«كبار»... مسرح يعيد الحياة للنساء بعد الخمسين

ورشة فنية تُنقذ المشارِكات من الوحدة وتكشف عن مواهب دفينة على الخشبة

ورشة «كبار» تحفّز النساء بعد الـ50 لاكتشاف عالم المسرح (رنا مروان نجار)
ورشة «كبار» تحفّز النساء بعد الـ50 لاكتشاف عالم المسرح (رنا مروان نجار)
TT

«كبار»... مسرح يعيد الحياة للنساء بعد الخمسين

ورشة «كبار» تحفّز النساء بعد الـ50 لاكتشاف عالم المسرح (رنا مروان نجار)
ورشة «كبار» تحفّز النساء بعد الـ50 لاكتشاف عالم المسرح (رنا مروان نجار)

عادةً ما تعاني النساء بعد سن الخمسين من الوحدة، والإهمال، والملل. وقد تكون أهدرت طاقتها في تربية أولادها ومن ثَمَّ أحفادها، فتجد نفسها فجأة منفصلة تماماً عن عالم الفكر، والعمل، والفن. وتقتصر أحاديثها ونشاطاتها اليومية على تلبية رغبات أفراد عائلتها الصغيرة. والأسوأ هو شعورها بالتقصير والذنب إن خرجت يوماً عن هذا الإطار اليومي الذي يحيط بها.

نساء بين الـ50 والـ70 عاماً ينتسبن إلى ورشة «كبار» (رنا مروان نجار)

من هنا، أطلقت «أكاديمية نجّار للفنون» ورشة «كبار»، بمبادرة من رنا مروان نجّار وزلفا شلحط.

تتوجّه إلى النساء بعد سن الخمسين، بهدف إبراز قوة كل سيدة في هذا العمر، وربطهن بعالم المسرح. فمن خلال الخشبة، يستطعن التعبير عن أفكارهن، وإخراج همومهن وتطلعاتهن إلى العلن.

افتتحت «كبار» 3 فروع لها في لبنان، في قرنة شهوان، والأشرفية، وجبيل، لاستقبال الطالبات. وتتولى زلفا شلحط التدريب العملي، وتقدّم لهنّ تجربة اجتماعية وفنية في آنٍ معاً، في حين تُساعدها رنا نجّار من خلال خبرتها المسرحية بصفتها صاحبة المبادرة ومؤسِستها.

توضح نجّار في حديثها إلى «الشرق الأوسط» أن الفكرة وُلدت معها حين لاحظت أن والدتها تعاني من الوحدة إلى حدٍّ ما. وتقول: «كانت تلومنا إن لم نزُرها باستمرار، وتتساءل أحياناً عن سبب عدم اهتمامنا بها. ومن هنا نشأت لديّ فكرة ضرورة التأكيد لها ولغيرها أن الحياة لا تنتهي هنا. بل يجب أن تعيش المرأة من أجل نفسها، لا من أجل الآخرين فقط».

اختارت رنا نجار المسرح مساحة لتستعيد المرأة قوتها (رنا مروان نجار)

ولأن المسرح يُساهم في تطوير شخصية من يعمل فيه، رأت نجّار في الخشبة وسيلة إنقاذ مُثلى. وما شجّعها أكثر هو خبرة زميلتها زلفا شلحط في هذا المجال، إذ عملت خلال إقامتها في كندا مدرّبةَ مسرح في دار للمسنين.

انطلقت الورشة بدايةً في منطقة عين الرمانة، لكن الحرب التي اندلعت في الجنوب أجبرتها على إغلاق أبوابها هناك. وتتابع نجّار، ابنة الكاتب الراحل مروان نجّار: «اليوم نحن موجودون في 3 مناطق مختلفة، ومقاعد صفوفنا ممتلئة بالكامل. يشمل برنامجنا تدريبات ارتجال لتنشيط الإبداع والعفوية، وتأدية أدوار ومشاهد مسرحية لاكتشاف مشاعر وشخصيات متنوّعة. كما يتضمّن التدريب إدارة المشاعر والتعبير الصادق».

