الروبل الروسي يتصدر العملات العالمية أداءً... فما سر هذا الارتفاع المفاجئ؟

«بنك أوف أميركا»: مكاسبه تجاوزت الـ40% منذ بداية عام 2025

عملات معدنية روسية من فئة خمسة روبلات تحمل شعار الدولة ونقش «بنك روسيا» في موسكو (أ.ف.ب)
عملات معدنية روسية من فئة خمسة روبلات تحمل شعار الدولة ونقش «بنك روسيا» في موسكو (أ.ف.ب)
TT

الروبل الروسي يتصدر العملات العالمية أداءً... فما سر هذا الارتفاع المفاجئ؟

عملات معدنية روسية من فئة خمسة روبلات تحمل شعار الدولة ونقش «بنك روسيا» في موسكو (أ.ف.ب)
عملات معدنية روسية من فئة خمسة روبلات تحمل شعار الدولة ونقش «بنك روسيا» في موسكو (أ.ف.ب)

في خضم حرب طويلة الأمد، بين تراجع أسعار النفط وعقوبات مشددة، واقتصاد يواجه تحديات، شهد الروبل الروسي ارتفاعاً ملحوظاً، ليصبح أفضل العملات أداءً على مستوى العالم حتى الآن هذا العام، وفقاً لـ«بنك أوف أميركا»، محققاً مكاسب تتجاوز 40 في المائة.

هذا الارتفاع المذهل للروبل في عام 2025 يمثل تحولاً حاداً عن العامين الماضيين، حيث شهدت العملة تراجعاً كبيراً في قيمتها. فما الذي يدعم قوة العملة الروسية؟

يُرجع مراقبو الأسواق هذه القوة في الروبل بشكل أقل إلى قفزة مفاجئة في ثقة المستثمرين الأجانب، وبشكل أكبر إلى ضوابط رأس المال والتشديد النقدي، وفق تقرير لشبكة «سي إن بي سي». كما يأتي ضعف الدولار عاملاً إضافياً يعزز من هذا الارتفاع.

أسباب صعود الروبل

يسرد بريندان ماكينا، الخبير الاقتصادي الدولي واستراتيجي العملات الأجنبية في «ويلز فارغو»، ثلاثة أسباب رئيسية لارتفاع الروبل:

-ارتفاع أسعار الفائدة: يرى ماكينا أن البنك المركزي الروسي اختار إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة نسبياً.

-تشديد ضوابط رأس المال: تم تشديد ضوابط رأس المال وغيرها من قيود الصرف الأجنبي.

-آمال السلام: حدث بعض التقدم، أو محاولة للتقدم، في إيجاد حل سلمي بين روسيا وأوكرانيا، وهو ما أثار بعض التفاؤل بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وقد دفعت توقعات إعادة دمج روسيا في الاقتصاد بعض تدفقات رأس المال مرة أخرى إلى الأصول المقومة بالروبل، على الرغم من ضوابط رأس المال، مما دعم قوة العملة إلى حد ما.

وأشار أندريه ميلاشينكو، الخبير الاقتصادي في «رينيسانس كابيتال»، إلى انخفاض الطلب على العملات الأجنبية من المستوردين المحليين، نظراً لضعف الاستهلاك. وقد عزز هذا الانخفاض قيمة الروبل، إذ لم تعد البنوك بحاجة لبيع الروبل لشراء الدولار أو اليوان.

أضاف الخبير الاقتصادي المقيم في موسكو أنه في الربع الأول من عام 2025، «شهدنا تكديساً زائداً في الإلكترونيات الاستهلاكية والسيارات والشاحنات، التي تم استيرادها بنشاط في النصف الثاني من العام الماضي تحسباً لزيادة الرسوم الجمركية». وأوضح أن تباطؤ النشاط الاستهلاكي كان بشكل رئيسي في قطاع السلع المعمرة، الذي شكّل جزءاً كبيراً من واردات روسيا.

علم روسيا يرفرف على مقر مصرفها المركزي في موسكو (إ.ب.أ)

دور المصدّرين وتضييق المعروض النقدي

وبالإضافة إلى ذلك، يحتاج المصدّرون الروس إلى تحويل مدفوعاتهم بالدولار إلى روبل، مما يزيد الطلب على العملة. ومن ناحية أخرى، قلّل المستوردون من شراء السلع الأجنبية، وبالتالي لا يحتاجون إلى بيع الروبل للدفع بالدولار.

تُلزم الحكومة الروسية كبار المصدّرين بإعادة جزء من أرباحهم الأجنبية إلى البلاد واستبدال الروبل بها في السوق المحلية. وعلى وجه الخصوص، دأبت صناعة النفط على تحويل الأرباح الأجنبية إلى روبل، وفقاً للمحللين.

