روسيا تشن غارات واسعة في إطار الرد على «هجوم كييف»

أحبطت عملاً «تخريبياً» ضد منشأة عسكرية قرب موسكو

خبراء أمنيون يعملون في موقع غارة روسية في زابوريجيا الاثنين (رويترز)
خبراء أمنيون يعملون في موقع غارة روسية في زابوريجيا الاثنين (رويترز)
TT

روسيا تشن غارات واسعة في إطار الرد على «هجوم كييف»

خبراء أمنيون يعملون في موقع غارة روسية في زابوريجيا الاثنين (رويترز)
خبراء أمنيون يعملون في موقع غارة روسية في زابوريجيا الاثنين (رويترز)

شنت موسكو ليل الأحد - الاثنين، هجوماً جوياً واسع النطاق استهدف بنى تحتية عسكرية أوكرانية، في إطار ما وصف بأنه «جزء من الضربات الانتقامية للهجمات الإرهابية التي شنتها كييف ضد المطارات العسكرية الروسية». جاء الهجوم في وقت عزّزت فيه روسيا سياسة الضغط العسكري الأقصى، الذي واكب انطلاق جولات التفاوض في إسطنبول.

رجل يقف أمام موقع غارة جوية روسية في زابوريجيا الاثنين (رويترز)

وأفادت وزارة الدفاع الروسية في بيان، بأن الجيش هاجم مطارات ومنشآت تابعة للقوات المسلحة الأوكرانية، رداً على هجمات إرهابية شنها نظام كييف. ووفقاً للمعطيات، شنّت القوات المسلحة الروسية غارة جوية واسعة النطاق ليلاً باستخدام أسلحة دقيقة بعيدة المدى؛ استهدفت بالدرجة الأولى مطاراً تتمركز فيه طائرات تكتيكية تابعة للجيش الأوكراني في منطقة دوبنو التابعة لإقليم ريفني شمال البلاد. وقال المسؤول العسكري سيرغي ليبيديف، إن المعلومات الاستخباراتية أكدت «تدمير عدة طائرات معادية دفعة واحدة».

وأفاد البيان العسكري بأن الضربات طالت مصانع لإنتاج الأسلحة والمعدات العسكرية، وورش تجميع للطائرات الهجومية من دون طيار، ومستودعات تابعة للقوات المسلحة الأوكرانية؛ وقالت موسكو إن «الغارات حققت كل أهدافها، وتم إيقاع إصابات مباشرة في جميع المواقع المستهدفة».

وبدوره، قال سلاح الجو الأوكراني في بيان، إنه اعترض 460 مسيّرة و19 صاروخاً من أصل 20 صاروخاً أطلقتها روسيا خلال الليل. وأوضح أنه «تم رصد آثار في 10 أماكن» من دون إعطاء مزيد من التفاصيل.

رجال الإطفاء يعملون على إخماد حريق اندلع في مركز ثقافي إثر ما وصفته السلطات المحلية بأنه هجوم أوكراني بطائرة مسيرة في ريلسكي بمنطقة كورسك الاثنين (رويترز)

«جزء من الرد الروسي»

واستخدم الجيش الروسي لشن الهجمات صواريخ بعيدة المدى ومسيّرات ضاربة. وحملت الإشارة إلى أن هذه الضربة تعدّ «جزءاً من الرد الروسي» على استهداف المطارات العسكرية الروسية قبل أسبوع، إشارة إلى أن موسكو سوف تواصل شن هجمات واسعة النطاق، في إطار ما وصف بأنه «رد قوي وحاسم» توعدت روسيا به بعد تعرض مطاراتها العسكرية لهجوم أوكراني مباغت وقوي مطلع الشهر.

