العيادات الذكية... هل ستُحدد مستقبل الطب؟

تجربة سعودية رائدة تفتح أبواب الغد

العيادات الذكية... هل ستُحدد مستقبل الطب؟
TT

العيادات الذكية... هل ستُحدد مستقبل الطب؟

العيادات الذكية... هل ستُحدد مستقبل الطب؟

في عالم يُسابق الزمن نحو التحول الرقمي، لم تعد التكنولوجيا ترفاً أو خياراً بل أصبحت الركيزة الجوهرية في إعادة تشكيل مشهد الرعاية الصحية عالمياً، ومع زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية، تتجه أنظار العالم إلى التجارب الجريئة التي تُعيد تعريف العلاقة بين المريض والمنظومة الطبية.

أول عيادة ذكية كاملة في السعودية

وفي خطوة رائدة تعكس طموحات «رؤية السعودية 2030»، أُعلن أخيراً عن إطلاق أول عيادة ذكية بالكامل في المملكة، تستخدم الذكاء الاصطناعي ليس فقط بصفتها مساعداً طبياً، بل مكوّن أساسي في عمليات التشخيص، واتخاذ القرار العلاجي، والمتابعة الدقيقة لحالة المريض.

هذه العيادة لا تُمثل مجرد تحديث للبنية التحتية، بل تُقدم نموذجاً جديداً لطب المستقبل؛ حيث تندمج الكفاءة الطبية مع قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات واستشراف المخاطر في وقت قياسي، وبأقل هامش للخطأ.

فهل نحن أمام بداية ثورة طبية عربية بطابع سعودي؟ وهل تصبح العيادات الذكية، بكل ما تحمله من ابتكارات، الخيار المفضل لعلاج أكثر دقة وسرعة وإنصافاً؟ لكن... ما الذي يجعل هذه العيادة «ذكية» فعلاً؟ وهل يمكن أن تصبح نموذجاً للرعاية الصحية في المستقبل القريب؟

الرياض: بداية التجربة

في خطوة تُعد الأولى من نوعها على مستوى الشرق الأوسط، شهدت العاصمة الرياض تدشين أول عيادة ذكية متكاملة، ضمن مشروع تجريبي طموح أطلقته وزارة الصحة السعودية بالتعاون مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA)، في إطار توجه وطني نحو رقمنة الخدمات الصحية ورفع كفاءة الرعاية الأولية.

وقد جرى ربط العيادة الذكية بمنصة وطنية موحدة للسجلات الصحية الإلكترونية، تتيح الوصول الفوري إلى بيانات المريض الطبية المحدثة، وتحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، ما يُسهم في تسريع عملية التشخيص، واقتراح خطط علاجية دقيقة ومخصصة لكل حالة.

ويهدف هذا المشروع التجريبي إلى تقييم فاعلية النظم الذكية في بيئة العيادات الواقعية، من حيث جودة الأداء، وسرعة تقديم الخدمة، ومستوى رضا المرضى، تمهيداً لتوسيع نطاق التجربة وتعميمها على عدد من المدن والمراكز الصحية في المراحل اللاحقة.

من الورقة والقلم... إلى الخوارزمية

في النموذج التقليدي للرعاية الصحية، يمر المريض برحلة طويلة تبدأ بالفحص السريري، ثم التحاليل، ثم الانتظار للحصول على النتائج، وصولاً إلى مرحلة التشخيص ووضع الخطة العلاجية... رحلة قد تمتد لساعات أو أيام، وتعتمد بدرجة كبيرة على توافر الطبيب وخبرته.

أما في العيادة الذكية، فقد أعادت التكنولوجيا رسم هذه الرحلة بالكامل، مختزلة إياها إلى دقائق معدودة.

تفاعل المريض والطبيب عبر النظم الذكية

يبدأ كل شيء عندما يُدخل المريض أعراضه عبر واجهة ذكية تفاعلية، سواء من جهاز لوحي داخل العيادة أو عبر تطبيق متصل، فيقوم النظام، المدعوم بتقنيات التعلّم العميق (Deep Learning)، بتحليل هذه الأعراض لحظياً، ويُقارنها بملايين الحالات والسجلات السريرية المخزّنة في قاعدة بيانات ضخمة، ليُولّد قائمة بالتشخيصات المحتملة، مرتّبة حسب درجة الاحتمال.

