الأجسام البشرية «الاحتياطية» المصنّعة بشكل أخلاقي قد تحدث ثورة بمجال الطب

تعزز جهود تطوير الأدوية وتخفف من أزمة نقص الأعضاء

شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين
 -
شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين -
TT

الأجسام البشرية «الاحتياطية» المصنّعة بشكل أخلاقي قد تحدث ثورة بمجال الطب

شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين
 -
شكل تصويري حول انتاج اعضاء بشرية :(الى اليسار- انتاج الغدد الثديية، الكبد، الامعاء). (الى اليمين -

لماذا نسمع عن اختراقات طبية تحققت على الفئران، لكن نادراً ما نراها تتحول إلى علاجات فعالة لأمراض بشرية؟ لماذا لا ينال إلا عدد ضئيل فقط من الأدوية، التي تدخل التجارب السريرية، موافقة الجهات التنظيمية؟ ولماذا نرى قائمة انتظار زراعة الأعضاء طويلة بهذا الشكل؟

نقص دراسات الأجسام البشرية

تكمن الإجابة عن هذه التساؤلات، وما تحمله من تحديات، إلى حد كبير في سبب جذري مشترك: النقص الحاد في الأجسام البشرية المصنّعة بشكل أخلاقي.

قد يكون من المزعج أن نصف الأجسام البشرية بمصطلحات تجارية أو مادية، ومع ذلك، تبقى الحقيقة التي لا مفر منها أن المواد البيولوجية البشرية تُعد سلعة أساسية بمجال الطب، وأن النقص المستمر فيها يشكل أزمة كبيرة تعيق التحرك قدماً.

ويشكل هذا الخلل بين العرض والطلب، السبب الجوهري وراء أزمة نقص الأعضاء، مع وجود أكثر من 100 ألف مريض في الولايات المتحدة وحدها، ينتظرون زراعة عضو صلب. كما يجبرنا هذا الخلل على الاعتماد بشكل مفرط على الحيوانات في الأبحاث الطبية، وهي ممارسة يتعذر عليها محاكاة الكثير من الجوانب الفسيولوجية البشرية الكبرى، وتستلزم إلحاق الأذى بكائنات تشعر بالألم.

بالإضافة إلى ذلك، يبقى لزاماً التحقق من سلامة وفاعلية أي دواء تجريبي، من خلال تجارب سريرية تُجرى على أجسام بشرية حية، وهي تجارب مكلفة وتعرض المرضى للخطر، وقد يستغرق إنجازها عقداً أو أكثر. ومع ذلك، يبلغ أقل من 15 في المائة منها فقط مرحلة الموافقة. كما يقول باحثو جامعة ستانفورد الأميركية: كارستن تي تشارلزورث، باحث ما بعد الدكتوراه في معهد بيولوجيا الخلايا الجذعية والطب التجديدي، وهنري تي غريلي، أستاذ القانون وأخلاقيات العلوم الحيوية، ومدير مركز القانون والعلوم البيولوجية، وهيروميتسو ناكاوتشي، أستاذ علم الوراثة في معهد بيولوجيا الخلايا الجذعية والطب التجديدي، وأستاذ متميز في معهد العلوم بطوكيو في مجلة «تكنولوجي ريفيو».

أعضاء احتياطية

وقد يكون هذا التوجه مخرجاً من هذا المأزق الأخلاقي والعلمي، في ظل توفير التطورات الحديثة في التكنولوجيا الحيوية، وسبيلاً لإنتاج أجسام بشرية حية، لكن دون المكونات العصبية التي تتيح لنا التفكير أو الوعي أو الشعور بالألم.

قد يبدو هذا الاحتمال مقلقاً للكثيرين، لكن إذا تمكن الباحثون وصانعو السياسات من تنسيق هذه التقنيات، وتطوير إطار عمل مناسب، فقد نتمكن يوماً ما من بناء «أجسام احتياطية»، بشرية وغير بشرية، على حد سواء.

وقد تُحدث هذه الأجسام ثورة بمجالي البحث الطبي وتطوير الأدوية، عبر تقليل الحاجة إلى التجارب على الحيوانات، وإنقاذ حياة الكثير من المرضى من قوائم انتظار زراعة الأعضاء، علاوة على تمكيننا من إنتاج أدوية وعلاجات أكثر فاعلية ـ كل ذلك من دون تجاوز الخطوط الأخلاقية، التي يتمسك بها معظم الناس.

خلايا جذعية وهياكل بشرية

رغم أن الأمر قد يبدو وكأنه من عالم الخيال العلمي، فإن التقدم التكنولوجي الحديث قد دفع هذا المفهوم إلى «مجال المعقولية»، فالخلايا الجذعية متعددة القدرات، وهي أحد أول أنواع الخلايا التي تتكون في أثناء النمو، لديها القدرة على إنتاج كل نوع من أنواع الخلايا الموجودة في جسم الإنسان البالغ.

وفي الآونة الأخيرة، استعان الباحثون بهذه الخلايا الجذعية لتكوين هياكل تشبه إلى حد بعيد التطور المبكر للأجنة البشرية الحقيقية. في الوقت نفسه، فإن تكنولوجيا الرحم الصناعية تشهد تطوراً سريعاً، كما أن هناك مسارات أخرى قد تفتح الباب أمام نمو أجنة خارج جسم الإنسان.

تتيح هذه التقنيات، إلى جانب الأساليب الجينية المعروفة التي يمكن استخدامها لعرقلة تطور الدماغ، تخيّل فكرة بناء «أجسام بشرية احتياطية» أو ما يُعرف بـ(Bodyoids)؛ أي مصدر غير محدود محتمل لأجسام بشرية، يجري تطويرها بالكامل خارج الجسم البشري من خلايا جذعية، لكنها تفتقر إلى الوعي أو القدرة على الإحساس بالألم.