وتضيف أن من بين المواد التي تقدمها ورشة «كبار» تمارين خاصة بالصوت والتعبير الجسدي، بالإضافة إلى مشاركة التجارب، ما يساهم في بناء روابط حقيقية بين النساء المشاركات.

وتشير نجّار إلى أنها وشلحط اكتشفتا مواهب فنية حقيقية لدى بعض المشاركات. وتقول: «نفكّر جديّاً بإنتاج عمل مسرحي يجمع تلك المواهب. ستكون تجربة غنية لهن وسيسعَدن بنتائجها».

لمست نجّار تغيّرات واضحة في شخصية النساء المشاركات، كما توضح: «وجدت لديهن حسّاً فكاهياً واضحاً، وارتياحاً نفسياً مع مرور الوقت. كثيرات بدأن خجولات ومترددات، لكن بعد أيام قليلة من التجربة يُسرعن إلى التسجيل في الصفوف. وقد تحوّلن إلى مجتمع صغير يتشاركن فيه مشروعات ورحلات ونشاطات متنوّعة».

من خلال ورشة «كبار» ألّفت النساء مجتمعاً خاصاً بهنَّ (رنا مروان نجار)

وتتحدث نجّار عن التأثير اللافت الذي لاحظته على والدتها تحديداً: «انضمت والدتي إلى الورشة لفترة قصيرة قبل أن تنتقل إلى الجبل مع بداية الصيف، ما حال دون إكمالها الدورة. بيد أنها كانت سعيدة جداً خلال هذه الفترة القصيرة، بل استغربتُ حين رأيتها ترقص. عندها أدركت كم كان لاندماجها في الورشة أثر إيجابي عميق في نفسها».

تُقام صفوف ورشة «كبار» مرة أسبوعياً، وتستمر لمدة 90 دقيقة، ضمن اشتراك شهري. وتعلّق نجّار: «أهم ما في ورشة (كبار) أنها تُساهم في إعادة بناء شخصية النساء، وتعيد دمجهن في الحياة الاجتماعية، وحتى المهنية. بعضهن أبدين حماسة للانخراط في مشروعات خاصة بهن».

أما عن تأثير الوقوف على خشبة المسرح، فتختصره نجّار بالقول: «المسرح يزوّد النساء بثقة عالية بالنفس، ويحرّرهن من القلق حيال نظرة الآخرين. حتى الأطفال يعانون من هذا الضغط، وقد لاحظتُ ذلك خلال إشرافي على ورش سابقة. المسرح يمنح حرية مطلقة، ويجعل من يقف عليه يشعر وكأنه يطير. الأدوار التمثيلية يمكن أن تكون علاجاً شافياً للنساء كما للأطفال، وهي ما تساهم في بناء شخصية قوية».

أما العمل المسرحي المُرتقب الذي سيجمع النساء المشاركات، فتوضح نجّار: «خلال التمارين، تخرج منهن أفكار عديدة. ومع بعض التطوير وصياغة قالب مسرحي لها، يمكننا تقديم عرض متكامل يحمل عنواناً محدداً، مستنداً إلى هذه الأفكار المستخلصة من تجاربهن».

اكتشفت رنا نجار مواهب تمثيلية لدى بعض النساء المنتسبات (رنا مروان نجار)

عادت رنا نجّار مؤخراً إلى لبنان بعد نحو 20 عاماً قضتها في الإمارات، تحديداً في دبي، حيث عملت في مجال الإعلانات وكتابتها. وتقول: «في إحدى المرّات، التحقت بدورة خاصة بالنساء نظّمتها منصة (فيسبوك) في دبي، ولا تزال عبارة قيلت فيها عالقة في ذهني. كانت تحثّ المرأة على استعادة دورها وموقعها، وتشبِّه الأمر بتعليمات السلامة على متن الطائرة: ضعي قناع الأكسجين لنفسك أولاً، ومن ثمَّ ساعدي الآخرين. هذا بالضبط ما يجب أن تفعله المرأة: أن تعرف كيف تتخلّى عن كل ما يُعيق تنفّسها، وإلا اختنقت. فلا يعود لوجودها أي تأثير فعلي. لذلك، من واجبها أن تبحث دوماً عمّا يمنحها الحياة، ليكون بمثابة الأكسجين الذي تحتاج إليه للاستمرار».


