في تحول تاريخي... سياسات واشنطن المتخبطة تُباعد بين الدولار وعوائد السندات

مخاوف المستثمرين بشأن خطط ترمب واستقلالية «الفيدرالي» تسببت بفك العلاقة الأزلية

شاشة تظهر الرئيس الأميركي والرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إيلون ماسك بينما يعمل متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تظهر الرئيس الأميركي والرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إيلون ماسك بينما يعمل متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

في تحول تاريخي... سياسات واشنطن المتخبطة تُباعد بين الدولار وعوائد السندات

شاشة تظهر الرئيس الأميركي والرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إيلون ماسك بينما يعمل متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تظهر الرئيس الأميركي والرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إيلون ماسك بينما يعمل متداول في بورصة نيويورك (رويترز)

على مدى عقود، كانت سندات الخزانة الأميركية بمثابة حجر الزاوية للتمويل العالمي، ومقياساً رئيسياً لمشاعر المستثمرين. فلطالما ارتبط ارتفاع عوائد هذه السندات بوجود اقتصاد أميركي قوي يجذب رؤوس الأموال الأجنبية ويعزز قيمة الدولار. إلا أن هذه العلاقة التقليدية قد انهارت مؤخراً، مع تراجع اهتمام المستثمرين بالأصول الأميركية وسط مخاوف مزدادة بشأن مصداقية الاقتصاد الأميركي واستقلالية مؤسساته المالية، مدفوعين بسياسات الرئيس دونالد ترمب المتقلبة.

أوراق نقدية من الدولار (رويترز)

علامة «توتر» بدلاً من «قوة»

اعتادت عوائد الاقتراض الحكومي وقيمة العملة الأميركية على التحرك بتناغم تام. لكن منذ إعلان ترمب عن تعريفات «يوم التحرير» في أوائل أبريل (نيسان)، ارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات؛ من 4.16 في المائة إلى 4.42 في المائة، بينما انخفض الدولار بنسبة 4.7 في المائة مقابل سلة من العملات. هذا التراجع في الارتباط وصل إلى أدنى مستوى له في نحو 3 سنوات، مما يشير إلى أن ارتفاع العوائد هذه المرة لا يعكس قوة اقتصادية، بل هو «أحد أعراض التوتر»، ويعكس عدم ارتياح المستثمرين بشأن الولايات المتحدة.

ويعلق شهاب جالينوس، رئيس استراتيجية صرف العملات الأجنبية لمجموعة العشر في «يو بي إس»، قائلاً لصحيفة «فاينانشيال تايمز»: «في الظروف العادية، تعدّ العوائد المرتفعة علامة على أداء الاقتصاد الأميركي القوي. وهذا جذاب لتدفقات رأس المال إلى الولايات المتحدة. لكن إذا كانت العوائد ترتفع لأن الديون الأميركية أكثر خطورة، بسبب المخاوف المالية وعدم اليقين في السياسة، ففي الوقت نفسه يمكن أن يضعف الدولار»، مشبهاً هذا النمط بما «يُرى بشكل متكرر في الأسواق الناشئة».

الأسباب الرئيسية لفك الارتباط

وفقاً لـ«ذي إيكونوميك تايمز» و«فاينانشيال تايمز»، يمكن تلخيص الأسباب الرئيسية وراء هذا التباعد في الآتي:

1- ديناميكيات العرض والطلب: نفقات حكومية جامحة ترفع العوائد.

من المتوقع أن تؤدي النفقات الحكومية غير المنضبطة إلى اتساع كبير في العجز المالي الأميركي. وبالنظر إلى الميل التاريخي للتدخل النقدي القوي خلال فترات التباطؤ الاقتصادي، فإن نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي ونسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في طريقهما نحو الارتفاع. ومع تدهور هذه المؤشرات المالية، تتفاقم مخاوف المستثمرين بشأن الجدارة الائتمانية للولايات المتحدة، مما يدفعهم إلى طلب عوائد أعلى على أوراق الخزانة.

وبدوره، يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة تكاليف الاقتراض عبر الاقتصاد الأوسع، مما يؤثر على كل شيء بدءاً من الرهون العقارية وقروض السيارات، وصولاً إلى ديون الشركات. ولاحتواء هذه الدوامة التصاعدية في العوائد، قد يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» إلى تطبيق «التحكم في منحنى العائد» (YCC)، وهي استراتيجية تتضمن عمليات شراء واسعة النطاق للسندات طويلة الأجل لتحديد سقف لأسعار الفائدة.