وتشير دراسات إلى أن الأجنة المكونة من خلايا جذعية، بدلاً من اتحاد بويضة وحيوان منوي، قد تولّد استجابة حمل قصيرة الأمد في القردة.

بالتأكيد، تبقى هناك الكثير من العقبات التقنية لتحقيق هذا التصور، لكنَّ ثمة أسباباً تدعو إلى الاعتقاد بأن هذه الأجسام الاحتياطية يمكن أن تُحدث تحولاً جذرياً بمجال البحث الطبي البيولوجي، عبر معالجة القيود الحرجة التي تعانيها النماذج الحالية للأبحاث وتطوير الأدوية والطب. ومن بين الكثير من الفوائد المحتملة، ستوفر مثل هذه الأجسام مصدراً شبه غير محدود من الأعضاء والأنسجة والخلايا لاستخدامها في عمليات الزراعة.

وقد يصبح من الممكن كذلك توليد أعضاء مباشرة من خلايا المريض نفسه، ما يعني استنساخ المادة البيولوجية لشخص ما لضمان توافق الأنسجة المزروعة، بشكل مثالي، مع جهاز المناعة لديه، وبالتالي القضاء على الحاجة إلى تناول أدوية كبح المناعة مدى الحياة.

بجانب ما سبق، يمكن استخدام الأجسام الاحتياطية المشتقة من خلايا المريض في اختبار الأدوية بشكل شخصي، الأمر الذي يتيح للأطباء تقييم تأثير التدخلات المختلفة على نموذج بيولوجي يعكس بدقة جينات وفسيولوجيا المريض نفسه، بل يمكننا أن نتخيل استخدام الأجسام الاحتياطية الحيوانية في الزراعة، باعتبارها بديلاً عن استخدام الكائنات الحية التي تشعر بالألم.

تساؤلات ومحاذير

بطبيعة الحال، فإن الاحتمالات المثيرة لا تعني بالضرورة أنها مؤكدة، فنحن لا نعلم ما إذا كانت النماذج الجنينية، التي جرى إنشاؤها حديثاً من الخلايا الجذعية، يمكن أن تؤدي إلى ولادة كائنات بشرية حية أو حتى فئران. ولا نعلم متى، أو ما إذا كان سيجري التوصل إلى تقنية فعالة لنجاح الحمل الكامل لأجسام بشرية خارج جسم الإنسان.

كما لا يمكننا الجزم بما إذا كانت هذه الأجسام يمكن أن تبقى على قيد الحياة دون أن تطور دماغاً أو مناطق دماغية ترتبط بالوعي، أو ما إذا كانت ستكون نماذج بيولوجية دقيقة تمثل البشر الحقيقيين، في غياب هذه الوظائف الدماغية.

وحتى إن نجح كل ذلك، قد لا يكون مجدياً من الناحية العملية أو الاقتصادية، «زراعة» هذه الأجسام الاحتياطية، ربما لسنوات مقبلة، حتى تصل إلى مستوى من النضج يجعلها مفيدة لأغراضنا.

في الواقع، يتطلب كل تساؤل من هذه التساؤلات أبحاثاً مكثفة ووقتاً طويلاً. ومع ذلك، نعتقد أن هذه الفكرة قد أصبحت الآن معقولة بما فيه الكفاية، لتبرير مناقشة جدواها التقنية ودلالاتها الأخلاقية.

اعتبارات أخلاقية وتداعيات مجتمعية

يمكن أن تسهم الأجسام الاحتياطية في حل الكثير من المشكلات الأخلاقية في الطب الحديث، عبر توفير سبل لتجنّب الألم والمعاناة غير الضروريين. على سبيل المثال، يمكن أن توفر بديلاً أخلاقياً للطريقة التي نستغل بها الحيوانات في الأبحاث والغذاء، من خلال إنتاج اللحوم أو منتجات أخرى دون أي معاناة أو وعي من الحيوانات.

إلا أنه عندما نتحدث عن الأجسام الاحتياطية البشرية، على وجه التحديد، تكتسب القضايا مستوى أكبر من التعقيد، فالكثيرون سيجدون هذا المفهوم مقززاً أو مروعاً، ولأسباب وجيهة؛ إذ إننا بداخلنا، نحمل احتراماً فطرياً للحياة البشرية بجميع أشكالها، ولا نسمح بإجراء أبحاث موسعة على أشخاص فقدوا الوعي بالكامل، أو حتى لم يمتلكوه يوماً في بعض الحالات.

في الوقت ذاته، نعلم أن دراسة جسم الإنسان توفر فوائد كبيرة، ونجني الكثير من المعرفة من وراء الكثير من الأجساد المتوفاة، التي تُستخدم اليوم لأغراض التعليم والبحث فقط، بعد الحصول على الموافقة اللازمة. وفي المختبرات، ندرس الخلايا والأنسجة التي جرى الحصول عليها، بموافقة، من أجسام الموتى والأحياء.

وفي الفترة الأخيرة، بدأنا في الاستعانة بما يطلق عليه «الجثث المتحركة»، التي تعود لأشخاص أُعلِن عن وفاتهم قانونياً، بعد فقدانهم جميع وظائف الدماغ، بينما تظل أعضاؤهم الأخرى تعمل بمساعدة ميكانيكية.

وقد جرى ربط كلى خنازير معدلة وراثياً أو زرعها في هذه الجثث النشطة فسيولوجياً، لفحص مدى فاعليتها في جسم الإنسان الحي.