وكانت القوات المسلحة الأوكرانية شنت هجوماً عدّ الأوسع نطاقاً، والأقوى من حيث التأثير في بداية الشهر، استهدف 5 مطارات عسكرية، ودمر عشرات المقاتلات الاستراتيجية الروسية، وفقاً لتأكيدات كييف. واستخدم الأوكرانيون في الهجوم طائرات مسيّرة هجومية حملت على متن شاحنات تم تمويهها، واجتازت مساحات واسعة داخل العمق الروسي، لتصل للمرة الأولى إلى قواعد جوية مهمة في سيبيريا والأورال، وأقصى شمال غربي البلاد.

وشكّل الهجوم الأوكراني ضربة موجعة للروس، وعكس فشلاً استخباراتياً وأمنياً واسع النطاق. وخلال مكالمة هاتفية أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مع نظيره الأميركي دونالد ترمب قبل أيام، طلب الأخير عدم رد موسكو على الهجوم، لكن بوتين أبلغه بأنه سيوجه «رداً قوياً ومزلزلاً».

واللافت أن موسكو كانت وجّهت قبل يومين، ضربة مماثلة استهدفت منشآت عسكرية في عدد من المدن الأوكرانية، بينها منشآت يتم فيها تجميع معدات غربية، وأخرى تجري فيها صناعة مسيّرات لأغراض متعددة.

وتزامن هذا مع تصعيد موسكو عملياتها على الأرض. ففي غضون الأيام الأخيرة، حققت القوات الروسية تقدماً متواصلاً على جبهات دونيتسك وخاركيف وسومي، وواصلت تغلغلها في العمق الأوكراني على طول المناطق المحاذية للحدود مع روسيا، في إطار عملية عسكرية واسعة النطاق، تهدف إلى إقامة منطقة عازلة داخل العمق الأوكراني، تمنع وصول إمدادات أو توجيه ضربات من أوكرانيا على المناطق الروسية القريبة من الحدود. وأقر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأحد، بأن قواته تواجه وضعاً صعباً للغاية، وقال إنه لن يكون بمقدورها الصمود إذا لم تتسلم دعماً عسكرياً قوياً من جانب واشنطن وعواصم غربية.

أقارب وأصدقاء 3 رجال إطفاء أوكرانيين قُتلوا بهجوم صاروخي يحضرون مراسم جنازتهم في كييف الاثنين (أ.ف.ب)

«واقع ميداني جديد»

وقال محللون عسكريون روس إن القوات الروسية تعمل على تكريس واقع ميداني وعملياتي جديد، لفرضه على طاولة المفاوضات خلال مناقشات التسوية النهائية.

وكانت موسكو قدمت رؤيتها للتسوية بأوكرانيا في مذكرة سلمت للجانب الأوكراني، وتضمنت بنوداً تكرر الشروط الروسية المعلنة لوقف الحرب، ووصفت من جانب كييف بأنها «مذكرة استسلام وليست وثيقة سلام».

وفي السياق الميداني، أكدت وزارة الدفاع الروسية في إفادة يومية عن مجريات القتال الاثنين، أن «قوات (الشرق) واصلت تقدمها في عمق دفاعات العدو، وهزمت ألوية القوات المسلحة الأوكرانية في عدد من مناطق دونيتسك وإقليم زابوريجيا»، ووفقاً للإفادة فقد خسرت كييف خلال يوم واحد «ما يصل إلى 205 جنود ودبابتين».

صورة نشرتها وزارة الدفاع الروسية الاثنين تظهر جنوداً روساً يستقلون حافلة بعد إطلاق سراحهم في صفقة تبادل أسرى مع أوكرانيا في مكان غير محدد ببيلاروسيا الاثنين (إ.ب.أ)

وفي غضون ذلك، أعلنت هيئة (وزارة) الأمن الفيدرالي الروسي، أن وحداتها نجحت في إحباط هجوم كبير أعدته أجهزة الاستخبارات الأوكرانية، وكان يستهدف منشأة تابعة لوزارة الدفاع بالقرب من موسكو.