متداولان في بورصة نيويورك (رويترز)

2- خفض التصنيف من قبل «موديز»: ضربة هيكلية للمصداقية الأميركية.

في 16 مايو (أيار) 2025، خفضت وكالة «موديز» تصنيف الولايات المتحدة السيادي من «إيه إيه إيه» إلى «إيه إيه 1»، لتلحق بذلك خطى وكالتي «ستاندرد آند بورز» (2011) و«فيتش» (2023). لم يكن هذا التخفيض رمزياً فحسب، بل سلّط الضوء على التالي:

  • عجز فيدرالي متوقع أن يتسع إلى 9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
  • نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي يتوقع أن تتجاوز 134 في المائة.
  • مدفوعات الفائدة قد تستهلك 30 في المائة من الإيرادات الفيدرالية بحلول عام 2035 (مقابل 18 في المائة اليوم).

وقد أثار هذا التخفيض عمليات بيع حادة في سندات الخزانة، مما دفع العوائد إلى الارتفاع وقوض الثقة في الدولار.

3- إعادة التموضع العالمي: اليابان والصين تتراجعان.

أدى التحول «المتشدد» لليابان - مدفوعاً بالتضخم المستمر - إلى توقعات بزيادات إضافية في أسعار الفائدة وعكس «مراجحة الين». ومع قيام اليابان والصين بخفض حيازاتهما من سندات الخزانة الأميركية، يتراجع الطلب الأجنبي على الديون الأميركية، مما يضيف مزيداً من الضغط التصاعدي على العوائد والضغط الهبوطي على الدولار.

التأثير الأوسع

هذا التباعد له تداعيات خطيرة تتجاوز أسواق السندات:

1- ارتفاع تكاليف إعادة التمويل: مع حلول أجل استحقاق أكثر من 55 في المائة من الدين الأميركي - ما يقرب من 5.1 تريليون دولار - قبل يوليو (تموز) 2025، فإن إعادة تمويل هذا الدين بعوائد مرتفعة ستزيد بشكل كبير من تكاليف الفائدة. ويتفاقم هذا العبء المالي بسبب تخفيضات ضريبية تجاوزت 4.5 تريليون دولار وتباطؤ نمو الإيرادات.

2- ضعف النمو الاقتصادي: أدت أسعار الاقتراض المرتفعة إلى تراجع كبير في إصدارات الديون من قبل الشركات، خصوصاً ذات التصنيفات الائتمانية المنخفضة. وفي أبريل 2025، أصدرت الشركات الأميركية ذات التصنيف المنخفض أقل من مليار دولار من السندات، وهو الأدنى في 4 سنوات. هذا التراجع الحاد في الاقتراض يؤشر إلى انخفاض الاستثمار، وضعف توقعات الإيرادات، مما قد يؤدي إلى خفض التكاليف، وتقليص الوظائف، وتباطؤ نمو الأجور، ويهدد بتراجع الإنفاق الاستهلاكي، وبالتالي زيادة مخاطر الركود أو الانكماش الاقتصادي.

الرئيس دونالد ترمب على خشبة المسرح في قاعدة العديد الجوية بالدوحة (أ.ب)

سياسات ترمب وهجماته على الفيدرالي

لقد أسهم مشروع قانون الضرائب «الكبير والجميل» الذي طرحه ترمب، بالإضافة إلى تخفيض تصنيف «موديز»، في تسليط الضوء على استدامة العجز، مما أثر سلباً على أسعار السندات. ويشير تحليل أجرته تورستن سلوك، كبيرة الاقتصاديين في «أبولو»، إلى أن فروق مقايضات التخلف عن سداد الائتمان الحكومي الأميركي تتداول عند مستويات مماثلة لليونان وإيطاليا.

كما أثارت هجمات ترمب على رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول قلق السوق، حيث استدعى الرئيس باول إلى البيت الأبيض مؤخراً. ويرى مايكل دي باس، الرئيس العالمي لتداول أسعار الفائدة في «سيتاديل سيكيوريتيز»، أن «قوة الدولار الأميركي تأتي جزئياً من نزاهته المؤسسية: سيادة القانون، واستقلالية البنك المركزي، والسياسة التي يمكن التنبؤ بها». ويضيف أن «الأشهر الثلاثة الماضية شككت في ذلك»، وأن «الشاغل الرئيسي للأسواق الآن هو ما إذا كنا ننتقص من المصداقية المؤسسية للدولار، أم لا».