في كل هذه الحالات، لم يكن هناك، من الناحية القانونية، كائن بشري حي جرى استخدامه في البحث. ومن المقرر أن تقع الأجسام الاحتياطية البشرية ضمن نفس الفئة.

ومع ذلك، تبقى هناك قضايا مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار؛ أُولاها الموافقة، فالخلايا التي تُستخدم في صنع هذه الأجسام يجب أن تأتي من شخص ما، ويجب التأكد من أن هذا الشخص قد وافق على هذا الاستخدام بالتحديد، والذي يُحتمل أن يكون مثيراً للجدل.

ومع ذلك، ربما تكمن المسألة الأعمق في أن هذه الأجسام قد تُضعف من قيمة البشر الحقيقيين، الذين يفتقرون إلى الوعي أو الإحساس.

حتى الآن، تمسكنا بمعيار يتطلب منا معاملة جميع البشر الذين وُلدوا أحياء بوصفهم أشخاصاً كاملين، يحق لهم الحياة ونيل الاحترام. والتساؤل المطروح هنا: هل ستطمس الأجسام الاحتياطية - التي جرى إنشاؤها دون حمل أو حتى آباء وأمهات - هذا الخط الفاصل؟ أم أننا سنعدّ الجسم الاحتياطي إنساناً كاملاً جديراً بالقدر ذاته من الاحترام؟

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟ لمجرد أنه يشبهنا؟ حتى الدمى شديدة الواقعية يمكن أن تفي بهذا الشرط.

لأنه يشبهنا وحيّ؟ أم لأنه حي وله نفس الحمض النووي الخاص بنا؟ كل هذه تساؤلات تتطلب تفكيراً عميقاً.

وحتى وقت قريب، كانت فكرة صنع شيء مثل الجسم الاحتياطي تُصنف ضمن الخيال العلمي أو التأمل الفلسفي، لكن الآن، أصبحت هذه الفكرة على الأقل ممكنة علمياً - وربما ثورية - وقد حان الوقت لاستكشافها.

أما الفوائد المحتملة - سواء للمرضى من البشر أو الكائنات الحيوانية التي تشعر بالألم - فتبدو عظيمة. ويجب على الحكومات والشركات والمؤسسات الخاصة أن تبدأ في التفكير في الأجسام الاحتياطية بوصفها مساراً محتملاً للاستثمار. ولا حاجة للبدء بالبشر، وإنما يمكننا أولاً استكشاف جدوى هذا النهج باستخدام القوارض أو غيرها من الحيوانات المخصصة للبحث.

ومع تقدمنا، ستكون القضايا الأخلاقية والاجتماعية على القدر ذاته من الأهمية، على الأقل، بقدر أهمية القضايا العلمية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإعلان عن ولادة النعجة «دوللي» المستنسخة في تسعينات القرن الماضي، أثار موجة من ردود الفعل الهيستيرية، ورافقته تكهنات عن جيوش من العبيد المستنسخين. وعليه، ينبغي الانتباه إلى أن القرارات الصائبة تتطلب الاستعداد المسبق.

والمؤكد أن الطريق نحو إنجاز إمكانات الأجسام الاحتياطية لن يخلو من التحديات، وقد لا يكون ممكناً على الإطلاق، أو حتى إن أمكن، فقد لا نسلك نهاية المطاف هذا الطريق.

وفي كل الأحوال، فإن الحذر مطلوب، وكذلك الرؤية الطموحة، فالفرصة القائمة اليوم قيّمة للغاية لدرجة يتعذر علينا تجاهلها.


مقالات ذات صلة

9 عادات قد تحافظ على شباب عقلك مع التقدم في العمر

صحتك بعض الأشخاص الذين تجاوزوا الثمانين يحتفظون بقدرات ذاكرة وتفكير تشبه أشخاصاً أصغر منهم بعقود (بيكسلز)

9 عادات قد تحافظ على شباب عقلك مع التقدم في العمر

تشير الأبحاث  إلى أن التراجع العقلي ليس مصيراً حتمياً وأن بعض الأشخاص الذين تجاوزوا الثمانين يحتفظون بقدرات ذاكرة وتفكير تشبه أشخاصاً أصغر منهم بعقود.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك قد يحتاج بعض الأشخاص إلى مكملات غذائية بعد سن الأربعين لدعم صحة الجسم (رويترز)

6 مكملات غذائية يحتاجها جسمك بعد سن الأربعين

مع دخول الإنسان عقده الرابع، يبدأ الجسم في مواجهة تغيرات تدريجية تشمل الهرمونات وقوة العظام والكتلة العضلية والتمثيل الغذائي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تحتوي البيضة الكبيرة على نحو نصف غرام فقط من الكربوهيدرات (رويترز)

ماذا يحدث لسكر الدم عند تناول البيض يومياً؟

يبحث مرضى السكري باستمرار عن الأطعمة التي تساعدهم على الحفاظ على استقرار مستويات سكر الدم ويأتي البيض ضمن الخيارات التي يمكن إدراجها في النظام الغذائي

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك النظام الغذائي المقترح قد يساعد في الوصول لشيخوخة صحية خالية من الأمراض (رويترز)

نظام غذائي مدته 5 أيام قد يطيل عمرك

طرح عالم متخصص في الشيخوخة نظاماً غذائياً مدته 5 أيام فقط قد يساعد الأشخاص على العيش لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك الأطعمة فائقة المعالجة هي منتجات تحتوي على المواد الحافظة الكيميائية مثل الرقائق والمقرمشات (أرشيفية - بيكسباي)

دراسة: الأطعمة فائقة المعالَجة تزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب

توصلت دراسة جديدة إلى أن تقليل استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة يمكن أن يكون له تأثير ملحوظ على الصحة النفسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء
TT

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

في ظهيرة أحد الأيام الماضية، كان عدد من العلماء يتحرك بنشاط ودأب داخل مختبر في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس، حيث عكفوا على إجراء سلسلة من التجارب. وكانت تجهيزات المختبر اعتيادية: خزانة تهوية مخصصة للتعامل مع المواد الكيميائية الخطرة، وحاضنة لزراعة الخلايا. كما بدت إجراءات العمل مطابقة لما يجري في مختبرات علم الأحياء في كل مكان.