وقالت المؤسسة الأمنية في بيان، إنها اعتقلت عميلين لأوكرانيا أثناء تحضيرهما لتفجير مصنع عسكري في موسكو. ووفقاً للمعطيات، فقد تم اعتقال مواطنين روسيين من مواليد عامي 1987 و1999، كانا يعتزمان تنفيذ عملية تخريبية في إحدى شركات المجمع الصناعي العسكري، واعترفا خلال التحقيق بالتحضير لتفجير جزء من المصنع بهدف شل عمله.

وعثرت قوات الأمن على عبوات ناسفة ومواد متفجرة في موقع التحضير للهجوم. واللافت أنه تم اعتقال الرجلين أثناء محاولة تنفيذ الجزء الأول من الخطة الذي اشتمل على نقل وزرع عبوة ناسفة داخل أراضي المجمع الصناعي العسكري؛ وقال الأمن الروسي إن «المخربين أجريا عمليات استطلاع وتصوير منشآت رئيسية في المصنع العسكري سلموا اللقطات إلى مشغليهم في أوكرانيا».

وكانت عمليات مماثلة وقعت في عدد من المدن الروسية، واستهدفت منشآت عسكرية ومخازن سلاح، أو مخازن للوقود ومحطات قطار تستخدم لنقل الإمدادات إلى الجبهة. وحذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في تعليق على الحدث من تنامي «التهديد الإرهابي الأوكراني»، وقال إن «روسيا تبذل قصارى جهدها لكبح خطر تنامي التهديد الإرهابي من أوكرانيا وحماية المواطنين الروس، ولكن في مواجهة النشاط الإرهابي في كييف، من المهم تعزيز يقظة السكان». ووفقاً له، فإن روسيا تواجه «مخاطر تنامي التهديد الإرهابي. (...) نحن نراه ونبذل قصارى جهدنا لضمان مواجهته بشكل فعال».


مقالات ذات صلة

واشنطن: الضربات ضد أوكرانيا «تصعيد خطير وغير مبرر» للحرب

أوروبا  رجال إنقاذ في مبنى سكني استُهدف بغارة جوية روسية بطائرة مسيرة (رويترز) play-circle

واشنطن: الضربات ضد أوكرانيا «تصعيد خطير وغير مبرر» للحرب

واشنطن تدين الهجمات الروسية المتواصلة والمتصاعدة على منشآت الطاقة وغيرها من البنى التحتية، وكييف تقول إن موسكو تحضر لشن هجوم كبير آخر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

تحليل إخباري الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا رجال الإنقاذ الأوكرانيون في موقع غارة روسية استهدفت منطقة سكنية في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

4 قتلى بهجوم روسي قرب خاركيف الأوكرانية

أسفرت غارات جوية روسية ليل الاثنين - الثلاثاء عن مقتل 4 أشخاص على الأقل وإصابة 6 آخرين قرب خاركيف في شمال شرقي أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ وزارة الدفاع الروسية تنشر صورة تظهر نظام صواريخ «أوريشنيك» الروسي خلال تدريب بموقع لم يُكشف عنه في بيلاروسيا (أ.ب)

واشنطن تندد بـ«تصعيد خطر» بعد إطلاق روسيا صاروخاً فرط صوتي على أوكرانيا

ندّدت الولايات المتحدة باستخدام روسيا صاروخ أوريشنيك فرط الصوتي في هجوم على أوكرانيا الأسبوع الماضي، معتبرة أنه «تصعيد خطر ولا يمكن تفسيره».

«الشرق الأوسط»
شؤون إقليمية الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ)

زيلينسكي يطالب بمساعدة «الانتفاضة» في إيران

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن على العالم أن يساعد الإيرانيين في البناء على الاحتجاجات من أجل إحداث تغيير لتحريرهم من «الحكم الذي جلب الشرور».

«الشرق الأوسط» (كييف)

فرنسا: حملة القمع الحالية قد تكون «الأعنف» في تاريخ إيران

شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
TT

فرنسا: حملة القمع الحالية قد تكون «الأعنف» في تاريخ إيران

شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)

عَدّ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم الأربعاء، أن حملة القمع ضد المتظاهرين في إيران قد تكون «الأعنف» في تاريخ البلاد الحديث، داعياً السلطات إلى إنهائها «فوراً».