الرئيس الأميركي يسير مع جيروم باول مرشحه لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» عام 2017 (أرشيفية -أ.ف.ب)

تحول في استراتيجيات الاستثمار

يمثل التباعد بين عوائد الخزانة والدولار تحولاً ملحوظاً عن نمط السنوات الأخيرة، حيث كانت التوقعات بشأن السياسة النقدية والنمو الاقتصادي هي المحركات الحاسمة لتكاليف الاقتراض الحكومي. يقول أندرياس كونيغ، رئيس قسم العملات الأجنبية العالمية في «أموندي»، إن هذا النمط الجديد يمكن أن يزيد المخاطر للمستثمرين الباحثين عن أصول الملاذ الآمن. «هذا يغير كل شيء. في السنوات القليلة الماضية، كان الاحتفاظ بالدولار في المحفظة... عاملاً جيداً جداً للاستقرار... إذا فجأة أصبح الدولار مرتبطاً (بالخسائر بدلاً من الاستقرار)، فإنه يزيد المخاطر».

ويشير محللو «غولدمان ساكس» إلى أن المخاوف الجديدة المتعلقة باستقلالية «الاحتياطي الفيدرالي»، والاستدامة المالية تجعل نمط الأصول يبدو مختلفاً بوضوح، وقد شكلت «تحدياً لكلتا أدوات التحوط الشائعة للمحافظ».

ويُعزى ضعف العملة الأميركية جزئياً إلى لجوء حاملي الأصول المقومة بالدولار بشكل مزداد إلى تحوط استثماراتهم باتخاذ مراكز بيع في الدولار. ووفقاً لجالينوس من «يو بي إس»، «كلما زاد عدم اليقين في السياسة، زادت احتمالية أن يرفع المستثمرون نسب التحوط الخاصة بهم»، وهو ما قد يعني «بيع مليارات كثيرة من الدولارات» إذا زادت نسب التحوط على المخزون الحالي من الأصول الدولارية.


مقالات ذات صلة

ارتفاع اليورو والفرنك مع تصاعد المخاوف على استقلالية «الفيدرالي» والدولار

الاقتصاد صورة توضيحية لأوراق نقدية من الفرنك السويسري واليورو في وسط مدينة زينيتسا البوسنية (رويترز)

ارتفاع اليورو والفرنك مع تصاعد المخاوف على استقلالية «الفيدرالي» والدولار

ارتفع الفرنك السويسري واليورو مقابل الدولار، بعد أن هددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول بتوجيه اتهامات جنائية.

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد مستثمر في السوق المالية السعودية (أ.ف.ب)

تباين أداء الأسواق الخليجية في التعاملات المبكرة بعد استدعاء باول للتحقيق

تباين أداء أسواق الأسهم الخليجية في التعاملات المبكرة، الاثنين، بعد تهديد رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، بتوجيه اتهام جنائي ضده.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة المائة دولار مع انخفاض قيمة الريال الإيراني في طهران (رويترز)

الدولار يترنح تحت وطأة التحقيقات مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»

شهدت الأسواق المالية العالمية في أولى جلسات الأسبوع هزة عنيفة، حيث تراجع الدولار الأميركي بأكبر وتيرة له منذ ثلاثة أسابيع.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

ارتفاع الدولار بانتظار «تقرير الوظائف» وقرار «المحكمة العليا الأميركية»

واصل الدولار الأميركي ارتفاعه، يوم الجمعة، في تعاملات آسيوية هادئة، مع ترقُّب المستثمرين صدور تقرير الوظائف الأميركية واستعدادهم لقرار مرتقب من المحكمة العليا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد يعرض بائع خاتماً ذهبياً على زبائن داخل صالة عرض للمجوهرات في أحمد آباد بالهند (رويترز)

تراجع أسعار الذهب ترقباً لبيانات الوظائف الأميركية

تراجعت أسعار الذهب يوم الجمعة، متأثرة باستمرار عمليات إعادة توازن مؤشرات السلع الأساسية وارتفاع الدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حرب تجارية تلوح بالأفق... أوروبا تتأهب للرد على رسوم ترمب

نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لترمب وعلمي الاتحاد الأوروبي وغرينلاند وكلمة «الرسوم الجمركية» (رويترز)
نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لترمب وعلمي الاتحاد الأوروبي وغرينلاند وكلمة «الرسوم الجمركية» (رويترز)
TT

حرب تجارية تلوح بالأفق... أوروبا تتأهب للرد على رسوم ترمب

نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لترمب وعلمي الاتحاد الأوروبي وغرينلاند وكلمة «الرسوم الجمركية» (رويترز)
نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لترمب وعلمي الاتحاد الأوروبي وغرينلاند وكلمة «الرسوم الجمركية» (رويترز)

دخلت العلاقات التاريخية عبر الأطلسي في نفق مظلم هو الأخطر منذ عقود، مع تسارع وتيرة المواجهة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والاتحاد الأوروبي. وفيما بدأ سفراء الاتحاد في بروكسل صياغة حزمة عقوبات انتقامية ضخمة تناهز 108 مليارات دولار، أعلنت العواصم الأوروبية رفضها القاطع لما وصفته بـ«سياسة الابتزاز» الأميركية، وسط احتجاجات عارمة في القطب الشمالي وتأهب قلق في الأسواق العالمية.

رسوم مقابل «السيادة»

بدأت فصول هذه الأزمة المتصاعدة يوم السبت الماضي، حين أعلن الرئيس ترمب عبر منصات التواصل الاجتماعي عن خطة لفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10 في المائة اعتباراً من مطلع فبراير (شباط) المقبل، تستهدف ثماني دول أوروبية هي الدنمارك، والنرويج، والسويد، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وهولندا، وفنلندا. وبرر ترمب هذا الإجراء برفض هذه الدول المساعي الأميركية لشراء جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، مهدداً برفع هذه الرسوم إلى 25 في المائة بحلول يونيو (حزيران) المقبل إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يسمح للولايات المتحدة بضم الجزيرة القطبية الشاسعة.

وفي معرض دفاعه عن هذا التوجه، اعتبر ترمب أن الصين وروسيا تطمعان في الجزيرة، زاعماً أن الدنمارك لا تملك القدرة العسكرية الكافية لحمايتها، ومؤكداً أن الولايات المتحدة تحت قيادته هي الوحيدة القادرة على حسم هذا الملف الاستراتيجي. هذا الخطاب أثار موجة من الغضب في القارة العجوز، حيث اعتبر الدبلوماسيون الأوروبيون أن ربط التجارة الدولية بمطامع إقليمية يمثل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية.

جبهة موحدة ضد «الابتزاز»

في المقابل، جاء الرد الأوروبي سريعاً وحازماً؛ حيث أعلنت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميت فريدريكسن، في خطاب حظي بتأييد واسع أن «أوروبا لن تخضع للابتزاز»، وهي التصريحات التي ترددت أصداؤها في برلين وباريس ولندن. وبناءً عليه، عقد سفراء الاتحاد الأوروبي اجتماعاً طارئاً يوم الأحد للاتفاق على إجراءات مضادة، شملت الاستعداد لفرض رسوم انتقامية بقيمة 107.7 مليار دولار على السلع الأميركية، في خطوة تهدف لردع واشنطن عن المضي قدماً في خطتها.

ولم يقتصر التوتر على الجانب الدبلوماسي، بل امتد ليشمل الشارع في القطب الشمالي؛ حيث شهدت «نوك»، عاصمة غرينلاند، مظاهرات حاشدة رفع خلالها المحتجون شعارات تؤكد هويتهم المحلية ورفضهم لأن تصبح جزيرتهم «سلعة» في سوق المقايضات السياسية. ومن جانبه، انتقد الأمين العام السابق لحلف الناتو، أندرس فوغ راسموسن، نهج الإدارة الأميركية، واصفاً تصريحات ترمب بأنها تشبه «أساليب العصابات» وتهدف لتشتيت الانتباه عن قضايا دولية أكثر إلحاحاً.