ثم يُعرض على الطبيب ملخّص دقيق يشمل:

- ترشيحات تشخيصية مدعومة بالبيانات

- اقتراحات لفحوصات تكميلية إذا لزم الأمر

- خطة علاجية مستندة إلى أدلة علمية وتجارب سريرية لحالات مماثلة

لكن الدور لا يتوقف عند هذا الحد، فالنظام يتابع مسار تحسّن المريض بعد بدء العلاج، من خلال جمع البيانات الحيوية أو التغذية الراجعة من المريض، ويُطلق تنبيهات فورية للطبيب في حال رصد أي مؤشرات لتدهور الحالة أو ظهور آثار جانبية، دون الحاجة إلى تكرار زيارة العيادة.

بهذا تتحوّل الرعاية الصحية من نموذج تفاعلي تقليدي إلى نظام استباقي ذكي، يحاكي المنطق الطبي البشري... لكن بسرعة غير مسبوقة، وبدقة تتغذّى على كل حالة سابقة

أرقام تتحدث: ماذا تُقدم العيادة الذكية؟

لا تكتفي العيادات الذكية برسم صورة مستقبلية للرعاية الصحية، بل بدأت بالفعل تقديم نتائج ملموسة على أرض الواقع. وتشير البيانات الأولية الصادرة عن تجربة التشغيل الأولى في مدينة الرياض إلى مؤشرات واعدة تؤكد الفاعلية العالية لهذا النموذج الجديد:

- تسريع عملية التشخيص بنسبة تصل إلى 50 في المائة مقارنة بالعيادات التقليدية؛ حيث أسهمت أتمتة الخطوات الأولية وتحليل البيانات اللحظي في تقليص زمن الانتظار، وتحديد التشخيص بشكل فوري.

- تحسّن دقة التوصيات العلاجية بنسبة 35 في المائة، نتيجة قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على ربط المعطيات الدقيقة المتناثرة في السجل الطبي للمريض، وتحليلها ضمن سياق شامل لا يُمكن للطبيب وحده أن يغطيه في وقت قصير.

- تعزيز تجربة المريض بشكل تفاعلي ومستمر، خاصة لدى المصابين بالأمراض المزمنة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم؛ حيث بات بإمكان المرضى تلقي إشعارات وتنبيهات دورية عبر تطبيقات ذكية مرتبطة بسجلهم الصحي، تتضمن نصائح، وتذكيرات بالأدوية، وتنبيهات عند حدوث تغيّرات غير طبيعية في الحالة.

رصد استباقي ودعم متواصل

ولا تُشير هذه الأرقام فقط إلى تحسين الأداء، بل تعكس تحولاً نوعياً في فلسفة الرعاية الصحية، من نموذج يعتمد على ردّ الفعل، إلى نظام قائم على الرصد الاستباقي والدعم المستمر للمريض

كما أن هذه الخطوة تُسهم في تخفيف الضغط على المستشفيات الكبرى، عبر تقديم بديل ذكي للرعاية الأولية، مدعوم بالتحليل الفوري، وسجلات المرضى الإلكترونية، وربما قريباً... الذكاء الاصطناعي التوليدي.

لماذا السعودية؟ ولماذا الآن؟

لم تأتِ تجربة العيادات الذكية في المملكة بمحض المصادفة، بل هي جزء من رؤية شمولية ومحددة الأهداف، وضعتها القيادة السعودية ضمن إطار «رؤية السعودية 2030»، التي تسعى إلى تحويل المملكة إلى مركز إقليمي رائد في مجالات التقنية والابتكار، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في القطاع الصحي.

ويأتي إطلاق هذه المبادرة في وقت حاسم، تتزايد فيه الضغوط على الأنظمة الصحية حول العالم، خصوصاً مع النقص العالمي في الكوادر الطبية المؤهلة، وارتفاع الطلب على خدمات الرعاية الصحية في المناطق البعيدة والنائية. وهنا، تلعب العيادات الذكية دوراً محورياً في:

- تعويض النقص البشري عبر أنظمة ذكية تعمل على مدار الساعة دون كلل.