ذكاء اصطناعي للمراقبة

إلا أنه مع إمعان النظر، ظهرت بعض الأمور الغريبة؛ إذ كان معظم العلماء يضعون كاميرات صغيرة مثبتة على عصابات للرأس إلى جانب المعاطف والقفازات الواقية التي يرتدونها. وتولت ثلاث كاميرات إضافية مراقبة كل محطة عمل من أعلى، حيث كانت مثبتة على رف قريب.

أما الغريب واللافت فكان غياب دفاتر التسجيلات المختبرية. وبدلاً منها، كان العلماء يصفون عملهم بصوت خافت، وهم يتمتمون في ميكروفونات. وفي أحد أطراف المختبر، تجمع فريق لمراجعة تسجيلات مصورة للتجارب.

في واقع الأمر، كان هذا هو بحث حقيقي يجري داخل المختبر، فمن خلال منظومة من أجهزة الاستشعار والبرمجيات، صُممت لتسجيل ما يحدث في أثناء إجراء التجارب، بدقة تصل إلى مستوى الملّي ثانية، كان العلماء يدربون نماذج للذكاء الاصطناعي على التعرف إلى كل أداة يستخدمها العلماء، وكل حركة أو إجراء يتخذونه.

والمثير هنا أن الذكاء الاصطناعي ألًف سرداً خاصاً به، وصف من خلاله كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور بجمل مثل: «يعيد المشغّل تعليق الراسب، بتحريكه إلى أعلى وأسفل 10 مرات باستخدام الماصّة».

تعود هذه التكنولوجيا إلى شركة ناشئة تُدعى «ترانسفير»، أسست حديثاً، بعدما جمعت تمويلاً أولياً بقيمة 25 مليون دولار. وهي تسعى إلى معالجة تحدٍّ قديم قِدم البحث العلمي نفسه: رصد العوامل الخفية التي تجعل بعض التجارب تنجح، بينما تفشل أخرى.

إن الفشل قد يتخذ صوراً كثيرة. وعلى سبيل المثال، قد يقضي الباحثون شهوراً في إعداد سلالة من الخلايا المعدلة هندسياً، لتموت الخلايا فجأة على نحو غامض. وقد ينجح اختبار حكومي مثلاً للكشف عن فيروس «كورونا» في مختبر ما، ثم يفشل في اكتشاف الفيروس، عندما يستخدمه باحثون في مختبرات أخرى.

ويمكن أن تنجح شركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية في ابتكار دواء جديد واعد، لكن ما إن تسلّم بروتوكول إنتاجه إلى فريق يتولى تصنيعه على نطاق واسع، تختفي فاعلية الدواء فجأة.

في هذا الصدد، قالت آنا ماري فاغنر، المؤسسة المشاركة في شركة «ترانسفير»: «إنها مشكلة مؤلمة للغاية. يبدأ تبادل الاتهامات من هذا الطرف إلى ذاك: هل كان البروتوكول الذي اتبعته خاطئاً؟ أم أنك ارتكبت خطأ ما؟ هذه أخطاء باهظة التكلفة للغاية، من حيث الوقت والمال وحياة البشر».

أيدي العلماء «السحرية»

العجيب أن النجاح لا يقل غموضاً أحياناً عن الفشل، فهناك باحثون يحالفهم النجاح باستمرار في تجاربهم، فيثيرون إعجاب زملائهم وحيرتهم في آن واحد. بل إن العلماء لديهم مصطلح خاص لوصف هذه الموهبة: «الأيدي السحرية». وقد تبدو هذه الفكرة مثيرة للدهشة لمن لا يقضون حياتهم داخل المختبرات؛ فالعلم، في نهاية المطاف، لا يُفترض أن يكون ضرباً من ضروب السحر.

بوجه عام، عندما يجري العلماء تجاربهم، فإنهم يحرصون على تسجيل نتائجها بدقة، سواء في دفاتر المختبر أو لاحقاً في أوراق بحثية منشورة. ويستعين باحثون آخرون بهذه المعلومات لمحاولة تكرار التجربة.

ومع ذلك، فإنه بمرور الوقت كل عالم يكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أن المعرفة الأساسية التي يحتاج إليها ليست بالضرورة مدونة في أي مكان. وفي هذا السياق، شرح جوناثان ليفني، كبير الباحثين لدى «معهد برود»، الذي تعاون مع شركة «ترانسفير»: «البروتوكول أشبه بالوصفة. يمكنك أن تعطي شخصاً وصفة، لكن هذا لا يعني أنها ستجعله طاهياً ماهراً».

ومثلما الحال مع الطهاة المتدربين، يقضي العلماء سنوات في التعلم والتدريب، ويلازمون الخبراء، ويطرحون الأسئلة، ويجربون بأنفسهم مختلف الإجراءات والأساليب.