صراع القضاء الأميركي وتحولات التحالفات

وفي واشنطن، تتجه الأنظار إلى المحكمة العليا الأميركية، حيث يعيش البيت الأبيض حالة من الترقب قبل صدور حكم مرتقب بشأن شرعية فرض الرسوم الجمركية بموجب قوانين الطوارئ الوطنية. وقد عبَّر ترمب عن قلقه البالغ من احتمال تقييد صلاحياته، معتبراً أن خسارة هذه «المعركة القانونية» ستمثل ضربة قاصمة للأمن القومي الأميركي وقدرته على التفاوض مع الشركاء التجاريين.

وفي خضم هذا الانقسام الغربي، بدأت ملامح تحالفات جديدة تلوح في الأفق؛ حيث فاجأت كندا الأسواق بإبرام اتفاق مع الصين لخفض الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية مقابل تسهيلات للمنتجات الزراعية الكندية. هذه الخطوة، التي قادها رئيس الوزراء مارك كارني، تُفسر على أنها محاولة من أوتاوا للنأي بنفسها عن التوترات المتصاعدة بين واشنطن وحلفائها التقليديين، مما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل شاملة لخريطة التجارة العالمية والتحالفات السياسية في عام 2026.


الاقتصاد الصيني يحقق هدف الـ«5 %» في 2025 رغم ضغوط الرسوم

شخص يمر بجوار لافتة في الحي التجاري المركزي ببكين (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار لافتة في الحي التجاري المركزي ببكين (إ.ب.أ)
TT

الاقتصاد الصيني يحقق هدف الـ«5 %» في 2025 رغم ضغوط الرسوم

شخص يمر بجوار لافتة في الحي التجاري المركزي ببكين (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار لافتة في الحي التجاري المركزي ببكين (إ.ب.أ)

في ظل مشهد اقتصادي عالمي تتقاذفه أمواج الرسوم الجمركية والتوترات التجارية، كشفت البيانات الرسمية الصادرة من بكين عن صمود الاقتصاد الصيني خلال عام 2025، محققاً نمواً سنوياً بنسبة 5 في المائة، وهو ما يتماشى مع المستهدفات الحكومية. ورغم هذا الإنجاز الرقمي، فإن الربع الأخير من العام حمل معه مؤشرات تباطؤ واضحة بوصوله إلى 4.5 في المائة، وهو المعدل الأدنى منذ انتهاء قيود الجائحة.

وبينما لعبت الصادرات القوية دور «طوق النجاة» في مواجهة سياسات الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة دونالد ترمب، لا تزال التحديات الداخلية المتمثلة في ركود سوق العقارات وضعف الإنفاق الاستهلاكي تثير تساؤلات ملحة حول قدرة بكين على الاستمرار في هذا الزخم، خاصة مع اتساع الفجوة بين التقارير الرسمية وتقديرات مراكز الأبحاث الدولية حول حقيقة الأرقام المحققة

ويعد النمو المسجل في الربع الأخير من العام، وفقاً لما أعلنته الحكومة يوم الاثنين، أبطأ معدل نمو ربع سنوي منذ أواخر عام 2022، عندما بدأت الصين بتخفيف القيود الصارمة المفروضة لمكافحة جائحة «كوفيد-19». وكان الاقتصاد الصيني، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، قد نما بمعدل سنوي قدره 4.8 في المائة في الربع السابق.

ويسعى قادة الصين إلى تحفيز نمو أسرع بعد تراجع سوق العقارات وتداعيات الجائحة التي امتدت لتشمل الاقتصاد بأكمله.

وكما كان متوقعاً، جاء النمو السنوي في العام الماضي متوافقاً مع الهدف الرسمي للحكومة المتمثل في نمو «نحو 5 في المائة».

ونما الاقتصاد بنسبة 1.2 في المائة خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول)، على أساس ربع سنوي.

امرأة ترتدي كمامة تقود دراجة هوائية بالقرب من مبانٍ سكنية في بكين (إ.ب.أ)

وساهمت الصادرات القوية في تعويض ضعف الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار التجاري، مما أدى إلى تحقيق فائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار.

وتأثرت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة سلباً بعد عودة الرئيس دونالد ترمب إلى منصبه مطلع العام الماضي وبدئه برفع الرسوم الجمركية. غير أن هذا التراجع قابله ارتفاع في الشحنات إلى بقية دول العالم. وتدفع الواردات المتزايدة من البضائع الصينية بعض الحكومات الأخرى إلى اتخاذ إجراءات لحماية الصناعات المحلية، بما في ذلك رفع الرسوم الجمركية في بعض الحالات.

