«الغرب» يبحث عن صيغة جديدة تجنّبه التحوّل إلى مجرّد مفهوم جغرافي

العلم الأميركي وشعار «الناتو» في مقر الحلف ببروكسل (رويترز)
العلم الأميركي وشعار «الناتو» في مقر الحلف ببروكسل (رويترز)
TT

«الغرب» يبحث عن صيغة جديدة تجنّبه التحوّل إلى مجرّد مفهوم جغرافي

العلم الأميركي وشعار «الناتو» في مقر الحلف ببروكسل (رويترز)
العلم الأميركي وشعار «الناتو» في مقر الحلف ببروكسل (رويترز)

ينطبع في أذهان غالبية البشر أن الحرية والرفاهية والتقدّم (إلخ...) «كنوز» موجودة بشكل أساسي في «العالم الغربي»، المعروف بأنه يشمل دول أوروبا الغربية وأميركا الشمالية وأستراليا، وثمة من يرى أن هذا المفهوم الجيوسياسي - اقتصادي - اجتماعي صار يشمل دول أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية.

ما هو منطبع في الأذهان أيضاً أن الغرب تغلّب سياسياً وثقافياً واقتصادياً على المعسكر الشرقي الذي سقط بسقوط الاتحاد السوفياتي في بداية العقد الأخير من القرن الماضي، الأمر الذي بشّر بفتح صفحة جديدة في التاريخ العالمي مكتوبة بحروف السلام والوئام والازدهار.

وتفاءل كُثر بانتشار القيم الغربية البرّاقة وغلبة منظومة الأسواق الحرة وتضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء ومحو الأمية والقضاء على الأمراض... وسوى ذلك من أحلام وردية.

كانت فرحة يستحيل أن تدوم، فالعالم يسلك منذ فجر التاريخ مساراً دائرياً يتضمن محطات منيرة، وكذلك أزمات وحروباً وخيبات. بدأ الجو السلبي يتمظهر مع علامات على اهتزاز الأحادية القطبية (التي لم تحسن التعامل مع موقعها المتسيّد) في ظل صعود الصين وروسيا والخشية من حرب باردة جديدة. وهذا كان أمراً متوقعاً في عالم معقّد تفوق فترات اضطرابه فترات الهدوء بشوط كبير. لكن ما لم يكن متوقعاً هو ما يحصل الآن بوتيرة سريعة...

دونالد ترمب وفولوديمير زيلينسكي يوم المشادة الشهيرة في البيت الأبيض... 28 فبراير 2025 (أرشيفية)

انقسام عميق

عرفت ولاية دونالد ترمب الأولى توترات بين العمودين الأساسيين للغرب، الولايات المتحدة وأوروبا. ومع خسارة ترمب ودخول جو بايدن إلى البيت الأبيض، تنفس الأوروبيون الصعداء، خصوصاً أن الرئيس الديمقراطي أعلن بالفم الملآن أن «أميركا عادت». لكنْ بعد أربع سنوات من هذا الإعلان ها هم الأوروبيون يشاهدون الآن مذهولين تخلّي أميركا عن التعاون المعهود عبر ضفّتي الأطلسي، إلى درجة أن الزعماء الأوروبيين بدأوا يبحثون عن موقف وهوية بما يعكس اقتناعاً بأن الغرب الذي عرفه العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 في طريقه إلى الزوال، وبأن ثمة نظاماً جديداً يرتسم في الأفق ولا بد لهم من إيجاد مكان فيه.

استطراداً، لا شك في أن الغرب صار منقسماً على أسس آيديولوجية بعد تراجع أهمية القيَم المشتركة والمصالح الاستراتيجية الواحدة.

ويمكن تلخيص أسباب التباين الذي يتحول بسرعة إلى انقسام حادّ على النحو الآتي:

* خسر دونالد ترمب أمام جو بايدن في انتخابات 2020 وما لبث أن ثأر من خصمه وفاز عليه بعد أربع سنوات ليعود إلى الواجهة شعار «أميركا أولاً» الذي يعني التركيز على الشأن الداخلي والمحيط المباشر (كندا والمكسيك، ولا ننسى قناة بنما...). وهذا يعني حكماً خفض الاهتمام بأوروبا «القارة العجوز» واستتباعاً بحلف شمال الأطلسي (ناتو) حامي القارة بدرع عسكرية معظم مكوّناتها أميركية.