وأظهرت بيانات البنك المركزي الروسي أن مبيعات العملات الأجنبية من قبل أكبر المصدّرين في روسيا بلغت 42.5 مليار دولار بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان). ويمثل هذا ارتفاعاً بنسبة 6 في المائة تقريباً مقارنة بالأشهر الأربعة التي سبقت يناير.

وقال ستيف هانكي، أستاذ الاقتصاد التطبيقي بجامعة «جونز هوبكنز»، إن انكماش المعروض النقدي من قبل البنك المركزي الروسي يدعم الروبل أيضاً.

في أغسطس (آب) 2023، ارتفع معدل نمو السيولة النقدية التي يُنتجها البنك المركزي الروسي بشكل حاد بنسبة 23.9 في المائة سنوياً، وفقاً لهانك. وأضاف أن هذا الرقم تحول إلى سلبي منذ يناير، حيث ينكمش حالياً بمعدل -1.19 في المائة سنوياً.

هل هذا الارتفاع مستدام؟

على الرغم من قوة الروبل الحالية، يُحذّر المحللون من أنه قد لا يكون مستداماً. فقد انخفضت أسعار النفط - وهو ركيزة أساسية في اقتصاد التصدير الروسي - بشكل ملحوظ هذا العام، مما قد يُؤثر سلباً على تدفقات العملات الأجنبية.

وقال ميلاشينكو: «نعتقد أن الروبل يقترب من ذروته، وقد يبدأ بالضعف في المستقبل القريب». وأضاف: «انخفضت أسعار النفط بشكل ملحوظ، وهو ما يُفترض أن ينعكس في انخفاض عائدات التصدير وبيع مُكوّن العملات الأجنبية».

في حين أن محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا مؤخراً لم تُسفر عن أي تطورات ملموسة، أشار ماكينا أيضاً إلى أن التوصل إلى اتفاق سلام ملموس قد يُضعف قوة الروبل، حيث قد تُرفع الضوابط، مثل قيود الصرف الأجنبي التي كانت تدعم العملة.

وقال: «قد يشهد الروبل عمليات بيع مكثفة وسريعة في المستقبل، خاصة إذا تم التوصل إلى سلام أو وقف لإطلاق النار». أضاف: «في هذا السيناريو، من المُحتمل أن تُرفع ضوابط رأس المال بالكامل، وقد يُخفّض البنك المركزي أسعار الفائدة بسرعة».

المقايضات الاقتصادية

أشار محللون اقتصاديون إلى أن المصدّرين يشهدون أيضاً هوامش ربح أقل، لا سيما في قطاع النفط في البلاد، في ظل انخفاض أسعار النفط العالمية. وتشعر الحكومة أيضاً بالضغوط - إذ يؤدي انخفاض أسعار النفط، إلى جانب ارتفاع قيمة الروبل، إلى تآكل عائدات النفط والغاز. وتتأثر مالية الحكومة بشدة بتقلبات أسعار النفط الخام، حيث ستشكل عائدات النفط والغاز حوالي 30 في المائة من الإيرادات الفيدرالية في عام 2024، وفقاً لهيلي سيمولا، كبير الاقتصاديين في بنك فنلندا.

وقال ميلاشينكو: «اضطرت وزارة المالية إلى الاعتماد بشكل أكبر على صندوق الرعاية الاجتماعية الوطني لتغطية الإنفاق. وقد يكون هناك المزيد من التخفيضات في النفقات غير ذات الأولوية إذا استمر هذا الاتجاه». ومع ذلك، فإلى جانب تجارة النفط، ظلت روسيا معزولة إلى حد كبير عن السوق العالمية، و«هذا يعني أن ضعف الروبل لا يعزز القدرة التنافسية التجارية لروسيا كثيراً»، وفق ميلاشينكو.

ومع ذلك، قال ماكينا إنه بخلاف تجارة النفط، كانت روسيا معزولة إلى حد كبير عن السوق العالمية. «بمعنى أن ضعف الروبل لا يضيف الكثير إلى القدرة التنافسية التجارية لروسيا».