وأسفرت الحملة عن مقتل 734 شخصاً، على الأقل، وفق منظمة «إيران لحقوق الإنسان» (IHR) غير الحكومية، ومقرها النرويج، والتي تُقدِّر أن عدد القتلى الفعلي قد يكون بالآلاف.

عشرات الجثث ملقاة على الأرض بمركز للطب الشرعي في طهران (أ.ف.ب)

وقال بارو، لإذاعة «إر تي إل» الفرنسية: «نشتبه في أن هذه الحملة قد تكون الأعنف في تاريخ إيران الحديث، ويجب أن تتوقف فوراً»، دون أن يؤكد حصيلة القتلى، وفق ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح الوزير أن باريس تقدّمت بهذا الطلب إلى السفير الإيراني لدى فرنسا عند استدعائه، الثلاثاء.

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

ووصف بارو الوضع قائلاً: «من الصور القليلة التي وصلتنا، نرى متظاهرين يتعرضون لإطلاق النار من مسافة قريبة بأسلحة هجومية، وجثثاً مكدسة في أكياس داخل مستشفيات مكتظة، ونرى عائلات إيرانية مفجوعة، ونسمع صرخات استغاثة لا يمكن أن نبقى غير مُبالين بها».

صورة من مقاطع فيديو جرى تصويرها بين 9 و11 يناير 2026 من مشرحة تضم عشرات الجثث في كهريزك بمحافظة طهران (أ.ب)

عند سؤاله عن ضرورة تغيير السلطة في إيران، أكد جان نويل بارو أنه يعود للشعب الإيراني أن يقرر مصيره، و«هذا ما يجب أن تفهمه سلطات البلاد».

وأوضح بارو أن مسؤولية فرنسا الأولى تتمثل في «ضمان سلامة مواطنينا الذين يبلغ عددهم نحو 900 في إيران، وسلامة موظفينا وسفارتنا، وبالطبع، سلامة مواطنَينا سيسيل كولر وجاك باريس»، الخاضعين للإقامة الجبرية في السفارة.


عدد الوفيات يفوق المواليد في فرنسا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية

أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
TT

عدد الوفيات يفوق المواليد في فرنسا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية

أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)

أظهرت أرقام رسمية أمس (الثلاثاء) أن فرنسا سجَّلت وفيات أكثر من المواليد في عام 2025، للمرة الأولى منذ ​نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو تطور يقوض الميزة الديموغرافية التي لطالما كانت تتمتع بها فرنسا، مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

وأفاد «المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية» بتسجيل 651 ألف حالة وفاة العام الماضي، بينما تراجعت حالات المواليد إلى 645 ألفاً. وانخفض عدد المواليد في فرنسا ‌بشدة منذ ‌جائحة «كوفيد-19».

وتتمتع فرنسا ‌تقليدياً ⁠بتركيبة ​سكانية ‌أقوى من معظم أوروبا، ولكن النسبة الكبيرة لكبار السن وانخفاض معدلات المواليد يظهران أنها ليست محصنة من الأزمة الديموغرافية التي ترهق المالية العامة في جميع أنحاء القارة.

وقال المعهد إن معدل الخصوبة انخفض إلى 1.56 طفل لكل امرأة ⁠العام الماضي، وهو أدنى مستوى له منذ الحرب العالمية، وأقل ‌بكثير من 1.8 المفترض في توقعات تمويل المعاشات التقاعدية، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وفي عام 2023 -وهو أحدث عام ‍مع مقارنات الاتحاد الأوروبي- احتلت فرنسا المرتبة الثانية بمعدل خصوبة 1.65، خلف بلغاريا التي بلغ معدل خصوبتها 1.81.