من هنا نفهم حماسة ترمب لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية وإصراره على الظفر بتعويض مادي (عبر اتفاق المعادن) عمّا قدمته بلاده لأوكرانيا طوال أكثر من ثلاث سنوات. ولعل العودة إلى كلام نائب الرئيس جي دي فانس في مؤتمر ميونيخ للأمن وما تعرض له الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض تكفي لفهم مقاربة الإدارة الأميركية لـ«مشكلات الآخرين».

* شعار «أميركا أولاً» تحوّل إلى آلية عمل اعتمدت مواقف حمائية وفرضت رسوماً جمركية على عدة دول وبالتالي على عدة منتجات أوروبية بهدف حماية الصناعات الأميركية، ولمّا ردّ الأوروبيون بالمثل تولّد توتر في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، يضاف إلى التوتّر الناجم عن المقاربتين المتناقضتين لمسألة المناخ بين أوروبا التي كانت سبّاقة في اعتماد سياسات بيئية طموحة والولايات المتحدة التي لا يعترف رئيسها بالتغيّر المناخي.

* القومية والشعبوية ظاهرة تتصاعد في كل من الولايات المتحدة وأوروبا. لكن الفرق أنها في صلب فلسفة إدارة ترمب، بينما لم تنجح في الوصول إلى السلطة في غالبية الدول الأوروبية وبقيت في المعارضة. لذا تشعر القوى السياسية التقليدية في أوروبا، سواء كانت يمينية محافظة أو يسارية معتدلة، بالريبة من السياسة الأميركية وأي صعود محتمل لليمين المتطرف في هذه الدولة أو تلك.

هذه العوامل مجتمعة أقامت جداراً من عدم التوافق يصعب تجاوزه، وهو ما يدفع القادة الأوروبيين إلى البحث عن استقلال استراتيجي وسبل لتعزيز مكانة أوروبا في النظام العالمي الجديد.

والمؤكد أن التحالف عبر الأطلسي دخل مرحلة عصيبة للغاية، أسوأ مما كانت عليه خلال ولاية ترمب الأولى، خصوصاً أن الرئيس الأميركي لا يخفي شعوره السلبي تجاه الاتحاد الأوروبي، ويقول إن الاتحاد و«الناتو» مكّنا الدول الأوروبية من استغلال الولايات المتحدة طويلاً. وهو بذلك ينسجم مع القوى السياسية المتطرفة في أوروبا التي تطمح بشكل أو بآخر إلى التخلص من الاتحاد الأوروبي و«حكم بروكسل»، ومن هؤلاء رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، ونظيراه السلوفاكي روبرت فيكو والإيطالية جورجيا ميلوني، علماً أن الأخيرة ليّنت موقفها منذ توليها منصبها عام 2022.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ف.ب)

أوروبا تتحرك

عموماً، لا يزال اليمين المتطرف يتقدّم في أوروبا، وإن بوَتائر مختلفة وبوجود عقبات بعضها سياسي، وبعضها الآخر قانوني (تكبيل القضاء الفرنسي ليدَي مارين لوبن مثلاً). ولم يتردد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الكلام عن بروز «رجعية عالمية»، يحاول التصدي لها هو والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وحليف من خارج الاتحاد الأوروبي هو رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.

ميرتس قدّم من جهته نموذجاً للتحرك العملي في اتجاه إعادة بلورة، بل ابتكار، الشخصية الأوروبية المستقلة، فقد قرر نشر قوة دائمة قوامها 5 آلاف جندي في ليتوانيا، في مؤشر يدلّ على حقبة جيوسياسية جديدة. وهو بذلك، ردّ على مطالبة واشنطن لأوروبا بتولي المسؤولية الرئيسية عن أمنها. ولئن كان عديد هذه القوة غير كافٍ لصد هجوم روسي شامل، فإنه حتماً كافٍ لإثارة رد فعل واسع النطاق في أوروبا وغرس شعور بالحذر في روسيا، مع أن ليتوانيا لا تتشارك حدوداً معها بل مع لاتفيا وبولندا وبيلاروسيا، الحليف الأقرب لموسكو. والأهم أن القرار الألماني قد يكون الخطوة الأولى في سلسلة خطوات أوروبية تريح ترمب وتطمئنه إلى أن الولايات المتحدة ستتخلص من بعض «العبء الأطلسي» الذي تحمله منذ ثمانية عقود.

