أفضل القادة... «ذوو التفكير المتفتح»

يحققون النتائج المطلوبة ويضمنون رفاهية العاملين ومطامحهم الشخصية

أفضل القادة... «ذوو التفكير المتفتح»
TT

أفضل القادة... «ذوو التفكير المتفتح»

أفضل القادة... «ذوو التفكير المتفتح»

قد يكون العمل في بيئة العمل صعباً على القادة، إذ إن من الصعب تحقيق النتائج، وضمان دعم رفاهية الموظفين، والحفاظ على اندفاعاتهم الشخصية أيضاً... في وقت واحد.

كيف يمكنك أن تكون قائداً جيداً؟ وما الاستراتيجيات الفعّالة حقاً؟ من المفاهيم المفيدة: مفهوم «القيادة المتفتحة»، وهي نهج إداري يتيح للآخرين المشاركة، واتخاذ القرارات، وتقديم أفضل ما لديهم. من خلال القيادة المتفتحة، تضمن أيضاً مساحة لنفسك لتعزيز فاعليتك، ورضاك في العمل، كما كتبت تريسي بروير (*).

تقرير مؤسسة «دي دي آي»

الحاجة إلى قيادة مُحسّنة

* نهج القيادة المتفتحة: ركِّز على كيفية دعم الآخرين، وكيفية إدارتهم لتجربتهم في مكان العمل.

على الرغم من أن القادة يبذلون قصارى جهدهم، فإن استطلاعاً جديداً أجرته شركة «DDI» الاستشارية وجد أن حوالي 40 في المائة فقط من العاملين يعتقدون أن القادة يتمتعون بكفاءة عالية. وفي المقابل، يميل القادة إلى تقييم أنفسهم بشكل أفضل مما يُقيّمهم الآخرون. إذن، فان هناك فجوة في الإدراك، إلى جانب فرصة للقادة للتطور.

وهناك أيضاً أدلة على أن القادة يشعرون بالضغط. في الواقع، يقول 71 في المائة من القادة إن مستويات التوتر لديهم قد زادت، وأفاد 54 في المائة بأنهم قلقون بشأن الإرهاق، وفكر 40 في المائة في ترك الدور القيادي لأنهم يعانون من مشكلات في صحتهم، وفقاً لبيانات معهد التنمية البشرية.

أوجد مساحة للمشاركة

* تواضع القيادة. أظهِر قيادة متفتحة من خلال دعوة الموظفين للمشاركة، ومشاركتهم السياق حتى يتمكنوا من المشاركة بفعالية في العملية.

إن دعوة الناس للمشاركة والانخراط وإبداء آرائهم هي من أولى الطرق لإظهار نمط القيادة المتفتحة. ويكمن جوهر هذا النوع من القيادة في التواضع.

هذا لا يعني التخلي عن الرأي. يتمتع القادة المتفتحون بوجهة نظر قوية، وهم واثقون من خبراتهم، لكنهم لا يفترضون أن لديهم جميع الإجابات، أو أفضلها.

يرتبط وجود شعور بالراحة عند الاعتراف بالأخطاء أيضاً في نمط القيادة المتفتحة. ليس من الضروري أن يكون القادة على دراية كاملة بكل شيء، لذا يقدّر العاملون طلب مديريهم لطرح الأفكار، وإسهاماتهم في إيجاد الحلول.

ويُمكّن القادة ذوو التفكير الواسع الموظفين من المشاركة في العملية من خلال التواصل الفعال. فعندما يُقدّم القادة توجيهات أو أهدافاً أو تحديات واضحة، يكون الموظفون قادرين على المبادرة، واقتراح طرق لإنجاز المهام. وعندما تُتاح لهؤلاء فرصة المشاركة، يزداد شعورهم بالمسؤولية، والتفاني تجاه عملهم.

وفّر مساحة للتعلم والنمو

* تطوير مهارات العاملين. أظهر قيادةً متفتحة النطاق من خلال تدريب وتطوير الموظفين.

يتوق الناس من جميع الأجيال إلى التطور. والقيادة المتفتحة تُوفّر مساحة للموظفين لتوسيع مهاراتهم، وكفاءاتهم.

يُرسل الاستثمار في نمو الموظفين رسالةً تُقدّرهم، وتُقدّر مساهماتهم. يمكنك دعم الموظفين من خلال وضع خطط، أو التوصية بجلسات تعلم رسمية، أو تقديم تدريب، وملاحظات منتظمة، أو تعريفهم بمرشدين من خارج قسمك.

إن نتائج هذه الأساليب مُذهلة. وفقاً لدراسة «DDI»، عندما قدّم القادة التدريب والتغذية الراجعة للموظفين، ازدادت احتمالية ثقة هؤلاء الموظفين بقائدهم 9 مرات. وعندما دعم القادة التطوير بنشاط، ازدادت احتمالية ثقة الموظفين بقائدهم 11 مرة.

أفسح المجال للأداء المستقل

*ضمان خيارات واستقلالية الأداء. أظهر قيادة مُتفتحة من خلال منح الأفراد الدعم اللازم لأداء أفضل ما لديهم.