وحذَّر المكتب الوطني للتدقيق العام ​الشهر الماضي من أن التحول الديموغرافي سيدفع الإنفاق العام إلى أعلى مستوياته في ⁠السنوات المقبلة، وذلك مع تآكل القاعدة الضريبية.

وقال الخبير الاقتصادي فيليب كريفيل، من «مركز بحوث سيركل ديبارن»: «نظراً لتقاعد الأجيال الكبيرة التي ولدت في الستينات، من المرجح أن تزداد التوترات في سوق العمل ومشكلات القوى العاملة بسرعة في السنوات المقبلة».

وعلى الرغم من أن عدد الوفيات يفوق عدد المواليد، فقد ارتفع عدد سكان فرنسا بشكل طفيف العام الماضي إلى 69.1 مليون ‌نسمة جرَّاء صافي الهجرة التي قدرها المعهد بما يصل إلى 176 ألف نسمة.


خيارات الأوروبيين لمواجهة أطماع ترمب في غرينلاند

رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
TT

خيارات الأوروبيين لمواجهة أطماع ترمب في غرينلاند

رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)

تنص «المادة 42 - الفقرة السابعة»، من «معاهدة الاتحاد الأوروبي»، على ما يلي: «في حال تعرّضت دولةٌ عضو لعدوانٍ مسلّح على أراضيها، تلتزم الدول الأعضاء الأخرى تقديم العون والمساعدة بكل الوسائل المتاحة لها، وذلك وفق (المادة 51) من ميثاق الأمم المتحدة».

ومملكة الدنمارك عضو في «الاتحاد الأوروبي»، وبالتالي فإنها تحظى بـ«غطاء (المادة 42 - الفقرة السابعة)»، التي لم تفعّل سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت حينذاك لموجة من الهجمات الإرهابية. بيد أن لجزيرة غرينلاند القطبية، التي يسعى الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للاستحواذ عليها؛ إنْ سلماً أو باللجوء إلى القوة العسكرية، وفق ما أكده أكثر من مرة، وضعاً خاصاً؛ ذلك أنها لم تعد جزءاً من «الاتحاد الأوروبي»؛ بسبب نتيجة الاستفتاء الذي جرى في عام 1985 بحيث خسرت الانتماء إلى «الاتحاد الأوروبي» وتحولت إلى منطقة تتمتع بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك مع استمرار الروابط الدستورية والدفاعية بين الطرفين.

ورغم ذلك، فإن دول «الاتحاد الأوروبي» تعدّ نفسها معنية مباشرة بمصير غرينلاند؛ لسببين رئيسيين: الأول أن السيادة عليها تعود إلى الدنمارك؛ العضو في «الاتحاد الأوروبي». والثاني بسبب انتماء الدنمارك إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» الذي تنتمي إليه غالبية النادي الأوروبي، وبالتالي؛ فإنها تتمتع، كما الجزيرة القطبية، بضمانة «المادة الخامسة» بعكس «المادة 42 - الفقرة السابعة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً للصحافة الثلاثاء قبل توجهه إلى مدينة ديترويت بولاية ميتشغان (رويترز)

حتى اليوم، اكتفى «الاتحاد الأوروبي» بالتصريحات؛ أبرزها جاء في بيان مشترك من 7 دول؛ هي: فرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وإيطاليا، وبولندا، والدنمارك، وأيضاً بريطانيا (من خارج الاتحاد)، يشدد على المبادئ الأساسية للقانون الدولي (احترم سيادة الدول وسلامة أراضيها، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم جواز تغيير الحدود بالقوة...). والأهم أن البيان شدد على أن غرينلاند «تنتمي إلى شعبها»، وأنه «يعود إلى الدنمارك وغرينلاند وحدهما البتّ في المسائل التي تخصهما» مع التركيز على أهمية المحافظة على أمن القطب الشمالي وعلى دور «الحلف الأطلسي» في ذلك. وصدر عن «المفوضية الأوروبية» بيان شبيه ببيان «مجموعة السبع» هذه، التي تضم الدول الأوروبية الرئيسية السبع.