منطقياً، لا بد لفرنسا أن تضطلع بدور ريادي في تحقيق النقلة الاستراتيجية، فهي الأقدر عسكرياً في أوروبا الغربية. وقد أبدى ماكرون أخيراً افتخاره بتذكير الفرنسيين بأن الجيش الفرنسي هو الوحيد بين الجيوش الأوروبية الغربية المكتفي ذاتياً، أي إنه لا يحتاج إلى معدّات وقطع غيار وذخائر تأتي من الضفة الأخرى للمحيط الأطلسي.

لطريقة إنهاء الحرب في أوكرانيا دور كبير في رسم ملامح الوجه الجديد لـ«الغرب» (أ.ف.ب)

نحو نظام عالمي جديد؟

في خضمّ كل ما يجري في المسرح الجيوسياسي والجيواقتصادي، يمكن أن ينبثق نظام عالمي جديد بتعاون أوثق بين ضفتي الأطلسي، اللتين تتمتعان بسجل حافل من العمل معاً وتستطيعان القيام بدور قيادي في كل المجالات.

ومن المرجح أن يتشكل مستقبل الغرب من خلال مزيج من التحديات والفرص التي يفرضها عالم متعدد الأقطاب يشهد صعود قوى غير غربية (تكتل «بريكس»، منظمة شنغهاي للتعاون...)، مما قد يؤدي إلى تزايد التنافس والحاجة إلى تعاون فعّال في مواجهة قضايا عالمية مثل تغير المناخ. وفي الوقت نفسه، على الغرب مواجهة تحديات داخلية مثل تراجع الديمقراطية وصعود الشعبوية والقومية.

سوف يحدد الغرب مستقبله من خلال قدرته على التكيف مع المشهد العالمي الذي يشهد تحوّلات جذرية تبتعد به عن «الخريطة» التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية ثم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. ومن الحيوي في هذا السياق البدء بطيّ صفحة الحرب الروسية - الأوكرانية عبر حل واقعيّ لا يغفل الواقع الميداني ولا يُعطي في الوقت نفسه روسيا أسباباً تفتح شهيتها على التوسع ومدّ النفوذ. فهذه الحرب التي وحّدت الغرب منذ بدايتها أدت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض إلى جعلها عنصر خلاف استراتيجي بين أميركا وأوروبا. والطريقة التي ستُنهى بها هي التي ستحدّد بقاء «الغرب» مفهوماً ثقافياً يحتضن الليبرالية الديمقراطية أو تحوله إلى مجرد كيان جغرافي يشمل الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبا الغربية.


مقالات ذات صلة

إريتريا: اتهامات إثيوبيا بشأن عدوان عسكري «كاذبة»

أفريقيا مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)

إريتريا: اتهامات إثيوبيا بشأن عدوان عسكري «كاذبة»

رفضت إريتريا اليوم (الاثنين) اتهامات إثيوبيا لها بالعدوان العسكري ودعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال فعالية في سانت ليوناردز ببريطانيا 5 فبراير 2026 (رويترز) p-circle

كيف يمكن استبدال ستارمر في رئاسة حكومة بريطانيا؟

يواجه رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، معركة للبقاء في منصبه، بعد تعرّضه لانتقادات حادة، بسبب قراره عام 2024 تعيين سياسي متهم بقضية إبستين في منصب سفير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أميركا اللاتينية المعارض خوان بابلو غوانيبا بُعَيد الإفراج عنه من السجن (أ.ف.ب)

فنزويلا: توقيف المُعارض خوان بابلو غوانيبا بعد ساعات من إطلاق سراحه

أعلنت السلطات القضائية الفنزويلية، اليوم الاثنين، توقيف المعارض خوان بابلو غوانيبا، بعد ساعات من إطلاق سراحه.

«الشرق الأوسط» (كراكاس)
العالم الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (تورونتو (كندا))
يوميات الشرق عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من العصر الفايكنجي وقد أُزيل جزء منها.

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