مقالات ذات صلة

القهوة السعودية... حكاية قديمة في مقاهٍ جديدة

يوميات الشرق تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)

القهوة السعودية... حكاية قديمة في مقاهٍ جديدة

ارتبطت القهوة منذ وقت مبكر بالمكان الذي يجتمع فيه الناس، لا بالمشروب وحده.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جولات مجانية لـ«التوك توك» جزءاً من يوم تجريبي في مدينة سالتاش (مجلس سالتاش)

«التوك توك» الكهربائي ينافس على جائزة الأمير ويليام للبيئة

يعتزم الأمير ويليام، أمير ويلز، الإعلان عن شركة هندية مصنّعة لمركبات «التوك توك» الكهربائية بوصفها أول المتأهلين للتصفيات النهائية على جائزة «إيرث شوت».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لا يستقبل ضيفاً لا يقتنع به مهما بلغت أهميته (فيسبوك)

رودولف هلال: مَن ينسحب من برنامجي أكون قد كشفتُ كذبه

مؤخراً، بدأ رودولف هلال إلى جانب عمله التلفزيوني، بإقامة حفلات لنجوم من الزمن الجميل...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مينا جيلتينك - يسار- ومينال تيسن (رويترز)

بعد صداقة طويلة... هنديتان تكتشفان أنهما شقيقتان

اكتشفت امرأتان هنديتان في الأربعينيات من عمرهما أنهما شقيقتان بيولوجيتان، بعدما تبنتهما عائلتان مختلفتان ونشأتا بالقرب من بعضهما في هولندا.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
يوميات الشرق شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)

سبازونو يرسم بالغرافيتي ذاكرةً لبيروت لا تنتهي عند ندوبها

للجدار حياةٌ تسبق وصوله إليه. يحمل الفنان تاريخ المكان وآثار مَن عاشوا حوله...

فاطمة عبد الله (بيروت)

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
TT

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)

أصدرت وزارة الثقافة السعودية دليل «أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي»، الذي يهدف إلى ترسيخ ممارساتٍ واعية، ومسؤولة، وعادلة في توظيف التقنيات في الصناعات الإبداعية، والحد من مخاطر إساءة استخدامها، وتحقيق التوازن بين الاستفادة من إمكاناتها والمحافظة على أصالة الإبداع، والثقافة.

ويستهدف الدليل الإرشادي -الذي يشمل 11 قطاعاً ثقافياً- المؤسسات، والممارسين الثقافيين، ومطوّري تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومستعرضاً أبرز أنماط إساءة الاستخدام المحتملة في كل قطاع.

كما يقدّم إرشاداتٍ تسهم في تمكين العاملين في القطاع الثقافي من مواكبة التقنيات الحديثة، وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة، وتعزيز الابتكار بما يدعم تطوره، ونموه، ورفع مستوى الوعي بالممارسات الأخلاقية وغير الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ويرتكز الدليل على سبعة مبادئ توجيهية هي: السلامة والأصالة الثقافيتان، وملكية الأعمال الإبداعية ونسبتها إلى أصحابها، والشفافية وقابلية التفسير والاستخدام النظامي للبيانات، والاستخدام الأخلاقي والعادل للذكاء الاصطناعي، وتوظيفه أداةً لتمكين الإبداع، وتعزيز الوصول للمحتوى الثقافي، وحماية خصوصية البيانات وأمنها.

