس 2» رواد فضاء إلى محيط القمر لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن.


الذكاء الاصطناعي: 5 طرق لاكتشاف «نقطة التوازن الأمثل» له... في فريقك

الذكاء الاصطناعي: 5 طرق لاكتشاف «نقطة التوازن الأمثل» له... في فريقك
TT

الذكاء الاصطناعي: 5 طرق لاكتشاف «نقطة التوازن الأمثل» له... في فريقك

الذكاء الاصطناعي: 5 طرق لاكتشاف «نقطة التوازن الأمثل» له... في فريقك

إن الضغط لتبنِّي الذكاء الاصطناعي لا هوادة فيه، فمجالس الإدارة والمستثمرون والسوق يخبروننا بأننا سنتخلف عن الركب إن لم نفعل. والنتيجة هي اندفاع محموم لتطبيق الذكاء الاصطناعي، لمجرد تطبيقه، مما يؤدي إلى تجارب مكلفة، وإحباط لدى فِرق العمل، وعائد استثمار مخيِّب للآمال، كما كتب مات كيسبي(*).

التطبيق الاستراتيجي المناسب

تكمن المشكلة في أننا نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كعصا سحرية - حل واحد يناسب جميع المشاكل. لكن التحول الحقيقي ينبع من تطبيقه استراتيجياً، حيث يمكن أن يُحدث أكبر الأثر.

هذا هو «التوازن الأمثل للذكاء الاصطناعي»، حيث تكمن الميزة التنافسية الحقيقية له، إذ إن الأمر لا يتعلق بامتلاك أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل بامتلاك الذكاء الاصطناعي المناسب، وتطبيقه على المشاكل المناسبة، مع الأشخاص المناسبين. إليك خمس طرق لاكتشافه.

ابدأ بأكبر عائق لديك... وليس بأكبر ميزانية

* يقع عدد من المؤسسات في فخ تخصيص ميزانية الذكاء الاصطناعي للقسم الأكثر إلحاحاً. إنها وصفة لهدر الموارد. وبدلاً من السؤال: «أين يمكننا إنفاق ميزانية الذكاء الاصطناعي؟»، اسأل: «أين تكمن أكبر عَقبة تنظيمية لدينا؟»

حدد العمليات الأكثر استهلاكاً للوقت وتكراراً في شركتك. هل هي الساعات التي يقضيها فريق التسويق في البحث قبل الاجتماعات؟ أم إدخال البيانات يدوياً الذي يُثقل كاهل قسم المالية؟ هذه هي نقاط الضعف التي يجب التركيز عليها.

على سبيل المثال، وجدت إحدى الشركات التي عملت معها أن فريق المبيعات كان يقضي أكثر من خمس ساعات في التحضير لاجتماع واحد مع عميل. من خلال تطبيق نظام ذكاء اصطناعي لإدارة البحث وجمع البيانات، تمكّن الفريق من تقليل وقت التحضير بنسبة 87 في المائة، مما وفّر ما يقارب 300000 دولار سنوياً من تكاليف الإنتاجية. لم يكن الذكاء الاصطناعي مبهراً، لكنه حلّ مشكلة حقيقية ومكلفة. هذه هي النقطة المثالية.

اسأل: «هل سيُحسّن هذا أم سيحل محلّه»؟

* إن أسرع طريقة لإجهاض مبادرة الذكاء الاصطناعي هي جعل موظفيك يشعرون بالتهديد منها. عندما يسمع الناس كلمة «ذكاء اصطناعي»، غالباً ما يفكرون في «استبدال الوظائف». هذا الخوف يُولّد مقاومة، ويُقوّض التبني. بصفتك قائداً، يكمن دورك في تحويل الحوار من استبدال إلى تعزيز.

قبل تطبيق أي أداة ذكاء اصطناعي، اسأل نفسك سؤالاً بسيطاً: هل ستعزز هذه التقنية قدرات فريقنا، أم أنها ستحل محل وظيفة بشرية؟ غالباً ما يكون الخيار الأمثل هو: التعزيز.

فكّر في الذكاء الاصطناعي ليس على أنه موظف جديد، بل على أنه متدرب دؤوب أو زميل لامع لكل فرد في فريقك. بإمكانه القيام بالأعمال الروتينية، وتحليل مجموعات البيانات الضخمة، واستخلاص رؤى قيّمة، ما يتيح لفريقك التفرغ لما يُجيدونه: التفكير النقدي واتخاذ القرارات الاستراتيجية. عندما يرى فريقك الذكاء الاصطناعي شريكاً يُحسّن أداءهم، سيدعمون تبنّيه بكل حماس.