ولكي تنجح تجربة ما، قد يضطر العالم إلى اتخاذ آلاف القرارات الصغيرة على مدار اليوم. مثلاً، إذا كان أحد الأنابيب يحتاج إلى الرجّ، فهل يُترك ليدور على منصة اهتزاز، أم يكفي تحريكه ذهاباً وإياباً باليد؟

وأضاف ليفني: «أحياناً لا يعرف الأشخاص البارعون حقاً سر براعتهم؛ فهم لا يتذكرون المرات العشرين، التي جربوا فيها طرقاً أخرى وفشلت».

في ستينات القرن الماضي، أطلق الكيميائي والفيلسوف المجري مايكل بولاني، اسماً على هذه الخبرة الغامضة: «المعرفة الضمنية». وكان يردد دوماً: «نحن نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». وفيما بينهم، بات العلماء يتفقون عموماً مع بولاني على أن المعرفة الضمنية، تشكل جزءاً أساسياً من البحث العلمي، لكنها قد تعرقل تقدمه كذلك.

رصد تقدم البحوث

نظرياً، يتقدم العلم حين يبني الباحثون على ما توصل إليه من سبقوهم. وعندما تصدر دراسة جديدة، يحاول علماء آخرون تكرار العمل الذي أُجري فيها، فإذا كانت النتيجة الأصلية صحيحة، فمن المفترض أن تؤدي محاولة تكرارها إلى النتائج نفسها.

بيد أن المثير للدهشة أن ذلك لا يحدث، في الغالب. وهنا، تمثل المعرفة الضمنية جزءاً من المشكلة. وعليه، يبقى العلماء عاجزون عن معرفة الطريقة الدقيقة لتكرار دراسة ما بمجرد قراءة ما كُتب عنها.

خلال عملها بأبحاث ما بعد الدكتوراه، أدركت رينيه ويغرزين، إحدى مؤسسات شركة «ترانسفير»، هذه الفجوة بوضوح. فقد كانت تدون تفاصيل تجاربها على البروتينات في دفتر المختبر، لكن ما سجّلته لم يكن سوى جزء بسيط من جهودها.

وعندما نشرت ويغرزين نتائجها اضطرت إلى اختزال سجلاتها بدرجة أكبر. وقالت: «أمضيت ثلاث سنوات في مرحلة ما بعد الدكتوراه، ثم جرى اختزال كل ذلك في ورقة بحثية من ثلاث صفحات».

وبطبيعة الحال، غابت عن تلك الملاحظات والتقارير، جميع القرارات الصغيرة التي اتخذتها ويغرزين، في أثناء إجراء أبحاثها.

وقال برايان نوسِك، الخبير في دلائل تكرار الدراسات بجامعة فرجينيا، والذي لا تربطه صلة بشركة «ترانسفير»: «قد تكون كل هذه التفاصيل مهمة، لكننا ببساطة لا نعرف على وجه اليقين ما إن كانت مهمة بالفعل».

وعندما تفشل دراسة مكررة في الوصول إلى النتائج الأصلية، فإن هذا قد يعني أن الدراسة الأولى كانت خاطئة. وربما كانت صحيحة بالفعل، لكن العلماء الذين حاولوا تكرارها ارتكبوا خطأً ما، من دون أن يدركوا ذلك. وقد يكون من الصعب على فرق العلماء أن تتفق على ما حدث بالضبط.

عام 1993، أفادت عالمة النفس فرانسيس راوشَر وزملاؤها بأن الأشخاص الذين يستمعون إلى موسيقى من تأليف فولفغانغ أماديوس موتسارت، يحققون تحسناً مؤقتاً في اختبارات الاستدلال. وأدى الجدل الذي أُثير حول ما عُرف باسم «تأثير موتسارت»، إلى دفع باحثين آخرين لإجراء تجاربهم الخاصة.

المثير أن كثيرين منهم لم يجدوا أي فائدة تُذكر. أما راوشَر، فقد قللت من أهمية هذه الإخفاقات، وقالت إن العلماء الآخرين لم يجربوا «تأثير موتسارت»، لأنهم لم يكونوا بارعين بما يكفي في إجراء التجارب؛ أي إنهم لم يكونوا «طهاة» علميين جيدين.

ولسنوات طويلة، استمر البحث عن «تأثير «موتسارت». وفي نهاية المطاف، لم يجد علماء آخرون سوى أدلة ضئيلة على وجوده.

ودفع هذا الوضع بعض العلماء نحو البحث عن وسائل جديدة لنقل المعرفة الضمنية. على سبيل المثال، عام 2006، أسس عالم الأحياء موشي بريتسكر دورية علمية حملت اسم «JoVE» تُنشر فيها مقاطع مصورة لعلماء، وهم يجرون تجارب معقدة.

وعام 2014، أنشأ عالم الأحياء ليني تيتلمان منصة تتيح للعلماء مشاركة بروتوكولاتهم ومناقشتها. ويستخدم الباحثون الموقع، ويحمل اسم «بروتوكولز دوت آي أو Protocols.io »، للمساعدة في تدريب الأعضاء الجدد في مختبراتهم، خاصة بعد رحيل العلماء ذوي الخبرة، الذين لطالما امتلكوا تلك «الأيدي السحرية».

أما ويغرزِن وفاغنر فتعملان من خلال «ترانسفير» على بناء نظام قادر على جمع كميات هائلة من البيانات عما يحدث داخل المختبر، في صورة تسجيلات مصورة وتسجيلات صوتية وبيانات صادرة عن أجهزة الاستشعار في معدات المختبر. بل وتتبع «ترانسفير» مصدر مستلزمات العمل، وصولاً إلى أرقام تشغيلات علب القفازات. والسؤال: لماذا كل هذا؟ عن ذلك، أجابت فاغنر: «ربما كان هناك أبخرة أو مواد متصاعدة من القفاز تؤثر في تجربتك».