مقالات ذات صلة

تراجع الدولار مع تصعيد ترمب لتهديدات الرسوم

الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

تراجع الدولار مع تصعيد ترمب لتهديدات الرسوم

تراجع الدولار الأميركي، الاثنين، حيث انتاب القلق المستثمرين جرَّاء أحدث تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية على أوروبا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مناسبة سابقة بمقر البورصة اليابانية في العاصمة طوكيو (رويترز)

اليابان تفتح باب «التدخل المشترك» مع أميركا لـ«ضبط الين»

قالت وزيرة المالية اليابانية إن طوكيو لن تستبعد أي خيارات لمواجهة التقلبات المفرطة في أسعار صرف العملات الأجنبية، بما في ذلك التدخل المنسق مع أميركا.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد كو يون تشول يتحدث خلال مقابلة مع «رويترز» في مجمع الحكومة بسيول (رويترز)

سيول تستبعد بدء الاستثمارات الاستراتيجية في أميركا قبل منتصف 2026

أعلن وزير المالية الكوري الجنوبي، كو يون تشول، أن بدء الاستثمار المخطط له من كوريا الجنوبية بقطاعات استراتيجية أميركية ليس مرجحا أن يتم خلال النصف الأول من 2026

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد وزير الخزانة سكوت بيسنت يراقب بينما يتحدث الرئيس دونالد ترمب إلى الصحافيين في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض (أ.ب)

سيول: تصريحات بيسنت تعزز أهمية استقرار العملة لنجاح الشراكة مع واشنطن

قال مسؤول كوري جنوبي رفيع المستوى إن تصريحات وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بشأن الوون الكوري تؤكد أهمية استقرار سعر الصرف لضمان استمرار التعاون الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد من اللقاء بين بيسنت ووزير المالية الكوري الجنوبي (إكس)

بيسنت: انخفاض الوون الكوري لا يتماشى والأساسيات الاقتصادية القوية لسيول

ناقش وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الانخفاض الأخير في قيمة الوون الكوري مع وزير المالية الكوري الجنوبي كو يون تشيول.


أميركا واليابان تضيّقان خيارات الاستثمارات الضخمة

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

أميركا واليابان تضيّقان خيارات الاستثمارات الضخمة

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)

أفاد مصدران مطلعان لوكالة «رويترز» بأن اليابان والولايات المتحدة اختارتا عدداً من المشاريع مرشحين أوليين ضمن خطة طوكيو الاستثمارية في الولايات المتحدة بقيمة 550 مليار دولار، بما في ذلك مشروع مرتبط بمجموعة «سوفت بنك».

وأضاف المصدران، يوم الاثنين، أن الحكومتين كثّفتا مناقشاتهما لاختيار المشاريع الأولية ضمن خطة الاستثمار، التي تم الاتفاق عليها، وذلك جزءاً من اتفاقية طوكيو مع واشنطن لخفض الرسوم الجمركية على الصادرات اليابانية إلى الولايات المتحدة.

ووفقاً للمصدرين، اللذين طلبا عدم الكشف عن هويتهما لأن المحادثات غير علنية، فإن الجانبين يهدفان إلى إضفاء الطابع الرسمي على المشروع الأول قبل الزيارة المقررة لرئيس الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إلى الولايات المتحدة في الربيع.

كما أفادت أربعة مصادر بأن مشروعاً ضخماً للبنية التحتية، تشارك فيه مجموعة «سوفت بنك» في بناء مركز بيانات، من بين المشاريع المختارة. وتشمل حزمة الاستثمار اليابانية أسهماً وقروضاً وضمانات قروض من وكالتي اليابان الحكومية، بنك اليابان للتعاون الدولي وشركة «نيبون» للتأمين على الصادرات والاستثمار.

وعقدت اليابان والولايات المتحدة أربعة اجتماعات للجنة الاستشارية منذ ديسمبر (كانون الأول) لمناقشة المشاريع المحتملة، بمشاركة وزارة التجارة ووزارة الطاقة الأميركيتين، ومن اليابان، وزارات الخارجية والمالية والصناعة، بالإضافة إلى بنك اليابان للتعاون الدولي وشركة «نيبون» للتأمين على الصادرات والاستثمار.

وأضافت المصادر أن المحادثات قد بدأت بالفعل مع البنوك اليابانية الكبرى، التي قد تنضم إلى بنك اليابان للتعاون الدولي في تمويل المشاريع. وبناءً على مدخلات اللجنة الاستشارية؛ سترفع لجنة الاستثمار، برئاسة وزير التجارة الأميركي، توصياتها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سيتخذ القرار النهائي.

وفي حين أن صدور حكم من المحكمة العليا الأميركية بشأن شرعية التعريفات الجمركية العالمية التي فرضها ترمب بات وشيكاً، صرّحت طوكيو بأنها تعتزم المضي قدماً في مبادرة الاستثمار بغض النظر عن النتيجة، مؤكدةً أنها مصممة لبناء سلاسل إمداد رئيسية مشتركة تعود بالنفع على كلا البلدين.