ترمب: الاستحواذ على غرينلاند «حاجة نفسية»

بكلام آخر، لم يتضح مطلقاً أن للأوروبيين خطة ما في مواجهة أطماع ترمب، الذي يبرر رغبته هذه بمنع الصين وروسيا من السيطرة على غرينلاند مما سيشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي، مع إشارته إلى حاجة بلاده إلى ما يختزنه باطن الجزيرة من «معادن نادرة». ولم يتردد ترمب في تأكيد أنه يأمل إنهاء هذا الملف «خلال شهرين»، وأنه قد يجد نفسه مضطراً إلى الاختيار «بين الاستحواذ على الجزيرة، ومصير (حلف الأطلسي)»، في إشارة إلى التحذيرات الأوروبية التي نبهته إلى «انهيار الحلف» في حال أقدم على تنفيذ خطة الاستيلاء.

كل ما سبق استوعبه الأوروبيون. لكن ما فاجأهم ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يوم 7 يناير (كانون الثاني) الحالي من تصريحات لترمب، في مقابلة طويلة استمرت ساعتين... فقد سُئل عن سبب عدم اكتفائه بإرسال مزيد من القوات الأميركية إلى غرينلاند، الأمر المتاح قانوناً بموجب اتفاق سابق مع الدنمارك، إذا كان هدفه التصدّي للتهديدات الأجنبية، فكان رده أنه لن يشعر بالارتياح ما لم يكن مالكاً للجزيرة. وقال ما حرفيته: «هذا ما أشعر أنه مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح. أعتقد أن الملكية تمنحك أشياء لا يمكنك الحصول عليها؛ سواء عبر عقد إيجار ومعاهدة. الملكية تمنحك أموراً وعناصر لا يمكنك الحصول عليها بمجرد توقيع وثيقة، حتى لو كانت لديك قاعدة عسكرية». كذلك، فإن محللين أوروبيين يرون أن ترمب يريد أن يحفر اسمه إلى جانب الرؤساء الأميركيين الذين نجحوا في توسيع رقعة الأراضي الأميركية.

الخيارات الأوروبية: الدبلوماسية أولاً

يقول مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن الأوروبيين «يجدون أنفسهم في وضع صعب، وعاجزين عن إيجاد وسيلة للوقوف في وجه رغبات ترمب؛ بسبب حاجتهم إليه في ملفَي أوكرانيا و(حلف الأطلسي). من هنا، فإنهم يسعون إلى اتباع استراتيجية مزدوجة تقوم، من جهة، على محاولة إقناعه بأنه يستطيع تحقيق كل رغباته من غير الحاجة إلى ضم أو احتلال غرينلاند. ومن جهة ثانية، يركزون على الأضرار المترتبة على (مغامرته)؛ إن على صعيد احترام المبادئ الدولية، أو مصير (حلف الأطلسي)، أو العلاقة بالدول الأوروبية، فضلاً عن توفير الحجج لدول أخرى مثل روسيا والصين للاحتذاء بما قد يقدم عليه ترمب».

الواضح أن الطرف الأوروبي لا يرغب مطلقاً في مواجهة واشنطن، وأنه يراهن على السبل الدبلوماسية لمعالجة المخاوف الأمنية الأميركية، من خلال التذكير بأن «معاهدة الدفاع الأميركية - الدنماركية»، القائمة منذ عام 1951، التي جرى تحديثها في 2004، تسمح أصلاً بتوسيع كبير للوجود العسكري الأميركي على الجزيرة، بما في ذلك إنشاء قواعد جديدة.