من جهته، يرى نوسِك أن هذا النهج الجديد قد يكشف بعض الأسرار التي تفسر سبب نجاح التجارب أو فشلها. وقال: «أكثر ما يعجبني في عملهم أنهم ينطلقون بكل قوة في محاولة تفكيك كل تفصيلة. من المنطقي تماماً أن نذهب إلى أبعد مدى، ثم نكتشف ما الذي يهم بالفعل».

وتُدخل الشركة سجلها الرقمي للتجارب إلى أجهزة حاسوبية جرى تدريبها على التعرف إلى المعدات المستخدمة في تجارب الكيمياء الحيوية. وتتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي تتبع المعدات، إلى جانب أيدي العلماء، وفك شفرة كل إجراء يقومون به.

وقد كشف هذا التحليل عن أن العاملين في المختبرات يجرون التجربة نفسها بطرق مختلفة للغاية. وعن هذا، قالت فاغنر: «إن حجم التباين الذي نراه حتى بين العلماء المدربين جيداً، مذهل حقاً».

جدير بالذكر هنا أن شركة «ترانسفير» تعاقدت مع شركة متخصصة في الاختبارات التشخيصية، إلى جانب عملاء آخرين يرغبون في استخدام برمجياتها لتتبع أبحاثهم. وقالت فاغنر إنه ربما في نهاية المطاف يقتصر دور النظام على كشف الأخطاء، بل ويمتد كذلك إلى توثيق الاكتشافات غير المتوقعة.

وبدلاً من تقليب دفاتر المختبر بحثاً عن خيوط تقود إلى تفسير ما حدث، يستطيع النظام العودة إلى كل ثانية من العمل، مع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للبحث عن أمور غير مألوفة قام بها العاملون من دون أن يدركوا ذلك.

وقال نوسِك إن على «ترانسفير» تقديم نتائج مفصلة لإثبات أن هذا النظام يجعل العلم أفضل بالفعل. واقترح قائلاً: «خذ 50 مختبراً، وتتبع التجارب في نصفها باستخدام هذه التكنولوجيا، ولا تتتبعها في النصف الآخر، ثم ابحث عن الفروق في مستوى التقدم».

• خدمة «نيويورك تايمز»

نظم ذكية تؤلف سرداً خاصاً بها وتصف كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور ما ينفذه الباحثون في تجاربهم


علاج جيني واعد يعكس خللاً وراثياً في القلب

تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
TT

علاج جيني واعد يعكس خللاً وراثياً في القلب

تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)

في خطوة علمية قد تفتح باباً جديداً لعلاج أمراض القلب الوراثية نجح باحثون أستراليون في عكس حالة «اعتلال عضلة القلب الناتج عن خلل جيني»، باستخدام حقنة واحدة تحمل نسخة سليمة من جين ALPK3. وأظهرت التجارب أن العلاج الجيني تمكن من استعادة وظيفة عضلة القلب في نماذج من الفئران كما أعاد قوة وانتظام النبض إلى أنسجة قلبية مصغرة جرى إنماؤها في المختبر من خلايا مرضى يحملون الطفرة الجينية نفسها. وأجريت الدراسة بقيادة معهد مردوخ لأبحاث الأطفال (MCRI) في ملبورن بأستراليا، ونُشرت في مجلة «Nature Cardiovascular Research» في 19 أغسطس (آب) 2026 بمشاركة باحثين من مؤسسات أسترالية ودولية.

نجاح «جيني»

• جين واحد يعيد للقلب قدرته. يمكن للطفرات في جين ALPK3 أن تسبب اعتلال عضلة القلب وهي مجموعة من الأمراض التي تضعف قدرة القلب على ضخ الدم، وقد تؤدي إلى تضخم القلب واضطراب ضرباته وزيادة خطر فشل القلب والوفاة. ويُعتقد أن اعتلال عضلة القلب يؤثر في نحو 30 مليون شخص حول العالم، بينما تبقى الخيارات العلاجية محدودة في بعض أشكاله الوراثية خصوصاً لدى الأطفال الذين قد تتطور حالتهم إلى درجة تستدعي زراعة القلب.

وقال الدكتور جيمس ماكنمارا من معهد فيكتور تشانغ لأبحاث القلب ومعهد مردوخ لأبحاث الأطفال أستراليا إن النتائج تمثل خطوة كبيرة باتجاه تطوير علاج يستهدف السبب الجيني للمرض بدلاً من الاكتفاء بإدارة أعراضه.

• نجاح لافت في الفئران. بدأ الباحثون بتطوير نموذج مخبري لفئران حديثة الولادة تحمل نسخة معيبة من جين ALPK3. وأظهرت هذه الحيوانات تضخم القلب وضعفاً في وظيفته في صورة مشابهة لبعض الحالات الشديدة التي تظهر لدى الأطفال المصابين بالمرض.

وعندما أدخل الباحثون نسخة سليمة من الجين باستخدام العلاج الجيني التجريبي تحسنت بنية خلايا عضلة القلب واستعادت القلوب قدرتها على ضخ الدم. واللافت أن العلاج لم يمنع ظهور المرض في الفئران الصغيرة فحسب بل تمكن أيضاً من عكس المرض لدى الفئران البالغة، وهي نتيجة عدّها الباحثون مؤشراً مهماً على اعتماد عضلة القلب على البروتين الذي ينتجه جين ALPK3.