- إتاحة رعاية صحية متقدمة للمواطنين في جميع مناطق المملكة، دون الحاجة إلى التنقل أو انتظار مواعيد طويلة.

-تقليل التكاليف التشغيلية على المدى البعيد من خلال تقنيات دقيقة تُقلل من التشخيصات الخاطئة والعلاجات غير الفعالة.

في هذا السياق، لا تبدو السعودية فقط مستهلكة للتقنية، بل صانعة لمستقبلها الصحي الرقمي، وخريطة الطريق أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

بين الذكاء الاصطناعي والقرار الطبي

وعلى الرغم من الإمكانات الهائلة التي تمتلكها الأنظمة الذكية في تحليل البيانات وتقديم التوصيات، يظل الطبيب البشري هو صاحب القرار النهائي والمرجعية الأخلاقية والسريرية في كل ما يتعلق بصحة المريض، فالعيادة الذكية لا تهدف إلى استبدال الطبيب، بل إلى تعزيز كفاءته، وتوسيع قدراته التشخيصية.

من خلال توفير أدوات تحليل متقدمة، ومؤشرات تنبؤية دقيقة، تُساعد هذه الأنظمة الطبيب على تجاوز التخمينات والقرارات المعتمدة على الحدس أو الوقت الضيق، ما يُقلّل من الأخطاء، ويُسرّع التشخيص، ويُخصص العلاج بما يتناسب مع الحالة الفريدة لكل مريض.

إنها شراكة متكاملة بين الإنسان والآلة؛ حيث يُمارس الطبيب دوره الإنساني، والإكلينيكي، والتواصلي، في حين يعمل الذكاء الاصطناعي مساعداً لا يكلّ، يقرأ الأرقام والمعطيات بلغة الإحصاء والمنطق، ويقدّمها للطبيب على هيئة خيارات مدروسة تدعمه لا تُقيّده.

وفي الختام: ليست العيادات الذكية مجرد واجهة برَّاقة للتطور التكنولوجي في الطب، بل تُمثل استجابة استراتيجية لأسئلة كبرى حول مستقبل الرعاية الصحية المستدامة، في زمن تتكاثر فيه التحديات: من نمو سكاني متسارع، إلى ضغط متزايد على البنية التحتية الصحية، وصولاً إلى الحاجة لتوفير خدمات عالية الجودة بتكلفة أقل وفي وقت أقصر.

في هذا السياق، تبرز العيادات الذكية بصفتها أحد الحلول الجذرية لا التحسينية؛ فهي تُعيد تعريف علاقة الإنسان بالطب، وتقدّم نموذجاً يعتمد على الوقاية المبكرة، والمتابعة المستمرة، واتخاذ القرار بناءً على تحليل دقيق للبيانات، وليس فقط على الأعراض الظاهرة.

نحن أمام بداية مرحلة جديدة من الطب: مرحلة يصبح فيها المرض أقل غموضاً، والتشخيص أكثر دقة، والمريض شريكاً نشطاً في رحلة علاجه، بدعم من عقل إلكتروني لا يكلّ، ولا ينسى، ولا يتوقف عن التعلم.

إنها ليست ثورة في الأدوات فحسب، بل في الفلسفة الطبية ذاتها.

* المراجع العلمية:

- Saudi AI Health Initiative: https://www.saudiaimedical.org- Journal of Smart Healthcare: https://www.jsmarthealth.com- Nature Digital Medicine: https://www.nature.com/npjdigitalmed


مقالات ذات صلة

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

قال وزير المالية الصيني، إن الاقتصادات الناشئة تواجه ثلاث تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية وتزايد أوجه القصور في الحوكمة العالمية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
تكنولوجيا شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)

خبراء ينصحون بإبعاد الأطفال عن الدمى الناطقة بالذكاء الاصطناعي

ينصح الخبراء بعدم وجود أي طفل دون سن الخامسة بالقرب من لعبة ذكاء اصطناعي، وأن على الآباء توخي الحذر فيما يتعلق بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.


بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».