واتفق ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ على تمديد الهدنة في حرب الرسوم الجمركية الشرسة بينهما، مما ساهم أيضاً في تخفيف الضغط على الصادرات الصينية. ومع ذلك، انخفضت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنسبة 20 في المائة العام الماضي.

وكتبت لين سونغ، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة الصين الكبرى في بنك «آي إن جي» الهولندي، في مذكرة حديثة: «السؤال الأهم هو إلى متى سيظل هذا المحرك للنمو هو المحرك الرئيسي؟». إذا بدأت اقتصادات أخرى برفع الرسوم الجمركية على الصين، كما فعلت المكسيك وهدد الاتحاد الأوروبي بفعل ذلك، فسيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى تشديد القيود.

وقد أكد القادة الصينيون مراراً وتكراراً على تعزيز الطلب المحلي كأحد محاور السياسة، غير أن تأثير ذلك كان محدوداً حتى الآن. فعلى سبيل المثال، فقد برنامج استبدال السيارات القديمة والاعتماد على أخرى أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة زخمه في الأشهر الأخيرة.

وقال تشي لو، كبير استراتيجيي السوق لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة «بي إن بي باريبا» لإدارة الأصول: «إن استقرار سوق العقارات المحلية، وليس بالضرورة انتعاشه، هو المفتاح لاستعادة ثقة الجمهور، وبالتالي نمو الاستهلاك الأسري والاستثمار الخاص».

كما قدمت الصين إعانات استبدال للأجهزة المنزلية مثل الثلاجات والغسالات وأجهزة التلفاز. وفي حين أن سياسات التحفيز الاستهلاكي الرئيسية لعام 2025 - بما في ذلك هذه الإعانات - من المقرر أن تستمر في عام 2026، غير أنه من المحتمل تقليصها، وفقاً لما ذكره ويهينغ تشين، استراتيجي الاستثمار العالمي في بنك جيه بي مورغان الخاص، في مذكرة حديثة.

لا تزال الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة الأخرى أولوية رئيسية للحزب الشيوعي الصيني الحاكم، في إطار سعيه لتعزيز الاكتفاء الذاتي ومنافسة الولايات المتحدة. في الوقت نفسه، يعاني العديد من المواطنين الصينيين العاديين وأصحاب المشروعات الصغيرة من ظروف صعبة وحالة من عدم اليقين المقلقة بشأن الوظائف والدخل.

وقالت ليو فينغيون، صاحبة مطعم نودلز تبلغ من العمر 53 عاماً في مقاطعة صغيرة بمقاطعة قويتشو جنوب غرب الصين، إن العمل أصبح صعباً للغاية هذه الأيام. وأخبرها بعض زبائنها أن «كسب المال بات صعباً» وأن «إعداد وجبة الإفطار في المنزل أرخص».

وأضافت ليو: «يقول الناس جميعاً: (الوضع العام ليس جيداً الآن، فماذا تتوقعين أكثر من ذلك؟ لم يعد لدى الناس مال. لا شيء سهل الآن)».

وصرح كانغ يي، رئيس المكتب الوطني للإحصاء في الصين، للصحافيين يوم الاثنين بأن الاقتصاد الصيني حافظ على «تقدم مطرد في عام 2025 رغم الضغوط المتعددة» وأن لديه «أسساً متينة» لمواجهة المخاطر.

يعتقد بعض الاقتصاديين والمحللين أن النمو الاقتصادي الفعلي للصين في عام 2025 كان أبطأ مما تشير إليه البيانات الرسمية. فقد ذكرت مجموعة «روديوم»، وهي مركز أبحاث، الشهر الماضي أنها تتوقع أن ينمو الاقتصاد الصيني بنسبة تتراوح بين 2.5 في المائة و3 في المائة فقط خلال العام الماضي.

ووفقاً لبيانات حكومية، نما الاقتصاد الصيني بمعدل سنوي قدره 5 في المائة في عام 2024، و5.2 في المائة في عام 2023. كما شهدت أهداف النمو الرسمية الطموحة انخفاضاً تدريجياً خلال السنوات القليلة الماضية، من 6 في المائة إلى 6.5 في المائة في عام 2019 إلى «نحو 5 في المائة» في عام 2025.