• «قلوب صغيرة» في المختبر تؤكد النتيجة. وللتأكد من أن النتائج لا تقتصر على الحيوانات أعاد الفريق إنتاج المرض باستخدام خلايا جذعية مأخوذة من مرضى يحملون الطفرة الجينية نفسها ثم حوّلوها إلى أنسجة قلبية مصغرة في المختبر.

وأظهرت هذه «القلوب الصغيرة» علامات اعتلال عضلة القلب قبل أن يؤدي استبدال النسخ المعيبة من ALPK3 بواسطة نسخة سليمة إلى استعادة قوة الانقباض، وانتظام ضربات القلب بصورة طبيعية.

الذكاء الاصطناعي في العلاج

• هل يمكن علاج أمراض وراثية أخرى؟ ولم يتوقف الباحثون عند جين ALPK3 بل استعانوا بأداة للذكاء الاصطناعي تُعرف باسم Geneformer لدراسة العلاقة بين البروتين الناتج عن الجين وعدد من البروتينات المهمة في عضلة القلب.

وأشارت التحليلات إلى وجود ارتباط قوي بين ALPK3 وبروتين «تيتين» Titin الذي ينتجه جين TTN. وتُعد الطفرات التي تؤدي إلى قطع أو توقف إنتاج بروتين «تيتين» من أكثر الأسباب الوراثية شيوعاً لاعتلال عضلة القلب التوسعي، وقد تمثل ما يصل إلى ربع الحالات. وأظهرت التجارب أن إضافة نسخة سليمة من جين ALPK3 حسّنت انقباض أنسجة قلبية مأخوذة من أشخاص يحملون طفرات في TTN.

ويرى الباحثون أن هذه النتيجة مهمة بشكل خاص لأن جين TTN ضخم جداً ما يجعل استبداله مباشرة بواسطة استخدام تقنيات العلاج الجيني الحالية أمراً بالغ الصعوبة. أما استهداف ALPK3 فقد يوفر نهجاً مختلفاً يمكن أن يفيد مجموعة أوسع من أمراض القلب الوراثية.

• من المختبر إلى المرضى. ورغم النتائج الواعدة يؤكد الباحثون أن العلاج لا يزال في المرحلة ما قبل السريرية، وأن هناك حاجة إلى مزيد من دراسات السلامة قبل الانتقال إلى التجارب البشرية.

ويأمل الفريق في التعاون مع شركاء تجاريين لتطوير العلاج والوصول به إلى التجارب السريرية.

وتعكس قصة الطفلة الأسترالية كيت البالغة من العمر تسعة أعوام، حجم الحاجة إلى مثل هذه العلاجات. فقد شُخّصت كيت باعتلال عضلة القلب التضخمي الناتج عن طفرة في جين MYH7 وخضعت في سن الثالثة لجراحة قلب مفتوح لإزالة جزء من عضلة القلب المتضخمة وتحسين تدفق الدم.

ورغم تحسن حالتها وعودتها إلى حياة نشطة فإنه لا تزال الجراحة لا تمثل علاجاً نهائياً للمرض، وقد تحتاج مستقبلاً إلى جهاز مزيل للرجفان القلبي. ويأمل العلماء أن تسهم مثل هذه الاكتشافات مستقبلاً في الانتقال من علاج آثار أمراض القلب الوراثية إلى استهداف أسبابها الجينية مباشرة بما قد يوفر خيارات علاجية جديدة للأطفال والعائلات التي تواجه هذه الأمراض.


هل يمكن التنبؤ بالزلازل الكبرى قبل وقوعها؟

تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
TT

هل يمكن التنبؤ بالزلازل الكبرى قبل وقوعها؟

تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)

تُعدُّ الزلازل من أكثر الظواهر الطبيعية تدميراً، ليس فقط بسبب قوتها الهائلة، وإنما أيضاً لصعوبة التنبؤ بموعد وموقع قوعها. ورغم التقدم الكبير في علم الزلازل وتقنيات مراقبة حركة الصفائح التكتونية، لا يزال تحديد المكان والوقت الدقيقين لوقوع زلزال كبير يمثل تحدياً أمام العلماء.

لكن دراسة جديدة تطرح مقاربة مختلفة؛ فبدلاً من محاولة تحديد موعد وقوع الزلزال، يسعى الباحثون إلى معرفة أين تتراكم الضغوط على طول الصدوع، وتحديد المناطق الأكثر احتمالاً لحدوث الزلازل الكبرى فيها.

وفي هذا السياق، طوّر فريق من الجيوفيزيائيين في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد الأميركية طريقة جديدة تساعد على تحديد المناطق الأكثر عرضة لأعنف الزلازل على وجه الأرض، في خطوة قد توفر أداة مهمة لتحسين الاستعداد للكوارث في بعض أخطر المناطق الزلزالية حول العالم.

وعلى خلاف محاولات التنبؤ بتوقيت الزلازل، تركز الطريقة على رصد المناطق التي يتراكم فيها الإجهاد على طول الصدوع الكبرى؛ ما يساعد العلماء على تحديد المواقع الأكثر احتمالاً لحدوث التمزق الزلزالي عند وقوع الزلزال.

يقول الباحثون إن الزلازل تتصدر عناوين الأخبار لحظة وقوعها، لكن الصدع يكون قد ظل لسنوات يراكم الإجهاد في صمت، ويمكن قياس هذا الإجهاد.

وفي اختبار للطريقة، نجح النموذج الذي طوّره الباحثون في تحديد جزء من منطقة اندساس كامتشاتكا شرق روسيا، شهد لاحقاً زلزالاً ضخماً؛ ما يعزز إمكانية استخدام هذا النهج لتحديد مواقع الزلازل الكبرى، حتى مع استمرار صعوبة التنبؤ بموعد وقوعها. ونُشرت النتائج في عدد 4 سبتمبر (أيلول) من دورية «Geophysical Research Letters».