جميعنا يمتلك غريزة التأثير، وسيكون الناس أكثر سعادةً ويبذلون جهداً اختيارياً أكبر عندما يتم دعمهم لتقديم أفضل ما لديهم. عندما تُوفّر مساحة للأداء، فإنك تمنح الناس الكثير من الخيارات، والتحكم، والاستقلالية.

لقد ثبت أن التحكم واتخاذ القرارات أثناء الأداء مهمان للصحة، وطول العمر. ووفقاً لدراستين أجرتهما جامعة إنديانا (الأولى أُجريت عام 2016، والأخرى عام 2020)، فإن الأشخاص الذين عانوا من ضغوط عمل عالية وكانت سيطرتهم محدودة على سير عملهم، كانوا أقل صحةً، وكانت لديهم معدلات وفيات أعلى.

من ناحية أخرى، عندما كان الموظفون يعملون في وظائف عالية الضغط، ولكن كانت لديهم خيارات أوسع، وسلطة أكبر في اتخاذ القرارات، كانوا يتمتعون بصحة أفضل، ويعيشون لفترة أطول. ويتحقق الأفراد أداءً أفضل عندما يتوفر لديهم الوقت الكافي لإنجاز المهام.

أحياناً تكون الأمور مُرهقة، أو مُلحة، أو في اللحظات الأخيرة، لكن القادة المُتفتحين يبذلون قصارى جهدهم لمنح الأفراد الوقت الكافي لتحقيق النتائج. هذا يُتيح لهم مساحة للتفكير، والتخطيط، والاستثمار في جودة نتائجهم.

أوجد فضاء للرفاهية

* تأمين الصحة النفسية. أظهر قيادةً متفتحة لضمان ذلك، أي الاهتمام بسلامتهم. امنحهم الفرصة لوضع حدود مناسبة في عملهم، وحياتهم، والحفاظ عليهما. بالإضافة إلى ذلك، راقب أحوالهم، واطرح الأسئلة. ليس بالضرورة أن تكون أخصائياً اجتماعياً محترفاً، ولكن عندما تُظهر تعاطفك معهم، وتُرشدهم إلى الموارد، فإن ذلك يُرسل رسالة قوية حول مدى اهتمامك بهم. وفّر لهم مساحة للمشاركة، ثم استمع إليهم، وقدم لهم الدعم.

إن الاهتمام بالرفاهية مفيد للأفراد، وهو مُجدٍ للمؤسسات. ففي دراسة عالمية أجراها معهد القوى العاملة في «UKG»، وهي شركة مُزودة لبرامج بيئة العمل، قال 80 في المائة من الأشخاص إنهم كانوا يشعرون بالنشاط في العمل عندما كانت صحتهم النفسية أفضل، وقال 63 في المائة إنهم ملتزمون بعملهم.

أفاد نحو 69 في المائة من العمال بأن لقائدهم تأثيراً أكبر على صحتهم النفسية من مُعالجهم النفسي، أو طبيبهم، وبنفس تأثير شريك حياتهم تقريباً. عندما تُعطي المؤسسات الأولوية للرفاهية، تُشير بيانات مؤشر «DDI» إلى أن احتمالية تقييم جودة القيادة على أنها عالية تزيد بمقدار 12 مرة.

العناية الذاتية للقائد

* العناية الذاتية بنفسك. أظهر قيادةً متفتحة من خلال منح نفسك مساحةً لإعادة تنظيم نفسك، وتجديد نشاطك، وتقديم أفضل ما لديك.

كقائد، فإن قوتك الشخصية ضرورية لكيفية دعم الآخرين. وكما تُوفّر مساحةً لتميز فريقك، افعل الشيء نفسه لنفسك. كن متسقاً، وحاضراً، ومتاحاً للجميع، ولكن تأكد أيضاً من وجود وقتٍ للاسترخاء، والراحة.

فكّر أيضاً في الرعاية الذاتية الأنسب لك. تُشير الرواية الشائعة حول الرعاية الذاتية إلى أنه يجب عليك قضاء بعض الوقت بمفردك، ولكن يمكنك اختيار قضاء بعض الوقت مع الآخرين الذين يُنشّطونك. والأهم هو اتخاذ خياراتٍ تُغذّي نفسك. وهناك طريقة أخرى لضمان الرعاية الذاتية هي تكوين مجموعة صغيرة من الزملاء الموثوق بهم.

وتتطلب القيادة توازناً بين الأصالة والشفافية والاحترافية المناسبة. ستحتاج إلى بناء علاقات ثقة مع قادة آخرين (أو أشخاص من خارج مؤسستك)، حيث يمكنك الاسترخاء معهم، ومشاركة همومك، واهتماماتك، أو الحصول على المشورة.

تقرير «DDI»:

https://media.ddiworld.com/research/global-leadership-forecast-2025-report.pdf?_gl=1*entgm9*_gcl_au*MTM2OTE3Njk3MS4xNzQ5MDI2MTg2

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»

حقائق

40٪

من العاملين فقط يعتقدون أن القادة يتمتعون بكفاءة عالية

حقائق

11

مرة ازدادت احتمالية ثقة الموظفين بقائدهم عندما دعم القادة التطويرات بنشاط



بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.