من جانب آخر، يدفع الأوروبيون باتجاه عدّ أن مسؤولية الدفاع عن غرينلاند وعن أمن القطب الشمالي تقع على عاتق «حلف الأطلسي» الذي تتزعمه واشنطن. وبمعنى ما، يريد الأوروبيون، ومعهم مارك روته، الأمين العام لـ«حلف الأطلسي»، سحب البساط الأمني من تحت رجلَي ترمب، فيما سلطات كوبنهاغن وغرينلاند تؤكد انفتاحها على أي استثمارات أميركية في الجزيرة القطبية. كذلك يسعى الأوروبيون إلى إقناع سكان غرينلاند بأنهم قادرون على ضخ استثمارات توازي أو تتقدم على وعود الاستثمارات التي يغدقها ترمب وفريقه عليهم. وتخوف الأوروبيين عنوانه احتمال أن يختار السكان الانفصال عن الدنمارك في استفتاء مقبل؛ مما يسهل «مهمة الإغراء التِّرَمْبِيَّة». ووفق مشروع أولي لـ«المفوضية الأوروبية»، فإن «بروكسل» تقترح مضاعفة المنحة السنوية المعطاة لغرينلاند.

ركاب طائرة حطت في مطار نوك عاصمة غرينلاند الاثنين (أ.ب)

عقوبات وانتشار عسكري

إذا تبين للأوروبيين أن الإقناع والتحذير لا يكفيان، فإن كثيرين يدعون إلى رفع سلاح العقوبات الاقتصادية في وجه واشنطن، مذكرين بأن «الاتحاد» يمثل الشريك الاقتصادي والتجاري الأول للولايات المتحدة، ويشكل سوقاً من 450 مليون مستهلك. وبفضل ما سبق، يستطيع الأوروبيون التأثير على الاقتصاد الأميركي؛ لا بل الذهاب إلى فرض عقوبات عليه، وصولاً إلى التهديد بإجراءات «انتقامية» تتراوح بين إغلاق القواعد العسكرية الأميركية في أوروبا، ومنع الأوروبيين من شراء السندات الحكومية الأميركية، وحتى استخدام ما تسمى «أداة مكافحة الإكراه» في «الاتحاد الأوروبي» التي تمنح «المفوضية الأوروبية» صلاحية حظر السلع والخدمات الأميركية في سوق «الاتحاد»، وفرض رسوم جمركية، وسحب حقوق الملكية الفكرية، ومنع الاستثمارات... بيد أن هذه الإجراءات ثنائية النصل؛ إذ إنها تصيب الاقتصاد الأوروبي في الصميم؛ بسبب التداخل بين الطرفين، وبالنظر إلى أن أي إجراءات سيكون الرد الأميركي عليها سريعاً. وللتذكير؛ فإن ترمب نجح في فرض اتفاقية تجارية على «الاتحاد الأوروبي» تتضمن فرض رسوم بنسبة 15 في المائة على الصادرات الأوروبية. وليس مؤكداً أن كل الدول الأوروبية ستوافق على عقوبات من هذا النوع.

إذا كان «آخر الدواء الكَيّ»، فإن المتاح لأوروبا استباق أي محاولة أميركية، بنشر قوة عسكرية أوروبية في غرينلاند، بحيث تعدّ ورقة ضمانات للجزيرة القطبية، ولتضع واشنطن في وضع حرج؛ حيث على قواتها أن تقاتل قوة «أوروبية - أطلسية». وهذا الخيار طرحه وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، العام الماضي، وتبنته الحكومة الألمانية، وذكره مفوض الدفاع في «الاتحاد الأوروبي»، آندريوس كوبيليوس، الاثنين، حيث أشار إلى أن «الاتحاد» قادر على توفير مزيد من الأمن لغرينلاند إذا طلبت الدنمارك ذلك، بما في ذلك إرسال قوات وبنية تحتية عسكرية، مثل السفن الحربية، وقدرات لمكافحة الطائرات المسيّرة.

تجد أوروبا نفسها أمام «حائط» أميركي صعب الاجتياز، وأن «امتحان غرينلاند» ستكون له، دون شك، تبعات كبيرة على جانبي «الأطلسي»، وعلى مستقبل «الاتحاد الأوروبي»، وعلى كيفية تعزيز قدراته ليدافع على الأقل عن مصالحه وأعضائه.