منهج الطريقة

يركز أسلوب الفريق على «مناطق الاندساس»، حيث تنزلق إحدى الصفائح التكتونية تحت أخرى. وتُعدُّ هذه المناطق مصدراً لأعنف زلازل الأرض، بما في ذلك زلازل تتجاوز قوتها 8.5 درجة، وغالباً ما تتسبب في أمواج تسونامي مدمرة.

وباستخدام قياسات دقيقة لحركة الأرض عبر أقمار تحديد المواقع (GPS)، طوّر الباحثون خوارزمية تكشف الأجزاء «المقفلة» من الصدوع التي تختزن الطاقة. وتُعرف هذه المناطق باسم «النتوءات» (asperities)، وهي أجزاء مقفلة من سطح الصدع تقاوم الحركة بسبب الاحتكاك، إلى أن يتراكم إجهاد كافٍ لإطلاق زلزال كبير.

وكان الفريق قد حدد إحدى هذه المناطق المقفلة أسفل شبه جزيرة كامتشاتكا قبل وقوع الزلزال الكبير هناك. ورغم أن توقيت الحدث ظل خارج نطاق قدرة الطريقة على التنبؤ، وقع التمزق في المكان نفسه تقريباً الذي أشار النموذج إلى تراكم الإجهاد فيه.

وكشفت النتائج أيضاً عن أن الزلازل التي تقع في المنطقة نفسها قد تتصرف بشكل مختلف تماماً؛ فرغم أن كامتشاتكا شهدت زلزالين عملاقين في عامي 1952 و2025، تسبب الحدث الأخير في موجة تسونامي أصغر بكثير؛ ما يشير إلى أن الجزء الأقرب إلى سطح الصدع انزلق بمقدار أقل مقارنة بالزلزال الأول.

ويشدد الباحثون على أن طريقتهم لا تستطيع التنبؤ بحجم أمواج التسونامي أو توقيت وقوع الزلازل، لكن تحديد المناطق الأكثر خطورة قد يسهم في تحسين خطط التأهب على المدى الطويل.

ويعمل الفريق حالياً على تطبيق هذا النهج في مناطق اندساس رئيسية أخرى باليابان، والمكسيك، ونيوزيلندا وشمال غرب المحيط الهادئ في الولايات المتحدة؛ إذ تحمل كل منها تعقيدات إضافية، مثل وجود صدوع تطلق طاقتها تدريجياً بدلاً من إطلاقها في زلازل مفاجئة. كما يستكشف الباحثون إمكانية تطبيق تقنيات مشابهة لفهم صدوع كاليفورنيا بشكل أفضل.

فجوات في المراقبة العالمية

يتطلب توسيع نطاق هذه الطريقة رصداً أكثر دقة؛ فبينما توفر محطات (GPS) البرية بيانات قيّمة، لا تزال القياسات في أعماق المحيطات محدودة للغاية، رغم أن الكثير من أخطر الصدوع في العالم يقع تحت قاع البحر، وفق الدراسة.

وقد بدأ باحثون في اليابان استخدام أجهزة صوتية موضوعة على قاع البحر لقياس التشوهات البطيئة على مدى سنوات طويلة، في حين تُقترح جهود مماثلة في مناطق أخرى، من بينها تشيلي وشمال غربي المحيط الهادئ. ومن المتوقع أيضاً أن يوفر قمر اصطناعي أُطلق أخيراً قياسات إضافية للمناطق التي تفتقر حالياً إلى تغطية كافية من أجهزة (GPS). ويكشف هذا العمل عن فجوات كبيرة في مراقبة الزلازل عالمياً، خصوصاً في أجزاء من المحيط الهادئ التي تندر فيها البيانات اللازمة لتقييم مخاطر التسونامي.

ويؤكد الباحثون أن تحسين القدرة على تحديد أماكن الزلازل يجب أن يكون مكملاً للاستعداد العام، وليس بديلاً عنه، في حين يرى الفريق أن خوارزميته قد تساعد مستقبلاً في تقييم المخاطر الزلزالية على امتداد الكثير من أخطر حدود الصفائح التكتونية النشطة في العالم، شريطة توفر بيانات كافية.

وتعليقاً على النتائج، قال الأستاذ المساعد بالشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة للمعهد القومي للبحوث الفلكية في مصر، محمد عز العرب، إن الدراسة تمثل خطوة مهمة في تطوير أساليب تقييم المخاطر الزلزالية، خصوصاً أنها قدمت خوارزمية جديدة تساعد على تحديد المناطق التي تتراكم فيها الضغوط على طول الصدوع بدقة أكبر.

وأضاف عز العرب لـ«الشرق الأوسط» أن نجاح هذه الطريقة في تحديد المنطقة التي وقع فيها زلزال كامتشاتكا يمثل نتيجة مشجعة، لكن هذا النجاح لا يكفي وحده للحكم على مدى دقة وفاعلية الخوارزمية، مشيراً إلى ضرورة اختبارها في مناطق اندساس أخرى ذات ظروف جيولوجية مختلفة قبل اعتمادها أداة موثوقة لتقييم المخاطر الزلزالية على نطاق واسع.

وأكد عز العرب أن الرسالة الأهم التي تبرزها الدراسة هي أن تحديد المناطق الأكثر خطورة يمكن أن يعزز خطط الاستعداد والتخطيط لمواجهة الكوارث، لكنه لا يمكن أن يحل محلها، موضحاً أن معرفة أماكن الخطر «تُكمل الاستعداد ولا تُغني عنه».