--

* إيجاد التوازن الأمثل للذكاء الاصطناعي لا يتعلق كثيراً بالتكنولوجيا بقدر ما يتعلق بعلم النفس والاستراتيجية والثقافة*

--

ابنِ الثقة قبل بناء التقنية

* إننا لا نستخدم الأدوات التي لا نثق بها. وإذا لم يفهم فريقك كيفية عمل نظام الذكاء الاصطناعي أو سبب تقديمه توصيات معينة، فإن أعضاء الفريق سيبحثون عن حلول بديلة لتجنب استخدامه. الثقة ليست ميزة يمكن إضافتها لاحقاً؛ بل يجب أن تكون أساس استراتيجية التنفيذ.

يبدأ هذا بخلق بيئة آمنة نفسياً، حيث يشعر الموظفون بالأمان لطرح الأسئلة، وحتى مناقشة الذكاء الاصطناعي. كن شفافاً، اشرح ما يفعله الذكاء الاصطناعي، وما البيانات التي يستخدمها، وأين تكمن حدوده. عيِّن مشرفين بشريين على العمليات الحيوية، لضمان وجود شخص مطلع دائماً على القرارات المصيرية.

في عملي، أستخدم إطار عمل «13 سلوكاً للثقة»، وهو ينطبق على الذكاء الاصطناعي كما ينطبق على البشر. يكتسب نظام الذكاء الاصطناعي الثقة عندما يكون ذا كفاءة؛ أي أنه يحقق نتائج، ويتمتع بالنزاهة؛ أي يعمل بأمانة. ودون هذه الثقة، فإن حتى أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي مجرد شفرة برمجية مكلفة.

اربط كل مبادرة ذكاء اصطناعي بهدف تجاري

* إن «استكشاف إمكانيات الذكاء الاصطناعي» ليس استراتيجية عمل، فكثير من مشاريع الذكاء الاصطناعي يعمل بمعزل عن أهداف الشركة الأساسية. إذا لم تتمكن من ربط مبادرة الذكاء الاصطناعي بهدف محدد - كزيادة ولاء العملاء أو خفض التكاليف التشغيلية - فلا داعي لها.

قبل الموافقة على أي مشروع ذكاء اصطناعي، اربطه مباشرةً بأهداف شركتك الرئيسية أو ركائزها الاستراتيجية. كيف ستساعدنا هذه الأداة في تحقيق رؤيتنا؟ وكيف تدعم رسالتنا؟ هذا يفرض مستوى من الانضباط يمنعك من الانشغال بأمور ثانوية، ويضمن أن تكون استراتيجية الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية عملك الشاملة، وليست وظيفة تقنية معلومات معزولة.

الذكاء الاصطناعي الذي لا يتوافق مع هدفك الأساسي سيظل دائماً مركز تكلفة. أما الذكاء الاصطناعي الذي يتوافق معه، فيصبح محركاً قوياً لخلق القيمة.

وفّر مساحة للتعلم لا للتنفيذ فقط

* غالباً ما يتوقع القادة عائداً فورياً وسلساً على استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي. ولكن لا يوجد حل سحري. يتطلب التبني الناجح نقل فريقك من منطقة الراحة، مروراً بفترة عدم اليقين والخوف إلى مناطق التعلم والنمو، وهذا يتطلب وقتاً وصبراً.

لا تكتفِ بتخصيص ميزانية للتكنولوجيا، بل خصص ميزانية لمنحنى التعلم. أنشئ بيئات تجريبية حيث يمكن للفرق تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة دون خوف من الفشل. احتفل بالإنجازات الصغيرة والدروس المستفادة من الأخطاء.

إن المؤسسات التي تحقق نجاحاً حقيقياً في مجال الذكاء الاصطناعي ليست تلك التي أتقنته من اليوم الأول، بل تلك التي رسّخت ثقافة التعلم المستمر، ومكّنت موظفيها من التكيف والنمو. وسيتجاوز العائد على الاستثمار طويل الأجل من قوة عاملة متمكنة ومُلمة بالذكاء الاصطناعي، بكثير أي مكاسب قصيرة الأجل من تطبيق متسرع.

إن إيجاد التوازن الأمثل للذكاء الاصطناعي لا يتعلق كثيراً بالتكنولوجيا بقدر ما يتعلق بعلم النفس والاستراتيجية والثقافة. يتعلق الأمر بتحويل تركيزك مما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي إلى ما يجب أن يفعله لمؤسستك وموظفيك. توقفْ عن الانجراف وراء ضجة الذكاء الاصطناعي وابدأ حل مشكلات عملك الواقعية. هناك ستجد الميزة الدائمة.