دعوات في ألمانيا تحث الاتحاد الأوروبي على وقف واردات الطاقة الأميركية

تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)
تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)
TT

دعوات في ألمانيا تحث الاتحاد الأوروبي على وقف واردات الطاقة الأميركية

تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)
تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)

دعت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر الألماني، كاتارينا دروجه، الاتحاد الأوروبي لأن يدرس وقف واردات الطاقة من الولايات المتحدة، وذلك في ظل الخلاف بشأن المطالب الأميركية بالسيادة على غرينلاند.

وقالت دروجه، في تصريحات تلفزيونية: «هذا الاعتماد يمثل خطراً على صعيد السياسة الاقتصادية وسياسة الطاقة».

كان الاتحاد الأوروبي قد تعهّد، في صيف العام الماضي، في إطار الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة، بشراء طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية الرئيس دونالد ترمب، ومن بينها الغاز الطبيعي المسال. وقالت دروجه: «من وجهة نظري، ينبغي إعادة النظر تحديداً في هذا القرار».

وأوضحت دروجه أن ترمب لم يعد يقبل حدود الدول الأخرى، مشيرة في ذلك إلى الهجوم الأميركي على فنزويلا، وإلى إعلانه نيته وضع غرينلاند تحت السيطرة الأميركية.

وقالت دروجه: «بصفتنا الاتحاد الأوروبي، نحن بحاجة، الآن، إلى وضوح مفاده أننا لن نقبل مثل هذا التصرف من جانب ترمب»، مضيفة أن ذلك يعني إبداء الاستعداد لاتخاذ إجراءات مضادة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على اليد الممدودة لإتاحة استمرار الحوار.

ويُصر ترمب على أن الولايات المتحدة ستضم غرينلاند، وهو ما يرفضه، بشدة، الشركاء الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

كان ترمب قد أعلن، السبت، فرض رسوم عقابية على ألمانيا ودول أخرى بالحلف، في ضوء هذا الخلاف.


الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)
رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)
TT

الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)
رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)

أفاد مصدران بأن البنك المركزي الهندي قد اقترح على دول الـ«بريكس» ربط عملاتها الرقمية الرسمية لتسهيل التجارة عبر الحدود ومدفوعات السياحة، في خطوة من شأنها أن تساعد في تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية.

ووفقاً للمصدرين، اللذين طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لعدم تخويلهما التصريح لوسائل الإعلام، أوصى بنك الاحتياطي الهندي الحكومة بإدراج مقترح ربط العملات الرقمية للبنوك المركزية على جدول أعمال قمة الـ«بريكس» لعام 2026. ومن المقرر أن تستضيف الهند القمة في وقت لاحق من هذا العام، وفق «رويترز».

وفي حال تبني التوصية، سيكون هذا أول طرح رسمي لفكرة ربط العملات الرقمية للبنوك المركزية بين دول الـ«بريكس»، التي تضم، من بين أعضائها، البرازيل، وروسيا، والهند، والصين وجنوب أفريقيا.

وقد تثير هذه المبادرة تحفظات الولايات المتحدة، التي سبق أن حذَّرت من أي خطوات تهدف إلى تجاوز الدولار في المعاملات الدولية. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وصف تحالف الـ«بريكس» سابقاً بأنه «معادٍ لأميركا»، ملوحاً بفرض رسوم جمركية على أعضائه.

ويُعدّ اقتراح بنك الاحتياطي الهندي بربط العملات الرقمية للبنوك المركزية في دول الـ«بريكس» لتمويل التجارة والسياحة عبر الحدود طرحاً غير مسبوق؛ إذ لم يُنشر من قبل.

بناء الجسور

يستند المقترح إلى إعلان صدر خلال قمة الـ«بريكس» لعام 2025 في ريو دي جانيرو، دعا إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني بين أنظمة الدفع في الدول الأعضاء، بما يسهم في جعل المعاملات العابرة للحدود أكثر كفاءة وسلاسة.

وكان بنك الاحتياطي الهندي قد أبدى اهتماماً علنياً بربط الروبية الرقمية الهندية بالعملات الرقمية للبنوك المركزية في دول أخرى؛ بهدف تسريع المعاملات الدولية وتعزيز استخدام العملة الهندية على المستوى العالمي. وفي الوقت نفسه، أكد البنك أن جهوده الرامية إلى توسيع نطاق استخدام الروبية لا تهدف إلى تشجيع التخلي عن الدولار الأميركي.