ويؤكد الإصدار بقاء الإنسان مسؤولاً عن الرؤية الإبداعية، والصياغة الفنية النهائية، وأن يكون الذكاء الاصطناعي أداةً مساندةً تدعم قدرات المبدعين، مع الإفصاح عن استخدامه، والحصول على الموافقات اللازمة، والتحقق من سلامة البيانات، والمخرجات، واحترام حقوق المؤلف، والملكية الفكرية.

ويتوافق الدليل مع الإرشادات الصادرة عن الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وينسجم مع توصية منظمة «الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة» (اليونيسكو) بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والأطر ذات الصلة الصادرة عن «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا). كما يُعد وثيقة إرشادية غير ملزمة، مع بقاء الأولوية للأنظمة واللوائح المعمول بها في البلاد.

ويأتي الإصدار ضمن جهود الوزارة لتعزيز الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة، وترسيخ الإبداع البشري، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، والمحتوى الثقافي، والإسهام في حفظ التراث، وإدارته، بما يدعم بناء مستقبل ثقافي رقمي أكثر أماناً، وشمولاً، واستدامة، وينسجم مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة تحت مظلة «رؤية السعودية 2030».


مخاطر مناخية تهدد إنتاج الشوكولاته

الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
TT

مخاطر مناخية تهدد إنتاج الشوكولاته

الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة دولية، عن أن تغير المناخ يفرض تهديداً لا يحظى بالاهتمام الكافي على إنتاج الكاكاو، يتمثل في الأمطار الغزيرة وتوقيت هطولها، وليس الجفاف وارتفاع درجات الحرارة فقط؛ ما قد يؤثر في محصول أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته.

ووجد باحثون من جامعة هارفارد الأميركية وجامعة غانا في الدراسة التي نُشرت نتائجها، الاثنين، بدورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم». أن أنماطاً جوية واسعة النطاق قد تجعل بعض مخاطر الأمطار الشديدة قابلة للتنبؤ قبل أشهر؛ ما يمنح مزارعي الكاكاو وقتاً لاتخاذ إجراءات تساعد على حماية الأشجار والمحاصيل.

وتعتمد أشجار الكاكاو، التي يمكن أن تعيش لعقود، على سلسلة دقيقة من المراحل لإنتاج محصول جيد، تبدأ بالإزهار والتلقيح ثم تكوين الثمار ونموها. ويمكن للأمطار القليلة جداً أو الغزيرة في التوقيت الخاطئ أن تلحق أضراراً بالمحصول وتؤثر في إنتاج الموسم بأكمله. وأوضح الباحثون أن الأمطار الغزيرة خلال الإزهار، أو التي توفر ظروفاً مواتية لانتشار الأمراض الفطرية خلال الإزهار والمراحل الأولى من نمو الثمار، قد تأثر بدرجة تأثير الجفاف نفسها.

وركز الباحثون في البداية على غانا، إحدى الدول الرئيسية المنتجة للكاكاو، وحللوا نحو عقدين من بيانات الإنتاج على مستوى المناطق، إلى جانب سجلات الطقس اليومية. وأظهرت النتائج أن الأمطار الزائدة خلال موسم الأمطار، إلى جانب الجفاف خلال موسم الجفاف، تفسر نحو ثلثي التغيرات السنوية في إنتاج الكاكاو في غانا.

واختبر الباحثون مجموعة من العوامل المناخية، بينها متوسط هطول الأمطار، والأمطار الغزيرة، وفترات الجفاف، ورطوبة التربة، ودرجات الحرارة القصوى. وتبيَّن أن أفضل مؤشرين للتنبؤ بالتغيرات في الإنتاج هما الأمطار الشديدة خلال موسم الأمطار الرئيسي ونقص الأمطار خلال موسم الجفاف.