ومن المتوقع تباطؤ النمو السنوي في عام 2026. ويتوقع بنك دويتشه أن ينمو الاقتصاد الصيني بنحو 4.5 في المائة في عام 2026. ويُعتبر الاقتصاد القوي والمستقر أمراً بالغ الأهمية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، وهو أولوية قصوى لقادة الصين. بينما يُمكن للصين على الأرجح الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي حتى مع انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، فإن بكين «ترغب في استمرار نمو الاقتصاد»، كما صرّح نيل توماس، الباحث في مركز تحليل الصين التابع لمعهد سياسات جمعية آسيا. وأضاف أن الصين على الأرجح بحاجة إلى الحفاظ على نمو سنوي يتراوح بين 4 في المائة و5 في المائة تقريباً لتحقيق هدفها الطموح بحلول عام 2035، والمتمثل في بلوغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 20 ألف دولار.


تراجع الدولار مع تصعيد ترمب لتهديدات الرسوم

أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
TT

تراجع الدولار مع تصعيد ترمب لتهديدات الرسوم

أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

تراجع الدولار الأميركي يوم الاثنين، حيث انتاب القلق المستثمرين جرَّاء أحدث تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية على أوروبا بسبب قضية غرينلاند، مما دفعهم للجوء إلى الين الياباني والفرنك السويسري كملاذات آمنة، في حركة واسعة النطاق لتجنب المخاطر في الأسواق.

وكان ترمب قد صرح خلال عطلة نهاية الأسبوع بأنه سيفرض رسوم استيراد إضافية بنسبة 10 في المائة اعتباراً من الأول من فبراير (شباط) على السلع القادمة من الدنمارك، والنرويج، والسويد، وفرنسا، وألمانيا، وهولندا، وفنلندا، وبريطانيا، حتى يُسمح للولايات المتحدة بشراء جزيرة غرينلاند.

اضطراب في العملات

أدانت دول كبرى في الاتحاد الأوروبي هذه التهديدات يوم الأحد وصفتها بأنها «ابتزاز»، واقترحت فرنسا الرد عبر مجموعة من الإجراءات الاقتصادية المضادة غير المسبوقة.

وفي سوق الصرف الأجنبي، كانت ردة الفعل الأولية في بداية التعاملات الآسيوية هي بيع اليورو والجنيه الإسترليني، مما دفعهما إلى أدنى مستوياتهما في عدة أسابيع. ومع ذلك، ارتدت العملتان من مستوياتهما المتدنية، ووقع الضرر الأكبر على الدولار مع بدء يوم التداول، حيث قيم المستثمرون التداعيات طويلة المدى لسياسات ترمب على مكانة العملة الأميركية.

وقال خون غوه، رئيس أبحاث آسيا في بنك «إيه إن زد»: «عادةً ما يُعتقد أن التهديد بالرسوم الجمركية سيضعف اليورو، ولكن كما رأينا العام الماضي، فإن تأثير أسواق الصرف يميل نحو ضعف الدولار في كل مرة يزداد فيها عدم اليقين السياسي النابع من الولايات المتحدة».

شلل في العملات الرقمية

وانخفض مؤشر الدولار قليلاً ليصل إلى 99.18، بينما تراجع بنسبة 0.36 في المائة مقابل الفرنك السويسري و0.24 في المائة مقابل الين الياباني. كما طالت موجة البيع العملات الرقمية، التي تُستخدم غالباً كمقياس لشهية المخاطر؛ حيث هبطت عملة «البتكوين» بأكثر من 3 في المائة لتصل إلى 92477 دولاراً، وتراجع الإيثيريوم بنحو 4 في المائة.

الاقتصاد الصيني واليوان

آسيوياً، أظهرت البيانات الصادرة يوم الاثنين نمو الاقتصاد الصيني بنسبة 4.5 في المائة في الربع الأخير من عام 2025، وهو ما جاء متوافقاً تماماً مع الهدف السنوي للحكومة. ولم يشهد اليوان الصيني (سواء الداخلي أو الخارجي) تغييراً يذكر بعد صدور هذه البيانات، حيث ظل المستثمرون يركزون بشكل أكبر على حالة الحذر العام التي تسيطر على الأسواق العالمية.