ورغم أن أياً من دول الـ«بريكس» لم تطلق عملتها الرقمية للبنك المركزي بشكل كامل، فإن الدول الخمس الرئيسية في المجموعة تنفذ حالياً مشاريع تجريبية في هذا المجال.

وقد استقطبت الروبية الرقمية الهندية، المعروفة باسم «الروبية الإلكترونية»، نحو 7 ملايين مستخدم من الأفراد منذ إطلاقها في ديسمبر (كانون الأول) 2022، في حين تعهدت الصين بتوسيع الاستخدام الدولي لليوان الرقمي.

وسعى بنك الاحتياطي الهندي إلى تعزيز اعتماد الروبية الإلكترونية عبر إتاحة المدفوعات غير المتصلة بالإنترنت، وتمكين برمجة تحويلات الدعم الحكومي، والسماح لشركات التكنولوجيا المالية بتوفير محافظ للعملات الرقمية.

وأشار أحد المصدرين إلى أن نجاح ربط العملات الرقمية لدول الـ«بريكس» يتطلب معالجة عدد من القضايا الأساسية، من بينها تطوير تكنولوجيا قابلة للتشغيل البيني، ووضع أطر حوكمة واضحة، وإيجاد آليات لتسوية اختلالات أحجام التجارة بين الدول الأعضاء.

وحذَّر المصدر من أن تردد بعض الدول في تبني منصات تكنولوجية طورتها دول أخرى قد يؤدي إلى تأخير تنفيذ المقترح، مؤكداً أن إحراز تقدم ملموس يستلزم توافقاً واسعاً بشأن التكنولوجيا والأطر التنظيمية.

وأضاف المصدران أن إحدى الأفكار المطروحة لمعالجة اختلالات التجارة المحتملة تتمثل في استخدام اتفاقيات مقايضة العملات الأجنبية الثنائية بين البنوك المركزية. ولفتا إلى أن محاولات سابقة بين روسيا والهند لزيادة التجارة بالعملات المحلية واجهت صعوبات، بعدما راكمت روسيا أرصدة كبيرة من الروبية الهندية ذات الاستخدام المحدود؛ ما دفع البنك المركزي الهندي لاحقاً إلى السماح باستثمار تلك الأرصدة في السندات المحلية.

وأوضح المصدر الآخر أن من بين المقترحات المطروحة إجراء تسويات أسبوعية أو شهرية للمعاملات عبر اتفاقيات المقايضة.

طريق طويل

تأسست مجموعة الـ«بريكس» عام 2009 على يد البرازيل، وروسيا، والهند والصين، قبل أن تنضم إليها جنوب أفريقيا لاحقاً. ومنذ ذلك الحين، توسعت المجموعة بانضمام دول جديدة، من بينها الإمارات العربية المتحدة، وإيران وإندونيسيا.

وعادت الـ«بريكس» إلى واجهة الاهتمام العالمي في ظل تصاعد الخطاب التجاري للرئيس الأميركي دونالد ترمب وتهديداته بفرض تعريفات جمركية، بما في ذلك تحذيرات موجهة إلى الدول المنضمة إلى المجموعة. وفي الوقت ذاته، عززت الهند تقاربها مع كل من روسيا والصين، في ظل مواجهتها لتوترات تجارية مع الولايات المتحدة.

وقد واجهت محاولات سابقة لتحويل الـ«بريكس» قوةً اقتصادية موازنة تحديات عدة، من بينها فكرة إنشاء عملة موحدة للمجموعة، وهي مبادرة طُرحت من قِبل البرازيل ثم جرى التراجع عنها لاحقاً.

ورغم تراجع الزخم العالمي للعملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية مع تنامي استخدام العملات المستقرة، تواصل الهند الترويج للروبية الإلكترونية بوصفها بديلاً أكثر أماناً وخضوعاً للتنظيم.

وكان نائب محافظ بنك الاحتياطي الهندي، تي رابي شانكار، قد صرح الشهر الماضي بأن العملات الرقمية للبنوك المركزية «لا تنطوي على الكثير من المخاطر المرتبطة بالعملات المستقرة». وأضاف أن العملات المستقرة، إلى جانب تسهيل المدفوعات غير المشروعة والتحايل على ضوابط الرقابة، تثير مخاوف جدية تتعلق بالاستقرار النقدي والسياسة المالية والوساطة المصرفية والمرونة النظامية.

وذكرت «رويترز» في سبتمبر (أيلول) الماضي أن الهند تخشى أن يؤدي الانتشار الواسع للعملات المستقرة إلى تفتيت منظومة المدفوعات الوطنية وإضعاف بنيتها التحتية للمدفوعات الرقمية.