وتظهر التأثيرات الأشد للأمطار في غانا بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران)، عندما تكون الأشجار في مرحلة الإزهار وتبدأ الثمار الصغيرة في التكوّن، في حين قد يؤدي نقص الأمطار بين نوفمبر (تشرين الثاني) وفبراير (شباط) إلى الإضرار بالمحصول أثناء استمرار نمو الثمار. كما يمكن للرطوبة وتناثر مياه الأمطار أن يساعدا في انتشار الأمراض الفطرية التي تصيب الأشجار والثمار.

وللتأكد من اتساع نطاق النتائج؛ حلل الباحثون بيانات من الإكوادور وإندونيسيا، وهما من كبار منتجي الكاكاو، ووجدوا نمطاً مشابهاً؛ إذ ارتبطت السنوات التي شهدت أمطاراً أغزر خلال مواسم الأمطار بتراجع الإنتاج. ويرى الباحثون أن فهم توقيت الأمطار الشديدة ربما يساعد المزارعين على تحسين توقيت إجراءات مكافحة الأمراض، خصوصاً مع توفر توقعات جوية مسبقة. وقد تشمل إجراءات الحماية زيادة الغطاء النباتي لحماية الأزهار من قطرات المطر الكبيرة، والإبقاء على مزيد من الأوراق المتساقطة على الأرض للحد من تناثر المياه ونقل مسببات العدوى من التربة إلى الثمار.

وحسب الفريق، ترتبط بعض أنماط الأمطار المؤثرة في المحصول بظواهر مناخية واسعة النطاق، مثل «النينيو» والتغيرات في درجات حرارة سطح المحيط الأطلسي؛ ما قد يتيح التنبؤ ببعض مواسم الخطر قبل أشهر. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الأمطار ليست التحدي الوحيد؛ إذ يؤثر في إنتاج الكاكاو أيضاً تقدم عمر الأشجار، والتنقيب عن الذهب، والتهريب، وارتفاع تكاليف الأسمدة، والآفات والأمراض.


القهوة السعودية... حكاية قديمة في مقاهٍ جديدة

تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
TT

القهوة السعودية... حكاية قديمة في مقاهٍ جديدة

تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)

يصعب أن نتخيل الحياة الاجتماعية في السعودية من دون القهوة. فهي ليست مجرد مشروب يبدأ به الصباح أو يُقدَّم للضيف، وإنما جزء من طقوس اجتماعية متوارثة؛ فنجان صغير يفتح باب الحديث، ويعلن الترحيب، ويمنح الجلسة وقتاً أطول.

المفارقة أن المقاهي التي تنتشر اليوم في المدن السعودية، بتصاميمها العصرية وقوائمها التي تحتفي بأصول البن وطرق تحضيره، ليست فكرة جديدة تماماً. فقبل قرون، كانت مكة المكرمة من الأماكن التي شهدت ظهور أحد أقدم أشكال المقاهي العامة.

ووفقاً لموقع «إي دي ميدل إيست»، بدأت القهوة رحلتها في القرن الـ15 من اليمن، حيث ارتبطت في بداياتها بالأوساط الصوفية، قبل أن تنتقل إلى مكة، وتظهر فيها أماكن عُرفت باسم «القهوة خانة». وبحلول أوائل القرن الـ16، أصبحت هذه الأماكن جزءاً من الحياة اليومية في المدينة.

يصعب أن نتخيل الحياة الاجتماعية في السعودية من دون القهوة (فيسبوك ميراكي)

لم تكن تشبه المقاهي التي نعرفها اليوم، لكنها أدت وظيفة قريبة منها؛ إذ كانت أماكن بسيطة ومفتوحة في محيط الأسواق والطرق التجارية، يقصدها الناس للراحة من الحر، والاستماع إلى الأخبار، ومناقشة الأعمال وشؤون المجتمع.

وبذلك، ارتبطت القهوة منذ وقت مبكر بفكرة المكان الذي يجتمع فيه الناس، وليس فقط بالمشروب نفسه. ومن مكة، انتشرت المقاهي إلى مدن عربية وإسلامية أخرى، مثل القاهرة ودمشق وإسطنبول، لتصبح لاحقاً جزءاً من المشهد الحضري في المنطقة.