* مؤسس شركتيْ «غو تيم» و«مالتبل تيك»، مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


بين المريخ والمشتري كويكبات غامضة... لماذا تؤرق علماء «ناسا»؟

الكويكبات هي أجسام صخرية صغيرة تعود إلى بقايا تشكل النظام الشمسي (بكسلز)
الكويكبات هي أجسام صخرية صغيرة تعود إلى بقايا تشكل النظام الشمسي (بكسلز)
TT

بين المريخ والمشتري كويكبات غامضة... لماذا تؤرق علماء «ناسا»؟

الكويكبات هي أجسام صخرية صغيرة تعود إلى بقايا تشكل النظام الشمسي (بكسلز)
الكويكبات هي أجسام صخرية صغيرة تعود إلى بقايا تشكل النظام الشمسي (بكسلز)

حذّرت المسؤولة في وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» كيلي فاست من أن أكثر ما يقلق العلماء هو الكويكبات التي لم يتم اكتشافها بعد، وذلك خلال مؤتمر «American Association for the Advancement of Science» في ولاية أريزونا.

وقالت فاست، وفق ما نقلته صحيفة «ذا صن»: «ما يُبقيني مستيقظة ليلاً هو الكويكبات التي لا نعرف بوجودها».

وأوضحت أن الكويكبات الصغيرة «تصطدم بالأرض طوال الوقت تقريباً، لذلك لسنا قلقين كثيراً بشأنها. كما أن العلماء أقل قلقاً حيال الكويكبات الضخمة التي نراها في الأفلام، لأن مواقعها معروفة ويتم تتبعها».

لكن مصدر القلق الحقيقي يتمثل في الكويكبات متوسطة الحجم، التي يبلغ قطرها نحو 140 متراً أو أكثر، والتي قد تُسبب دماراً إقليمياً واسعاً، وليس عالمياً، في حال اصطدامها بالأرض، في حين أن كثيراً منها لم يُكتشف بعد، وفق المسؤولة في «ناسا».

وأضافت أن التقديرات تشير إلى وجود نحو 25 ألف كويكب من هذا النوع، ولم يتم حتى الآن رصد سوى حوالي 40 في المائة منها، مشيرة إلى أن اكتشافها يستغرق وقتاً حتى مع استخدام أفضل التلسكوبات المتاحة.

ما الكويكبات؟

الكويكبات هي أجسام صخرية صغيرة تعود إلى بقايا تشكل النظام الشمسي قبل نحو 4.6 مليار سنة. وتتركز بشكل رئيسي في حزام الكويكبات الواقع بين مداري كوكبي المريخ والمشتري.

أما ما يُعرف بـ«الأجسام القريبة من الأرض»، فهي كويكبات تدور في مدارات تجعلها تقترب من الشمس لمسافة تصل إلى نحو 120 مليون ميل، وتدخل ضمن «الحي المداري» لكوكب الأرض.

ماذا عن خطر الاصطدام؟

في فبراير (شباط) من العام الماضي، أظهرت بيانات صادرة عن مركز دراسات الأجسام القريبة من الأرض التابع لوكالة «ناسا»، المعروف باسم «Center for Near Earth Object Studies»، أن احتمال اصطدام كويكب يُعرف باسم «2024 YR4» بالأرض في عام 2032 بلغ 3.1 في المائة.

وكانت هذه النسبة في ذلك الوقت، الأعلى التي تُسجّلها «ناسا» لجسم فضائي بهذا الحجم أو أكبر.

لكن دراسات لاحقة أكدت أن هذا الجسم «لا يشكل خطراً كبيراً على الأرض في عام 2032 أو بعده».

وأوضحت «ناسا» أن معظم الأجسام القريبة من الأرض لا تقترب كثيراً من كوكبنا، وبالتالي لا تمثل أي خطر اصطدام فعلي.

الكويكبات الخطرة المحتملة

رغم ذلك، توجد فئة تُعرف باسم «الكويكبات الخطرة المحتملة»، وهي أجسام يزيد قطرها عن 460 قدماً، وتقترب مداراتها لمسافة تصل إلى نحو 4.6 مليون ميل من مدار الأرض حول الشمس.

ومع ذلك، يؤكد العلماء أن أياً من هذه الكويكبات لا يُتوقع أن يصطدم بالأرض في المستقبل القريب.

وأوضح بول تشوداس، مدير مركز دراسات الأجسام القريبة من الأرض، في هذا المجال، أن تصنيف «خطر محتمل» لا يعني وجود تهديد وشيك، بل يشير فقط إلى أن مدار الكويكب قد يتغير على مدى قرون أو آلاف السنين بطريقة قد تمنحه فرصة اصطدام بالأرض، من دون أن يتم حالياً تقييم هذه الاحتمالات البعيدة جداً زمنياً.