من المقهى إلى المجلس

في السعودية، أخذت القهوة لاحقاً طريقاً مختلفاً، وانتقلت بدرجة أكبر من الأماكن العامة إلى البيوت والمجالس.

وهناك اكتسبت معنى أكثر خصوصية؛ فأصبحت جزءاً من استقبال الضيف، وعلامةً على الكرم، وطقساً اجتماعياً له تفاصيله المعروفة. ولم يعد الفنجان مجرد مشروب، بل أصبح وسيلةً للتقارب وبدء الأحاديث.

وبعد قرون، بدأت القهوة تستعيد حضورها في الفضاء العام، مع انتشار المقاهي الجديدة خلال العقد الثاني من القرن الـ21.

جاءت هذه العودة في وقت كانت فيه السعودية تشهد تحولات اجتماعية واقتصادية واسعة، وظهر معها اهتمام متزايد بما يُعرف عالمياً بـ«الموجة الثالثة للقهوة»، وهي ثقافة تتعامل مع القهوة بوصفها حرفةً وفناً، بدءاً من مصدر حبوب البن، مروراً بالتحميص وطريقة الاستخلاص، ووصولاً إلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع التجربة.

لكن السعودية لم تكتفِ باستيراد هذا الاتجاه، بل مزجته بثقافتها الخاصة.

مقاهٍ تحمل ذاكرة المكان

«ميراكي» محاولة للجمع بين القديم والجديد (إنستغرام قهوة ميراكي)

في جدة، المدينة التي ارتبط تاريخها بالتجارة والحجاج وحركة القهوة في المنطقة، ظهرت مقاهٍ حاولت منح التجربة الجديدة هويةً محلية.

ومن بينها «ميراكي» (Meraki)، الذي كان من المقاهي اللافتة في تلك المرحلة. ويقول أحد مؤسسيه، محمد شطا، إن التصميم بالنسبة إليه كان محاولةً للجمع بين القديم والجديد، بحيث يمنح التراث المكان عمقه، بينما تمنحه الحياة المعاصرة روحاً جديدةً.

وفي الرياض، يقدم «شملات» مثالاً آخر على هذه الفكرة؛ فقد رُمِّم بيت طيني تاريخي وحُوِّل إلى مساحة تجمع بين المقهى والنشاط الثقافي، مع الحفاظ على ملامح المبنى ومواده الأصلية.

أما «كمل ستيب» (Camel Step)، فقد جعل من التصميم جزءاً من تجربة القهوة نفسها. ويقول المصمم فارس العاصمي إن قراءة تاريخ المكان ومواده وعادات الناس فيه تمثل نقطة البداية في تصميم فروع العلامة.

وفي حائل، استُلهم تصميم أحد الفروع من إرث العمارة البروتالية السعودية، مستخدماً الخرسانة المكشوفة والخشب وضوء النهار بطريقة هادئة، لتقديم مساحة حديثة تستلهم الماضي من دون أن تعيش فيه.

فنجان يجمع الماضي بالحاضر

تصميم مقهى «كمل ستيب» يستلهم تاريخ المكان ومواده وعادات أهله (موقع المقهى)

لهذا تبدو قصة القهوة السعودية اليوم أكبر من مجرد انتشار المقاهي المختصة؛ فما يحدث هو إعادة اكتشاف لعلاقة قديمة بين القهوة والمكان والناس.

فمن «القهوة خانة» في مكة، حيث كان الناس يجتمعون لتبادل الأخبار والأحاديث، إلى المقاهي الحديثة التي أصبحت أماكن للعمل واللقاء والثقافة والتصميم، تغيرت القهوة وطريقة تقديمها والأماكن التي نلتقي فيها حولها، لكن الفكرة الأساسية بقيت كما هي: فنجان قهوة كان دائماً أكثر من مجرد فنجان.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended